العدد الحاليالعدد رقم 46ثقافات

العالم المعيش الرقمي وبناؤه: نحو ظاهراتية رقمية

المقدمة

يُعدّ مفهوم العالم المعيش (Lebenswelt) أساسيًا في الظاهراتية، لا سيما في أعمال إدموند هوسرل. ويشير العالم المعيش إلى الأفق المسبق للخبرة، الذي يُأخذ كأمر مفروغ منه، والذي يشكّل الخلفية المرجعية لكل المعاني والأفعال القصدية. إنه الأرضية الضمنية التي تنبثق منها الإدراكات والفهم والأفعال، ويحدّد الطريقة التي يرتبط بها البشر بعالمهم وببعضهم البعض. وقد حاجج هوسرل بأن كل العلوم تفترض وجود هذا العالم المعيش، لأنه الأساس الوجودي والمعرفي للخبرة نفسها.

غير أن العالم المعيش الذي حلّله هوسرل كان قائمًا أساسًا في سياق مادي واجتماعي ولغوي، متجذر في التفاعلات المباشرة وجهًا لوجه وفي تجربة التجسد الزماني-المكاني. ومع التطور السريع والانتشار المكثف للتقنيات الرقمية خلال العقود الأخيرة، يطرح هذا المفهوم الكلاسيكي تحديات جديدة. فالعالم المعيش في القرن الحادي والعشرين لم يعد يتكوّن من الواقع المادي والاجتماعي فحسب، بل أصبح مشترك التكوين مع البيئات الرقمية والمنصات والعمليات الخوارزمية.

يمثّل هذا الأفق المتحوّل، الذي يمكن تسميته العالم المعيش الرقمي، إعادة تشكيل عميقة للفضاء والزمن، وللعلاقات بين الذات والآخر، تحت تأثير الاتصال الشبكي، وتدفّقات البيانات في الزمن الحقيقي، وأنماط التفاعل الوسيطة آليًا. ويستدعي فهم هذا العالم توسيع أفق البحث الظاهراتي، بما يتيح استيعاب الكيفية التي تُنشأ بها المعاني وتتشكّل الذاتية داخل بيئات تتوسطها التقنية.

من العالم المعيش إلى العالم المعيش الرقمي

صوّر هوسرل العالم المعيش بوصفه “الخط الصفري” لكل تجربة، أي الأفق الذي تظهر فيه الأشياء والمعاني، وهو العالم ما قبل التأمل أو التجريد العلمي أو النظري. ويتميز هذا العالم المعيش بثلاثة بنى أساسية تشكّل تجربة المعنى الإنسانية:

  • البعد المكاني (Spatiality): كيف تتراكب الفضاءات الرقمية الافتراضية والهجينة على الفضاءات المادية، مع إعادة تشكيل الإحساس بالتجسد والحضور الجسدي.
  • البعد الزمني (Temporality): كيف تعيد التسارع والتجزئة والزمن الخوارزمي تشكيل تجربة الزمن، بما يؤثر على إدراك الإيقاع الزمني للخبرة اليومية.
  • التذاوت (Intersubjectivity): كيف تغير الوساطة الرقمية العلاقات الاجتماعية، وإمكانية الظهور أمام الآخرين، وفعالية القصدية الجماعية في التجربة المشتركة.
  • الوساطة الخوارزمية (Algorithmic Mediation): كيف تُشكّل التقنيات الإدراك والانتباه وإنتاج المعنى عبر أنظمة تنبؤية وغير محايدة، تتحكم في ما نراه ونختبره وننتبه إليه.

التكنولوجيا الرقمية وإعادة تشكيل العالم المعيش

مع ظهور التقنيات الرقمية، تخضع الأبعاد الكلاسيكية للعالم المعيش لتغييرات عميقة. فالفضاءات الرقمية تتراكب على الفضاءات المادية وتمتد عليها، اذ تخلق تقنيات الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) ووسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية تجمعات مكانية معقدة تفصل الحضور عن الموقع الجسدي. يمكن للمرء أن يكون “حاضرًا” افتراضيًا في مكان بعيد، متفاعلًا عبر وكلاء رقميين.

أما البعد الزمني، فتُسهم التقنيات الرقمية في تسريع تجربة الزمن عبر الإشعارات الفورية، والتدفقات المستمرة، والرسائل غير المتزامنة. هذا يؤدي إلى تشويش السرد الزمني الخطي وإنتاج زمنية مجزأة ومتعددة الخيوط.

وبالنسبة للتذاوت، فإن وساطة العلاقات الاجتماعية عبر المنصات الرقمية تعيد هيكلة مفهوم الظهور، والاعتراف، والمشاركة الجماعية، غالبًا من خلال منطق خوارزمي غامض يعمل على تصفية وتنظيم التفاعلات الاجتماعية وفق قواعد خفية.

ويستلزم فهم هذه التحولات ظاهراتية تتعامل مع الوساطة التقنية، تتجاوز التفاعلات التقليدية وجهًا لوجه لتدرك طبيعة الواقع الرقمي الهجين والمتعدد الطبقات، وكيفية تأثيره على إدراك الإنسان وتكوينه للمعنى في العالم المعاصر.

البعد المكاني

تقدّم التقانات الرقمية فضاءات افتراضية تتعايش مع الفضاءات المادية، وتنتج بيئات هجينة تتوسط فيها التفاعلات الشاشات والأجهزة والبرمجيات. من الأمثلة على ذلك منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام وتويتر، التي تعمل كساحات رقمية عامة تتكشف فيها التفاعلات الاجتماعية، وأداء الهويات، والنقاشات الجماعية. كما تخلق المنتديات الإلكترونية والعوالم الافتراضية مثل Reddit وDiscord أو VR Chat فضاءات يجتمع فيها المجتمعون ويتحاورون ويشتركون في إنتاج المعاني المشتركة سواء عبر النص أو الصوت أو الواقع الافتراضي التفاعلي. فضلا عن ذلك، يدمج الواقع المعزز (AR) المعلومات الرقمية مع الواقع المادي، كما يظهر في تطبيقات مثل Pokémon GO  أو الأدلة التفاعلية للمتاحف، ليشكّل فضاءات تجريبية هجينة تجمع بين الرقمي والمادي.

وفقًا لتأكيد ميرلو-بونتي على التجسّد المكاني، فإن العالم المعيش الرقمي لا يلغي التجسّد بل يعيد تشكيله. وتتفاعل الأجساد مع البيئات الرقمية عن طريق امتدادات تقنية تشمل الشاشات وأجهزة التحكم وأجهزة الاستشعار والأفاتارات الرقمية، ليصبح الجسد الرقمي جسدًا موسعًا قادرًا على التواجد والتفاوض في فضاءات متعددة الطبقات. ففي الواقع الافتراضي، على سبيل المثال، يُنقل شعور المستخدم بالحضور الجسدي إلى بيئات رقمية غامرة، ما يخلق تجربة تجسّد افتراضي يكون فيها الأفق المكاني متوسَّطًا تقنيًا ولكنه واقعي ظاهراتيًا.

تؤدّي تقنيات التواجد عن بُعد، مثل مؤتمرات الفيديو عبر Zoom أو Microsoft Teams، والبث المباشر، والمؤتمرات الافتراضية المعتمدة على الواقع الافتراضي، دور الوسيط في تشكيل تجربة الإحساس بالحضور في مكان بعيد. فهي تتيح حضورًا جزئيًا لكنه ذو معنى،  اذ يمكن للمستخدمين المشاركة في المواقف الاجتماعية عن بعد، متجاوزين الحواجز المكانية التقليدية. يُعاد تعريف التباين التقليدي بين القرب والبعد في سياق التفاعلات الرقمية، حيث تتداخل الألفة والمسافة داخل تجربة واحدة، ما يخلق ديناميكيات علاقاتية جديدة. غير أنّ الاعتماد على تقنيات عالية الدقة لا يلغي التأخيرات التقنية والأخطاء وتجزؤ الإشارات الحسية، التي تكشف عن كون الحضور الرقمي حضورًا جزئيًا ومُنشأً تقنيًا. وبذلك، يتوسع الأفق المكاني للعالم المعيش الرقمي إلى ما وراء الحدود المادية، ولكنه في الوقت نفسه يطرح شروطًا للحضور الجزئي وفقدان التجسد الكامل، حيث لم يعد الموقع المادي للجسم يحدد بالضرورة التجربة المكانيّة الإدراكية والوجودية للفرد.

البعد الزماني

تعمل التقانات الرقمية على تسريع تجربة الزمن وتجزئتها بشكل عميق. فالإشعارات الفورية والرسائل تتطلب اهتمامًا مباشرًا، مما يقاطع الانخراط المتواصل ويجزئ التركيز. كما أن خاصية التمرير المستمر في منصات مثل إنستغرام وتيك توك وفيسبوك تخلق حالة من الحاضر الدائم، مما يقوض السرد الزمني الخطي ويؤثر على إحساس الفرد بالختام والتتابع. فضلًا عن ذلك، تتحكم الخوارزميات في توقيت عرض المحتوى، ما يعيد تشكيل فترات الانتباه وتكوين الذاكرة عبر دورات زمنية مصممة بعناية، فتُنشأ أنماط زمنية محددة تحدد تجربة المستخدم الرقمية.. وينتقد برنارد ستيغلر منطق التسارع التقني المعاصر، معتبرًا أنه يُنتج تشوّشًا في الخبرة الزمنية وما يسميه «فقرًا رمزيًا»، حيث تؤدي الانقطاعات المتواصلة وتجزئة الانتباه إلى إضعاف عمليات التفريدindividuation ، وتقويض القدرة على بناء سرد ذاتي متماسك، والانخراط في مشاريع طويلة الأمد.

وتقدّم الأنظمة الخوارزمية زمانية غير بشرية تعمل على مقاييس زمنية دقيقة تفوق قدرة الإدراك البشري. وكما يبيّن مارك ب. هانسن (2015)، تعمل الخوارزميات في مستويات زمنية تتجاوز الإدراك الواعي، بما يعيد تنظيم شروط اختبار الزمن ذاته. فهي لا تضبط فقط توقيت ظهور المحتوى وترتيب المعلومات، بل تشارك في تشكيل الإيقاعات الزمنية للتجربة الإعلامية. ومن خلال آليات التخزين والاستدعاء الآلي، ينشأ نمط من الذاكرة الحسابية يتقاطع مع الذاكرة البشرية، وهو ما ينتج تجربة زمنية هجينة تجمع بين الإدراك الإنساني والمعالجة الخوارزمية.  إن هذا الإنتاج المشترك للتجربة الزمنية بين الإنسان والخوارزميات يشكّل تحديًا لمفهوم الزمن التقليدي المتمحور حول الإنسان في الظاهراتية الكلاسيكية، ويستلزم تطوير أطر مفاهيمية جديدة لفهم تشابك الفاعليات الزمنية البشرية وغير البشرية وتأثيرها على إدراك الزمن والمعنى في العالم الرقمي.

التذاوت

تعمل المنصات الرقمية على وساطة العلاقات بين الأفراد بطرق تعيد تشكيل مفاهيم التعرف والانتباه والحضور الاجتماعي. فتقنيات الاتصال مثل المكالمات المرئية وتطبيقات المراسلة ووسائل التواصل الاجتماعي تُوسط الإيماءات والتعابير وديناميات المحادثة، غالبًا عبر قنوات حسية محدودة. كما تتحكم المنصات في رؤية المحتوى وأهميته من خلال التصفية والتنسيق، فتحدد من يُرى ومن يُسمع، ما يعيد تشكيل التسلسلات الاجتماعية وقوى الخطاب. إضافة إلى ذلك، تسهم مؤشرات مثل الإعجابات والمشاركات والتعليقات في قياس القيمة الاجتماعية ووساطة التبادلات العاطفية، مؤثرة في السلوك الاجتماعي وعرض الذات. إن هذه العلاقات الوسيطة تغيّر ظاهراتية التعرف، أي الطريقة التي يظهر بها الآخرون كذوات معنوية، وتؤثر في تجربة الحضور الاجتماعي، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى شعور بالرؤية الجزئية أو الأداء الاجتماعي أو الإفراط في الظهور.

القصدية الجماعية

تفتح البيئات الرقمية إمكانات جديدة لتكوّن القصدية الجماعية، حيث لا تُختبر المعاني والأفعال على مستوى الفرد فقط، بل تُبنى ضمن فضاءات تفاعلية تُنظّم الانتباه والتأويل والمشاركة. وتُظهر الثقافات التشاركية كيف تُنتج هذه الفضاءات عوالم رمزية مشتركة وهويات جماعية تتأسس عبر ممارسات تعاونية ممتدة. كما تتيح أدوات مثل الوسوم والميمات والمواضيع الرائجة تنسيق الانتباه الجماعي، ما يؤدي إلى إنتاج معاني موزعة على نطاق واسع. ومع ذلك، تظل هذه التشكيلات الجماعية مشروطة بمنطق المنصات الرقمية، حيث تؤدي عمليات الترويج أو الحجب الخوارزمية للمحتوى إلى إظهار سياسات الوساطة التقنية وكشف بنى السطة المضمرة في العلاقات الاجتماعية الرقمية، ما يبرز التأثير العميق للتكنولوجيا في تشكيل الإدراك الجماعي والمعنى المشترك.

الوساطة الخوارزمية

تلعب الوساطة التكنولوجية دورًا مركزيًا في تشكيل العالم المعيش الرقمي، إذ تعيد تنظيم خبرات المستخدمين بشكل فعال. تعمل الخوارزميات على تصنيف وترتيب وترشيح المحتوى، محددةً ما يراه المستخدمون ويولونه اهتمامهم، وهو نوع من الوساطة غير المحايدة بل هو إعادة هيكلة نشطة لأفق التجربة. كما تستعين المنصات بأنظمة التنبؤ لتحليل سلوك المستخدمين، مسبقةً تصرفاتهم ومقيدةً خياراتهم وإمكاناتهم بطرق دقيقة وغالبًا غير مرئية. إضافة إلى ذلك، تؤدي حلقيات التغذية الراجعة إلى تعزيز أنماط الانتباه والسلوك عبر التكرار المستمر، ما يخلق ما يشبه غرف الصدى وبيئات إدراكية مألوفة ومعتادة.

واستنادًا إلى ما بعد الظاهراتية، لا تُفهم الوساطة بوصفها قناة محايدة، بل كعملية مشاركة في التكوين، تتداخل فيها القصدية البشرية مع الأدوات التكنولوجية ضمن تجمعات علاقاتية تعيد تشكيل الإدراك وإنتاج المعنى. وفي العالم المعيش الرقمي، يقتضي تحليل التفاعل بين العاملية البشرية والبنى التكنولوجية اعتماد مقاربات ظاهراتية نقدية وعلاقاتية، قادرة على تفكيك هذه الشبكات المركّبة وبيان أثرها في الخبرة الإنسانية.

تداعيات التحولات الرقمية على تكوين المعنى والذات

يترتب على إعادة تشكيل العالم المعيش الرقمي للأبعاد المكانية والزمانية والاجتماعية آثار عميقة على الذات الإنسانية وعملية تكوين المعنى. فالتدفق المستمر للمثيرات الرقمية يؤدي إلى تجزئة الانتباه، ما يعيق التفكير التأملي واستمرارية بناء المعنى. كما أن الأفق التفسيري الذي تفرضه الخوارزميات يمكن أن يحد من تنوع المعاني ويعزز التماثل، بينما تؤدي التفاعلات الافتراضية إلى حضور جزئي يعطل العلاقات المتجسدة، ما يخلق تجربة مزدوجة بين الحضور والغياب. كما ان الزمن الرقمي المتسارع والمجزأ يقوض الانسجام السردي للذات وقدرتها على تكوين هوية قائمة على المشاريع والخطط الطويلة المدى.

ومع ذلك، يتيح العالم المعيش الرقمي إمكانات جديدة للحضور وبناء العلاقات وإنتاج المعنى الإبداعي. وعندما يُقارب هذا العالم بمستوى من الانعكاسية والتأمل النقدي، فإنه يفتح المجال لتوسيع الشبكات الاجتماعية، وتطوير أشكال متجددة من التعبير الإبداعي، وصياغة أنماط جديدة من القصدية الجماعية. وفي هذا السياق، تبدو ممارسة ظاهراتية تراعي الوساطة التقنية والتجسّد والخبرة الزمانية ضرورية للتعامل مع هذه التحولات، ولتعزيز نمط من الوجود الرقمي يكون أكثر أصالة ودلالة.

الخاتمة

لا يُختزل العالم المعيش الرقمي في كونه تصورًا نظريًا، بل يشكّل الأفق الفعلي للخبرة المعاصرة. ففي تقاطع الفضاءات المادية والرقمية، وتحت إيقاعات زمن خوارزمي متسارع، ومن خلال علاقات اجتماعية تتوسّطها التقنية، يُعاد إنتاج شروط المعنى واختباره، بما يكشف عن طبيعته المتحوّلة والهشّة داخل الوجود الرقمي.

 

المراجع:

– Hansen, M. B. N. (2015). Feed-forward: On the future of twenty-first-century media. University of Chicago Press.

– Husserl, E. (1983). Ideas pertaining to a pure phenomenology and to a phenomenological philosophy: First book (F. Kersten, Trans.). Springer.

(العمل الأصلي نُشر عام 1913)

– Ihde, D. (1990). Technology and the lifeworld: From garden to earth. Indiana University Press.

– Merleau-Ponty, M. (2012). Phenomenology of perception (D. A. Landes, Trans.). Routledge.

(العمل الأصلي نُشر عام 1945)

– Stiegler, B. (1998). Technics and time, 1: The fault of Epimetheus (R. Beardsworth & G. Collins, Trans.). Stanford University Press.

(العمل الأصلي نُشر عام 1994)

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى