العدد الحاليالعدد رقم 46ثقافات

جولة جورج كيرزون في الخليج العربي مطلع القرن العشرين

تكتسب منطقة الخليج العربي أهمية استراتيجية جديدة منذ بداية القرن العشرين حتى الحرب العالمية الأولى، وتشهد مجموعة من رحلات السياسيين الغربيين والإداريين البريطانيين، ما يُشير إلى أنها باتت على أعتاب حُقبة جديدة من تاريخها، سطّرها لها الاحتلال. وتُعدّ رحلات المبعوثين السياسيين الأوروبيين إلى المشرق العربي مصدرًا تاريخيًا ثريًا، هذا الإرث الثمين، الذي يضمّ المئات من النصوص النادرة، التي تُقدم مادة أولية لدارسي التاريخ الحضاري والسياسي والاجتماعي للمنطقة العربية عامة، والخليج وشبه الجزيرة العربية خاصة، عبر خمسة قرون؛ تمتد من القرن السادس عشر إلى منتصف القرن العشرين، إذ إن هؤلاء المبعوثون كانوا ملزمين عند عودتهم بكتابة تقارير يرفعونها إلى مرؤوسيهم، وهذه التقارير بالإضافة لأنها تُبينّ كيف يُمارسون أدوارهم الدبلوماسية، وكيف يؤدون المهام التي يُكلفون بها، فإنهم كانوا لا يهملون بوادي المنطقة التي يمروّن بها، وفيافيها ومجاهلها، ناهيك عن مدنها وبلداتها وقراها، ومضارب بدوها، فيقدمون وصفًا فريدًا لجغرافيتها وطبوغرافيتها، ومعمارها، وهيئة أهلها، واقتصادها ومواردها وإنفاقها، فخرجوا بمؤلفات إبداعية فريدة، فضلًا عن الشهادات والوثائق، التي يقدّمونها عن الأشخاص الذين يلتقونهم، وكذلك الخرائط والصور النادرة. ولعل اللورد كيرزون، كان الرحالة الأول في سلسلة هذه الرحلات، التي اختلفت منذ مطلع القرن العشرين هدفًا وشكلا ومضمونًا، وباتت مغلفة بأهداف سياسية أكثر من الأهداف الثقافية والاستكشافية.

يأتي في مقدمة المبعوثين السياسيين، الذين تجولوا في الخليج العربي، اللورد جورج ناثانييل كيرزون George Nathaniel Curzon 1925 -1859، أحد مشاهير رجال الإدارة البريطانية في الهند، إذ قضى أكثر من 27 عامًا من حياته في خدمة الإمبراطورية البريطانية، التي لا تغيب الشمس عن ممتلكاتها ومستعمراتها. ينحدر من أسرة إنجليزية نبيلة، وهو الابن الأكبر من أحد عشر ابنًا وبنتًا للقس ألفريد كيرزون ذي الأصول النورماندية، واشتق اسمه من اسم المقاطعة الفرنسية “نوتردام دي كورزون Notre Dame de Courson”. ولد كيرزون في قصر العائلة بدربي شير في 11 يناير 1859، وقضى أيام طفولته وربيع شبابه في كيدلستون وإيتون من أعمال ديربي شير، ثم انتقل إلى باليول Balliol بعد أن حصل على منحة دراسية، قضى فيها أربع سنوات (1878-1882)، ثم التحق بجامعة أوكسفورد في عام 1878؛ لتبدأ طموحاته، إذ أظهر نبوغًا مبكرًا، وبدأ أولى خطواته في مدارج حياته السياسية حينما أصبح رئيسًا لاتحاد الطلبة.

