أطفالنا أكبادنا إلى أين؟الباب: حياتنا

نشر بتاريخ: 2015-05-10 10:11:18

د. ريمة الخاني

سوريا

الطفل, هو إنسان المستقبل, الذي يعول عليه وعاء يحمل ما قدمته أيدينا من تربية وتعليم ...لذلك تهتم المجتمعات المتحضرة بهذه الفئة الاجتماعية الحساسة والمهمة، فمن خلال إعداد الطفل نؤسس للمستقبل المشرق للأمة، فما هي نظرتنا وأفكارنا وتحليلنا لتلك الفئة العمرية ؟:

1 -  ماذا نعني بكلمة "طفل"؟

معجميًّا:

طفل (لسان العرب)

الطِّفْلُ: هو البَنان الرَّخْص. المحكم: الطَّفْل، بالفتح، الرَّخْص الناعم، والجمع طِفالٌ وطُفول؛ قال عمرو بن قَمِيئة: إِلى كَفَلٍ مِثْلِ دِعْصِ النَّقا، وكَفٍّ تُقَلِّبُ بِيضاً طِفالا وقال ابن هَرْمة: مَتى ما يَغْفُلِ الواشون، تومِئْ بأَطْرافٍ مُنَعَّمةٍ طُفول والأُنثى طَفْلة؛ قال الأَعشى: رَخْصَةٌ طَفْلَةُ الأَنامل، تَرْتَبْبُ سُخاماً تَكُفُّه بخِلال وقد طَفُل طَفالةً وطُفولةً.

ويقال: جارية طَفْلةٌ إِذا كانت رَخْصةً.

والطِّفْلُ والطِّفْلة: الصغيران.1

2  - تاريخيًّا:

لقد كانت كلمة طفل تعني عند اليونان :"neption" وهي مكونة من :ne+epos أي:no word ولا تعني الطفل أو الصبي فحسب، بل الكائن الذي لا يتكلم, ومقابلها في اللاتينية :"infans المكونة من :in+fans  وتعني not speaking وهكذا فإذن تعريف الثقافتين اليونانية والرومانية للطفولة بأنها مرحلة من دون كلام, تعكس تصورهما عن الكيفية التي ينمو بها الطفل, كما تعكس اهتمامات اجتماعية وأدبية خاصة.

لذا ارتبط أدب الأطفال في ذاك العصر، وفي القرن الثالث بفن الكلام والأداء والخطابة والمسرح والحوارات, فأنشأ كوانتليان في القرن الأول الميلادي في كتابه "مؤسسة الخطابة  "Instituses of oratory"  وقال: على المعلم أن يكون متميزًا في بلاغته كما في سلوكه, لكي يعلم تلميذه كيف يسلك وكيف يتحدث. ويقول: تاسيتوس Tacitus الروماني في كتابه: حوار حول الخطباء Dialogue on orators  من خلال هذه العملية, يتعلم الطفل أشياء حول العالم, وحول طبيعة الجنس البشري والحياة العامة.2

وقد عرف من كبار كتابهم في اليونانية والرومانية: شيشرون، أوفيد، لوكان، ستاسيوس، تيرينس، سالوست، ثيو قريطس، ديمو سيديس، هيبوقراطس، كزينوفون.

وقد اشتهرت شخصية "إيسوب" والحكايات الأسطورية, برغم أنه كان عبدًا قبيحًا عظيم البطن, مشوه الرأس, أفطس الأنف, داكن اللون, قزمًا مقوس الساقين, قصير الذراعين, أحول, مشقوق الشفة. وبرغم أن العبيد كانوا قبيحي الشكل كان الممثلون يتقمصون دور العبيد لغرض الخطابة. بكل الأحوال كانت الإيسوبية تعد جمعًا لأصناف أدب الأطفال الكلاسيكية, من أجل العصور الوسيطة وعصر النهضة والعصور الحديثة, لا من أجل الطفل.3

3 -  من هو الطفل؟:

ليست الطفولة سوى مرحلة انتقالية: ولقد تغيرت حدودها عبر القرون, وهي تتطلب حماية الراشد, غير أن الانتقال من الحماية إلى الهيمنة يتحقق بسرعة .4

تعرف الدكتورة ملكة أبيض الطفولة قائلة: "هي المدة العمرية التي تبدأ من لحظة الولادة, وتمتد حتى يصبح هذا المخلوق بالغًا ناضجًا".5

وعادة تكون مدة الطفولة في المجتمعات المتقدمة أطول منها في المجتمعات المتخلفة والنامية, ويقسم العلماء الطفولة إلى ثلاث مراحل:

طفولة مبكرة, وتمتد من الولادة حتى سن السادسة. طفولة وسطى: تمتد من سن السادسة إلى الثانية عشرة.

مرحلة الطفولة المتأخرة: تمتد من سن الثانية عشرة وحتى الثامنة أو العشرين.

يقول الأديب سليم بركات حول الطفولة :"أنت مطوق من جهات طفولتك كلها, وعليك أن تعترف بالذي فعلته والذي لم تفعله, أنت منهوب, ليس لك أمل في الفوز بأي رضا قط, بل والتخفيف من العقوبة, لا مكافآت على شيء في عمرك, قصاص تلو القصاص, تدريب باذخ على أن تكون غير نفسك, بدءًا من العائلة, مرورًا بالمدرسة, انتهاء بالدولة، والموت ينتظرك بعدئذ في مسلخه الآخر, نعم كل شيء يدعوك أن تكون كبيرًا..".6

ماذا يعني هذا؟, هل تعد نصًا كهذا منتهى الإحباط من خلال التنميق والتزويق الأدبي؟. إن الطفولة العالمية على عمومتها عانت منذ القديم من هذا الداء, ورغم هذا فالطموح اللامنتهي لم يدع لهذا الأخطبوط المسيطر مجالاً للتحجيم, فالطموح الحقيقي يخرج من الشرنقة حتمًا. بل ويخرقها للفضاء الأوسع ويكون كعامل مستفز دومًا لننفذ ما نما في ذهننا النشط, وإلا فسيكون طموحنا كاذبًا وهميًّا.

- ولكن ما الذي يحد من طموحه الغض؟: إن فطرة التجديد موجودة عند الإنسان من الطفولة, فترى الطفل يحاول إدراك ما حوله حسيًّا كجسم غريب بداية لتستقر الحقيقة في ذهنه بعد ذلك, وتقضي على التساؤلات, فنراه يلمس أي جسم يشعر بأنه غريب ويجب معرفته, ومع مرور الزمن يكبر الطفل, ومن خلال تربيتنا الماضوية النسقية له, سيصبح فردًا نسقيًّا كبيرًا, بعدما قضينا على عقله وعلى أي محاولة للبحث والتجريب, وبعدما قتلنا وأحبطنا بذور الإبداع فينا, وهكذا دواليك تتكاثر الكائنات البشرية تحت وفي العقل الماضوي الثابت.7

من هنا نفهم كيف يقضي الأهل والجو الاجتماعي المحيط على طموحه ومواهبه, ورغم أنها لا تموت عند كثير من النماذج لكنها تتنمذج إن جاز التعبير, وتتقولب, ولا تخرج من شرنقتها إلا لو حاولت هي ذاتها بمحفز خارجي أو داخلي يشعل فتيله أمر طارئ ما.

من جهة أخرى انفتاح الباب للطفل على مصراعيه ليس محمودًا أيضًا, يقول توفيق الحكيم هنا:«إن الطفل يفرح بالجديد لأنه جديد, هكذا الشعوب أيضًا في طفولتها, والمجتمع في طفولته, يفرح للحدث الجديد, والخبر الجديد فالمهم هو التغيير فقط!, ليس الذنب ذنب الطفل, وألاعيب الطفولة, ولكن الذنب ذنب المربي الذي يشجع في الطفل هذه النزعة بالإكثار من تقديم الجديد, فيعوق نموه من عهد اللعب والعبث إلى عهد الفهم والبحث».8

