نافذة الذكريات (قصة قصيرة)الباب: نصوص

نشر بتاريخ: 2018-06-16 12:18:42

أحمد حسن ياسو

مصر

كامرأة عجوز تفتح الصناديق القديمة لعلها تدرك شيئًا فيه قيمة لم تدركها في زمانها الغابر.

اتخذت من الليل سبيلاً لأحلامها، فكانت تنتظر انقضاء النهار حتى تحزم أمتعتها وتذهب بخيالها إلى غابة الذكريات، حيث صنعت لنفسها خيمة من الخيال وشمعة تضيئ ظلامها، وفتحت لنفسها نافذة صغيرة في جسد الخيمة تطل منها على ساحة الذكريات. 

يسكن هنا حبيبًا قديمًا، منذ ستة عشر عامًا، وبرغم الفراق الذى بلغ منتهاه، وبرغم سنوات البعد الأربعة العشر عامًا إلا أن ليلها أصبح ملاذاً لأحلامها كانت تنظر لزوجها وهو نائم، فهي لم تكن تراه إلا وهو يغط في سبات عميق. 

تنظر إليه بحسرة وهي تتأمل سنواتها التي ضاعت فيه، نعم فيه، فقد كان مثل المغامرة التي يقوم بها الإنسان ويضيع عمره فيها، سنواتها التي أنسدل فيها ستار المشاعر.

غفل عنها وأطمئن لها حتى أهملها، كانت تود لو أعطاها بعض الود والاهتمام.

كانت تتمنى أيضًا أن يطمئن لنوم جفونها ويرفع عليها غطاء نومها ملصقًا قبلة الأب على جبين ابنته، لكن تلك الأشياء أصبحت أمنيات، أيقنت أن حياتها بائت بالفشل، ولكن ظاهريًا هي امرأة ناجحة وقفت بجوار زوجها حتى أعتلى المناصب وعلىَ شأنه.

ولكن أين هي منه فقد أصبحت حياتهما كما لو كان هو على خشبة المسرح والأخر يقبع في أخر مقعد للجمهور.

حملت عاصفة الذكريات سفينة حياتها وحطت رواسيها على ميناء الماضي يوم وراء يوم وليلة تلو الأخرى وهي تسترجع الذكريات وبدأت تدور في رأسها التساؤلات، فماذا لو طال الحب بيننا أكثر من عامين؟

وماذا لو كنا تزوجنا وأنجبنا؟ فقد أحبني كما لم يحب رجل امرأة من قبل وكأنني أخر النساء، كان يحلق بي لتطأ قدمي أعالي الجبال، ويغوص بي في أعماق البحار.

 فلم تصادف رجلاً من قبل أكتشفها كما فعل حبيبها، كان يعرف فيما تفكر، ولما هي حزينة، حتى وهي بعيدة عنه كان يشعر بها.

لكنها وبكل قسوة قلب تركته بلا سبب يُذكر، تركته يغرق وحيدًا، حتى إنها لم تفكر أن تنظر خلفها، وفيما خلفت وراءها.

وها هي الأن تدفع الثمن من حياتها فبعد أن كانت تفكر في الماضي، باتت تفكر فيه، فلم تختبئ منه ولم تزحزحه من خيالها، بل أصبحت تستعد تمامًا للقاء تنفصل فيه عن الواقع وتود أن يتقابلا، ويتعانقا، تحلم بأن يقبلها.

 استرجعت عشقه من خلال الليل، ذهبت إليه, اعتذرت منه، بكت بحرقة أمام عينيه، فمن خلال نافذة ذكرياتها، اقتربت أكثر، همست في أذنه بكلمة أحبك.

واكتملت حلقة التساؤلات، هل يمكن أن تراه صدفه؟ وماذا لو راَها؟ وكيف لها أن تفعل إن رأته. أربعة عشر عامًا كفيلة بتغيير ملامحه. فكيف يبدو شكله بعد ذلك العمر وتلك السنوات المبعثرة على كلانا. 

أرهقها التفكير المستمر، بل أنهكها تمامًا ولم تستطع أن تبوح بما يجول بخاطرها وكانت تقول من النعمة أن الأفكار التي تراودنا تظل حبيسة بداخلنا، لا يراها ولا يسمعها أحد، وإلا كنا في عداد الموتى.

قررت أن تسافر عند شقيقتها الصغرى كي تهدأ قليلاً قاطعة على نفسها عهدًا بألا تخبر أحدًا بما تفكر فيه حتى لا تبدو آثمة أمام أحد ولو كان أقرب الناس منها.

كانت لا تريد أن تتعرى مشاعرها وأن تظل محتفظة برونقها، وأن تبقى مثال للعفة والنقاء فقد كانت دائمة النصح للأخرين, ثم تأتي بعد ذلك وتقع في ما تنصح فيه غيرها.

مر يومان ومازالت ذكراه تؤرق مقلتيها، والأحلام تتصاعد أمام عينيها كأعمدة الدخان فى الهواء، لذلك قررت العودة إلى بيتها فالأيام لم تغير من الأمر شيء والضجيج والضوضاء لم يجذبوها من أمام نافذتها السرمدية، حتى أثناء سفرها فى القطار لم يفارق مخيلتها بل اشتدت تمامًا حتى أصبحت كالوتر المشدود.

وصلت لمحطتها الأخيرة، وما أن ترجلت من القطار وعلى بعد خطوات بالقرب من باب الخروج وداخل بوفيه المحطة استقرت عيناها، ولكن دارت بها الدنيا وكأن جميع الأزمنة القديمة اجتمعت كدوامة وهي تدور فيها.

كان يجلس كملك متوج، مطلقًا العنان للحيته التي احتلت تفاصيل وجهه وازداد وقارًا بشعره الأبيض المتناثر على جنبات لحيته، يده اليسرى تستند على اليد الخشبية للمقعد وبيمناه يحتسي قهوته وسيجارته التي يبدل بينها وبين فنجانه.

اقتربت منه ولم تكن تبالي بما يفعله، كلها رغبة ورهبة من لقاء منعته منه في الماضي بينما حلمت به الآن، رآها أمامه اعتدل في مجلسه قبل أن يقف أمامها فانبعث منه رائحة التبغ والعطر وحرارة جسده لفحتها وكأنه ارتمت بين أحضانه.

تمنت لو يعانقها، تمنت أن تنكسر ضلوعها بين ذراعيه، ولكنها اكتفت بضم يديه عندما مدها إليها، لم تتركها إلا عند سماع الإذاعة الداخلية للمحطة تهيب بالمسافرين الاستعداد للسفر، أيقنت أنه قطاره عندما أنصت للصوت.

رحل عنها سريعًا ما هي إلا دقائق ولكنها أعادتها لنقطة الصفر حيث اللقاء الأول.

أول ما فعلته عندما ذهبت لبيتها أخذت تبحث في الصناديق القديمة لعلها تجد ورقة بخط يده وعثرت على ميدالية لعملات معدنية قديمة قد أعطاها إياها وبعض قصاصات الورق الصغيرة منهم قصاصة مكتوب فيها بريده الخاص.

جنى الليل ثماره وعم الهدوء وانتقلت إلى حيث تسكن بخيالها، كتبت إليه تسأله عن رحلته. ولأول مرة منذ أربعة عشر عامًا يتحدثا، وأيضًا لأول مرة تحدثه بعد عذاباتها الأخيرة.

مرت عدة أيام وهي تكتب إليه ويرد عليها، حتى وجدت نفسها لا ترى غيره ونسيت كل ما في حياتها فتنبهت قبل فوات الأوان.

أرسلت إليه تستحلفه بأن يبتعد عنها ويرحل منها قدر المستطاع. وجلست تنتظر الرد في نفس الموعد.

أما هو تلقى رسالتها بهدوء تام فقد كان على يقين بأنها ستفعل ذلك وما هى إلا مسألة وقت ليس أكثر وأنها سترحل لا محالة, وبرغم حبه لها، وكل ما كان في قلبه من مشاعر، وبرغم أنه كان يود عناقها، إلا أنه حذف رسالتها، ثم فتح كتابه ليكمل قراءة ما توقف عنده منذ أيام.

أما هي فجلست تنتظر في الموعد، تنتظر رسالة منه، ولكنها لم تأتِ.

حتى أصبحت ذكرى تطل عليها من نافذة ذكرياتها التي لم تنسدل عليها ستائر النسيان ...


عدد القراء: 3207

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 2

  • بواسطة سهام خالد صلاح من مصر
    بتاريخ 2018-10-10 14:57:41

    القصه رائعه ومحتواها شيق جدا

  • بواسطة احمد عبد العزيز من مصر
    بتاريخ 2018-06-17 04:03:56

    القصه في منتهي الروعه والجمال وحسيت بجد ان الكاتب فعلاً هو ذلك الرجل الذي في محطه القطار وهو في نفس الوقت المرأة التي أحبته شخصيه مركبه... في النهايه مقدرش اقول غير أحسنت ا / احمد

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-