الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية وإشكالية الانتماءالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-02-05 13:51:04

رضوان السائحي

المغرب

لطالما شغلت إشكالية انتماء الأدب العربي المكتوب بلغة أجنبية الأوساط الثقافية في بعض البلدان العربية مثل مصر مع جورج حنين، ولبنان مع جورج شحاتة، «وهنا نذكر قضية الأدب المكتوب باللغة الفرنسية في بعض الدول العربية، حيث نعلم أنه في مصر وسوريا ولبنان لا زالت الثقافة الفرنسية تحتفظ بمجموعة من المعجبين بأدبها في تلك البلدان»(1). وتم طرح عدة تساؤلات حول هذا الأدب وعمّا إذا كانت اللغة هي التي تحدد هويته وانتمائه، خصوصًا وأن بعض الكتّاب الذين كتبوا بلغة أجنبية خلال تواجدهم في بلدان الغرب وتعلمهم لغتهم، وبالتالي التعبير عن واقع بلدانهم الأصلية بهذه اللغة، وآخرون أجبرهم تكوينهم التعليمي منذ البداية إتقان اللغة الأجنبية أكثر من العربية.

وعلى الرغم من أن كتّاب عالميين كانوا مزدوجي اللغة كتبوا بلغة غير لغتهم أمثال الشاعر محمد إقبال الذي كتب بالفارسية إلى جانب الأردية، والكاتب الروسي "هنري ترويات" الذي كتب بالفرنسية، وكذلك "يونيسكو" هو الآخر كتب بها، وكتب "جيمس جويس" و"كافكا" بالإنجليزية، إلا أنه لم تطرح إشكالية الازدواجية اللغوية بنفس الحدة التي طرحت بها في العالم العربي، وخصوصًا في المغرب العربي.

ولطالما تساءل النقاد في المغرب العربي، وخاصة في الجزائر والمغرب وتونس، عمّا إذا كان الإبداع المغاربي المكتوب باللغة الفرنسية يصنف ضمن خزانة الأدب المغاربي؟ وهل تعتبر اللغة العربية شرطًا ضروريًا لهذا التصنيف؟ وفي أية ضفة يتموقع هذا الأدب؟

لقد خضع المغرب العربي لاستبداد الاستعمار من خلال فرض الظهير البربري في المغرب، وسياسة التجنيس في الجزائر، وسياسة الاستيطان في ليبيا، والمسيحية في تونس، ولذلك يدخل الأدب المكتوب باللغة الفرنسية ضمن الفرانكفونية التي انتهجتها فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي من أجل تحقيق أهداف سياسية واقتصادية، ويشير بنسالم حميش إلى أن واضع مفهومها هو الجغرافي "أونزيم ريكلوس" الذي توخى منها- كما سجل في كتاباته عام 1889- تعبيرًا عن (فكرة لسانية وعلاقة جغرافية)، وأرادها أداة لتنحية اللغة العربية والديانة الإسلامية(2).

وقد استعمل أونزيم هذا المصطلح في كتابه "فرنسا والجزائر والمستعمرات" «ضمن أدبيات الجغرافيا الاستعمارية، بغية تحديد الفضاءات الجغرافية التي كانت تستعمل اللغة الفرنسية»(3) وكان بعض المتحمسين والمفتونين بالثقافة الفرنسية يقولون بأن الجزائر، أو شمال إفريقيا تستحق أن تكون إحدى "مقاطعات الأدب الفرنسية "(4).

إن إشكالية اللغة الفرنسية في المغرب لم تقتصر على مجال الأدب فقط، إنما شملت الظروف التاريخية على اعتبارها من مخلفات المستعمر، والسياسية من منطلق الاستلاب الثقافي والتبعية الثقافية للمستعمر، والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية، والمعاملات الإدارية، ويشير الكاتب المغربي عبدالسلام البقالي إلى أن رغبة الفرنسيين هي الإبقاء على جذوة لغتهم وحضارتهم مشتعلة في دول المغرب العربي الذي أوشك على الإفلات منهم ثقافيًا، كما أفلت سياسيًا.

