العدد الحاليالعدد رقم 46مراجعات

الرواية العربية المسيحية: الروحانية في زمن الاضطراب..قراءة في رواية إيلي لميرنا دبّس

الكتاب: «إيلي»، رواية

المؤلف: ميرنا دبّس

الناشر: دار نشر سامح

تاريخ النشر: 2025

عدد الصفحات: 360 صفحة

في قلب المشهد الأدبي العربي المعاصر، تحتل الرواية العربية ذات الطابع المسيحي موقعًا فريدًا، كنوافذ تطل على عالم متشابك من الذاكرة والتاريخ والروحانية، حيث تتقاطع التجارب الإنسانية مع صيرورات السياسة والاجتماع، وتنشأ تجربة سردية تتداخل فيها الذات الفردية مع الجماعة الدينية، والحاضر مع الماضي، والروح مع الجسد. هذا النوع من الروايات ليس مجرد امتداد للأدب المسيحي التقليدي، بل يمثل مختبرًا حيويًا لأسئلة وجودية متشابكة، تبحث عن المعنى في عالم مضطرب بين الحرب والنزاع الإيديولوجي والتهجير القسري والاغتراب، فتشكل بذلك فضاءً سرديًا يوازن بين التاريخ والميتافيزيقا، والسياسة والروحانية، والحداثة والغيب، ويعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع والدين بوصفها تجربة متعددة الطبقات.

تقودنا ميرنا دبّس في «إيلي» – الصادرة مؤخرًا عن دار نشر سامح في 360 صفحة – في رحلة زمنية وجغرافية تبدأ في أنطاكية عام 1954، المدينة التي شهدت ميلاد تسمية «المسيحيين»، مستحضرةً الحوار الأول بين بولس وبرنابا حول التبشير. عند هذه النقطة، يتقاطع التاريخ مع ذاكرة الطفولة من خلال شخصية دوريا، الطفلة ذات التسع سنوات، ابنة أم عربية من حلب وأب يوناني، وجدّة تحكي الأساطير اليونانية. هذا الامتزاج الثقافي، الذي من المفترض أن يثري الهوية الثقافية، يصبح مرآة لصراع الهوية في مجتمع سياسي مضطرب، حيث يعكس المنع اللغوي تمزق الانتماء الروحي والاجتماعي. هنا تصبح رمزًا للإقصاء فهي «لغة ممنوعة، مواضيعها محرمة، ومتكلموها في تركيا خارجون عن القانون.»

ومع تصاعد الأحداث التاريخية، مثل بوغروم إسطنبول عام 1955، تتحول التجربة الفردية لدوريا إلى سرد جماعي للتهجير والنزوح، وللصدمة الثقافية والنفسية، حيث هجرت عائلة دوريا من أنطاكية إلى إسكندرون إلى حلب. في هذا السياق، تسلط الرواية الضوء على فشل الدولة القومية العلمانية في إدارة التنوع الإثني واللغوي، إذ لم تحمِ الأقليات ولم تضمن التعايش السلمي، بل ساهمت السياسات الرسمية وغير الرسمية في تشريد السكان واستمرار التوترات الاجتماعية. لكن دبّس لا تتبع الصورة النمطية التي تسائل الدولة العلمانية الحديثة ولا تسائل الكنيسة وتقاليدها، فمثلاً تزداد التعقيدات عندما تدخل دوريا المدرسة الإيطالية، حيث يُطلب حضور القداس الأسبوعي مع اختلاف الطقوس عن كنائس الأهل. يتحول يوم العيد إلى ماراثون بين الكنائس: «نقضي نهار العيد في ماراثون بين الكنائس لنرضي الطرفين، ولم نفلح في إرضائهما ولو مرة واحدة».

هذا المشهد لا يكتفي بعكس الصراع الطائفي أو الإثني، بل يجسد أزمة التوازن النفسي والروحي للطفل بين الانتماء العائلي والالتزام الديني، وبين التقاليد والقوانين الاجتماعية. ومن منظور نقدي، تكشف هذه الأحداث عن استمرارية الصراع بين الفرد والمجتمع، حيث يُختبر الطفل في مواجهة الاختلافات الدينية والثقافية، فيصبح معرضًا لتجربة تكوين هويته في مجتمع متغير ومضطرب.

وبينما تُحرم دوريا من دخول المدرسة المختلطة، ما يسلط الضوء على التوتر بين الحداثة والتقليد داخل المجتمعات المسيحية نفسها، ويبرز الرواية كوثيقة سردية قادرة على تقديم التاريخ من منظور شخصي وإنساني. تتابع الرواية رحلة دوريا في حلب عام 1966، حيث تصبح شابة تواجه تحديات بيروقراطية واجتماعية وسياسية، مثل رفضها الانضمام إلى جمعية العاديات بسبب افتقادها للجنسية والشهادة الجامعية. هنا، تصبح  دوريا رمزًا للانتهاكات البنيوية التي تضيف طبقات من التهميش على أساس الدين والجنس والانتماء الاجتماعي. تُظهر هذه التفاصيل الدقيقة كيف تؤثر الهويات المتداخلة – الدينية والقومية والاجتماعية – على قدرة الفرد على الانخراط في المجتمع، وتفتح المجال للتساؤل حول العدالة والحق في الانتماء.

تتوسع الرواية لاحقًا لتقدم الشخصية الرئيسية الثانية، إيلي، في ميناء طرابلس عام 1985، ابن موظف بريد شيوعي، الذي يعيش صراعًا داخليًا بين خلفيته الإيديولوجية المادية والبحث عن معنى وعمق روحي للحياة. يمثل اللقاء مع زميله طوني، المنتمي للشبيبة الأرثوذكسية، صدامًا بين المعرفة العقلية ودراسة الأحياء والبحث الروحي، بين العلم والدين، وبين السياسة والإيمان. وفي مشهد تحول الشخصية، يتجسد هذا الصراع في دخول البطل إيلي إلى مغارة مار جرجيوس، بالتزامن مع الحرب الأهلية اللبنانية وصراع الجماعات المسلحة، حيث تتحول المغارة إلى فضاء داخلي للتأمل والروحانية: «الهواء بارد، درجات السلم مكسورة… اليد التي ربّت على رأسي في الظلمة… والأيقونات التي تتأملني كما أتأملها.» هنا تتحول المغارة إلى مساحة رمزية تمثل التقاء الحسي بالميتافيزيقي، حيث يختبر الفرد حدود معرفته ويبدأ تكوين وعي مستقل عن الإيديولوجيات المادية التي فشلت في تحقيق العمق الروحي والسلام المجتمعي. ويزداد التناقض بين الداخل الروحي الهادئ والخارج العلماني العنيف مع أحداث الشارع وقتل لصديقه بسّام في هذه الأحداث العنيفة. والسؤال الذي يطرحه السرد هنا: هل يحضر الدين في طقوسه ومبانيه كملاذ وهروب من واقع الحياة اليومية العنيفة؟ فمن خلال تجربة إيلي في أثينا يسائل السرد مكانة الدين في «العصر العلماني»، ومدى قدرته على البقاء كمرجعية روحية في عالم يهيمن عليه العقل النقدي والانشغال اليومي بالحياة المادية. في شوارع أثينا، حيث يتنزه إيلي ويعايش المدينة بكل تفاصيلها: القطط المنتشرة، بيوت تشبه بيوت بيروت بلا آثار الحرب، الناس بعفويتهم وضجيجهم، وحتى بائع الكعك الذي يشبه أي بائع في طرابلس، يبدو الدين كعنصر طاغٍ على الحياة اليومية، لكنه حاضر بشكل مختلف: صورة العذراء مريم على عربة الكعك بدل عبارة «لا إله إلا الله»، ما يعكس تحول الدين إلى رمزية مرئية أكثر من كونه ممارسة حياتية فاعلة. يختبر إيلي في هذه المدينة العلمانية صراعًا داخليًا حادًا بين البحث عن معنى شخصي للحياة وبين غياب الإطار الديني التقليدي الذي تربى عليه. هو يحاول أن يجد نظامًا أخلاقيًا وروحيًا جديدًا يتجاوز التأثيرات الاجتماعية والدينية المفروضة عليه.

