الأدب والنقدالعدد الحاليالعدد رقم 46

كلاسيكيات الرواية النسوية الإنجليزية جين أوستن والأخوات برونتي أنموذجًا

قرنان ونصف من الزمان مرت على ظهور هذه الظاهرة الأدبية اللافتة في الأدب الإنجليزي المعاصر وهي ظهور كاتبات رائدات بصمن المشهد الروائي النسائي في المملكة المتحدة ببصمة أدبية نسائية أسطورية غير مسبوقة. وقد أخترت – لهذا الطرح – أربع كاتبات من كلاسيكيات هذا المشهد للحديث عنهن، هؤلاء الكاتبات تربعن على المشهد الروائي الكلاسيكي والرومانسي النسائي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ومنحنه إرثًا أدبيًا لا زال حتى اليوم مصدر إلهام لكثير من الكتاب في جميع أنحاء العالم. ولا زالت المملكة المتحدة تزهو وتفخر خلال هذه السنوات الطوال بكاتباتها اللائي كن رائدات في هذا المجال؛ وهن «جين أوستن» (1816-1858)، إحدى الرائدات التي كان لها قصب السبق في البصمات الأولى في مجال الرواية الإنجليزية النسائية، يجيئ بعدها في هذا الحديث الأخوات برونتي: «إميلي برونتي» (1818-1848)، «شارلوت برونتي» (1816-1855)، «آن برونتي» (1820-1849) وعلى الرغم من ظهور أسماء أخرى خلال تلك المرحلة من الكاتبات الإنجليزيات أمثال «آن راد كليف» (1764-1823)، و«مارى شللى» (1797-1851) و«مارى آن إيفانز» التي كانت تكتب تحت أسم مستعار هو «جورج أليوت» (1819-1880)، و«إليزابيث غاسكال» (1810-1865) وغيرهن؛ إلا أننا آثرن الحديث عن كاتبة واحدة من القرن الثامن عشر وهى «جين أوستن» والأخريات اللائي ينتمين إلى عائلة آل برونتي القادمين من القرن التاسع عشر. وكان ظهور الأخوات برونتي في الحقل الأدبي خلال العصر الفيكتوري حالة خاصة أخرى من حالات الكتابة النسوية في الأدب الإنجليزي، إذ كان تأثيرهم في عصرهم كبير للغاية، كما كان تأثرهم من العصر الذي سبقهم له دوافع عدة أبرزها وأهمها الرغبة العالية في التحوّل من إرث من سبقهم أمثال جين أوستن ومجايليها وهي الكاتبة التي لمعت خلال تلك الفترة وكان تأثيرها على الأجيال اللاحقة لها له خطوطه العريضة من التأثير مع شيء من التحول في سرد هذه المرحلة.

ولعل العلاقة الوطيدة التي كانت تربط جين أوستن بكاتبات مثل آل برونتي وغيرهن من كاتبات هذه المرحلة هو تواجد هؤلاء الكاتبات في مرحلتين متواترتين من الأزمنة في ريادة الرواية النسائية الإنجليزية وهي مرحلة القرن الثامن عشر الكلاسيكية والتي تواجدت فيها جين أوستن ومرحلة القرن التاسع عشر في العصر الفيكتوري التي تواجدت فيها الأخوات برونتي. كما يربط بينهن أيضًا رحيلهن جميعًا في سن صغيرة للغاية بسبب أمراض البيئة التي كن يعشنها خلال حياتهن القصيرة: فقد نسب إلى جين أوستن سبب موتها وعمرها 41 سنة إلى العديد من الأسباب منها موتها بالسرطان ومرض أديسون، وكشف تحر أخير من كاتبة روايات بوليسية على احتمال جديد أنها قد توفيت بسبب السم بالزرنيخ. فقد انتقلت الكاتبة «ليندسى أشفورد» إلى قرية أوستن في «شاوتاون» قبل أكثر من أربعة عشر عامًا وبدأت تكتب روايتها البوليسية في مكتبة شقيق الروائية ببيته السابق في «جاتاون هاوس» وسرعان ما أصبحت مستغرقة في مجلدات قديمة لرسائل أوستن وفي صباح أحد الأيام اكتشفت جملة كتبتها أوستن قبل بضع أشهر من موتها تقول فيها: «أنا الآن أحسن إلى درجة ما، وبدأت أستعيد مظهري قليلًا الذي كان سيئًا، أبيض وأسود وكل لون مشين». وبعد أن أعادت الكاتبة البحث في تقنيات قضائية حديثة وسموم لرواياتها البوليسية، اكتشفت أشفورد أن الأعراض يمكن أن تنسب إلى التسمم بالزرنيخ الذي يسبب دمامل تشبه قطرات المطر إذ تصبح مناطق في الجلد بنية أو سوداء وبقية المناطق بيضاء.(1)

أما عن رحيل الأخوات برونتي في سن مبكرة للغاية فكان بسبب المناخ الذي عاشت فيه الأسرة عندما انتقل الأب «باتريك برونتي» للإشراف على «أبرشية هاوارث» وقد تناولت الكاتبة أمينة السعيد وصف هذا المكان وتحليله في كتابها «وحي العزلة» والذي يؤكد يقينا الأسباب الرئيسية لرحيل الأخوات برونتي في هذا السن المبكرة. تقول أمينة السعيد عن شدة معاملة الأب لأفراد الأسرة، وعزلة الأخوات والأسرة في بيئة شديدة البرودة، حتى تكوّن حول أسم الأخوات برونتي ما يمكن أن يوصف بالأسطورة الغرائبية في حياة تلك الأسرة. وما من شك في أن نجاح روايات شارلوت وشقيقتيها، بالرغم من غرابة الوضع والموضوع، قد ساعد على انتشار مفردات هذه الأسطورة بكثير من الحكايات الحقيقية والمنتحلة التي قيلت عن تلك الأسرة. ولكن قيمة أعمال الأخوات برونتي الأدبية لم تتأثر كثيرًا بما نسج حولها من القصص الخيالية والذكريات التي ربما كانت من الممكن ألا يكون لها أساس من الحقيقة: «ففي أحد أيام شهر مارس سنة 1820 وقفت عربة كبيرة أمام أبراشية «هاوارث» تحمل أفراد أسرة الوافد الجديد. وهبط منها السيد برونتي المسئول الجديد عن عمل الأبراشية في هذه المنطقة، في عظمة وجلال كأنه ملك يغادر عرشه، ثم تبعته زوجته النحيلة، ومن خلفها ستة أطفال لم تبلغ أكبرهم السابعة من عمرها بعد. ووقف الكل لحظة يتأملون تلك الوحشة السائدة، ويوازنون في صمت بين هذا المكان الرهيب الخرب وبين ثورنتون المرحة البهيجة القادمين منها؛ ولكن أحدًا لم يجرؤ على النطق بكلمة تفضح ما يجول بذهنه، خشية إغضاب رب الأسرة الصارم الذي لا يسمح لأفراد مملكته الصغيرة بتعليق أو اعتراض؛ ثم دخلوا إلى دارهم الجديدة أو إلى منفاهم بعبارة أوضح، ليعيشوا ويموتوا بين جدرانه السميكة في معزل عن المجتمعات والناس. وتقع قرية هاوارث الصغيرة فوق تل مرتفع شديد الانحدار، وعلى مبعدة منها تقوم الأبراشية وحدها كقلعة صغيرة من قلاع العصور الوسطى، وتطل من ناحية المقبرة الكنيسة؛ ومن الناحية الأخرى على حانة بعيدة وضيعة هي حانة «الثور الأسود» وتحيط بها براري يوركشير الواسعة من كل الجهات، فتعزلها عن العمران، وتنشر عليها ظلال من الكآبة والوجوم. ودار الأبراشية بيت حجري عتيق: جدرانه سميكة رطبة، وسقفه منخفض، ونوافذه صغيرة ضيقة لا تسمح بدخول الشمس أو مرور الهواء، وهي تتكون من طبقتين تشمل الأولى مكتب الأب وقاعة أخرى تستعمل للطعام والجلوس. أما الطبقة الثانية فتحتوي على أربع حجرات: إحداها صغيرة ضيقة خالية من الوسائل الصحية، وليس فيها موقد يبعث الدفء بين جدرانها الرطبة؛ وفي هذا المكان الكريه حشر الأطفال الستة ليناموا ليلًا ويلعبوا نهارًا. وشتاء تبدو «هاوارث» لا نهاية لها في برودة الجو. فالثلوج تتساقط بشدة، والأمطار تنهمر معظم أيام السنة، والرياح والأعاصير لا تنقطع، وتضرب الجدران الحجرية فتردد البراري صداها في ليل طويل. وقد يحدث في بعض الأحيان أن تكف الأمطار، وتهدأ الرياح، وتنقشع الغيوم، فيهب نسيم رقيق، وتشرق الشمس، ولكن مثل هذه الأيام نادرة لا يتمتع الناس بها إلا بضع مرات كل عام. كما تبدو «هاوارث» أيضًا مرتعا خصبا للأمراض والحميات، وفي كل موسم يطبق عليها داء جديد يفتك بأهلها، فتكثر المآتم وتتعدد الجنازات، ويقال إن عدد ضحايا الحميات يبلغ مائة وخمسين شخصًا كل سنة، وهو عدد كبير إذا عرفنا أن عدد سكان البلدة لم يتجاوز ستة آلاف فقط. كما كانت القرية محاطة بمئات الآلاف من الخراف التي تعتاش من أعشاب مراعيها المترامية الاطراف، والمفتوحة أمام الضباب والرياح والعواصف الثلجية التي تتحدث عن موت العشرات من الأطفال والكبار ضحايا مرض السل الرهيب في ذلك الوقت، وكانت هذه المقاطعة ستظل مجهولة مثل باقي قرى مقاطعة يوركاشير الواقعة في شمال انجلترا ، لولا قدوم هذا الساكن الجديد وأسرته التي شاء لها القدر أن تترك بناته الثلاث قبل رحيلهن عن هذا المكان ثمانية كتب ألفنها، وأن أثنين منهما ستطبع منها مئات الملايين من النسخ وبكل لغات الأرض وهى (جين آير) و(مرتفعات ويذرنج). في هذا المكان الموحش الكريه استقرت الحياة بمستر برونتي وأسرته، وكان قد تسلم مقاليد منصبه في صمت، وقام بواجبات عمله في سكون، ولم يقصر في واجب منها، ولكنه في قرارة نفسه كان يحتقر أهل المنطقة لجهلهم وخشونتهم، ويجدهم دائمًا دونه مقامًا وذهنًا، ولذلك بقي على مبعدة منهم، ولم يعقد أواصر صداقات جديدة مع أحد؛ ووافق سلوكه مزاج أهل المنطقة فاحترموه وبجلوه.(2)

كذلك يجمع القدر بين جين أوستن والأخوات برونتي أن جين أوستن هي الأخرى كانت أبنة رجل دين وهي السابعة من ثمانية أخوات كن يعشن أيضًا في الريف الإنجليزي، فقد ولدت جين أوستن في ستيفنتسون بهاماشاير عام 1775، ولم تتلق قسطًا وافرًا من التعليم في المدرسة، إذ قضت فترة وجيزة من الدراسة في أكسفورد بسوثهامتون، وفي سن التاسعة أولعت بالقراءة، وانكبت على قراءة الأدب الإنجليزي السائد، فقرأت لشكسبير وميلتون واكتسبت معرفة ضافية بروائيي هذا العصر وشعرائه وكتاب مقالاته، وسرعان ما نضج عقلها وأصبحت ذات ذكاء فائق رغم خجلها، وقد قضت جين قرابة خمسة وعشرين سنة في بيت خوري الأبرشية في ستيفنتسون، وانتقلت عام 1801 بعد تقاعد والدها إلى باث مع والديها وشقيقتها كاساندرا، وبعد رحيل والدها انتقلت مع أمها وشقيقتها إلى منزل يمتلكه شقيقها إدوارد في هاماشاير، واعتلت صحتها فانتقلت إلى ونشستر للرعاية الطبية، وأخذت صحتها وقواها تضمحل شيئًا فشيئًا، وتوفيت في الثامن عشر من يوليو عام 1817 وعمرها لا يتجاوز واحد وأربعين عاما، ودفنت في كنيسة ونشستر.

ولا جدال في أن جين أوستن كنت تختلف عن الكثير من مجايليها من الكتاب في طرح ما تراه أمامها من أحوال وممارسات اجتماعية ونفسية وإنسانية بطريقة مفرطة في النقد والتحليل، فهي تمتاز بروح نضالية قوية، كما أنها أدنى إلى الواقعية منها إلى الرومانسية كعهد العديد من مجايليها. كانت تعيش حياة برجوازية هادئة لا تعرف الهوى، وكانت توزع وقتها بين القيام بواجباتها المسيحية وتأليف رواياتها، كانت حكيمة فلم تصف إلا الأشخاص الذين كانت تستطيع أن تلاحظهم في ركنها الريفي. لم تتحدث عن الحب أو المصائب الفادحة، بل تناولت شئون الزواج وخصومات الناس، وحاولت أن تضحكنا من ضعف الآخرين ومن صغائرهم وتفاهاتهم، وهي سعيدة بذلك سعادة العانس العجوز رغم أنها كانت ما تزال شابة حين كتبت (العاطفة والهوى)، و(الكبرياء والهوى). لقد كانت الحماقة الإنسانية موضوعها الأساسي. كانت أبرز وأهم رواياتها (الكبرياء والهوى)، وقد برعت جين أوستن في تصوير ممارسات البنات، ولكنها لنقص تجربتها لم تدرك شيئًا من الحالة النفسية للرجال. ولم تعد روايات جين أوستن تقرأ بكثرة، لأن المجتمع الذي تصفه لنا قد مات، وقيمة هذه الروايات الآن هي قيمة تاريخية بالدرجة الأولى.(3) كما: تظهر قصص جين أوستن وكأنها صور مصغرة للحياة الاجتماعية الإنجليزية المنقوشة على صفحات العاج فقد كانت تعلم جيدًا ما تريد، وتدرك حدود إمكانياتها، ولهذا وصلت إلى مرحلة عالية الكمال في ميدانها، ولم تخطئ في حكمها على الشخوص، ولم تترك خيوطًا معلقة في قصصها، ولم تضف إلى صورها ألوانا زاهية أو زائدة، ولم تترك أثرًا في سردها للإهمال أو لعوامل المصادفة أو التخمين في التركيب أو الحبكة فنحن نجد أنه من الصعب علينا أن نعيد قول ما كتبت في قالب هزلى.

وقد وضعت جين أوستن نفسها في عزلة عن الحركات السياسية والاجتماعية التي كانت تشغل بال أوروبا في ذلك الوقت. فقد تجد شخصية جندي في قصصها ولكنها لا تهتم إلا بأثر بذلته العسكرية الجميلة في نفوس السيدات الصغيرات، وإذا ذكرت بحارًا في قصة أخرى فلكي تتكلم عن ضعف مرتبه وعن الصعاب التي تلاقيها زوجته. وتجنبت آثار الثورة الصناعية في انجلترا، وعاشت في الريف بعيدًا عن المدن وصخبها، وإذا سافرت إحدى بطلاتها فإن رحلتها لا تتعدى تغيير جو المنزل الريفي بآخر قريب، كما تجنبت في سردها الألم الرومانتيكي الذي عاناه شعراء هذه المرحلة فقليل جدًا من شخوصها النسائية تأثرن بالشعر الرومانتيكي أو قرأن روايات الفزع والرعب والغموض. وفي عالمها الذي صورته وعاشت فيه لا نجد أثرًا للفقر المدقع ولا الثراء الفاش. وكثيرًا ما تدور قصصها حول ثلاث أو أربع عائلات يعيش أفرادها في انسجام تام وتدور معاملاتهم في دائرة اجتماعية ضيقة تحكمها العادات الطيبة والمنطق المعتاد السليم.

وفي هذه الدائرة الضيقة لم تكن هناك حوادث تثير الزوابع أو تعكر صفو الهدوء أو تجعل ماء هذه البحيرة الصافي يضطرب بالأحداث الهائلة. وكان أهم ما يشغل بالها هو الزيارات من آن لأر، والقيل والقال والأفراح والشراء من الأسواق أو التحدث عن العائلات الجديدة. وكان أهم وأخطر حدث يمكن أن يحدث هو «حفلة رقص»، وأفظع شيء هو فرار رجل مع آنسة.

ومن ناحية أسلوبها فكانت لا تضيع وقتها في الوصف بل تندفع بكل قوتها نحو هدفها وهو الكشف عن شخصياتها خلال الحوار. وبطلاتها بالرغم من أخطائهن وغلطاتهن يعتبرن «سيدات» وشهرة جين أوستن الأدبية واسعة ويعتبر الوصف غير المباشر للشخوص هو أهم سمات كتابتها، وكثيرًا ما كانت تفصح عن نفسها بعبارة واحدة، ويعتبر أسلوبها في السرد أسلوبًا فنيًا عالية فيه سخرية فيلدنج اللاذعة وحبكات قصصها توحى بعقلية فذة، ولو أنها غير رومانتيكية وتدور معظمها حول وصف الحياة وكأنها لعبة لكسب زوج أو اقتناص عريس مناسب».(4)

كانت جين أوستن تمثل أيقونة مهمة في ريادة الكتابة النسوية الإنجليزية، وتعتبر من الكاتبات الذين رادوا هذا الجانب وتأثر بمنجزها العديد من الكاتبات خاصة الذين تابعوها من العصر الفيكتوري أمثال الأخوة برونتي وغيرهن من كاتبات هذه المرحلة. وقد قيل عنها الكثير، قالت عنها فرجينيا وولف: «تعتبر جين أوستن أكثر كاتبة مبدعة وسط الكاتبات». وقال عنها سومرست موم: لقد وجدت المرأة نفسها عندما ولدت جين.. وقال عنها المؤرخ الكبير مالاي: إنها أعظم أدباء إنجلترا بعد شكسبير.. وقال عنها والتر ألن: «أصبحت جين أوستن مقياسًا ومرجعًا نعود إليهما كلما أردنا أن نقيم أعمال المؤلفين المحدثين.. وقد وصفها هنري أوستن أقرب أخوتها إليها من الذكور بأن جاذبيتها تكمن في شخصيتها التي جعلت لها حضورًا مميزًا في الأوساط الاجتماعية والأدبية».(5) وحول ظلال إبداعها والمراجع المستقاة منها وما سبق أن كتب عنها أوضحت فرجينيا وولف ذلك بقولها: «كان من المحتمل – لو أن الآنسة «كاسندرا أوستن» نجحت في تنفيذ رغبتها – أننا ما كنا لنحصل من جين أوستن إلا على قصصها وحدها. فلم تكن تكتب بحرية إلا لأختها الكبرى، وإليها وحدها كانت تفضي بآمالها، ولو صدقت الشائعات فإن جين أوستن تكون قد أفضت إلى أختها بخيبة الأمل الكبرى الوحيدة في حياتها، ولكن عندما أصبحت الآنسة كاسندرا أوستن عجوز أو ازدادت شهرة أختها تصورت أنه قد يأتي الوقت الذي يتفحص فيه الغرباء ويدرس التلاميذ كل ما له علاقة بالكاتب. أحرقت كاسندرا كل خطاب كان يمكن أن ينقع غلة المتعطشين، ولم تبق إلا ما اعتقدت أنه من التفاهة بحيث لا يثير اهتمام أحد.

لذلك فقد استقينا معلوماتنا عن جين أوستن من الشائعات ومن قليل من الخطابات ومن كتبها. أما عن الشائعات – الشائعات التي ظلت حية واضحة – فإنها لا تستحق الازدراء. وبإعادة ترتيبها قليلًا فإنها تصبح ملائمة لهدفنا بصورة عجيبة. ومن أمثلة ذلك أن جين لم تكن جميلة على الإطلاق وإنما كانت متأنقة جدًا على خلاف فتاة في سن الثانية عشرة.. وكانت هوائية غريبة الأطوار بل ومتكلفة. هكذا وصفتها ابنة عمها فيلاديلفيا أوستن. وعندنا بعد ذلك السيدة ميتفورد التي عرفت الأختين أوستن منذ الصغر والتي كتبت تقول «إنهما ألطف وأغبى صائدات أزواج متكلفات عرفتهما في حياتي». وتأتى بعد ذلك صديقة الآنسة ميتفورد المجهولة الاسم التي كانت تزورها دائمًا، وتقول إنها تجمدت كقطعة دقيقة متصلبة، قطعة صامتة للغبطة الفردية إذا كان يمكن أن توجد، وأنه – حتى ظهر كتاب (الكبرياء والتحامل) أي جوهرة ثمينة كانت مخبؤه في ذلك الغلاف الذي لا يلين – لم يكن المجتمع يرى في جين أوستن أكثر من إمعة «لم تكن في نظر المجتمع إلا القطعة الحديدية التي يقلّب بها النار في المدفأة».. ولكن أصبحت القضية مختلفة الآن تمام الاختلاف، ثم تمضي السيدة الطيبة فتقول «أنها لا زالت ذلك المحرك للنار – ولكنه محرك يخشاه كل فرد.. إن لجين أوستن ذكاء الفنان الذي يرسم الشخصيات والذي لا يتكلم ومع ذلك فهو مرهوب فعلًا!» ومن الناحية الأخرى هناك – بالطبع – آل أوستن وهم قلما يقرظون أو يمتدحون أنفسهم، ولكنهم على أية حال قالوا إن أخوتها كانوا معجبين بها فخورين. وكانوا متعلقين بها لعبقريتها وطهرها وسلوكها الحميد. وأحب كل منهم – فيما بعد أن يتخيل الشبه بين بنات العمومة أو بناتهم وبين الأخت العزيزة جين، التي لا يتوقعون أن يجدوا لها مثيلًا مطابقًا. كانت جذابة ولكنها مستقيمة، محبوبة بين الأهل، مهابة الجانب بين الغرباء، لسان لاذع وقلب رقيق. وليست هذه المتناقضات بأي حال من الأحوال متناقضة في حياتها، فعندما نرجع إلى القصص سنجد أنفسنا نتعثر أيضًا في هذه العقد من الكتابة.(6)

وعلى الرغم من أن روايات جين أوستن كانت دائمًا رائجة، إلا أن بعض من نقاد مرحلتها قاموا بمحاولة التقليل من شأنها حال التعرض لها نقديًا، حتى قام «فرانك ريموند ليفيس» وهو ناقد أدبى عاش في أوائل القرن العشرين يعرف بتركيزه وربط الأدب بالأخلاق والحياة، كذلك «أيان وات» في كتاباته عن نشوء الرواية الإنجليزية ونقدها وآخرون بإعادة تقييم أعمالها في منتصف القرن العشرين، وقد اعترف الجميع بأهمية جين أوستن في تطوير الرواية الإنجليزية بعد هنري فيلدنج (1707-1754) وصاموئيل ريتشاردسون (1689-1761) وقبل تشارلز ديكنز اتفقوا على أنها مزجت بين الأساليب الذاتية وظاهرة السخرية عند فيلدنج وأساليب الواقعية والتهكم عند ريتشاردسون مما صنع في كتابتها أمورًا تفوق كليهما. وكانت روايتها بحسب ترتيب صدورها (العقل والعاطفة) Sense and Sensibility و(الكبرياء والهوى) Pride and Prejudice و(متنزه مانسفيلد) Mansfield Park و(إيما) Emma وما نشر بعد رحيلها (إقناع) Persuasion و«دير نورثانجر» Northanger Abbey. وهي الروايات الست التي تشكل عالمها الإبداعي الذي حقق لها وللأدب الإنجليزي حلقة خاصة ومتميزة من منجز النقد الاجتماعي في العصر ما قبل العصر الفيكتوري في إنجلترا خلال تلك الفترة المبكرة من الإبداع الروائي الخاص. وقد نشرت جميع روايات جين أوستن ما بين عامي 1811 و1818، وقد حققت خلال تلك الفترة نجاحًا لافتًا بسبب رؤاها الخلاقة في طرح الكثير من المعاني والمضامين السائدة في العلاقات والممارسات الاجتماعية التي برزت في المجتمع الإنجليزي خلال تلك الفترة، مما جعلها كاتبة هذا الزمن بجميع المقاييس الكتابية المعروفة خلال تلك المرحلة وكانت رواياتها الستة بمثابة حلقة متصلة من الإبداع الروائي فرض نفسه على تلك المرحلة كما نشر بعد رحيلها روايتي (دير نورثانجر)، و(اقناع) 1818، وكان لها رواية سميت فيما بعد «بلدة سانديتون» بدأتها ولكنها لم تستكمل بسبب الرحيل. وقد احتفظت جين أوستن بشعبيتها عبر هذه السنين الطويلة، وقامت المملكة المتحدة خلال الآونة الأخيرة بعقد عدة احتفاليات كبيرة بمناسبة مرور قرنين ونصف على ولادتها حيث أصبحت سيرتها الذاتية والأدبية أكثر شعبية من أي وقت مضى، وأصبحت أوستن ظاهرة أدبية غير تقليدية في الأدب الإنجليزي، وقد ساعدت الدراما السينمائية والتليفزيونية في فرض هذا الحضور، وهذه الشهرة التي ملأت الدنيا ضجيجًا حولها وحول عالمها الروائي المكون من ست روايات. فقد كانت جين أوستن تكتب عن عوالم هي تعرفها وتتفاعل معها، لا سيما العنصر النسائي المستقى في هذا المجتمع والذي تدور حوله حكاياتهن وسلوكياتهن التي تملأ هذا الزمن، كما كانت ترسم صورهن المرسومة بعناية خلال تلك الفترة الانتقالية من الزمن الإنجليزي الاستعماري. ففي رواياتها تظهر أهمية الحب والزواج والعلاقات الاجتماعية في تنوعها وتفاعلها العام خاصة العاطفية الدائرة بين فتيات وفتيان الطبقة البرجوازية الجديدة من الرأسماليين العائشين تلك الانزحايات ففي رواية (الكبرياء والهوى) يتزوج السيد بينيت، كما تروى أوستن، من السيدة بينيت لأنها «أسرته بشبابها وجمالها» ولكن ما أن يزول هذا السبب في خضم العلاقات الأسرية المتعاقبة في روتينها الاجتماعي حتى يكتشف طبيعتها الحقيقية، واستعدادها للتخلي عن كرامتها واعتدادها بنفسها، ومبادئها بغية إيجاد أزواج لبناتها فينصرف لقراءة الكتب التي تمنحه بعض العزاء.

في هذه الرواية تختبر أوستن العلاقات الزوجية في تنوع مشاهدها واختلاف توجهاتها، في مسعى لتقييمها. هناك زواج ليديا وويكهام إثر فرارهما معًا، وهو زواج مبنى على الشبق والمصالح، ومن ثم زواج جاين وبينجلي القائم على الحب والعاطفة فقط، وزواج شارلوت وكولينز العقلاني تمامًا والمجرد من كل العواطف، لتكلل الرواية أخيرًا بزواج دارسي واليزابيث القائم على الحب والندية والاحترام المتبادل. وفي رواية (إيما) يعود الزواج ليتصدر الأحداث. فبطلة الرواية لا يشغل بالها سوى الجمع بين القلوب المتحابة، وبين كل شاب وفتاة ترى أنهما يليقان بعضهما ببعض حتى من دون موافقتهما أو وجود مشاعر تربط بينهما. لكنها تكتشف لاحقًا أنها مغرمة بصديقها العزيز نايتلي الذي يكبرها بعشرة أعوام، وذلك بعد محاولة إحدى صديقاتها التقرب منه، فتتخلى عن «مهمتها الإنسانية» وتقرر الفوز به لنفسها. إيما هي البطلة الوحيدة في روايات جين أوستن التي تمتلك استقلالية مالية، وبالتالي فإنها لا تنظر إلى الزواج على أنه وسيلة لتحسين مكانتها الاجتماعية والمادية. بل هي تخشى من أن يحول الزواج دون حفاظها على استقلاليتها. ولعل أكثر ما يميز إيما عن سائر بطلات أوستن، مشاعرها الباردة وبعدها التام عن الرومنطيقية، على عكس ماريون داشوود في رواية (إحساس وعقلانية)، وآن أليوت في رواية (الإقناع)، وجاين في رواية (كبرياء وتحامل)، وعلى خلاف سائر البطلات اللواتي تحركهن عواطفهن، تبدو إيما متفلتة من قيود الحب، وتنظر إليه من زاوية أخرى، فهي تكتشف في الفصل الأخير من الرواية، عندما مشاعرها نحو «نايتلي» تتحول إلى بطلة رومانسية نمطية من بطلات أوستن. عندما نشرت جين أوستن روايتها الأولى «الإحساس والعقلانية» عام 1811 لم يكن أحد ليتوقع أن هذه الكاتبة ستصبح من أبرز سيدات الأدب الإنجليزي، وقد تطلب الأمر مائة عام قبل أن تعود رواياتها إلى الواجهة ويجرى تداولها في الأوساط الأكاديمية والثقافية لتصيب في نهاية الأمر شهرة عالمية لا تزال مستمرة حتى اليوم.

كذلك يجمع القدر بين عالم جين أوستن وعالم الأخوات برونتي أنهما في مرحلتين روائيتين متعاقبتين في الكتابة النسائية حيث كانت الرواية النسائية الإنجليزية في ذلك الوقت لا زالت في المهد. وكانت هناك بعض الفروق في توجه الكتابة حيث كان الأخوات برونتي يكتبون في بداية حياتهن تحت أسماء وهمية، وقلن في ذلك:«… لقد حجبنا هويتنا خلف أسماء مستعارة هي (كورير بيل Curer Bell)، و(أليس بيل Ellis Bell)، و(أكتن بيل Acton Bell) لأننا لا نرغب في أن يعرف الجمهور بأننا نساء إذ أن طريقتنا في الكتابة والتفكير لا تتفق والأعراف ومع ما يسمى «أنثويا» feminine كما أننا على يقين بأن المرأة الكاتبة عرضة لهجمات الجمهور المتحيز، وللنقاد الذين يلجؤون إلى مقاييس خاصة عند تقييم النتاج الأدبي النسوي، وسلاح الشخصية هذا هو للتأديب تارة وللتملق تارة وللعقاب والمكافاة». هذه كلمات كتبتها الروائية «شارلوت برونتي» في مقدمتها لروايتي (مرتفعات وبذرنج)، و(أكنس كرى) لأختيها (إيميلى) و(آن) طبعة 1850 والتي تشير بها بصورة ضمنية ومباشرة إلى نشر مجموعة صغيرة من القصائد الشعرية التي لم يكن الجمهور متحمسًا ولا راغبًا في مثل هذه النماذج الأدبية الشعرية التي نشرتها الأخوات «برونتي» في ذلك الوقت. وكانت هذه المقدمة التي كتبتها (شارلوت) آنذاك توضح موقف النقاد التقليدي المتعصب تجاه المرأة الكاتبة – ذلك الموقف الذي اطلعت عليه بمرارة بعد ثلاثة سنوات من نشر روايتها (جين آير) Jane Eyre.

وحول هذا الموضوع كتب الروائي (أنتونى ترولوب) Anthony Trollope يقول أيضًا عن الأدب الذي ينشر من غير اسم أو تحت اسم مستعار: «إذا تحتم على الكتاب أن ينشروا بأسمائهم الحقيقية فإن النساء مستثنيات من ذلك لأن طبيعة المرأة لا تسمح لها بالنشر باسمها الحقيقي، ونحن معجبون بجبنها وضعفها كما نحن معجبون برقتها». «إن كلمات (ترولوب) إشارة واضحة إلى الشعور بالتفرقة على المرأة، واقتراح مثل هذه المعاملة المميزة هو الشيء الذي اعترضت عليه (شارلوت برونتى) ووصفته (تملقًا) كما أنها ثارت على مديح ممزوج بإشارات التودد الكاذب لجنسها حيث أن في ذلك تجريحا لمشاعرها أكثر من كونه قدحا أو لوما».(7)

كما جمع بينهم جميعا تحّول معظم أعمالهن الروائية إلى دراما تليفزيونية وأفلام سينمائية عبّرت عن صخب الحياة وماديتها المفرطة، وأن الجزء الشفاف في دواخلنا والرغبة في الاستسلام للحلم الرومانسي لا يكتنفه أي شيء في حياتنا المعاصرة. وكان المناخ الريفي الإنجليزي في هذه الأفلام التي لاقت رواجًا كبيرًا طوال هذه السنوات، كما وجدت الكثير من الاحتفاء النقدي حول هذا المناخ الكلاسيكي الذي يعبر عن الحياة الواقعية والرومانسية والطبيعية التي كانت سائدة في أعمال كل من جين أوستن والأخوات برونتي خلال تلك الفترات البعيدة من الزمن. وتبدو الحكايات المستلة من روايات هذه المرحلة وكأنها مقاطع من الحياة الإنسانية وتعبر تعبيرًا صادقًا عن خبايا النفس البشرية، وهي ليست موضوعات تنتمي من القرن الثامن عشر أو التاسع عشر ولكنها تبدو وكأنها تنتمي إلى عالم اليوم رغم كل تعقيداته والدليل على ذلك ما وجدته هذه الدراما في قلوب مشاهديها وعقولهم من ردود فعل أثارت الكثير من الاحساس بالرجوع إلى هذه الأزمنة بما فيها من مشاعر صادقة وصراع لا يخبو بين مشاعر الحب المتأججة وبين كبرياء النفس المجروحة.

وعن روايات الأخوات برونتي في عالمهم الكتابي تعتبر رواية (مرتفعات ويذرنج) Wuthering Heights هي الرواية الوحيدة للكاتبة إميلي برونتي. صدرت هذه الرواية لأول مرة عام1847 تحت أسم مستعار هو إيليس بيل Ellis Bell وقد أجرت أختها شارلوت بعض التعديلات على الطبعة الثانية بعد وفاة إميلي، وقد تم طرح أسم الرواية من أسم قرية صغيرة من مروج يوركاشير وهي بلدة تاريخية في شمال إنجلترا، والكلمة في معناها تعنى الجو المتقلب. وكأن الدلالات والتأويلات والمعنى العام لأحداث الرواية كان يحقق طبيعة هذه التسمية، حيث تحكى الرواية قصة الحب والشغف اللذان يصلان حد الامتلاك بين بطلي الرواية «كاثرين Cathrine»، و«هيثكليف Heathcliff» وكيف يصل بهما هذا العشق المحموم في شكله وعنفوانه إلى تدميرهما معا وتدمير آخرين من حولهما: «ويميل النقد عادة إلى التركيز على جانب معين من جوانب الناحية الفنية، وإلى استبعاد جوانب قد تكون ذات أهمية، ويتضح هذا من مقارنة بعض المداخل النقدية التي طبقت على الرواية. ففي محاولة لتحديد تأثير بيرون – على سبيل المثال – على أميلي برونتي بشكل عام، وعلى (مرتفعات وذرنج) بشكل خاص، ترى الكاتبة وينفريد جيري وهي كاتبة سير وعضو في الجمعية الملكية للأدب نفي شخصية هيثكليف «البطل البيرونى بلا منازع»، ثم تذهب إلى أبعد من ذلك حين تتبع وجه المقارنة بين «برومثيوس» للشاعر شيللي وبين الرواية في تصور كل من الكاتبين لفكرة الافتداء عن طريق الحب. ويذهب سومرست موم إلى أبعد من ذلك عندما ينظر إلى الرواية على أنها عمل رومانسي على أساس ما به من انطلاق للخيال، وما يتضمنه من غموض وعواطف مشبوبة وعنف. ويأتي الانطباع النهائي الذي نخرج به من مثل هذه الرؤى النقدية على أن (مرتفعات ويذرنج) لا علاقة لها بأشياء مثل الواقع الاجتماعي والتناقضات الاجتماعية. أما شارلوت برونتي ففي روايتها الرائعة (جين آير) فقد تفادت الوقوع في براثن السيرة الذاتية لتعبر عما يعتمل داخلها في الشكل الروائي، فالسيد روشتر – الذى تعمل عنده جين مربية لطفلته – رجل متزوج امرأة مجنونة، وقبيحة، تموت المرأة في محاولة لحرق بيت الزوجية مفسحة بذلك الطريق لجين كي تتزوج من روشستر الذى أحبته، ولكن التزامها الأخلاقي أبعدها عن هذا الطريق، فالرواية تعكس صورًا من حياة شارلوت التي كثيرًا ما كانت تنجح في التغلب على عاطفتها بفضل تمسكها بقيمها الدينية، لكن الرواية لا تقتصر على هذه اللمحات من سيرة شارلوت الذاتية، وفي الرواية تقوم البطلة جين بسرد الأحداث منذ الطفولة، فالفصول الأولى من الرواية توضح لنا خلفية جين التربوية وتأثيرها على تكوي شخصيتها التي سوف تنضج فيما بعد. وفيها تبدأ الخيوط الرئيسية للرواية التي تظهر براعة شارلوت في تناولها منذ البداية عندما تعكس الظروف المحيطة بالشخصية دون التغلغل فيها. ويرجع نجاح الرواية لهذا الأسلوب الذي سيستمر لنهابة، فالبطلة تتحدث عن تجاربها دون أن تقحم القارئ في عالمها فهي تعطية البعد الكافي الذي يسمح له برؤية العالم من خلال تجربتها مع الاحتفاظ بتقييمه الموضوعي، هذا على الرغم من أن جير آير كانت هي مركز الرؤية في الرواية. ويعتبر أهم ما أنجزته شارلوت في روايتها هو أنها طرقت آفاقًا جديدة من التجارب الإنسانية، حيث لمست حقائق دفينة من المشاعر البشرية تجتاز بها حدود العقل الواقعي، لتخرج إلى النور حقائق من مكنون النفس البشرية لم يكن قد تم التعرف عليها.(8)

وفي رواية آن برونتي الثانية (نزيل قاعة ويلدفيل) وهي الرواية الثانية للكاتبة نشرت لأول مرة عام1848 تحت الاسم المستعار «أكتو نبيل» وقد حققت الرواية بعض النجاحات كنجاحات روايات شقيقاتها، وبعد رحيلها قامت أختها شارلوت بنشرها مرة أخرى عام1954. وتدور الأحداث التي كتبت بالأسلوب الرسائلي من جيلبرت ماركام إلى صديقه حول الأحداث المرتبطة بلقائه بأرملة شابة غير معروفة تدعو نفسها هيلين جراهام، التي حلت مع ابنها الصغير وخادمة بقصر اليزايثي كان فارغًا لسنوات، تواصل هيلين مسيرتها الفنية في القصر وتحصل على المال عن طريق لوحاتها، ولكن الاشاعات سرت عنها وأصبحت منبوذة اجتماعيا، رفض جيلبرت تصديق الإشاعات المترددة عنها وأصبح صديقًا لها وعرف ماضيها من قراءة المذكرات التي أعطته له جيلبرت، تروي هيلين تدهور حالة زوجها الجسدية والمعنوية بسبب الكحول والفجور في المجتمع الأرستقراطي، وفي النهاية تهرب هيلين مع أبنها بعيدًا عن والده حتى تنقذه من تأثير والده عليه، وقد أوضحت آن برونتي رؤيتها حول معتقدات الرسالة الأخلاقية في التصالح الكوني. يعتبر معظم النقاد أن رواية (نزيل قاعة ويلدفيل) واحدة من أوائل الروايات النسوية التي قالت عنها «ماي سكلير» عام 1913: «إن إغلاق باب غرفة نوم (هيلين) في وجه زوجها أمر تردد صداه في جميع أنحاء انجلترا الفيكتورية» وعندما تركت هيلين زوجها وأخذت طفلهما معها، لم تنتهك الأعراف الاجتماعية فحسب، بل انتهكت أيضًا النظام الإنجليزي في أوائل القرن التاسع عشر.

 

الإحالات:

1 – جين أوستن الكاتبة التي تجاهلت نابليون وأعطت ظهرها لأمجاده، جمال الكناني، مج الدوحة، الدوحة، ع 66، يونيو 1981 ص 40.

2 – وحي العزلة.. شارلوت برونتي وأخوتها وآثارهم، أمينة السعيد، دار المعارف، القاهرة، 1946 ص 16 بتصرف.

3 – الأدب الإنجليزي، بول دوتان، سلسلة دائرة المعارف الأدبية العالمية 2 دار الفكر العربي القاهرة 1948 ص179.

4 – جين أوستن (1775-1817) كتاب القصة في الأدب الإنجليزي من بيوولف حتى فيفيجانروبك للدكتور طه محمود طه، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1966 ص 71.

5 – ملحق الجزيرة الثقافية، الرياض/ المملكة العربية السعودية، ع 291، 9 يوليو 2009 ص 17.

6 – جين أوستن ونضوج الرؤية في أدب المرأة، د. مارى تريز عبدالمسيح، مج القاهرة، القاهرة، ع 53، 4 فبراير 1986 ص 21.

7 – المرأة في التأليف.. دراسات في الأدب الإنجليزي، ترجمة سهيلة أسعد نيازي الموسوعة الصغيرة، دار الجاحظ للنشر، بغداد، 1983 ص 5/6.

8 – جين أوستن ونضوج الرؤية في أدب المرأة، مرجع سابق ص 21.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

شوقي بدر يوسف

ناقد من الأسكندرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى