العدد الحاليالعدد رقم 46ثقافات

ثربانتس بين الأسير والكاتب

الملخص

سُلسِل ميغيل دي ثربانتس، الكاتب المستقبلي لـ«دون كيخوت»، في قلب الجزائر، حيث قاسى خمس سنوات من الأسر تحت حكم الإمبراطورية العثمانية القاسية. لقد شكلت محنته، التي اتسمت بمحاولات الهروب الجريئة والخيبات القاسية واللقاء الثقافي العميق، مصيره الأدبي بشكل لا رجعة فيه. انتزع ثربانتس من شواطئ إسبانيا المألوفة لِيجد نفسه مغمورًا بعالم مختلف تمامًا. وقد شكلت الأسواق الصاخبة في الجزائر، المليئة بأصوات اللغة الغريبة وروائح التوابل الغريبة، تباينًا صارخًا مع الحياة الهادئة التي تركها خلفه. ومع ذلك، كانت الحقائق القاسية للرق – الخوف المستمر، والمعاملة المهينة، والشوق إلى الحرية – هي التي حددت تجربته الجزائرية حقًا. لم يكن أسر ثربانتس محنة جسدية فحسب، بل كان معركة نفسية أيضًا. وجد الكاتب، الذي كان دائمًا مراقبًا للطبيعة البشرية، نفسه يصارع أسئلة معقدة حول الهوية والإيمان ومعنى الحرية. وقد أجبرته مواجهاته مع أشخاص من خلفيات متنوعة – مسلمون ومسيحيون ويهود – على مواجهة تحيزاته وإعادة النظر في فهمه للعالم. تركته التجربة الجزائرية بصمة لا تمحى على كتابات ثربانتس. فعمله الأكثر شهرة، «دون كيخوت»، مليء بالإشارات إلى فترة أسره. ويمكن اعتبار استكشاف الرواية للأيديالية والجنون والصراع بين الواقع والخيال انعكاسًا لكفاح ثربانتس الشخصي لمصالحة طموحاته النبيلة مع قسوة الحياة الواقعية. بينما كان أسر ثربانتس بلا شك تجربة مؤلمة، فقد زودته أيضًا بوفرة من المواد لكتاباته. تكشف وصفاته للجزائر وشعبها وعاداتها عن عين ثاقبة للتفاصيل وفهم عميق لعلم النفس البشري. ومن خلال رواياته، لم يقدم ثربانتس صورة حية للحياة في الجزائر في القرن السادس عشر فحسب، بل استكشف أيضًا الموضوعات العالمية التي لا تزال تثير اهتمام القراء اليوم.

الكلمات المفتاحية: ثربانتس، الثقافة، الجزائر، القرن السادس عشر، تأثير وتأثر، الأسر

أسير الجسد…طليق الروح

في ظل شح المصادر التاريخية الدقيقة عن حياة ميغيل دي ثربانتس، اضطر الباحثون إلى التعمق في أعماق أعماله الأدبية لاستنباط خيوط حياته. فمن خلال تحليل دقيق للإشارات والتفاصيل المتناثرة في رواياته وقصصه، استطاعوا رسم صورة تقريبية عن مسيرته. فمثلًا، استدلوا على ولادته في مدريد من خلال إشاراته إلى المدينة بوصفها «وطنه» في قصيدة «رحلة إلى بارناسوس»، وتوصلوا إلى تحديد عام ميلاده المحتمل من خلال دلائل في مقدمة «الروايات النموذجية(José Manuel, Un personaje  (1)  llamado Miguel de Cervantes,S.A)  وبالمثل، استطاعوا تتبع محطات مهمة في حياة ثربانتس، مثل خدمته في روما، ومشاركته في معركة لبانتو، وأسره في الجزائر، واهتمامه بالمسرح، وذلك من خلال تحليل الإهداءات والمقدمات التي كتبها لرواياته. لكن هذه المعلومات تبقى محدودة وغير كافية لرسم صورة كاملة عن حياته الشخصية. إن الاعتماد على الأعمال الأدبية كمصدر أساسي لسيرة ذاتية يجعل هذه السيرة عرضة للتأويل والاجتهاد الشخصي. فالأعمال الأدبية غالبًا ما تكون انعكاسًا لخيال الكاتب وتجاربه الشخصية، وقد لا تكون دقيقة تاريخيًا. ومع ذلك، فإن هذا هو كل ما لدينا حاليًا لفهم حياة أحد أعظم الأدباء الإسبان.