في ذروة السرد، يتدخل النص ليمنح الرواية بعدًا عمليًا للروحانية من خلال مشروع «المدرسة»، الذي ساهم إيلي في تأسيسه في بلدته اللبنانية، وتوسع لاحقًا ليشمل بلدانًا عربية أخرى مثل العراق وسوريا. لم يقتصر نجاح هذا المشروع على دوره التربوي فحسب، بل جاء أيضًا نتيجة الترويج الذكي عبر المنصات الرقمية الحديثة مثل تيك توك، ما يبرز أهمية استغلال وسائل الإعلام الحديثة والعلم الرقمي في دعم المبادرات المجتمعية ونشر الوعي. هذا المشروع، إذًا، لا يكتفي بدور التعليم كوسيلة للنهضة المجتمعية، بل يصبح جسراً للتضامن بين المهاجرين وذويهم في الوطن، وبين الأهالي المحليين، في ظل غياب أو انهيار الدولة وما يرافقه من فساد واستغلال المصالح الفردية.

من منظور نقدي ثقافي، يعكس المشروع رؤية الرواية في الربط بين الروحانية والعمل الاجتماعي، مؤكدًا أن الإيمان لا يكتمل إلا بانخراط الفرد في خدمة مجتمعه، وبناء جسور التفاهم والتضامن بين الأفراد والمجتمعات. وفي هذا الإطار، يستحضر السرد رحلة «رياض»، الصحفي السوري الشيوعي الثوري، الذي يواجه السجن والملاحقة من جماعات متشددة، ويجد في أصدقاء طفولته المنتمين للإخوان المسلمين عونًا على الهرب، في مفارقة تعكس التعقيد الاجتماعي والسياسي للمنطقة.

تتجه رحلة «رياض» في نهاية المطاف نحو تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال ممارسة إيمانه بطريقة صادقة، متحررًا من الإيديولوجية التي شعَر بأنها خدعته، لتتحول مسيرة البحث عن التضامن والعدالة إلى رحلة ذاتية نحو اكتشاف الذات، عبر التأمل والوعي الداخلي. هنا، تمثل الرواية روحانية متجذرة في الفعل الاجتماعي، حيث لا ينفصل العمق الروحي عن الانخراط العملي في تحسين العالم المحيط، بينما يظهر استثمار العلم الحديث ووسائل التواصل الرقمي كأداة فعالة لدعم هذه المبادرات، مؤكدًا أن التقدم التكنولوجي يمكن أن يتكامل مع القيم الإنسانية والروحية في بناء مجتمع أكثر عدلاً وتضامنًا.

وتتجلى رؤية السرد في  تبني الاعتراف والتعايش والتضامن في تقديم تجربة مصطفى، الفتى السوري الذي أرسله أهله هربًا من الحرب، ليواجه تجارب عنف جسدي وجنسي قاسية، ويجد أخيرًا في إيلي، الأب الروحي، ملاذًا للشفاء والنمو. يُسمى إيلي نفسه «أبو مصطفى» كرمز لقبول واحترام التعددية كسبيل لبناء مجتمع صحي ومتوازن، حيث يحتضن الآخر ويتعايش معه بغض النظر عن عرقه أو دينه أو ماضيه. وربما يكون اختيار اسم «إيلي» – المشتق من اسم النبي إيليا، وغير الشائع عربيًا إلا في لبنان – خيارًا دالاً يعمق هذا المنحى التعددي؛ فالشخصية التي يحملها الاسم لا تنفصل عن هموم الإنسان العربي المشتركة، ولا تتمتع كأقلية بأي امتياز عن بقية المواطنين، في إشارة نقدية إلى أن التنوع في منطقتنا نادرًا ما يُسلَّط عليه الضوء إلا عندما يُستدعى لأغراض سياسية. وهكذا يمنح الاسم القارئ مساحة للتأمل في ما يجمع أبناء المنطقة أكثر مما يفرقهم.

يبرز السرد في رواية «إيلي» كيف أن التعددية الدينية والروحية لا تقتصر على الإيمان بالديانات السماوية فحسب، بل تتسع لتشمل كل المعتقدات التي يتبناها الفرد المعاصر. ويتجلى هذا بشكل خاص في شخصية سابينا، زوجة إيلي الألمانية، التي في سعيها للعمق الروحي والشخصي تختار مغادرة حياتها المألوفة في ألمانيا، خاصة في ظل الانعزال الذي فرضه انتشار فيروس كورونا، متجهةً نحو جبال الهملايا. هناك، عبر ممارسة اليوغا والدراسة التأملية، تبحث عن التوازن بين الجسد والروح، وبين العقلانية الغربية والروحانية الفردية. تقول سابينا لزوجها:

«إيلي، أني محتاجة إلى تغيير شيء ما في حياتي، ولا يخطر في بالي إلا الرحيل بعيدًا… أريد أن أعيش خبرة جديدة، أن أبحث عن ذاتي التائهة مني، أو أن أعود إليها. إيلي، لك اعتقادك وإيمانك، وقد وجدت ذاتك. أما أنا فلا أزال أفتش عنها. أنت تأخذ قوتك من الله، وأنا من نقطة افتراضية ثابتة، أنظر إليها حين أمارس اليوغا كي لا أقع».

تمثل سابينا هنا نموذجًا حيًا للفكر النقدي لما بعد الحداثة، الذي يتجاوز الثنائية التقليدية بين العقل والغيب، ويفتح الباب أمام تجربة التعددية التي يختبرها إيلي في حياته اليومية، سواء في منزله أو داخل الكنيسة حيث يعمل. ومن خلال تشابك العلاقات بين شخصيات الرواية، يتجلى ما وصفه الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور بمفهوم «شرط الإيمان»، أي حرية الفرد في اختيار الإيمان أو عدمه، مع احترام هذا الاختيار. وفقًا لتايلور، قد يطلق على عصرنا اليوم وصف “العصر العلماني”، ليس لانهيار الدين تاريخيًا، بل لظهور شروط جديدة يمكن للإيمان وعدم الإيمان أن يتعايشا ضمنها.

وبذلك، يتجاوز إنجاز الرواية إعادة إحياء الروحانية في فضاء سردي طالما حُصر بين قطبي العلمانية المتشددة والتدين التقليدي، ليطرح قراءة متجددة لتجربة المسيحيين العرب في سياق التحديات الراهنة. كما تثير الرواية سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن للإنسان المعاصر أن يحيا حياة متكاملة في عالم تتسارع فيه العزلة والاغتراب والعنف، وتتفاقم فيه أشكال الإقصاء للآخر؟

من خلال تشابك مصائر الشخصيات، وتداخل الرموز، واستحضار المشاهد التاريخية، تؤكد الرواية على قدرة الهوية والروحانية على التشكل المستمر، عبر المزج بين التجربة الشخصية والحوار المفتوح والعمل المجتمعي الفاعل. وهكذا تتحول الرواية إلى نافذة متجددة على الوجود الإنساني في عالم مضطرب، حيث يصبح التسامح وقبول التعددية والمسؤولية الاجتماعية ليست مجرد خيارات أخلاقية، بل ضرورات وجودية لبناء واقع أكثر إنسانية وتوازنًا.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

أماني الصيفي

كاتبة ومحاضرة في كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية بجامعة هومبولت في برلين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى