
هاروكي موراكامي: الروائي مترجِمًا ومترجَمًا
قدم الروائي الياباني الشهير هاروكي موراكامي في كتابه (مهنتي هي الرواية)(1)، رؤى عميقة حول مسيرته الأدبية، والكتابة الروائية كما مارسها، وطور فيها وبها أسلوبه الخاص الذي تميز به، ليقدم لنا نافذة فريدة على أعماق تجربته الروائية الثرية. يضم الكتاب مجموعة من المقالات والتأملات السيرذاتية التي تضيء جوانب خفية من حياته الأدبية؛ فهو ليس مجرد كتاب يتحدث عن الكتابة، بل هو نبضٌ حيٌّ لروح عشقت السرد واتخذته مهنة، مُبحرًا بنا في رحلة استكشافية لفهم جوهر أن تكون روائيًا حقيقيًا.
يبدأ موراكامي رحلته من خطاه الأولى المتعثرة في عالم الأدب، مرورًا بالتحديات الجسام التي شكلت مساره، وصولًا إلى قمة الشهرة التي بلغها. يحلّل بعمق ينابيع الإلهام التي تغذي الكتابة الإبداعية عامةً، والروائية منها خاصةً، وبناء أسلوبه الروائي الذي أصبح علامة فارقة في الرواية اليابانية والعالمية؛ ولا يغفل عن أهمية الروتين اليومي الصارم في عملية الإنتاج الأدبي، معتبرًا إياه ركيزة أساسية لتدفق الإبداع. ويتعمق في العلاقة الخاصة بين الكاتب وقارئه، وكيف تتشابك خيوط هذه العلاقة لتنسج نسيجًا فريدًا من التواصل الفكري والعاطفي. كما يتناول بجرأة تأثير الشهرة والنجاح، وكيف يمكنهما أن يلقيا بظلالهما على المسار الإبداعي للكاتب. وما يمنح هذا الكتاب بريقه الخاص هو صراحة موراكامي، فهو لا يتردد في كشف الستار عن تجاربه الشخصية، بما في ذلك الأوقات العصيبة التي كافح فيها، والانتقادات اللاذعة التي تعرض لها.
تخللت فصول الكتاب عدة إشارات إلى الترجمة ودورها بالغ الأهمية في عمليتَي الكتابة والنشر في مسيرته. يكشف لنا موراكامي (المترجم) عن تجاربه الترجمية من الإنجليزية إلى اليابانية، وتأثير الترجمة في تشكيل وتطور أسلوبه الأدبي الفريد، مانحة إياه صوتًا مميزًا خارج إطار القواعد التقليدية، وكذلك موركامي (الذي ترجمت أعماله) ودورها الحاسم في نجاحه العالمي المدوي، وكيف فتحت له أبواب قلوب القراء في مشارق الأرض ومغاربها. الترجمة في عالم موراكامي ليست مجرد نقل للكلمات، بل هي بوتقة إبداعية تزجي قريحة الكاتب وتصقل فنه، وجسرٌ حضاريٌّ ينقل صوته الفني لكل الثقافات.
الترجمة وأسلوب موراكامي في الكتابة
بدأت رحلة موراكامي في كتابة الروايات بتجربة غير تقليدية: كتابة افتتاحية روايته الأولى، (اسمع الريح تغني)، باللغة
الإنجليزية، ثم ترجمتها وإعادة كتابتها باللغة اليابانية. كانت الرواية قصيرة في نسختها الإنجليزية، ويقل مخطوطها عن مئتي صفحة، واستغرقت أشهرًا عديدة وجهدًا كبيرًا لإنجازها. ساعدت محدودية مفردات موراكامي الإنجليزية، وضعف إلمامه بالقواعد النحوية المركبة، على التقيد بكتابة جمل قصيرة وبسيطة، وتجريد الأوصاف من الحشو الزائد، والإطناب، مما أسهم في إحكام البناء الروائي للعمل. مع صعوبة تلك العملية في بدايتها، إلا أنها شكلت إيقاعاً مميزاً في نثر موراكامي، وأدرك أن الكتابة بلغة أجنبية أزالت العائق المتمثل في «أن يكون له أسلوبه الخاص» بمفردات اللغة اليابانية وأنماطها، وأتاح له التعبير عن أفكاره ومشاعره مستخدماً أقل عدد ممكن من الكلمات. فولدت التجربة أسلوباً جديدًا، يتجنب الزخرفة والبهرجة اللغوية، وهو ما أصبح مميزًا في كتاباته.
يصف موراكامي هذه النتيجة قائلاً في فصل (حين أصبحت روائيًا): «وهكذا، تكشَّف على نحوٍ حتميّ أسلوبٌ جديدٌ باللغة اليابانيَّة، الأسلوب الذي اكتشفتُه فأصبح أسلوبي. قلتُ في نفسي: ‘الآن فهمت. هكذا ينبغي لي أن أكتب’. كانت لحظةً من الوضوح التامّ، زالت فيها الغشاوة عن عينَيّ». لم تكن هذه الطريقة تقليلاً من شأن لغته الأم، بل كانت خطوة إجرائية مقصودة في عملية الكتابة. فهو لم يسعَ إلى “شكلٍ مخفَّفٍ من اللغة اليابانيَّة”، بل أراد «ابتعادًا قدر الإمكان عن قيود الأدب الجادّ»، ليتمكن من «التحدُّث بصوته الطبيعيّ». هذه «الروح المغامرة» في تجريب اللغة كانت حجر الزاوية في ولادة منظور جديد للكتابة الروائية، أثمر عن إعادة صياغة روايته بأسلوب يتردد صداه عميقًا في نفوس القراء.
كان للترجمة، إذن، الفضل الأول في إطلاق هذا الأسلوب الأدبي الفريد الذي بات يعرف به موراكامي. هذا الأسلوب المميز الذي يجمع بين الواقعية والعناصر السريالية، والحوارات الهادئة، والشخصيات المتأملة، يعود الفضل فيه بشكل كبير إلى تجربته مع الترجمة. وعندما يواجه موراكامي انتقادات بأن «كتاباته تبدو كأنها مترجمة»، فإنه يرى هذا الاتهام خاطئًا من جانب، وصحيحًا من جانب آخر. هو مخطئ إذا كان القصد هو أن أسلوبه ليس أصيلاً أو أنه مجرد محاكاة لأعمال أخرى. لكنه محق في أن عملية الترجمة أثرت في الجوانب الكتابية واللغوية لأسلوبه.
ما يقصده موراكامي هو أن أسلوبه الإبداعي النهائي هو في جوهره أصيل وغير مقلد. ومع ذلك، فإن تجربته في الترجمة قد صقلت لديه القدرة على استخدام اللغة بطريقة «محايدة». هذا يعني أنه ينظر إلى اللغة «بوصفها أداة وظيفية» بحتة، خالية من الزخارف اللغوية المبالغ فيها، أو التعقيدات الثقافية التي قد تثقل النص. هذا النهج العملي والمباشر في استخدام اللغة هو ما يمنح كتاباته ذلك الطابع الانسيابي والسهل، والذي غالبًا ما يوحي بأنه مترجم، بينما هو في الواقع نتيجة لوعي عميق بوظيفة اللغة أداة للسرد والتعبير، وليس غاية في حد ذاتها، مؤكدًا أن هذا لم يقتصر على بداياته الأدبية فحسب، بل إنه ما يزال يؤمن أن النظر للغة اليابانية في طابعها «الأدواتي» كفيل بتطويرها، أو بتعبيره: «إعادة إنتاجها»، وتطويعها للتعبير الأدبي السلس.
وموراكامي ليس بدعًا في تأثر أسلوبه السردي بعمله في الترجمة، فقد أثبتت الترجمة دائمًا أنها ورشة عمل صقلت الأسلوب الأدبي وأثرت الرصيد اللغوي للعديد من الكتاب. يرى الكاتب الأرجنتيني الشهير خورخي لويس بورخيس أن الترجمة إبداعٌ جديد؛ وهي من هذا المنظور ممارسة تُلهم الكاتب لإعادة التفكير في حدود لغته الأم، وتُعزز من وعيه ببنية الجمل، واختيار المفردات، والإيقاع الصوتي. فانغماس المترجم في فهم أساليب متنوعة للغات مختلفة يمنحه المرونة الأسلوبية، ويُحفزه على التجريب اللغوي ليكتشف صيغ تعبيرية جديدة في كتاباته. أما من منظور آخر فالترجمة تعرض الكاتب الممارس لها لأفكار وثقافات وطرق تفكير مختلفة توسع مداركه وتُغذي خياله، وهو ما يظهر أثره في عمق وغنى أعماله.
الترجمة استراحة من الكتابة الإبداعية
يعد موراكامي الترجمة ممارسة جوهرية تُشحذ بها أدواته الإبداعية وتُحافظ على توازنه العقلي، فالترجمة، من الإنجليزية إلى اليابانية، ممارسة يومية في حياته، منفصلة عن كتابته الإبداعية. وعلى مدى عقود قضاها في كتابة الروايات، لم يمر قط بما يطلق عليه «حبسة الكتابة»، لأن لديه دائمًا الرغبة الملحة في الكتابة، فهو لا يكتب إلا عندما يتملكه شعور قوي ورغبة جامحة في الكتابة. وعندما تخفت هذه الرغبة، يتجه إلى الترجمة. فهو يرى أن الترجمة «عملية تقنية»، تمنحه فرصة لصقل مهاراته الكتابية، دون الحاجة إلى الركون إلى «رغبته الإبداعية»، كما أنها تساعده في الحفاظ على توازنه العقلي أثناء كتابة الروايات.
في فصل (أن تجعل الوقت حليفاً لك: عن كتابة الرواية)، يشبه موراكامي عمله على الترجمة بنشاط «الإحماء قبل التمرين»،
فهي تمرين يومي يشحذ أدواته. ويؤكد أن العمل في الترجمة لا يعوق عمله الروائي، بل يساعده؛ فالترجمة «فسحة أستريح فيها من الكتابة» بلجأ إليها. ولبيان أهمية هذا الدور التنشيطي للترجمة في شحذ قدراته الإبداعية، يقول في فصل (عن الإصالة): «لو لم أكن مترجمًا، لوجدتُ مجالًا آخر قريبًا من الترجمة». فقد وجد أن بعد عمله على الترجمة تتراكم المادة الإبداعية بداخله، مثل مياه النهر في فصل الربيع التي تتجمع خلف السد بعد ذوبان الجليد؛ وعندما يصل الضغط إلى ذروته، يبدأ في الكتابة.
ثم يعود في فصل (أن تجعل الوقت حليفًا لك: عن كتابة الرواية) ليوضح أنه في مرحلة كتابة الرواية، يركز بشكل كامل على العمل حتى يكتمل، مؤجلاً أي مشاريع أخرى، إلا الأمور الملحة. ولكن يعود ويؤكد أنه غالبًا ما يعمل على الترجمة بالتزامن مع كتابة الرواية، لكن عمله في الترجمة يسير «على مهلٍ وفق وتيرتي الخاصة» وبدون أي مواعيد تسليم نهائية، فهي فترة استراحة من الكتابة الإبداعية. ويقدم هنا موراكامي تفسيراً لما سبق وأكده عن تقنية عملية الترجمة: «الترجمة عمليَّةٌ تقنيَّة، أستخدم فيها جزءًا من دماغي يختلف عن الجزء المسؤول عن الكتابة الإبداعيَّة. لهذا السبب، لا تُعطِّلني الترجمةُ عن الكتابة».
وصف الروائي والناقد الإيطالي الشهير أومبرتو إيكو الترجمة بأنها «فن الفشل»، وهو لا يعني الفشل المطلق، ولا يقلل من مكانة الترجمة، بل يميز بينها وبين الإبداع بأنها سعي دائم لإعادة إنتاج ما لا يطابق الأصل؛ وأنها فنٌ قائمٌ على التفاوض والتقريب، لا على التطابق التام. وفي هذا تكمن فرادة الترجمة، واختلافها عن الكتابة الإبداعية. ويتفق هذا المنظور مع رؤية موراكامي للترجمة بأنها تمرين ذهني يُشغل جزءًا مختلفًا من الدماغ، مما يمنح الكاتب استراحة من الضغط الإبداعي للكتابة.
عدم تقبل المترجمين اليابانيين لموراكامي المترجم
واجه موراكامي، منذ بداياته في ترجمة الأدب الأمريكي إلى اليابانية، وما زال، انتقادات لاذعة من المترجمين المحترفين. يُعزي هذا الاستياء بشكل كبير إلى غيرة أهل المهنة على مهنتهم؛ يقول في فصل (هل للروائيين صدر رحب؟) «لكن المترجمين المحترفين في هذا المضمار نتفوا ريشي في البدايات، وربما إلى يومنا هذا. قال بعضهم: الترجمة الأدبية ليست للهواة، والكاتب الذي يحاول التجريب في الترجمة مجرد تشويش».
يرى المترجمون أن دخول المبدعين إلى مجالهم تعديًا على حقوقهم وهم المتخصصون في هذه الحرفة الدقيقة. لا يلوم موراكامي المترجمين على هذا الشعور، فمن خبرته العملية، يدرك أن المتخصصين في أي مجال يميلون إلى الاستياء من الدخلاء، وهو أمر طبيعي ينبع من الرغبة في حماية الحرفية والمعايير المهنية التي بُنيت على سنوات من الخبرة والتخصص.
لكن ما يثير استغراب موراكامي هو التناقض في ردود الأفعال عندما يتعلق الأمر بالحالة العكسية، عندما يتحول مغنون، وفنانون، ومترجمون، وكتاب غير روائيين إلى كتابة الروايات، لا يبدي الروائيون نفس القدر من الاستياء بدافع التخصص. لا تمنع سعة الصدر هذه من الانتقادات الفنية الموجهة لأعمالهم، لكنها لا تصل إلى حد رفضهم المطلق أو اعتبارهم «دخلاء» على المهنة الروائية.
هذه المفارقة تُلقي الضوء على نظرة المجتمع إلى الحدود الفاصلة بين المجالات الإبداعية المختلفة. ففي حين يُنظر إلى الترجمة الأدبية بأنه حقل يتطلب تخصصًا عميقًا ودراسة متأنية، تبدو كتابة الرواية أكثر انفتاحًا على الوافدين من خلفيات متنوعة، ربما لأنها تُعد تعبيرًا فنيًا شخصيًا لا يتقيد بنفس القيود التقنية الصارمة. وهذا يدعو للتساؤل ما إذا كانت الترجمة الأدبية، رغم طبيعتها الإبداعية، تُصنف مهنة تقنية بحتة تتطلب ترخيصًا، وإن كان غير رسمي، بينما تُعد الكتابة الإبداعية فناً يُمكن لأي شخص ممارسته بحرية.
دور الترجمة في ذيوع أعمال موراكامي عالميًا
كانت الترجمة جزءًا لا يتجزأ من انفتاح موراكامي على العالم. فترجمة كتبه بجهد مترجمين أكفاء قدمته للعالم، وترجمته للأدب الأمريكي للغة اليابانية قدمته للناشرين في الولايات المتحدة. يُرجع موراكامي الفضل في بدء ظهور أعماله في الولايات المتحدة إلى ترجمته لأعمال الروائي الأمريكي، وكاتب القصة القصيرة، ريموند كارفر إلى اليابانية، وكان أول من قدمه للقارئ الياباني، مما لفت انتباه وكيل أعمال كارفر وناشريه ومحرريه لأعمال موراكامي، ليكونوا أول وكلائه وناشريه في الولايات المتحدة. ويرى موراكامي أن حسن حظه دفع هؤلاء الوكلاء والناشرون ذوو المكانة في عالم النشر أن يضعوه موضع الاهتمام.
اتخذ موراكامي نهجًا استباقيًا لضمان معاملة أعماله على قدم المساواة مع المؤلفين الأمريكيين؛ يقول في فصل (السفر إلى الخارج: تخوم جديدة): «بحثتُ عن المترجمين، وكلَّفتهم بترجمة أعمالي، ثم راجعتُها بنفسي، ثم أخذتُ المخطوطات المترجَمة إلى وكيلتي كي تبيعها للناشر. لهذا السبب كانت وكيلتي وناشري يعاملاني كما يعاملان الكاتب [الأميركيّ]. ليس ككاتبٍ أجنبيٍّ يكتب الروايات بلغةٍ أجنبيَّة».
وهكذا لعبت الترجمة دورًا محوريًا في إرساء مكانة موراكامي في المشهد الأدبي الأمريكي، حيث لم يترك الأمر للصدفة، بل
اتبع استراتيجية دقيقة للإشراف على ترجمة أعماله بنفسه. فمنذ البداية، كان مصممًا على أن تُعامل رواياته مثلما تعامل أعمال الأدب الأمريكي، وليس على أنها أجنبية. هذا النهج الاستباقي، الذي تضمن اختيار المترجمين بعناية، والإشراف المباشر على الترجمات، وضمان جودتها، هو ما مكن أعماله من عبور الحدود الثقافية واللغوية، وتقديمها للقارئ الأمريكي بأسلوب يلامس روحه، مما أدى إلى نجاحه الباهر في الغرب.
يرى موراكامي المترجم شريكًا أساسيًا لنجاحه المهني: «من المهمِّ أن تجد مترجِمًا يفهمك، ولا يكفي أن يكون مترجمًا رائعًا، فلا خير يُرتجى إن لم يكن منسجمًا مع النصِّ أو المؤلِّف، أو إن كان عاجزًا عن التكيُّف مع الخصائص المميِّزة للنصّ، وكلُّ ما سيجنيه الطرفان من هذا العمل هو التوتُّر. لو لم يكن لدى المترجم شغفٌ بالنصِّ الذي يعمل عليه، فسوف يراه مجرَّد وظيفةٍ مزعجةٍ يكدح فيها». والكاتب الذي يريد أن يُقرأ في الخارج عليه أن يحسن اختيار مترجميه، وألا يدعهم وترجماتهم بعيدًا عن عينيه فالترجمة «عملٌ شاقٌّ ومُجهِد، غير أنَّه لا ينبغي أن يكون هذا العمل من طرفٍ واحد، إذ لا بدَّ من وجود تفاعلٍ بين الطرفَيْن».
لذا يعجب موراكامي ممن تجاهلوا كل هذا الجهد والعناء الذي بذله ليحقق هذا المردود العالمي وعزوا نجاحه في الخارج إلى أن كتبه «مكتوبةٌ بلغةٍ تسهل ترجمتها، عن موضوعاتٍ أجنبيَّةٍ يسهل فهمها». متجاهلين أنهم في البداية اتهموا أعمالهم أنها «ليست سوى إعادة قولبة للأدب الأجنبي، ولن تقرأ إلا في اليابان»، فلما ذاع صيتها، وامتدحت لأصالتها وأسلوبها الخاص، صارت موجهة للغرب وتناسب ذائقتهم. لقد تناسى هؤلاء رحلته في «استخدام اللغة اليابانية بحثاً عن إمكانيات جديدة».
موراكامي يفخر بمترجميه
يسلط موراكامي الضوء على مساهمات مجموعة من المترجمين الأكفاء في نقل أعماله للغة الإنجليزية، مقدمًا تقييمًا لعملهم ينم عن فهمٍ وتقديرٍ لعمل الترجمة، الذي مارسه، وأدراكًا لفضلها في منح أعمله صفة العالمية. وهذا التقدير شاركه فيه العديد من الكتاب العالميين، يقول الروائي البرتغالي الحائز على جائزة نوبل، جوزيه ساراماجو: «يقدم الكتاب أدبًا وطنيًا، ويقدم المترجمون أدباً عالمي». لذا، يأتي موراكامي في كتابه على ذكر العديد من المترجمين منوهًا بدورهم، وواصفًا تفردهم وتميزهم.
في منتصف الثمانينيات، جاء الشاب ألفريد بيرنباوم لزيارة موراكامي، معربًا عن حبه لعمله، وأنه يرغب في ترجمة بعضًا من قصصه القصيرة. وافق موراكامي، وشرع ألفريد في ترجمة عددًا من القصص نشرت في جريدة (نيويوركر). ثم ترجم له روايات مثل (مطاردة خراف وحشية)، و(أرض العجائب القاسية)، مما عزز من حضور موراكامي في الأوساط الأدبية الغربية.
يصف موراكامي ألفريد بأنه مترجم موهوب للغاية ومتحمس، ولولا طلبه المبكر هذا، لما فكر موراكامي في ترجمة أعماله إلى اللغة الإنجليزية في تلك المرحلة المبكرة من مسيرته، وأن تنشر في جريدة ذائعة الصيت مثل (نيويوركر) بسياستها التحريرية الصارمة، وما تبع ذلك من تلقي نقدي إيجابي واسع النطاق، فتح له أبواب الشهرة العالمية.
عندما انتقل موراكامي للعيش في الولايات المتحدة التقى جاي روبن. كان روبن أستاذًا في جامعة واشنطن، ثم درس في
جامعة هارفارد، ومعروفًا بأبحاثه المتميزة في الأدب الياباني وترجماته لأعمال الروائي والشاعر الياباني ناتسومي سوسيكي. أبدى روبن اهتمامًا بأعمال موراكامي وطلب منه أن يتواصل معه إن احتاج إلى ترجمة أعماله. تعاونا سويًا، وترجم روبن في البداية عددًا من قصص موراكامي القصيرة، التي أظهرت مدى فهمه العميق لأسلوب موراكامي، ثم ترجم رواية (يوميات طائر الزنبرك)، وهي إحدى أهم رواياته.
يصف موراكامي روبن بأنه مترجم حاذق، ويرى أن ترجمته لرواية (يوميات طائر الزنبرك) ساعدت في ترسيخ اسمه في الولايات المتحدة، حيث قدمت الرواية للقارئ الأمريكي بأسلوب سلس ومتقن. فقد كان روبن، الذي يحرص على استجلاء المعنى الدقيق والحرفي، مناسبًا لترجمة هذه الرواية، بهيكلها المعقد نسبيًا، مقارنة بباقي أعماله، وحاجتها الى مترجم يتمتع بحس فكاهة طبيعي، علاوة على دقته وموثوقيته العالية، مما أضفى على الترجمة بعدًا إضافيًا من العمق والجاذبية.
استشعر موراكامي ضرورة أن يكون للكاتب عدَّة مترجمين يترجمون أعماله، وذلك لإثراء التجربة القرائية وتقديم أبعاد مختلفة للنص الأصلي. فقد أدهشه الطريقة التي انتقى بها كل من ألفريد وروبن القصص التي رغبا في ترجمتها، فقد كانت ذائقة روبن مختلفة كليًا عن ألفريد، لذا لم تتقاطع اختياراتهما، مما أظهر ثراء أعمال موراكامي وتعدد أوجهها التي يمكن للمترجمين المختلفين استكشافها. وظهر بجلاء اختلاف أسلوبهما بين ألفريد «الأكثر انطلاقًا» الذي يميل إلى التعبير الحر والابتكار في الترجمة، وروبن «الأكثر ثباتًا» الذي يفضل الدقة والالتزام بالنص الأصلي، مما أتاح للقارئ الأمريكي فرصة التعرف على أعمال موراكامي من خلال منظورين مختلفين، كل منهما يضيف قيمة فريدة للنص المترجم.
الترجمة ومنجز موراكامي العالمي
يُظهر موراكامي في تقديره لمترجميه وعمله معهم فهمًا عميقًا لدور الترجمة، وكيف أنها لا تقتصر على نقل الكلمات، بل تتعداها إلى نقل الروح والجوهر. فإلى جانب ألفريد بيرنباوم وجاي روبن، يشير موراكامي إلى لقائه بكل من فيليب غابرييل وتيد غوسن، اللذين تربطه بهما علاقة قديمة وتقدير متبادل. هو يصفهم بـ «الحلفاء الذين لا يقدرون بثمن»، مدركًا أن الترجمة ليست مجرد «وظيفة» بل عملية تتطلب شغفًا ومودة للنص. بصفته مترجمًا سابقًا، يتفهم موراكامي تمامًا تحديات وأفراح هذه المهنة، ولهذا يحرص على البقاء على اتصال وثيق بمترجميه، ويقدم لهم كل الدعم والمساعدة في توضيح ما يعن لهم من استفسارات أثناء عملهم. هذا التعاون الوثيق، القائم على الاحترام المتبادل والفهم العميق للعملية الإبداعية، هو ما سمح لأعمال موراكامي بأن تُترجم إلى أكثر من خمسين لغة، لتجد صدى واسعًا في سياقات ثقافية متنوعة حول العالم، مؤكدًا على فخره بهذا الإنجاز.
الهوامش:
(1) صدر الكتاب باليابانية عام 2015، وصدرت ترجمته الإنجليزية عام 2022، بعنوان (Novelist as a Vocation)، ترجمة فيليب جابريل (Philip Gabriel) وتد جوسن (Ted Goossen). والترجمة العربية عام 2024 عن الإنجليزية، بعنوان (مهنتي هي الرواية) ترجمة أحمد حسن المعيني، دار الآداب، بيروت. عنوان الكتاب، وعناوين روايات موراكامي، وجميع الاقتباسات في المقال من هذه الترجمة العربية.
عدد التحميلات: 0