يُمكن تقسيم حياة اللورد كيرزون إلى مرحلتين: الأولى تشمل الأربعين سنة الأولى من حياته، وكانت مليئة ومزدحمة بفعالية، ومفعمة بسلسلة من العمل اليومي، إذ بدأ حياته العملية في عام 1885 مساعدًا للسكرتير الخاص للماركيز سالزبوري Marquess of Salisbury (1830-1903)، والذي شكّل أول وزاراته في 23 يونيو  1885، وما لبث أن أنتخب في العام التالي نائبًا في البرلمان عن ثاوثبورت في جنوب غرب لانكشير، وهو دون الثلاثين من العمر، وتقلّد العديد من المناصب الدبلوماسية، وقام بعدد من الجولات حول العالم، بدأت أولاها في عام 1888 حيث ارتحل في روسيا وآسيا الوسطى، تلتها جولة أخرى في فارس (1889-1890)، وأخذته أسفاره في عام 1892 حتى سيام والهند الصينية الفرنسية، وتجول في أفغانستان في عام 1894، ثم أهلته رحلاته وكتاباته؛ ليشغل منصب نائب الملك حاكم عام الهند البريطانية (1898-1905)، وهو المنصب الذي كان يتقلده عند قيامه بجولته في الخليج العربي مطلع القرن العشرين، وكان همه مقصورًا، في تلك الفترة، على كبح جماح الامتداد الروسي في آسيا الوسطى والخليج العربي.

المرحلة الثانية من حياة كيرزون تضمّ العشرين سنة الأخيرة من حياته، والتي تبدأ بوفاة زوجته ماريا في 18 يوليو 1906، وكانت وفاتها مصيبة عانى منها في حياته، قبل أن يعود  إلى ميدان العمل السياسي بدعوته ليكون عضوًا في الفريق الحكومي لإدارة الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، ورغم ارتباطه بالروائية إليانور جلن؛ إلا أنه ظل يُعاني من الفراغ العاطفي، ثم ما لبث أن تركها، وتزوج الأرملة الثرية جريس إلينا هندس في عام 1917، وهي أمريكية، وتمنى أن يُنجب منها ابنًا ذكرًا، وهو الرجاء الذي لم يتحقّق، فهجرها وانفصلا من دون طلاق، وعقب الحرب العظمى عُين وزيرًا لخارجية بريطانيا (1919-1924)، ولم تطل أيامه بعد خروجه من الحكومة، إذ مات في 20 مارس 1925، إثر جراحة غير ناجحة أجريت له في لندن، ونُقل جُثمانه حيث وري الثرى في مسقط رأسه، تاركًا العديد من المؤلفات، أغلبها في شؤون السياسة الخارجية لبريطانيا. وعلى الرغم من أنه لم يُعرف عنه تمسّكه بدينه، إلا أنه صرح في أواخر أيام حياته؛ بأنه لا يخشى الموت، لأنه سيجمعه مع ماريا في الحياة الأخرى، ولربما ألقى الاضطراب العاطفي بظلاله على تلك الشخصية القلقة، التي تركت بصماتها في تاريخ السياسة البريطانية في الشرقين الأوسط والأقصى.

يقوم اللورد كيرزون بزيارة لمنطقة الخليج العربي، تصفها المصادر المهتمة بالسياسة البريطانية في المنطقة “بالتاريخية”، وذلك في نوفمبر 1903، حيث كانت المنطقة تقع في دائرة حماية حكومة الهند البريطانية، لأهميتها كخط دفاع استراتيجي عنها، ويزور خلالها أهم مدن الخليج ومشيخاته وموانئه، لتفقد دولاب العمل في المقيمية البريطانية في بوشهر، والوكالات في موانئ الخليج العربي، ويلتقي بالشيوخ العرب، الذين تربطهم معاهدات حماية وصداقة مع الحكومة البريطانية، بدأت من ميناء كراتشي بالهند في يوم 16 نوفمبر على متن السفينة “هاردينج”، ترافقها مجموعة من السفن الحربية الضخمة بكامل تجهيزاتها الحربية والاستعراضية، وتصحبه زوجته “ماريا فيكتوريا ليتير”، ابنة مليونير أمريكي من أصل ألماني، فوصل مسقط في 18 من الشهر، حيث استقبلته بعثة السيد فيصل بن تركي البوسعيدي، سلطان عمان (1888-1913)، وما إن عاد الوفد السلطاني إلى الساحل حتى تقدّم السلطان فيصل في صحبة الميجور برسي كوكس Percy Cox (1864-1937)، الوكيل البريطاني في مسقط، مع مجموعة من الأعيان، وصعدوا إلى السفينة “هاردينج”، ثم زار مقر المقيمية البريطانية في مسقط، وزار السلطان العماني في قصره، ودامت الاحتفالات واللقاءات على مدى يومين.

يُغادر اللورد كيرزون ميناء مسقط إلى تفقد منطقة رؤوس الحبال، ثم يُبحر بين مضيق جزيرة مسندم، والساحل الرئيس في اتجاه الناحية الغربية من تلك الجزيرة، ويقوم بتفحص الجزر في الطريق حتى يصل الشارقة في غرة رمضان 1321هـ/ 21 نوفمبر 1903م، وفيها يجتمع مع شيوخ الساحل العماني: الشيخ زايد بن خليفة آل نهيان، شيخ أبو ظبي (1855-1909) يرافقه اثنان من أبنائه، والشيخ صقر بن خالد القاسمي، شيخ الشارقة (1883-1913) يرافقه أحد أبنائه، والشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم، شيخ دبي (1894-1906) مع أحد أبنائه أيضًا، والشيخ عبد العزيز بن حميد النعيمي ابن شيخ عجمان، الذي لم يتمكن من الحضور لمرضه، والشيخ راشد بن أحمد بن عبد الله المعلا ابن شيخ أم القيوين، الذي كان شيخًا طاعنًا في السن ولم يتمكن من الحضور أيضَا. ثم تنطلق رحلة نائب إدوارد السابع Edward VII، ملك بريطانيا (1901-1910)، تجاه بندر عباس، ويزور بعض موانئ الساحل الفارسي من الخليج: بندر عباس وهرمز وقشم، ويتفقّد جزر: هنجام وباسيدو ولنجة، ومن ثم يُبحر إلى البحرين، التي وصلها في صباح يوم 26 نوفمبر، ويصعد إلى ظهر سفينته الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، ولي عهد البحرين حينئذ، يرافقه وزير الشيخ للترحيب بالضيف، ثم يلتقي بعد ظهر اليوم نفسه بالشيخ عيسى بن علي آل خليفة، حاكم البحرين (1869-1932)، مصحوبًا بأبنائه الثلاثة، ويقوم النائب ومرافقوه بجولة في مدينة المنامة، يزور فيها مقر الوكيل البريطاني في البحرين. وكانت هناك ترتيبات للالتقاء بالشيخ أحمد بن محمد بن ثاني (1853-1905) في المنامة، ولكن الترتيبات لم تتمّ في التوقيت المناسب، وبالتالي لم يُعقد اللقاء.

يستكمل كيرزون جولته في الخليج العربي؛ إذ يواصل إبحاره إلى الكويت، التي وصلها في صباح يوم 28 نوفمبر، وما أن ألقت السفينة “هاردينج” مراسيها، حتى صعد على متنها الشيخ مبارك الصباح، حاكم الكويت (1896-1915)، يرافقه تشارلز أرنولد كيمبال Charles Arnold Kemball، المقيم السياسي البريطاني (1900-1904)؛ ليستفسر عن صحة اللورد كيرزون، ويستعلم عن الموعد المناسب للزيارة الرسمية، والتي تمّت بعد ظهر اليوم. وفي اليوم التالي بعد أن يقوم النائب بجولة بحرية؛ استكشف فيها خليج كاظمة، ينزل في بندر الشويخ، حيث كان في انتظاره حاكم الكويت مع أبنائه ومجموعة من الأعيان، وعقد اجتماع في بيت الشيخ المواجه للبحر، قدمت فيه القهوة العربية، وبعد ظهر اليوم زاره الشيخ مبارك مرة أخرى في السفينة “هاردينج” ليُعلن تخليه عن علاقته مع العثمانيين، ورفضه العروض التي قدمتها له فرنسا وروسيا، ودخوله تحت الحماية البريطانية. وقد تمكن كيرزون من دفع حكومة لندن إلى الموافقة على عقد اتفاقية مع الكويت لتدخل تحت الحماية البريطانية لمجابهة المد الألماني والروسي، ولحجب المؤثرات العثمانية عن الخليج. وفي مساء نفس اليوم غادر نائب الملك الكويت على ظهر السفينة “لورنس” تصحبها السفينة “سفينكس” متوجهًا لاستطلاع خور عبد الله، واختبار عمق المرسى في خور موسى، وكانت هناك ترتيبات ليلتقي بالشيخ خزعل بن جابر الكعبي، شيخ المحمرة (1897-1936)، ولكن لم تنجح، وبعد ذلك توجه اللورد كيرزون إلى بوشهر، فوصلها صباح يوم 2 ديسمبر، ليُغادرها بعد يومين عائدًا إلى الهند؛ مُنهيًا بذلك جولته في الخليج العربي.

يهدف كيرزون من زيارته ظاهريًا أن يقف على سير العمل في مؤسسات الإدارة الهندو بريطانية في الخليج العربي، وأن يلتقي الشيوخ العرب، الذين تجمعهم علاقات تعهدية مع حكومة الهند، وإجراء محادثات مع شيوخ الخليج؛ بهدف إدخالهم تحت الحماية البريطانية، خوفًا من التوسع الفارسي في الخليج، حيث كان يرى أن أي توسع فارسي هو توسع لروسيا القيصرية، كما كان يهدف إلى إظهار السلطة والسيادة البريطانية في الخليج؛ ردًا على زيارات السفن الحربية الروسية والفرنسية للمنطقة، وتبليغ شيوخ الخليج قولًا وفعلًا أنهم تحت حماية قوة دولية، وكذلك تبليغ رسائل إلى القوى الدولية تُفيد بأن الهيمنة البريطانية على الخليج تامة وناجزة، وأن بريطانيا العظمى لن تسمح لأي قوة دولية أخرى بمشاركتها تلك السطوة التي بنتها بتكاليف باهظة عبر تاريخ طويل.

وأفلح كيرزون أخيرًا في دفع الماركيز لانسدون Marquess of Lansdowne، وزير الدولة للشؤون الخارجية (1900-1905)، إلى أن يُعلن في مجلس العموم البريطاني في عام 1903 بيانًا عن أن الحكومة البريطانية لن تسمح بوجود أية قواعد دولية في الخليج، ونجح في جعل زعماء ساحل الخليج العربي يتقبّلون النفوذ البريطاني بدبلوماسية إمبريالية، وضمن اعترافًا رسميًا بالسيادة البريطانية في المنطقة، وبتفوّق البريطانيون على الفرنسيين والروس والألمان والعثمانيين.  ونجح في زيادة الروابط السياسية لمشيخات الخليج العربي قوة ببريطانيا. ونادى بأن الوجود البريطاني في الخليج يجب أن يظل من دون منازع، وألا تُشارك أية قوة دولية أخرى بريطانيا في المنطقة، تأكيدًا للتفوق السياسية والتجاري الهندو – بريطاني في مياه الخليج.

يهدف كيرزون، من ناحية أخرى، في جولاته إلى أن يُقدم للحكومة البريطانية دراسات جيوسياسية عن الأرض والسكان، والمشكلات السياسية، التي يتحتّم على الحكومة رصد انعكاساتها على الهند البريطانية، ونذر حياته السياسية للعمل على مجابهة منافسة روسيا القيصرية، وألمانيا النازية، للوجود البريطاني في الخليج العربي. وأخيرًا كان كيرزون كاتبًا إذ ترك عدد من الكتب والمقالات عن المناطق التي زارها، وجميعها طبعت ونشرت في حياته، الأمر الذي أهله لنيل جائزة الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية.

 

المصادر والمراجع

  • إيرل رونالدشاي: حياة اللورد كرزون، السيرة الذاتية لجورج ناثانييل كرزون، 3ج، محمد عدنان السيد (ترجمة)، أحمد إيبش (مراجعة وتحرير)، (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، 2013).
  • عبدالعزيز عبد الغني إبراهيم: روايات غربية عن رحلات في شبه الجزيرة العربية، 3ج، الجزء الثالث 1900-1952، (بيروت: دار الساقي، 2013).
  • علي عفيفي علي غازي: قطر الرحالة، (بيروت: دار الرافدين للطباعة والنشر، 2023).
  • لوريمر ج. ج.: دليل الخليج، القسم التاريخي، ج7، (الدوحة: ديوان أمير دولة قطر، 2002).
Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

د. علي عفيفي علي غازي

أكاديمي وصحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى