فن القصة بين النشأة والتطور والخصائصالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-06-16 01:07:54

زهیر أتباتو

المغرب

لا يختلف عاقلان على أن القصة في اللّغة تعني: الخبر، وقصّ عليّ خبره يقُصُّه قصًّا وقصَصًا: أورده. والقَصصُ: الخبر المقصوص، بالفتح، وُضع موضعَ المصدر حتى صار أغلب عليه. والقِصَص بكسر القاف: جمع القِصّة التي تكتب، والقصّة الأمر والحديث.

أما على مستوى الاصطلاح فالقصة سرد واقعي أو خيالي لأفعال قد تكون نثرًا أو شعرًا يقصد به إثارة الاهتمام والإمتاع أو تثقيف السامعين أو القراء.

أين نشأة القصة القصيرة؟

هذا على مستوى التعريف أما من حيث النشأة، فعلى وجه التحديد لا يمكن لباحث أن يقر بالموطن الذي نشأت فيه القصة، وذلك ببساطة لأن الحكي والقص خاصية إنسانية كانت دومًا في وجداننا حتى صارت جنسًا أدبيًّا متميزًا ونظَّر النقاد والأدباء لهذا الفن وأصَّلوه...فالطفل يتعلم الحكي كما يتعلم النطق والمشي والغناء، والجدة هي أمهر القُصَّاص في حياتنا إلى اليوم، وهي قصاص ذكي يحكي حسب حالة المتلقي، فتكافئنا بالحكايات الرومانسية الخيِّرة أو ترعبنا بالأسطورة الموحشة.

والقصة باعتبارها نشاطًا إنسانيًا فإننا لا يمكن أن نحدد لها موطنًا بدقة، وإن كان أهل كل حضارة يتنازعون بأحقيتهم في القصة باعتبار ولادتها من رحمهم، وإذا تجاوزنا الأساطير باعتبارها تمهيدًا للفن القصصي، فإننا نجد أن عالم قد عرف مجموعة تمضهرات للقصة على امتداد العصور. إذن فما هي معالم القصة قديمًا في الحضارات العربية والغربية وإلى من ينتمي من حيث الأصل؟

وأيًّا ما كان الأمر فقد توالى ظهور القص في صور مختلفة إبان ازدهار الحضارة العربية والإسلامية من خلال مقامات الهمذاني والحريري ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري... إلى ألف ليلة وليلة التي لم تكن غير مجموعة قصص قصيرة متداخلة ومتنامية توصل واحدة منها إلى الثانية، وتفتح الثانية باب للثالثة وهكذا، وبإمكاننا أن نعثر على قصص عربية في العقد الفريد والمستطرف والأغاني... وقد رأى كثير من الباحثين أن القصص الأوربية في عصر نهضة أوروبا تأثرت كثيرًا بالأدب الفارسي ومن هذه الأشكال "الفابولا" أحد الأجناس الأدبية الأولى للقصة، وقد ظهرت في فرنسا منذ منتصف القرن الثاني عشر الميلادي وحتى أوائل القرن الرابع عشر، وهي أقصوصة شعرية تحمل روح ومعنى الهجاء الاجتماعي.

ومن هؤلاء "جاستون بارى" أستاذ الأدب المقارن الذي يقول عن الفابولا: إنها استمدت عناصرها وروحها من كتاب "كليلة ودمنة" الفارسي الأصل، والذي ترجمه ابن المقفع، وكانت فكرته الأساسية هي الحكم والفلسفات التي تقال على ألسنة الحيوان، وتعتبر الترجمة العربية لـ"ابن المقفع" أساسًا مباشرًا أخذت عنه الفابولا".

ومن أمثلة الفابولا الغربية أقصوصة تسمى "اللص الذي اعتنق ضوء القمر"، ونجد هذه الأقصوصة نفسها بالكيفية والفكرة والتفاصيل الدقيقة نفسها في كتاب "كليلة ودمنة" لابن المقفع، وللقصة العربية تاريخ طويل، فالأمثال العربية هي "قصص" في إطار محكم، وتذكر المصادر بعض القصص العاطفية القديمة كمثال على البداية المبكرة لظهور القصة في التراث العربي، مثل قصة المُرَقَّش الأكبر مع أسماء بنت عوف، كما كان لهم قصص تاريخي اسْتَقَوه من أيام العرب وبطولاتهم وأعملوا فيه مخيلاتهم مثل قصة عنترة بن شداد.

