صديقة عريبي النسوية المنسية في الصحاري الليبيةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-02-05 11:16:01

د. متعب القرني

مترجم وأكاديمي، جامعة الملك خالد - السعودية

لم يثقب اسم الناشطة النسوية الليبية صديقة عريبي الفضاء الثقافي المسيّج في الوطن العربي عامةً والخليج العربي خاصةً، رغم أنّه صوتٌ عربيٌّ بعث باحتجاجاته من أرض المهجر هو أجدر من غيره بالنظر والاعتبار، إذ يقدم قراءةً أجنبيةً لأوضاع الحركة النسوية في الشرق الأوسط وأثر الأسلوب الأدبي في صياغة مكانة المرأة في المجتمع السعودي بالتحديد، وذلك عبر قراءات متأنية أعدتها في كتابها "النساء والكلمات في السعودية العربية: سياسة الخطاب الأدبي، 1994م". في هذه الثنايا، نستعرض لمحات من حياة عريبي وأنشطتها للتعريف بها وجوباً كأيقونة عربية هامة توارت عن الأنظار، لاسيما وقد ناوشت قضية الولاية في الوقت الذي تضج وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام بأصوات نسوية سعودية مطالبة بإزاحة ولاية الرجل عن كاهلها.

عريبي ناشطة ليبية مسلمة ولدت ونشأت في صحاري ليبيا المقفرة في فترةٍ تغلي بالطغيان والاستبداد، ما حملها على الهجرة للولايات المتحدة في آواخر السبعينيات لتنال الجنسية الأمريكية وتنهي دراساتها العليا ومن ثم تتبوء منصبًا رفيعًا كبروفيسورة للأنثربولوجيا في جامعة كاليفورنيا-بيركلي. لم يفصلها موقعها عن حمل الهم العربي النسوّي معها ولم يفارقها بفراق القطعة الجغرافية عنها، بل عادت لتتفحص حياة قريناتها السعوديات الأكثر شبهًا بحالتها كمرأة ليبية. ركزت عريبي على وضع المرأة المتردي في السعودية وقرارات الولاية الضاغطة على آمالها المقيدة للعب أدوارها، لاسيما وقد أسندت مشروعها السابق ذكره على الخلفية السائدة بأن "المرأة بوابة للتغريب" وفتاوى العلماء منذ بواكير السبعينيات المؤكدة لضعف المرأة دينيًا وعقليًا، مستدلة بفتوى للشيخ عبدالعزيز بن باز (1910-1999) ظهرت عام 1978م عارض بها نشاط المرأة لاسقاط الولاية بما فيه من محاربة لله ورسوله إذ هو من الكفر الأكبر بإجماع المسلمين، وناشد بعقاب المجلات الساعية لاسقاط الولاية ومنعها من النشر ومحاكمة المرأة الكاتبة فيها مع رئيس تحريرها بعقوبات رادعة. هذه الآراء الفقهية عند عريبي كانت بمثابة "السلاح القاطع للنساء عن لعب أدوارهن لفترة طويلة من الزمن".

بعد ثلاث سنوات من السعي الدؤوب لنيل تأشيرة دخول لاجراء بحث ميداني بالسعودية، دخلت عريبي إلى السعودية رسميًا لثلاثة أشهر عام 1989م، وقد استبقت زيارتها بقراءة ملامح الأدب السعودي وتحديد الشخصيات المناسبة للدراسة. ضمت قائمتها تسع من الكاتبات السعوديات، بعضهن نشطات في الكتابة ومنهن من توقفت عنها أو تزاولها دوريًا، كالشاعرة فوزية أبو خالد (1955)، والروائية رجاء العالم (1956 -)، والكاتبات القاصات رقية الشبيب (1957 -)، وشريفة الشملان (1949 -)، وخيرية السقاف (1951 -)، ونجوى هاشم (1961 -)، وجهير المساعد (1956 -)، وفاتنة شاكر (1941 -)، وسهيلة زين العابدين (1958 -).

توظّف عريبي تحليل الخطاب الفوكوي نسبة للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984) وهي مقاربة لتحليل الخطاب تركز على علاقات القوة في المجتمع المُفصح عنها عبر الممارسات اللغوية، فمن خلال هذه المقاربة تسبر عريبي نظرة الكاتبة السعودية لموقعها في السياق الثقافي العام وتستقصي وظيفتها في تفكيك هذه "المكنة اللفظية" المسؤولة عن تنميط دورها وتصرفاتها. سبرت عريبي طريقة الكاتبات السعوديات وأساليبهن في صياغة الخطاب الثقافي السعودي برسم الأطر التوفيقية بين (1) معارضتهن لبعض ممارسات المجتمع و(2) تأكيدهن للقيم الثقافية المؤسساتية، إذ ساهمت هذه الممارسة في تشكيل "السياسة الثقافية" السعودية عن المرأة. فبأي خطاب أدبي، في نظر عريبي، تكون ساحة المعركة لقوى متصارعة تنوء فيها "الكلمات" بمهمة الأسلحة لتحقيق الانتصارات، والنساء في وسط هذه المعركة يتخلصون من العراقيل بالدخول الضروري في هذه المعركة الصانعة للقرار. أكدت عريبي في هذه الدراسة -تأسيسًا على مقابلات شخصية وتحليلات للخطاب الأدبي السعودي- على دور المرأة السعودية في صياغة التأريخ السعودي والتقاليد الدينية، مقدمة على ذلك أدلة اثنوجرافية وأدبية تأكد على انعتاق الكاتبات السعودية من كونهن "موضوعة" للخطاب العام منذ أواخر السبعينيات وانطلاقها كموّلد لخطاب تقدمي صارم.

"رغم أن الكتابة ليست مربحة في السعودية"، كما تزعم عريبي، تبقى أداةً هامة لانتاج تصور للحقيقة، فالكتّاب "بمثابة ناشري الثقافة بل مكونيها وخالقيها، ففي المجتمع السعودي، يكون الكتاب هم الحماة والحراس والمدافعين عن الشرائع المتأولين لها"، فقد تتقي الكاتبة السعودية شر النقاد المهمشين لنتاجها بالتضحية بذاتيتها واسمها لاجئة للأسماء المستعارة مستخدمة أسلوب الراوي المذكر. رغم ذلك، ترصد عريبي ولع السعوديات بالكتابة كقناة للتعبير، فالكتابة ليست ممارسة مقصودة لذاتها أو لتحقيق نجاحات بين المثقفين إنما هي بحسب فوزية أبو خالد عجلة التغيير الذي لا يقوم إلا "بالعامّة القرّاء"، متفقة مع شريفة الشملان التي "تكتب للعاميّ" أولاً قبل أن تكتب للناقد/المثقف/المسؤول. كما يساهم الأدب بين السعوديات في خلاصهن من القبضة الذكورية فهدفه بحسب رجاء عالم تحرير الفرد من الجماعة، إذ يعطي الكاتب مساحة شاسعة للعب دوره المرغوب. فمن الطرائق المعينة في خلاص المرأة السعودية إبراز شخصية المرأة العربية القديمة عوضًا من استيراد شخصيات الحركة النسوية الغربية المرفوضة في الأوساط، وهو نشاط تقوده رقية الشبيب باستحضار عبقرية شهر زاد وقيادية بلقيس كمحاولة لنقض النظرة الشائعة عن خضوع المرأة للرجل وتأكيد إشكالية "خضوع المرأة" بإرادتها لا بضغط الهيمنة الذكورية. وقد يتضح هذا الخضوع عند سهيلة زين العابدين وجهير المساعد وهن كاتبات يُسهمن بنتاجهن -إلى حدٍ ما- في تكريس الخطاب الذكوري المهيمن. كما يعطي الأدب الكاتبات فرصة لتداول هموم شخصيات حية من المجتمع لتحقيق راهنية النص والواقع، لا حكرًا على الشخصيات التاريخية، وهي طريقة شريفة الشملان القاصة لسير السجينات الراصدة لحقوقهن المنتهكة. كما يمتاز الأدب عند عريبي بصبغة تقود القراء لاستجلاء البنى التحتية لعقلية مجتمع، فهو قادر على التواري والالتفاف فيكون وسيلة لطرح الأسئلة وترك القارئ يقدم الإجابات بنفسه، وهو مذهب جهير المساعد. وما هذه إلا طرائق قددًا نجحت الكاتبة السعودية من خلالها في فك الحصار ولعب دورها في رسم الخطوط العريضة لمستقبل المجتمع مشاركةً في التأويل التاريخي، الديني، السياسي للخطاب السعودي.

في ضوء هذه المساهمات، تقدم عريبي تصورًا جديدًا عن واقع الحركة النسوية العربية كحركة مستولدة لا مستوردة، تستمد دعائمها من التراث العربي-الإسلامي لا الثقافات الأخرى. تعزو عريبي في اطروحتها "أنثروبولوجيا الجندر في الشرق الأوسط، 1991م" عزوف المرأة المسلمة عن استلهام النموذج النسوي الغربي لثلاثة أسباب:

(1) عدم إسهام "الأجور" كـ "قوة تحررية" للمرأة كما حدث بالغرب، فالمرأة العربية تخرج للعمل لا لتأكيد ذاتها إنما كقوة عاملة بديلة تعوض انشغال الذكور بالمهام العسكرية.

(2) اعتبار الغرب روابط الأسرة عائقاً أمام تحرير المرأة في حين تعجز المرأة العربية عن التفريط بعلاقاتها الأسرية.

(3) الاستياء من توصيف الغرب لمشكلة المرأة المسلمة كـ"مشكلة دينية"، ما يدفعها لرفض هذا النموذج تأكيدا على جهل الغرب بالإسلام.

عادت عريبي لطرابلس في زيارة قصيرة عام 2007م ليُدس جسدها في الأراضي التي نبتت منها، بعد وفاء لهويتها العربية والإسلامية إذ حملت هموم المرأة المسلمة وعبرت عنها في كل المؤسسات باعتبارها عضوًا نشطًا في رابطة العالم الإسلامي. تعزو عريبي حبها الصادق للسعوديات للتشابه الكبير بينهن من حيث مشاركتها لهن في الهم والهوية. تقول عريبي عن انطباعها الأول بعد لقياهن "رغم صعوبة تحديد نظرة السعوديات لي، أعتقد أنهن يريني واحدة منهن أشترك معهن في الهوية والاهتمام كوني كاتبة عربية مسلمة. سؤالهن الدائم لي كيف تعاملي مع الحضارة الغربية وتحديات الثقافة الأمريكية التي تصوغ شعوري بذاتي وهويتي؟ هذا السؤال يعكس شغفهن لمعرفة طريق يمكنهنَّ من جمع الغرب والشرق على أرضية مغايرة للأرضية المسكونة بالخوف والهيمنة والعدوان. السعوديات خائفات أن يسحقهم الزمان والمكان وهي فكرة هيمنت على كتاباتهن وربما رأوا مني تجسيداً لرؤيتهن لتحصيل قوة الاختلاف والاتفاق على السواء".


عدد القراء: 104

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-