وتهدف فرنسا من خلال نشر لغتها وثقافتها إلى تحقيق الهيمنة الاقتصادية والسياسية بخلاف باقي الدول الأخرى كأمريكا، «فالإمبريالية الأمريكية تتوصل إلى نشر لغتها عن طريق فرض هيمنتها السياسية والاقتصادية، وأما فرنسا فهي على عكس ذلك، تنشر لغتها وثقافتها لتصل عن طريقها إلى فرض هيمنتها السياسية والاقتصادية، فاللغة هنا في مركز القيادة، وأما السياسة والاقتصاد فتابعان، ونتيجة لا وسيلة»(5).

وحسب تقرير الجامعة العربية بتاريخ 12 ديسمبر عام 1963، والذي جاء فيه: «لقد حاول الاحتلال الأجنبي دومًا طمس معالم اللغة العربية بكل الوسائل وفي سائر الميادين، وخاصة في أقطار المغرب العربي، حيث عمد إلى إحلال اللغة الأجنبية محل اللغة العربية ليضمن لنفسه البقاء».

وتولدت ظاهرة الفرانكفونية في المغرب العربي ضمن سياق تاريخي سياسي استعماري مخطط له، وذلك لفرض الهيمنة الاستعمارية، وطمس المعالم الروحية والثقافية واللغوية، والهوية المغاربية، حيث انبثقت تجربة الكتابة باللغة الفرنسية لأول مرة لدى إدريس الشرايبي في المغرب، ومحمد ديب، ومولود فرعون في الجزائر، ومحمد عزيزة في تونس (وتجدر الإشارة إلى أن الكاتب المغربي عبدالكبير الخطيبي من المنظرين الأوائل لمصطلح "المغاربية" في الأدب بإعداده في نهاية الستينيات، دكتوراه في السوسيولوجيا حول موضوع: "الرواية المغاربية" بجامعة السوربون بفرنسا. وكانت من نتائج الفرانكفونية على مر السنين أن تشبعت بعض طبقات الشعب في المغرب، خصوصًا الميسورة منها، بالثقافة الفرنسية، والتواصل باللسان الفرنسي، بما فيها تدريس أبنائهم في مدارس ومعاهد تابعة لفرنسا في المغرب وخارجه، كما بقيت الإدارة المغربية تجري جل معاملاتها الإدارية بالفرنسية، ولذلك كانت الفرانكفونية حسب بنسالم حميش «لا مستقبل لها لأنها تهدد التجانس المنشود في كل مجموعة ثقافية متأصلة لغويًا، كالمجموعة العربية، بحيث أنها تتحرك في هذه الأخيرة كنشاز، وتسهم عمليًا في تهميش وتبخيس العربية في بورصة القيم اللغوية المهيمنة معتمدة على ثغرات إعادة التعريب وصعوباتها»(6).

ورغم أن هناك العديد من الكتّاب في العالم العربي ناهضوا السياسة الفرانكفونية ورفضوها، متشبثين باللغة العربية فإن «الفرانكفونية المدججة بالمعارف والاقتصاد استطاعت أن تحقق لفرنسا من خلال الماكينة الأدبية والصحافية، والصالونات والجوائز الأدبية، والمنح الدراسية والشراكات الأكاديمية السيطرة على مصير كثير من بلدان العالمين العربي والإفريقي»(7) ولاقى الأدباء الذين يكتبون بالفرنسية في المغرب العربي اهتمامًا خاصًا ومبالغًا فيه من طرف الأوساط الثقافية الفرنسية «وكسبوا رعاية حظائر أدبية خاصة، ونالوا مساعدة جماعات عقائدية من الأحرار والتقدميين والشيوعيين وغيره، بل تكفل أمر انطلاقتهم نحو الشهرة أدباء عظام أمثال كامو وسارتر وعمانويل روبلس، كما احتضنتهم مجلات ذات سمعة فائقة كمجلة الفكر والأزمنة الحديثة، والآداب الجديدة، والنقد الحديث، زيادة على ما قدمت لهم من أوسمة وجوائز كأدباء فرنسيين»(8)،  وخير مثال لذلك كتاب "التل المنسي" الذي أصدره الكاتب الجزائري مولود معمري، وتوجته الأوساط الفرنسية الرسمية، واحتفى به النقاد الفرنسيين، فكان رد فعل الجزائريين أن اعتبروا ذلك مجرد صنيعة أساسها النفاق والمجاراة(9).

اعتبرت الكتابة باللغة الفرنسية في المغرب منذ البداية كمسألة ترسيخ الاستعمار الثقافي وتدعمه، مما أحدث انشقاقًا داخل الوسط الثقافي العربي ككل، فقد اتهم الكاتب المغربي إدريس الشرايبي بهذا الاتهام عندما كتب أول رواية مغربية باللغة الفرنسية "الماضي البسيط" (Le passé Simple) في عام 1953، ونشرها في العام الموالي، خلال فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب، «وتلقف اليمين الفرنسي، ذو المصلحة في دوام الاستعمار للمغرب، رواية الشرايبي من حيث هي وثيقة إثبات غير منتظرة تبرر الوجود الفرنسي في المغرب بزعم تحديث بنياته وتمدين أهاليه»(10)  لا سيما أن الرواية تصور آثار التخلف والجهل، والجمود الفكري التي كان يتخبط فيها المغرب آنذاك، واعتبر المثقفون المغاربة إدريس الشرايبي باع نفسه للمستعمر، وأن روايته هي كنوع من التواطؤ معه بكشفه عن مساوئ المجتمع المغربي للغرب. في حين يعتبر بعض النقاد المحدثين أن كتابات الرعيل الأول من الكتاب الذين كتبوا بهذه اللغة، كانت بمثابة إدانة للاستعمار وأنه وجد للتعبير عن معاناة الشعب بسبب الاستعمار، وآماله للتخلص من ظلم المستعمر، واعتبروا هذا الأدب صدى للنضال، لأن كتابه حاربوا عن طريق الرواية، ولذلك اعتبره الشاعر عبد اللطيف اللعبي أدب دفاع شرعي، أي أدب مقاومة ثقافية، وفي نفس الوقت هو أدب مستلب.

ورغم التنبؤ بانتهاء هذا الأدب فور انتهاء الاستعمار، فإنه ما زال لحد الآن تصدر أعمال روائية وشعرية ونقدية وفكرية لمبدعين لم يعايشوا فترة الاستعمار، وصار له جمهورًا واسعًا يتابعه، وقراء يتلقفونه بشغف، ونقاد يقيمونه، ومترجمين يسارعون إلى ترجمته إلى اللغة العربية ليشمل باقي شريحة القراء الذين لا يتقنون الفرنسية، وقد قال مارك كونطاغ: «إن الأدب المغربي المكتوب باللغة الفرنسية أمر طارئ، أو حادثة تاريخية تحيا في ظروف مفارقة ومتناقضة... وهو أدب انتقالي أو مرحلي قام بدور هام إلى جانب الأدب المغربي في الصراع ضد الاستعمار الجديد»(11) ويشير بعض النقاد إلى أن هؤلاء الكتاب حينما شرعوا في الكتابة بهذه اللغة كانت نسبة الأمية تزيد عن 90 % ، ولذلك اتجهوا للكتابة بالفرنسية بحثًا عن قارئ أجنبي.

منذ بروز الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية نشرت 37 رواية في الفترة ما بين عام 1945 وعام 1964، و17 رواية ما بين عام 1965 وعام 1972، في مقابل هذا الكم نشرت ثلاث روايات باللغة العربية. أما في تونس والمغرب فبلغ مجموع الروايات التي كتبت بالفرنسية 21 رواية مقابل 35 رواية بالعربية(12) وكانت كتابات الجيل الأول من الكتاب الفرانكفونيين تعبر عن هموم الشعب في دفاع شرعي عن البلد ضد المستعمر، وهو ما عبر عنه اللعبي بأدب مقاومة ثقافية، وكان الكاتب بمثابة متحدث باسم الشعب، لكن في أواخر السبعينيات تغيرت الرؤى، واهتمت هذه الكتابة بالتجارب الفردية، خصوصًا في المجال الروائي، وتمحورت حول التجارب الشخصية كالسيرة الذاتية. ويرى بنسالم حميش أن معظم نصوص هذا الجيل «إنما تفرز سيرًا ذاتية جلية أو مقنعة، هي في معظمها سير الهواجس واللهج بالنار والانكباب على السرد للتأمل فيما حولها وما تحتويه، أي أنها كثيرًا ما تستحيل إلى نرجسيات متمحورة حول الذات كمهماز جوهري وقاعدة ذهاب وإياب ودوران .. إلخ»(13)، كما اهتم هذا الأدب برصد مظاهر الفلكلور، والمرأة، ومعضلة تعدد الزوجات، وإشكالية المساواة في الحقوق المدنية، ومحاولة البحث عن وسائل الوصول إلى تناغم في التعايش مع الأوربيين ومحاذاتهم.. كل ذلك من زاوية ضيقة(14).

إن إشكالية الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية، أو كما يطلق عليه البعض "الأدب المفرنس"، أو "أدبنا الفرنسي"، ما تزال مطروحة بالساحة الثقافية المغربية، ومثار نقاش مستمر حول تصنيفه ضمن الأدب المغربي، أو ضمن الأدب الفرنسي، فكلا الطرفين يرفض ضم هذا الأدب إلى حظيرته، فهناك من النقاد المغاربة من يصنفه ضمن أدب الاستشراق لأنه يلبي حاجة القارئ الغربي، «وحين يؤم روائيون شطر الكتابة الروائية الاجتماعية، فإنهم كثيرًا ما يجنحون إلى تقديم صور عن بلدانهم وكأنها عواصم الفساد المطلق والشر العميم، فيلوكون السواد في عرضها، ويغمسون لذلك أقلامهم في مداد واحد. مداد التقزز والهجو والتهجين، يشجعهم على ذلك استغلاظهم بلغة المتغلب، واستعدادهم الفطري، أو المكتسب لاتخاذ شتى ضروب التنصل الوطني والتبرج الإعلامي، مما يعرض بعضهم لاضطرابات السلوك والموقف»(15) وهناك من يعتبره أدبًا مزدوج الهوية، لكونه يمزج في عمقه الهوية الغربية بالهوية المغربية، ويتغذى من ثقافتين مختلفتين، ولا أثر لمضمونه عند الكتاب الأجانب، وهناك من يطلق عليه "الأدب المنبوذ" لأنه غير معترف به ضمن الأدب المغربي من طرف بعض المغاربة، وغير معترف به ضمن الأدب الفرنسي من طرف الفرنسيين الذين اعتبروه أدبًا مترجمًا إلى الفرنسية، كما أطلقت الأوساط الفرنسية على الإبداع المغاربي "مدرسة شمال إفريقيا" كتيار من تيارات الأدب الفرنسي، وإن كان الشاعر السوري فؤاد جبريل نفاح قد حجز مكانه بجانب الأدباء الفرنسيين المعاصرين بفضل كتابه "عاشقا الأمس" لكونه كان تراثًا فرنسيًا بعيدًا عن الإشارة إلى أصول الشاعر، أما جورج شحادة الشاعر اللبناني والكاتب المسرحي فقد حصره "ماكس فوشي" في الأنطولوجية التي وضعها للتعريف بأعلام الشعر الفرنسي وأمرائه، على أن هذا الاسم لا يذكر إلا في أوساط بعض المثقفين من مواطنيه(16).

إذا كان الكاتب الفرنسي "ألبير كامي" قد عبر قائلاً: "اللغة الفرنسية هي وطني" فإن الكاتب الجزائري "مالك حداد" عبر في كتابه (الأصفار تدور دائريًا)، في بداية الستينيات من القرن الماضي، "إنني في حالة منفى داخل اللغة الفرنسية"، ويقول الطاهر بنجلون الذي ظهر في السبعينيات كشاعر ثم كروائي، "لا مشكلة هوية لدي، إن لغتي هي الأدب ولا أشك في عروبة ما أكتب، ومن البديهي أن يكون هذا الأدب الذي أكتبه عربيًا في الجوهر والروح، وليس في الكتابة"، فاللغة الفرنسية تمثل وطنًا للكاتب الفرنسي، بينما تمثل منفى للكاتب الجزائري، في حين تعتبر اللغة عند الكاتب المغربي بنجلون هي لغة الأدب، إلا أن هذا لا يمنع أن تقف اللغة حاجزًا أمام تصنيف الأدب العربي المكتوب بالفرنسية بصفة عامة، فالنقاد الفرنسيون لا يرفضون هذا الأدب، خصوصًا في مجال الرواية، من منطلق أن فضاءات الكتابة وأحداثها وشخصياتها مستلهمة من واقع عربي، ولكن لأن كاتبها عربي، وله تصوره الخاص، ونظرته المختلفة في طرح المشاكل ومعالجتها والتي تختلف فعلاً عن العقلية الغربية. ويقول الجزائري كاتب ياسين: «إن معظم ذكرياتي وإحساساتي وأحلامي ومناجاتي الداخلية تتعلق ببلادي، فمن الطبيعي أن أشعر بها في صيغتها الأولى – أي لغتي الأم العربية، ولكني لا أقدر على إنشائها والتعبير عنها إلا بالفرنسية»(17).

ونجد الكاتب المغربي الطاهر بنجلون قد وظف في كتاباته الروائية الأبطال المغاربة والعرب، ودافع عن قضايا مغربية وعربية منها القضية الفلسطينية. ولذلك ربط البعض انتماء الأدب المكتوب باللغة الفرنسية حسب انتماء كاتبه الجغرافي، فإن كان الكاتب مغربيًا فإن إمكانياته الإبداعية والثقافية هي بالضرورة مغربية، مما حول إشكالية الانتماء من العامل اللغوي إلى العامل الجغرافي، مما حذا بالبعض أن يصنف هذه الأعمال للغة الموطن التي كتب وطبع فيها.. ويعتبر هؤلاء الكتاب لهم حق المواطنة الأدبية الفرنسية كالكتاب الفرنسيين جزائريي المولد مثل "كامو" و"روبليس" و"سيناك" و"سكاليسي" وغيرهم.

 إذا كان بعض المغاربة قد تأثروا في بداية الاستعمار باللغة الفرنسية مما مكنهم من الإطلاع على الأدب الفرنسي، والتعرف على مدارسه الأدبية، فأتقنوا هذه اللغة، واستطاعوا أن يعبروا عن واقعهم بواسطتها، وحازوا على جوائز أدبية كبرى في فرنسا، وجوائز فرنسية في البلدان العربية، فإن هذا الأدب لم يتوقف أو يضمحل، ويؤكد عبدالكبير الخطيبي أن هذا الأدب مازال حيًّا، والدليل أن هناك كُتابًا لم يعايشوا فترة الاستعمار يكتبون باللغة الفرنسية، تتميز تجربتهم بتصورات وهموم مختلفة عن تجربة الرعيل الأول، وتتناول مواضيع المجتمع المغربي بجرأة أكثر، مما يجعله يحظى باهتمام الغرب، خصوصًا إذا كان يمس المقدس، ويحظى بشرف المنع في البلدان العربية.

وإذا كانت الكتابة بالفرنسية عند البعض مجرد لغة مستعارة «فإنها على العكس تأتي عند غيرهم حصيلة هضم تام لتلك اللغة، وثـمرة استيعاب لأساليبها وقوالبها... وأصبحنا نلاحظ في الجزائر اتجاهًا آخر يقوم على الفرنسية الصرف، حيث كان رواده يتشبثون بلغة الدخيل الأجنبي ويعتزون بثقافته ويفتخرون بمتانتها وبوجودها كمنبع يوفر لهم كل إلهام ويمدهم بكل المصادر التي يحتاجون إليها»(18).

ومهما كانت مضامين الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية فإنه يظل جزءًا من تراثنا الأدبي المغربي لأنه يتطرق من خلال هذه المضامين لعدة قضايا تهم القطر العربي بشكل عام، والمغرب بشكل خاص، لذلك وجب ضمه إلى خزانة الأدب المغربي، «وفي الحقيقة لم تعد المسألة رفض أو قبول هذا الأدب، لأنه أصبح الآن حقيقة ماثلة في تاريخنا، وجزءًا لا يتجزأ من الإبداع العربي، فالقيم الروحية العربية السائدة في أغلب هذه الكتابات واضحة على أن الوعي هو جزء من تاريخنا، وأن الاغتراب الثقافي لم يعد سلطة قائمة... لقد واكب الأدب العربي المكتوب باللغة الفرنسية، ورصد عهد الحماية وزمن الاستعمار الإسباني وعلى الخصوص في المغرب، وأصبح بذلك سجلاً للتاريخ السياسي والاجتماعي والفكري»(19). ولذلك وجب العناية بهذا الأدب من طرف الأوساط الثقافية المغربية، وتخصيص جوائز عربية خاصة به، بعد تقييمها من طرف نقاد عرب، واحتضان الكتابات الجديدة وتوجيهها لتلبية رغبة القارئ العربي، والاهتمام بالقضايا العربية.

 

الهوامش:

1 - (أدب المغرب العربي المكتوب بالفرنسية) حسن المنيعي- مجلة دعوة الحق- عدد 100 – المغرب.

2 - (الفرانكفونية ومأساة أدبنا الفرنسي) – بسالم حميش- منشورات الزمن-الرباط.

3 - (النقاش اللغوي والتعديل الدستوري في المغرب) فؤاد بوعلي-المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات-معهد الدوحة-يناير 2012.

4 - نفس المصدر السابق.

5 - (حرب اللغات والسياسات اللغوية) لويس جان كافي – ت: حسن حمزة- الطبعة الأولى – المنظمة العربية للترجمة – بيروت- 2008.

6 - (الفرانكفونية ومأساة أدبنا الفرنسي) – بسالم حميش- منشورات الزمن-الرباط.

7 - (النقاش اللغوي والتعديل الدستوري في المغرب) فؤاد بوعلي-المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات-معهد الدوحة-يناير 2012.

8 - (أدب المغرب العربي المكتوب بالفرنسية) حسن المنيعي-مجلة دعوة الحق- عدد 100 – المغرب.

9 - نفس المصدر السابق.

10 - (عودة إلى فضيحة "الماضي البسيط) إدريس الشرايبي – رشيد بنحدو – العلم الثقافي – 16 ماي 2010.

11- Littérature Marocaine in Europe, revue mensuelle – Juin, Juillet 1979, Paris.

12 - (الرواية المغربية" عبد الكبير الخطيبي) – ترجمة: محمد برادة- منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي 1981)

13 - (الفرانكفونية ومأساة أدبنا الفرنسي) – بسالم حميش- منشورات الزمن-الرباط.

14 - (أدب المغرب العربي المكتوب بالفرنسية) حسن المنيعي-مجلة دعوة الحق- عدد 100 – المغرب.

15 - (الفرانكفونية ومأساة أدبنا الفرنسي) – بسالم حميش- منشورات الزمن-الرباط.

16 - (أدب المغرب العربي المكتوب بالفرنسية) حسن المنيعي-مجلة دعوة الحق- عدد 100 – المغرب.

17 - (في إشكالية الهوية المزدوجة: الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية نموذجًا)" بنسالم حميش- مجلة فصول-القاهرة- المجلد 16 العد الرابع 1998.

18 - (أدب المغرب العربي المكتوب بالفرنسية) حسن المنيعي-مجلة دعوة الحق- عدد 100 – المغرب.

19 - (منفى اللغة: حوارات مع الأدباء الفرانكفونيين) – شاكر نوري – كتاب مجلة دبي الثقافية عدد 48 أبريل 2011.


عدد القراء: 52

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-