وقد اشتهرت ألف ليلة وليلة التي مثلت ذروة الفن القصصي العربي في القرن 14م وانتقلت إلى أوروبا، وتأثرت بها عشرات الكتاب الذين مضوا في تطوير هذا الفن ومن أبرز هذه المحاولات ما قام به الإيطاليون بوتشيو وبوكاتشيو، دائرًا في فلكها حتى ما قبل منتصف القرن التاسع عشر عندما ظهرت قصة المعطف للروسي غوغول وغيرها من قصصه الإنسانية، ومن الغريب أن جهود غوغول لشق طريق جديد للقصة القصيرة واكبتها في نفس الوقت ودون اتفاق جهود مما ثلة لأمريكي "إدغار ألان بو" لتشكيل عالم قصصي جديد من خلال الاستفادة بالرموز والرؤى الخيالات، ومن الغريب أيضًا أن القصة القصيرة لم تشهد إنجازًا حاسمًا في مسيرة تطورها التقني بعد ذلك إلا على يد كاتبين معاصرين هما الفرنسي "جي دي موباسان" والروسي أنطوان تشيخوف وكان الأخير صاحب أثر كبير في تطور القصة القصيرة، كما كان ذا تأثير بالغ في أغلب من جاؤا من بعده، لأنه كان يحرص على الاغتراف من الحياة بوصفها المصدر الأول في نظره للتجربة الإنسانية الخصبة، ومع ظهور القصة الفنية الحديثة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأ انتشار الصحافة وانتشر معها الفن القصصي، ودخول القصة معترك السياسة أعطاها حيوية ومضيًّا كسلاح لا يُفَلّ، ودخلت في الصراع الاجتماعي والديني حتى أصبحت مناضلة دون مقصدها تتنفس بالشكوى والتمرد، وتصارع مع البسطاء قسوة الحياة وغلظتها، ويكفي أن نذكر أسماء ذات اعتبار لندرك كيف أن هذا القرن هو قرن القصة القصيرة:

بالإضافة إلى موباسان – تشيخوف - إدغار آلان بو – جوجول نجد- أوسكار وايد- دوديه – هوفمان وغيرهم، وملخص القول في هذه القضية ما يؤكده الناقد الأدبي د. عبد المنعم تليمة (الأستاذ بكلية الآداب – جامعة عين شمس بمصر) أن العرب لم يأخذوا القصة الحديثة عن أوروبا، فـ(القَصّ) جذوره ممتدة في التراث العربي.. أما القصة بشكلها الحديث الذي وصلت إليه فهي نتاج أوربي بلا مراء، ولكن العرب لم يتخلفوا عن ركب القصة القصيرة؛ لأننا أبدعنا في هذا المجال في عصر موازٍ للإبداع الغربي، ودعوى سبق أوروبا لنا لا تقوم؛ لأن الفارق الزمني بيننا وبينهم لا يتعدى عشرات من السنين، وهذا -في رأيه- ليس زمنًا طويلاً ولا عصرًا كاملاً (القصة العربية في العصر الحديث ...... كانت المقامة هي الإرهاصة الأولى لفن القصة القصيرة العربية بشكلها المتعارف عليه الآن. وبعد فترة خفت صوت الحضارة العربية ليتلقف الغرب منجزها الفكري/ العلمي، فأضاف إليه بعد أن عكف على دراسته وتحليله، وكان لهذا الفكر دور مهم في النهضة الغربية الحديثة، وفي منتصف القرن التاسع عشر بدأت موجة من الترجمات عن الغرب -وإن كانت قد بدأت قبل ذلك وتحديدًا في الثلاثينيات، على يد رفاعة الطهطاوي- فحدث تفاعل وتلاقح نتيجة الاطلاع على هذا المنجز الذي أضاف ولا شك للبنية الفكرية العربية التي كانت تعيد تشكيل وعيها بعد فترة طويلة من السكون. ظهرت القصة كفن أدبي في بداية القرن العشرين، وكان لها ذيوع كبير، وتذهب بعض الآراء إلى أن أول قصة قصيرة عربية بالشكل المتعارف عليه كانت قصة "في القطار" لمحمد تيمور، والتي نشرت في جريدة "السفير" سنة 1917، بينما هناك آراء أخرى تقول بأن أول قصة قصيرة عربية تظهر في العصر الحديث كانت لميخائيل نعيمة، وهي قصة "سنتها الجديدة" التي نشرت في بيروت عام 1914. ولكن المهم من هذا أن العرب قد كتبوا في جنس القصة وأبدعوا فيه وما زالوا يبدعون إلى يومنا هذا ومنهم: زهرة رميج، محمد سعيد الريحاني، فؤاد الشايب، محمد عبدالحليم عبد الله، بديع حقي. وقس على ما ذكرنا عددًا كبيرًا من القصاصين في شتى البقاع العربية الذين لهم في هذا الميدان سيل من الأعمال الرائعة.

خصائص فن القصة:

فبعد هذه الإطلالة التاريخية الموجزة عن نشأة القصة ننتقل للحديث عن خصائصها الممميزة لها عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى، والمتمثلة في:

الوحدة: وتعني أن القصة تشتمل على فكرة لها هدف واحد.

التكثيف: ويقصد به التوجه مباشرة نحو الهدف من القصة مع أول كلمة فيها.

الدراما: ويقصد بها خلق الحيوية والدينامية والحرارة في العمل، للفت انتباه القارئ، وهي التي تحقق المتعة الفنية للقارئ وتشعر القاص بالرضى عن عمله.

أما فيما يخص عناصر القصة فهي كالآتي:

الرؤية: وهي جوهر العمل الفني، ونواته الفكرية التي قد تصدر عن القاص، فهي تعبر عن مفهومه ونظرته للحياة. وبالرؤية يختلف الكاتب الكبير عن الكاتب الصغير.

الموضوع: وهو الحدث الذي تتجسد من خلاله الرؤية، التي يعتبرها المبدع أساس عمله، تنشأ عنه علاقات علاقات إنسانية مختلفة، متمثلة في أنماط سلوكية بشرية تسعى لتحقيق هدف ما، ومعبرة عن أمالها ومشاريعها الوجدانية.

اللغة: وهي المعبر والمصور لرؤية المبدع وموضوعه، فالبناء أساسه لغوي والتصوير والحدث يتكئان على اللغة، والدراما تولدها اللغة الموحية المرهفة، كل هذا يشير إلى أهمية اللغة ولهذه اللغة سمات:

أولاً: السلامة النحوية، ثانيًا: الدقة، ثالثًا: الاقتصاد والتكثيف، رابعًا: الشاعرية.

ومن خصائص القصة أيضًا نجد الشخصية: وهذه الأخيرة هي جوهر القصة، فهي التي تقوم بالحدث الذي تبنى عليه القصة، وقد يكون شخصًا أو قوى غيبية، أو بمعنى آخر كل شيء مؤثر في اتجاه الحدث صعودًا وهبوط، انبساط أو تأزم.

البناء: وهي مراحل أو شكل العمل الأدبي، وهي عادة لا تقل عن ثلالث مراحل هي: البداية، ثم الوسط، الذي قد يطول أو يقصر وفيه تكون ذروة الصراع، ثم النهاية وفيها يكون الكشف عن محتوى العمل وهدفه الأساسي.

الأسلوب الفني: وهو التقنية الفنية التي يتم بها تصوير الحدث أو الحالة، والكاتب في حاجة لتشكيل هذه الصياغة الفنية بوسائل ينفذ بها لشخصياته ومواقفه، بحيث تتعاون في النهاية في رسم صورة جيدة للعمل الأدبي.

الإيقاع: ويتجسد هذا العنصر بالتواتر أو بالاختلاف أو بالتنظير، أو بغير ذلك من الوسائل.

ومن هنا فإن القصة تعدّ سردًا لأحداث الواقع أو أحداث من الخيال، والهدف من ذلك إثارة جانب الاهتمام والتمتّع، وزيادة الثّقافة للسّامع أو القارئ، كما انّ القصّة تنمّى بامتلاكها عناصر الدراما، وكما نعلم دائمًا بأي قصّة هناك شخصية أو عدّة شخصيّات تدور حولهم القصّة، كما أنّ القصّة عادةً تعبّر بصوت منفرد عن جماعة مغمورة، بالإضافة إلى ذلك، هناك أنواع للقصص ومنها، الرّواية، والحكاية، بالإضافة إلى القصص القصيرة، والأقصوصة، كما أنّ القصّة القصيرة أكثر اهتمامًا عند البشر.

وتعرف القصّة القصيرة بأنّها حديث يدور عن أفعال معيّنة بالإضافة إلى أقوال؛ بحيث تكون مرتّبة ترتيبًا نسبيًّا، وتكون القصّة القصيرة في حكايتها تدور حول موضوع عام، وتصوّر شخصيّة معيّنة بالإضافة إلى أنّها تكشف أيضًا صراعها؛ أي صراع شخصيّة ما مع شخصيّات أخرى. ومن هنا فإن القصة تعد جنسًا أدبيًا حديثًا ذا مكانة عظيمة في ساحة الإبداع الإنساني.

 

 

البيبليوغرافيا المعتمدة:

- فؤاد قنديل، فن كتابة القصة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، يونيو 2002م.

- علي صبري، مقال بعنوان: المسرحية نشأتها، ومراحل تطورها ودلائل تأخر العرب عنها، مجلة التراث الأدبي، السنة2، العدد 6.

- محمد عبيدالله، ملف العدد: فن القصة القصيرة، العدد 44-71، فيلاديفيا الثقافية.

- مسعد بن عيد العطوي، الأدب العربي الحديث، ط1، 1430هـ - 2009م.

- محمد غيمي هلال، الأدب المقارن، ط 5، دار العودة ودار الثقافة، بيروت، 1987م.


عدد القراء: 278

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-