طفلنا العربي غير متوازن, إما محروم ويعاني الكبت, أو مسرف بطر, فماذا ننتظر منه؟

أما عن تطور الشعوب من خلال أطفالها, فالشعوب في مبدأ تطورها كالأطفال في مطلع تكوينهم, تتغلب عليها الروح السلبية, فمن السهل على الطفل الذي يريد مباشرة نشاطه والاستجابة إلى داعي حيويته, أن يحقق ذلك بأن يقذف نافذة بحجر, ولكنه عندما يكبر ويقوى وينضج يرى الوسيلة في تحقيق نشاطه, هي أن يرسى ذلك الحجر أساسا لبناء.9

ويقول الحكيم أيضًا: "في طور الطفولة تميل إلى التحطيم, وفي طور الرجولة تنصرف إلى الإنشاء, إن الطفولة تحتاج في تكوينها ونموها إلى نموذج من الرجولة".10

وقال أيضًا, إن الشخص ذا القيمة هو الذي يعرف القيم كما يعرف الصائغ درجات الذهب.

3 -استثنائيات تربوية:

1 - العبقرية: من المؤسف أننا نضيع في كل يوم الكثير من النوابغ بأساليبنا التربوية القديمة المقولبة, وتصرفنا الديكتاتوري, ناهيكم عن المجتمع الكلاسيكي الروتيني, الذي لا يفقه ما معنى استثناء عن القاعدة، ولا يعير عناية لنشيط فكر.

يقول الأستاذ: حسين محيي الدين سباهي: "العبقرية نبوغ في ناحية من النواحي الإبداعية, بحث يمكننا رصدها وقياسها باختبارات الذكاء واختبارات الشخصية." كيف تفكر كالعباقرة, لا يكمن الفرق بين التفكير الذكي والتفكير الأحمق في اختلاف محتويات الدماغ بقدر ما يكمن في الطريقة التي يستخدم فيها التفكير.

إن العبقرية نتاج الوراثة والبيئة معًا, فالاستعدادات الموروثة لا بد أن تتسلمها بيئة مواتية تشجع على التحصيل وتنمي المواهب وتتيح لها فرص التفتح, وإلا فمصير هذه الاستعدادات إلى الذبول والاضمحلال, إن ميكانيزم الوراثة لا يمكن أن يعمل عمله إلا في شروط معينة وبيئة وحمية واجتماعية صالحة.11

تقول الأستاذة رهف النحلاوي: المهارة إن تصيب هدفًا لم يصيبه أحد غيرك والعبقرية أن تصيب هدفًا لا يراه أحد غيرك .

2 - من هو الطفل المحروم؟, عبارة لا تجد تعريفًا واحدًا يجمعها, فمنهم من يقول طفل الشارع, ومنهم من يقول هو الطفل الذي أساء الأهل تربيته, ومنهم من يقول هو من تربى بعيدًا عن أهله.

بكل الأحوال, يبقى طفل الشارع يجمع جل العناصر المحبطة والمؤدية لتربية منحرفة, يقول الدكتور معمر نواف الهوارنة عن هذا الطفل: أطفال الشوارع هم الأطفال الذين يعدون أكثر الفئات تعرضًا للظروف الصعبة والحرمان وعدم إشباع احتياجاتهم, هم فئات محرومة, أو تعيش في ظروف صعبة.

طفل الشارع, طفل يظل مدة طويلة في أثناء اليوم في الشارع, سواء كان يعمل أعمال هامشية, مثل مسح زجاج السيارات, أو بيع سلع بسيطة, أو جمع القمامة, أو التسول للحصول على المال, أو يخالط أصدقاء السوء, أو يعمل أعمالاً غير قانونية, كارتكابه أعمال عدوانية تجاه المارة والمرافق العامة.12

إن الإحصاءات العربية قصرت في جمع آخر ما توصلت إليه الأرقام بصدد رصد عدد أطفال الشوارع وقد كان آخر إحصائية عام: 2000  بلغت: 10 مليون طفل, بينما الرقم عالميًا بلغ 40 فماذا يعني هذا؟.13

-كيف يبدع طفل يعيش مشردًا؟,

يقول الأستاذ: حسين محيي الدين سباهي ويقول الباحثون أن المبدعين والعباقرة عندما يضيق بهم العالم من حولهم يبدعون كنوع من التعويض, فيتصرفون تصرفًا مختلفًا ومميزًا, فهل العبقرية مرض عقلي؟, لكن غالبية العباقرة بعد البحث يتميزون بالصحة النفسية والانضباط, ذلك لأن لديهم حسًّا عاليًا بالواقع, وحتى وإن تصرفوا أحيانًا بشذوذ, أو كانت لهم انفجاراتهم الانفعالية. فبوسعهم تصحيح أنفسهم لأنه يملك من المرونة ما يمكنه تجريب أفكار جديدة تحول مساره لآفاق جديدة إيجابية.

برغم أهمية التعرف على الأسباب المؤدية للتشرد والحرمان: مثل انخفاض المستوى الاقتصادي والتعليمي والثقافة الاجتماعية حتى, وما يزيدها تأزمًا ارتفاع تكاليف التعليم وقلة مباني المدارس وسوء علاقة المدرسة بالطالب, وسوء المناهج وتخلفها عن الركب الحديث, وتفكك العلاقات الأسرية وسوء شروط السكن, وما يؤدي ذلك لأمراض عضوية واجتماعية عميقة الأثر, فكله يؤيد فكرتنا القائلة: هل بيئة كهذه تؤدي لجيل قارئ مثقف وكتاب يعرفون ماذا يريد المجتمع أو ما هو بحاجة إليه, لذا فإن الكاتب المقتدر يعيش على هامش المجتمع يكتب في زاوية مهملة إلا من بعض أضواء إعلامية بسعيه, ودون صدى بعيد المدى.

وعلى هذا نجد أن العامل النفسي إيجابيه وسلبيه يلعب دورًا خطيرًا في دفع عجلة الإبداع للأمام , تقول الدكتورة ملكة أبيض في هذا المجال : «إن العمليات الثقافية الموجهة نحو الأطفال سواء كانت تربية أو إعلامًا أم ترفيهيًّا, تشكل في صميمها عمليات اتصال بالمعنى العلمي للكلمة Communication, وتحوي ثلاثة عناصر المرسل والمستقبل أو المرسل إليه, والرسالة ونواقل الاتصال أو وسائطه14 , لذا بات الحكم من بعد على الطفل قبل الكتابة له تسرع وظلم, فلنعد النظرة تلو النظرة، ولنعرف ماذا نريد من الطفل وماذا يريد منا.

الهوامش:

راجع الرابط: -1

http://www.baheth.info/all.jsp?term=%D8%B7%D9%81%D9%84

2 - "دونيز اسكاربيك" في كتابه: أدب الطفولة والشباب, الكتاب من ترجمة د. نجيب غزاوي ومراجعة عيسى عصفور.

3 - راجع العدد 562 من مجلة المعرفة البحث: مدخل نفسي اجتماعي لأدب الأطفال للدكتورة المذكورة.

4 - راجع كتابه : التعجيل في قروض النثر. ص 120

5 - انظر العدد 562 من مجلة المعرفة : بحث: الحداثة العربية من التجديد إلى الجمود ,للناقد "أحمد أنيس الحسون" بتصرف.

6 - من كتاب عصا حكيم في الدنيا والآخرة, ص 97-98

7 - من كتاب عصار الحكيم في الدنيا والآخرة, للأديب الكبير توفيق الحكيم. ص 138

8 - راجع كتاب "عصا الحكيم" ص 24

9 - من بحث سيكولوجية التفكير العبقري وعلاقة العبقرية بالاضطرابات العقلية والنفسية. العدد 606 من مجلة المعرفة آذار 2014

10 - من بحث "أطفال الشوارع . العدد 606 من مجلة المعرفة آذار 2014

11 - المصدر السابق نفسه.

12  - من بحث "أطفال الشوارع . العدد606 من مجلة المعرفة آذار 2014

13 - المصدر السابق نفسه.

14  - بحث: مدخل نفسي اجتماعي لأدب الأطفال مجلة المعرفة العدد 562 تموز 2010

 


عدد القراء: 898

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-