العدد الحاليالعدد رقم 46نصوص

في مكان الجرح الأوّل

دخل شقّته حاملاً قارورة الشراب، ثم وضعها بهدوء على طاولة مهترئة في زاوية الغرفة.

أشعل شمعة، وفتح النافذة؛ فدخل الهواء ثقيلًا، محمّلاً برائحة الإسمنت وشيء خامد، كذكرى تتنفس بعد وقت طويل.

ملأ نصف كأسه شرابًا، ثم رفعه يتأمل لونه القاتم، ذاك الذي لطّخ سنوات عمره الأولى.

ارتشف منه متأمّلاً غرفته، كلّما تنفّس فيها؛ ضاقت عليه كقبر صغير.

ثم رفع بصره إلى المرآة التي توسطت الجدار المقابل:

جسدٌ نحيل مغطّى بعباءة الوحدة، عينان خاويتان، هالات داكنة تشي بليالي السّهاد، وشفاه متشقّقة صمتت على ما فاضَ به القلب.

اعتادت روحُه أن تختبئ وراء أوهام الماضي، فأين عساه يهرب من ظل الحقيقة الذي يلاحقه منذ ذلك اليوم؟

سارت رعشة في عظامه، وشعر بقلبه يعتصر حين همس في أذنه صوت لئيم:

«أنسيت ذلك اليوم؟»

تلاشت صورة المرآة كطيف لم يوجد قطّ، وحلّ انعكاس الماضي، انعكاس يوم قديم..

****

قبل25 سنة:

كان صباحًا دافئًا، نوافذ بيتهم الصغير مفتوحة، وأشعة الشمس تتسلّل خلال الستائر الصفراء، اللّون المفضّل للطفل المختبئ تحت الطاولة.

«آدم! أين أنت؟» تردّد صوت أمه في المنزل بنبرة طفولية.

وضع الصغير يديه على فمه ليكتم ضحكته، شعر بخطواتها الخافتة تقترب.

«وجدتك!» أطلّ وجهها عليه ثم جذبته مدغدغة إياه

ضحك هو: «أمي…توقفي!»

نظرت إليه بعد لحظات:

«ما رأيك ببعض الحليب الآن؟»

رفع يديه عاليًا بسعادة: «أجل!»

كان من المفترض أن يَمرّ يومُهُما بهدوءٍ كسائر الأيام، لم يتوقع آدم أن يعود لمنزله مساءً ليجد مشهَدًا سيطارد روحه حتى الممات.

دخل البيت راكضًا: «أمي، لن تصدقي ماذا فعلتُ اليوم!»

لكن المنزل كان هادئًا، كهدوء الليل وسكون الموتى..

الأرضية البنّية تلوّنت بلون الدماء، وسط تلك البركة استلقت امرأة ثلاثينية، وهناك، وقَف آدم ذو الخمس سنوات..

من المفترض أن تلك المرأة أمّه، لكن عينيه رفضتا التصديق… كأن الموت قد طمَس وجهها…

«لا… لستِ أمّي… شعر أمي كالشمس، لا كالدّماء، أمي لا تنام على الأرض…»

اقترب من الجثة الهامدة، وهزّ ذراعها الباردة:

«أمي … استيقظ، لنلعب»

لكن أمّه رحلت، رحلت ولن تلعب معه بعد الآن…

*****

تلاشت الصورة، لا لتوقف انسياب الذكرى، بل لانكسارها…

صرخ آدم ذو الثلاثين عامًا مُهشِّمًا الزجاج تحت يديه، شظاياه متناثرة حوله كقطع ذاكرته العابثة.

«أمك ليست ملاكًا»

«المقتول تلقّى عقابه متأخرًا…»

تكرّرت الجُمل في رأسه كأنها نُقِشت على جدران جمجمته.

كيف؟ أمّه الحنون، كيف ليست ملاكًا؟

تمنّى لو يسكن الدّم في شرايينه كما سكن دمُها ذلك المساء.

خانته ساقاه فتوسّد الأرضية، علّ برودتها تُخفض حرارة جسده، أو روحه.

جذب من جيبِه ظرفًا قد وصلَه منذ أسابيع…الظرف الذي قلَب موازينه ومزّق أوهامه.

فتحهُ مجدّدًا، كما فعل مرارًا، كأنه لا يزال يأمل أن يتبدّل ما كُتب فيه بيدين مرتعشتين:

«أحيانًا الحقيقة تجرح ولا تشفي، وربما الجلاد كان ضحية يومًا، وحلّت عدالة السّماء متأخرة… أمك ليست ملاكًا.

لنتقابل تحت ضوء الحقيقة، أين نسقط الأحكام ونبسُط الاعترافات.

في مكان جرحِك الأول.

– ثكلى.»

طوى الورقة بعناية وحشرها في جيبه ثم خرج، متوجّها للبداية.

أين بدأت نهايتُه.

*****

منزل عتيق رثّ على طرف شارع مهجور، باحة ترابية احترق ما كان فيها من أزهار مع ما عاشهُ من ذكريات.

أما الكوابيس؟ تلك لاحقته حتى ابتلعتهُ.

من خلال النافذة، أبصر ضوء شمعة أنار جزءًا من المكان، وبدل أن يسمع صوت احتراقها، شعَر بقلبه يتفحّم.

صعد الدرج، منشطرًا بين المتابعة والرّجوع.

كان الباب مفتوحًا على مصراعيه، كأن الماضي ينتظره في نهاية الرواق

مشي بخطوات حثيثة إلى الغرفة التي نبع منها الضوء..

كانت هناك؛

امرأة خمسينيّة ملتحفة بالأسود، كأنها ما تزال تشيّع جنازة.

ارتجف قلبه، واهتزّت روحه، وكل ما رآه عندها هو طيف أمه جالسة على مقعدها المفضّل.

«أتيتَ…» خرج صوتُها ثابتًا، مناقضًا رجفة يدها واهتزازة جفنِها.

ناولها الظرف مرتعشًا، كم حمَل صندوق أسرارِه المظلمة، ثم بصوت مرتعِب:

«اقرئيه… صحّحيه… لا يُعقل أن أمي أذنَبَت…»

راقبت المرأة الظّرف بوجه جامد، وأعين لم تعكس سوى الألم، ثم نطقت بصوت مختنق:

«لا خطأ فيه لأُصحّحه، أمك لم تكن ملاكًا… بل جذرًا مسمومًا بثّ العذاب في حياتي»

أغمضت عينيها وابتلعت غصّة ثقيلة، ثم تابعت بحرقة:

«كانت حياتي كزجاجِ شفّاف رقيق، زوجٌ حنون، طفل بريء …

حتى جاءت هي، ذئب متنكّر في ثوب أمّ، انتزعت طفلي منّي ومزّقت قلبي»

حلّ صمتٌ طويل أشاح فيه آدم وجهه، ضاغطًا شفتيه بقوة، كاتمًا صرخة…

ثم نظر مجدّدًا، نظرة ملؤها الخوف والوَهَن:

«كيف؟ كيف لأمي أن تكون…هكذا؟»

هزت المرأة رأسها ببطء، كما لو أنها تزيل الغبار عن حقيقة مفجعة:

«كانت أكثر من قاتلة، هي انتشلت جزءي الذي لم أعد أستطيع استعادته».

توقفت لبرهة تمسح دمعة، دمعة… لعلّها حملت من الذكرى ما يوجِع.

«كانت تتسلّل إلى البيوت كالشبح، تنتشل الأطفال من أحضان أمهاتهم، ثم تأتي   مساءً مستقبلة إياك بوداعة».

كانت الغرفة تدور، والشمعة لم تعد ثابتة، أو ربما هذا ما شعر به آدم، كانت كلماتها كالسّكاكين تخترق أضلعه.

أخذَت المرأة نفَسًا مرتجفًا، وقالت محدّقة في يديها المرتعشتين:

«كُنت تنام بين ذراعيها بينما أنام معانقة ملابس ابني الميّت…

بينما كنتُ أفترش الأرض بردًا، وأتوسّل السّماء عدلًا… كانت تغنّي لك لتنام…»

لم تُسعِفهُ الكلمات ليردّ، خانتهُ اللّغة كما خانته والدته…

لم يقدر على النظر إليها، المرأة الموشومة التي شاهدها تسير في شارعهم مساء كل اثنين..

هيئه جريئة، جسم نحيل، ووجه غاضب.

«كُنتِ تتجهّزين…» نطق أخيرًا، عندها فقط ترابطت النقاط وغدا كلّ شيء منطقيًّا…

رفعَت نظرها إليه وقالت بابتسامة باهتة:

«الأُسُود تراقب فرائِسَها…»

كانت دائمًا هناك، لكنّه كان أعمى.

نطق بعد برهة من البكاء الصامت، بصوت ضعيف:

«كنتُ أحبّها، وكانت تحميني، أكان كل شيء كذبةً؟»

تنهّدت وأجابته بصوت حمَل رثَاء ذكرى الماضي، أمل المستقبل، وما بينهُما:

«لا، لم يكن كذلك…لم تكن الكذبة في ضحكتك، بل فيمن عَلَّمك الضّحك…»

سألها مجدّدًا:

«هل أذنبتُ حين أحببتُها؟»

ردّت المرأة بنبرة قاطعة، كأنها تريد طيّ الماضي وما فيه:

«لم تكن الخطيئة حبّك، بل خداعها، أنت لست بمخطئ، يا آدم».

أطلق نفسًا لم يدرِ أنه كان يحبِسُه، ثم مسح على وجهه كمن يحاول إزالة رماد ذنب لم يرتكبه:

«لماذا الآن…؟»

رفعت عينيها، وقد طغى على ملامحها حزن دفين:

«لأنك بلغت الثلاثين، ولأنك تستحق الحقيقة ولو خنقتك. لا أحد يستحق العيش تحت سقف الكذب…ارمِ رماد ما احترق منك وامضِ».

كيف عساه يُخبرها أنه لم يبلغ الثلاثين فعلًا؟

هو لا يزال الطفل العالق بين أشواك الماضي.

أغمض عينيه، راجِيًا أن تخفّ وطأة الشعور، أو يكفّ عن الوجود.

اعتاد سقيَ روحه بوهم الماضي، فكيف يسقيها الآن بسمّ الحقيقة؟

حمَل ما تبقّى له من حقيقته ومشى دون التفاتة.

فقد أدرك أنه وُلِد من رحِم الظلام.

وأمثاله لا يفتّشون عن النور، بل في عتمَتِهم يغرقُون.

وهكذا، سقطت صورة الأم من على جدار ذاكرته.

وسقط هو…في غياهب الإدراك.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

هدى صابة

كاتبة من الجزائر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى