لماذا أدب الرعب؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 16:16:43

رضا سليمان

روائي وإعلامي مصري

موضة أدب الرعب أو كما أحب أن أُطلق عليها "أدب الإثارة والتشويق" ليست بجديدة على الساحة الأدبية العربية كما يتحدث البعض، الإثارة والتشويق ضاربة بجذورها في تاريخ الحكايا الأدبية، منذ العصور الفرعونية وهناك قصص الإثارة والتشويق فهناك قصة "البحار الغريق" وقصة "ستنا ولعنة الكنز" و"قصة رادوبيس" و"الفلاح الفصيح" وغيرها من القصص التي تحفظها لنا النقوش الفرعونية. وهناك من الأدب المكتوب ما يفوق التصور فحكايا "ألف ليلة وليلة" مثال حي عن أدب الإثارة والتشويق مستقى منه، حاليًا، العديد من الروايات العربية والعالمية. وليست حكايا الجدات عن "أمنا الغولة" و"أبو رجل مسلوخة" وغيرها من المسميات المرعبة بعيدة عن حالة أدب الرعب والإثارة والتشويق.

موجة أدب الإثارة والتشويق الحالية ليست بجديدة وإن ارتفعت بعض الآراء بهذا الرأي حاليًا. لكن التوجه الحالي لهذه الموجة بشكل يجعلها موجة رائجة، كما أرى، له أسبابه وأهم هذه الأسباب الهروب من الواقع الحالي وذلك بسبب كثير من الضغوط، وأيضًا حينما لا يجد الأديب المادة الخام للرواية من الواقع المجتمعي المتعايش يبحث عن بدائل خيالية مثيرة، يضاف إلى ذلك تأثير الجمهور واتجاه الذوق العام للمتلقي، وما حدث ويحدث في المنطقة العربية منذ اندلاع الشرارة الأولى للربيع العربي وما صاحبها من مشاهد العنف والقتل وسفك الدماء، انتقل بالشخصية العربية إلى منطقة أخرى أهم سماتها الجفاء والقوة والصلابة إضافة إلى الجرأة والتحدي، جعل شخصية المتلقي لا تجد مبتغاها في الرواية الاجتماعية أو الرومانسية، وكثير من هذا الجمهور صاحب المشاعر الجافة وفقًا للظروف الجديدة لم يعد يهتم بهذا التصنيف الاجتماعي أو الرومانسي ويميل في خطوة لا إرادية نحو العنف والدماء وهي أساسيات تلك الموجة من أدب الإثار والتشويق أو ما يطلق عليه أدب الرعب.

وإن كان المد لهذه الموجة حاليًا فلا ضير ولا عجب كما أوضحنا لكن الغريب هو هرولة الأدباء إلى اعتلاء هذه الموجة مستغلين في ذلك كل ما هو غير منطقي وكثيرٌ من التقليد والاقتباس الكامل من الأفلام الأجنبية متناسين بقصد أو بغير قصد طبيعة البيئة التي نعيش فيها والتي يجب أن تكون هي مصدر الإلهام خاصة وأن منطقتنا العربية تمتلك من التراث والحكايا والأفعال الحالية ما يحتوي على مادة غنية "مسكوت عنها" لمثل هذه الموجة الأدبية الحالية من أدب الإثارة والتشويق.

للأسف الشديد يعتقد عدد من الأدباء أن الحديث عن هذا "المسكوت عنه" في الواقع المصري والعربي من عادات وتقاليد وأفعال تحدث على أرض الواقع هو حديث عن خرافات ما يجب التعرض لها. أتعجب بشدة من هذه الآراء الرافضة لرصد واقع حقيقي وتلهث خلف حكايات غربية واقتباسات لا مبرر لها غير الاستسهال فى النقل. هذا المسكوت عنه، "في القرى والنجوع وكثير من التجمعات السكنية في المدن يا سادة، بل هو معتقد ثابت عند ما يُطلق عليهم عِلية القوم، أصبح يُعلن عن رجاله وما يقدمونه بمقابل مادي على الشاشات"، نعلمه ونشاهد تأثيره على سلوك الأفراد والمجتمع، كثير من العلاقات تُبنى أو تُهدم، حالات طلاق، جرائم قتل، حتى السياسة يوجد في دهاليزها الكثير من تلك الأمور. هذا المسكوت عنه، والذي استخدمته في روايتيَّ (ظلال الموتى) و(المدنس)، مادة مثيرة وثرية يجب أن تتغذى عليها موجة أدب الإثارة والتشويق الحالية. فأنا لا أدعو إلى غريب غير الغوص في أعماق هذا المجتمع وأن نستخرج منه مادة معاشة تكون نواة تلك الأعمال الأدبية الحديثة وأحسب أنه أفضل من اقتباس مباشر من أعمال أجنبية.           


عدد القراء: 532

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-