إن قلة المصادر الموثوقة عن حياة ثربانتس تترك مجالًا واسعًا للباحثين والمؤرخين لاستكشاف جوانب جديدة في حياته وإنتاجه الأدبي. ومع ذلك، فإن هذا الأمر يجعل أي سيرة ذاتية لثربانتس عرضة للتغيير والتعديل مع ظهور معلومات جديدة».

ومن الكتاب البارزين مارتن فرنانديز دي نافاريتي في كتابة سيرة ذاتية جديدة ومفصلة لميغيل دي ثربانتس فقد أصبح عمله مرجعًا أساسيًا للباحثين المهتمين بسيرة ثربانتس. على الرغم من جهود الأب سارميينتو في منتصف القرن الثامن عشر لدعم فكرة أن ألكالا دي هناريس هي مسقط رأس ميغيل دي ثربانتس، إلا أن مارتن فرنانديز دي نافاريتي هو من حقق قفزة نوعية في دراسة حياة هذا الكاتب العظيم. فمنذ عام 1804، كرس نافاريتي نفسه للبحث الدؤوب عن وثائق موثوقة لتقديم سيرة ذاتية جديدة لثربانتس، تعتمد على الحقائق التاريخية بدلًا من التخمينات الأدبية. وقد أثمرت جهوده عن إصدار سيرة شاملة شكلت مرجعًا أساسيًا لدراسات ثربانتس طوال القرن التاسع عشر:

«حياة ميغيل دي ثربانتس سافيدرا»، التي تشكل المجلد الخامس من الطبعة الرابعة لـ«دون كيخوت» التي رعتها الأكاديمية الملكية الإسبانية، والتي نشرت في مدريد عام 1819، نموذجًا طوال القرن التاسع عشر، وما زالت حتى اليوم نقطة انطلاق للنهج السيرية لثربانتس، على الرغم من العديد من أوجه القصور فيها واستخدام الوثائق بطريقة غير مناسبة دائمًا. هذه سيرة ذاتية جديدة، كما يشير المؤلف نفسه، نظرًا لعدد الوثائق والبيانات المقدمة لأول مرة، تجعله يؤكد أنه فخور «بإلقاء الكثير من الضوء والجديد على أحداث حياة ثربانتس، لدرجة أن حياته تبدو وكأنها لشخص مختلف إذا ما قورنت بالسير السابقة» (230). هناك واحد وثلاثون وثيقة تم تقديمها، وتشكل نسخها وتحليلها الجزء الأكبر من العمل، فإذا كان المجلد الخامس يتكون من 644 صفحة، فإن الصفحات الـ200 الأولى مخصصة للجزء الأول (حياة ميغيل دي ثربانتس)، والباقي مخصص للجزء الثاني، والذي يحمل عنوان: (توضيحات وأدلة ووثائق تؤكد الحقائق المذكورة في حياة ثربانتس).  (2) (نفس لمرجع السابق)

ميغيل دي ثيربانتس، العملاق الأدبي الإسباني، لم يقتصر إبداعه على رواية «دون كيخوتي» الخالدة. فقد قدم لنا أيضًا «روايات نموذجية»، مجموعة قصصية متنوعة كتبها بين عامي 1590 و1612. هذه الروايات، التي نشرت عام 1613، كانت رائدة في الأدب الإسباني حيث اعتمدت على النماذج الإيطالية وتناولت قضايا اجتماعية وأخلاقية (3)( Edward C, 1968).  وأشارت جورجينا دوبيكو-بلاك إلى أن «عمل ثربانتس… يعيد إنتاج الشكوك حول اليقينات المعرفية والأيديولوجية في الوقت نفسه»، حيث يلعب على حدود النظام التاريخي لإنتاج اليقينات في إسبانيا في ذلك الوقت. اهتم ثربانتس بشكل وثيق بمشكلة طبيعة التاريخ ومسؤولية المؤرخ الأخلاقية تجاه معرفة حقيقية قادرة على عكس خطة الله السرية في الزمن، مما جعله محور رواياته (4) (نفس لمرجع السابق).

من الجزائر إلى لا مانشا: رحلة ثربانتس مع الكلمة

في خريف عام 1575، تعرض ميغيل دي ثيربانتس وأخوه رودريجو للاعتقال على يد قراصنة عثمانيين بقيادة أرناؤوط مامي، وذلك أثناء عودتهما من إيطاليا إلى إسبانيا. اقتيد الأخوان إلى الجزائر (نفس لمرجع السابق)(5) حيث بُيع ثيربانتس كعبد لدالي مامي، قرصان عثماني ذي نفوذ. سرعان ما اكتشف خاطفو ثيربانتس أهميته، وذلك بفضل الخطابات التوصية التي كان يحملها. دفعهم ذلك إلى المطالبة بفدية كبيرة، وطلبوا خمسمائة سكودو ذهبية، لإطلاق سراحه، معتقدين أنه شخصية نبيلة.

لم ييأس ثربانتس لحظة واحدة طوال سنوات أسره القاسية في الجزائر.  فبرغم القيود الصارمة والمعاملة القاسية، فقد حاول الهرب أربع مرات، متحديًا بذلك سلطة سجانه

(DANIEL EISENBERG, article 1996)(6). كل مرة بعزم وإصرار لا يتزعزع. ومع ذلك، كانت الخيانة تلاحقه في كل محاولة، حيث كان بعض الأسرى يفضلون أن يسلموه بدلًا من أن يتحملوا عواقب الفشل. ورغم ذلك، كان ثيربانتس يرفض الخيانة، مفضلًا التعذيب على أن يفضح زملاءه. هذه الروح القتالية الشديدة، ولدت في روحه شرارة الإبداع التي ستؤثر بشكل كبير على أعماله الأدبية لاحقًا. فمحاولات الهرب المتكررة، والخيانة التي تعرض لها، والمعاناة التي تحملها، كلها أصبحت وقودًا لإبداعه، وظهرت آثارها جلية في روايته الشهيرة «دون كيخوت» .  كما استلهم من تجربته في الأسر العديد من الأعمال الأخرى، مثل «معاهدة الجزائر» و«سجون الجزائر»، حيث صور واقع الأسر بصدق وقوة.

تعتبر الفترة التي قضاها ثيربانتس في الأسر من أكثر الفترات غموضًا في حياته. ورغم أن هناك العديد من الروايات والوثائق التي تتحدث عن هذه الفترة، إلا أن الكثير منها يعتمد على مصادر غير موثوقة أو متضاربة. فمثلًا، الكتاب الذي كتبه الراهب دييجو دي أيدو عن الجزائر DANIEL EISENBERG, article 1996)7).، والذي يزعم أنه يحتوي على معلومات مهمة عن ثيربانتس، قد يكون من تأليف شخص آخر. هذا الجدل حول مصادر المعلومات يجعل من الصعب رسم صورة دقيقة عن حياة ثيربانتس خلال هذه الفترة.

بعد عدة محاولات فاشلة، تمكنت عائلة ثيربانتس من جمع مبلغ من المال لفدية ابنيها. إلا أن المبلغ لم يكن كافيًا لتحرير الاثنين معًا، فاختار ثيربانتس أن يطلق سراح أخيه رودريجو أولًا. حمل رودريجو معه خطة جريئة وضعها ثيربانتس لتهريب مجموعة كبيرة من الأسرى، بما في ذلك هو نفسه. أثبت ثيربانتس خلال فترة أسره شجاعة وإصرارًا خارقين، فلم يكتف بالتفكير في نجاته فقط، بل سعى لإنقاذ زملائه الأسرى. وقد أظهرت محاولاته المتكررة للهرب مدى ذكائه وشجاعته، حيث استخدم كل الوسائل المتاحة للوصول إلى الحرية. ومع ذلك، كل محاولة كانت تواجهها عقبات جديدة، فالسجّانون كانوا يقظين، وعلى خلفية ذلك، سجنه الحاكم العثماني في الجزائر، حسن باشا، في أحد الحمامات مكبلًا بالسلاسل خمسة أشهر. (8)(María Antonia Garcés,2002) ورغم كل الصعاب التي واجهها، ظل متفائلًا، متمسكًا بأمل العودة إلى وطنه.

في مايو من عام 1580، حملت رياح الأمل إلى أسوار الجزائر مع وصول رهبان الثالوث، حاملين معهم بارقة أملٍ لتحرير الأسرى. كان من بينهم أنطونيو دي لا بييا الذي جاء بعرض فدية لإنقاذ ثيربانتس. ولكن القدر كان له رأي آخر، فقد طلب خاطفوه مبلغًا أكبر. ومع ذلك، لم تيأس العزيمة، فجمع الرهبان المبلغ المطلوب من التجار المسيحيين. وفي لحظة حاسمة، بينما كان ثيربانتس يُقتاد مكبلًا في إحدى السفن المتجهة إلى القسطنطينية، وصل الخبر السار بتحريره.  وفي سبتمبر من العام نفسه، عاد إلى أحضان وطنه، حاملًا معه ذكريات أسرٍ مريرة وأملًا جديدًا في الحياة، حاملًا معه تجربة قاسية شكلت شخصيته وأثرّت بشكل كبير على كتاباته.

من خلال ما تم ذكره، أمضى ثربانتس عامًا واحدًا في إيطاليا، ولكن خمس سنوات قضاها في مدينة الجزائر. كانت تلك السنوات، كما وصفها زامورا فيسينتي، «حدثًا أساسيًا في حياة ثربانتس (9) (Daniel Eisenberg, article,1996) ، حيث قسمت حياته إلى نصفين. «ورغم أننا نملك الكثير من المعلومات عن هذه الفترة من خلال أعمال مثل: «تاريخ الأسير»، «العاشق الحر»، «معاملة الجزائر»، و«حمامات الجزائر»، «الإسباني الشجاع»، إلا أن هذه الأعمال ليست سيرة ذاتية.  لدينا وصف لشجاعته من دييغو (دي هايدو10) (Bartolomé, 1987: p.17)، و«تقرير عن الجزائر» المطول الذي أعده ثربانتس نفسه عام 1580. ولكننا نعرف القليل جدًا عن تلك السنوات الخمس الحاسمة. لا تزال هناك العديد من الأسئلة التي لم نجد إجابات لها.

لا نزال نجهل سبب اختراع ثربانتس لشخصية «سافيدرا» التي تظهر في أعمال مثل «معاملة الجزائر» و«تاريخ الأسير»، وبدء استخدامه «سافيدرا» بدلًا من «كورتيناس» لاسم عائلة والدته (11) (Ed. Nicholas ,article)  ولا نعرف سبب العداء الشديد الذي يكنه بلانكو دي باز لثربانتس، ولا الأفعال «السيئة والقبيحة» التي يزعم بلانكو أن ثربانتس ارتكبها في الجزائر .(12) (Domingo de la  Asunción,1917) ولا نفهم كيف تمكن حسن باشا ، من مسامحة ثربانتس على أفعاله رغم محاولاته المتكررة للهرب وتنظيم تمردات بين الأسرى المسيحيين. فكثيرون آخرون عوقبوا على جرائم أقل من ذلك.

لماذا اختار ثربانتس كتابة «تقرير عن الجزائر» قبل مغادرته؟ وما هي الأهداف التي كان يسعى لتحقيقها من خلال هذا التقرير؟ يبقى هذا السؤال محيرًا، خاصة وأننا نجد أنه عاد إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط مرة أخرى بعد فترة وجيزة من تحريره، هذه المرة إلى وهران. تكتنف هذه السنوات الخمس التي قضاها في الجزائر الكثير من الغموض.

إن دراسة أعمال ثربانتس، ولا سيما تلك التي تتناول تجربته في الجزائر، تكشف عن جوانب جديدة ومثيرة للاهتمام. فقد توصلت الأبحاث الحديثة إلى نتائج مثيرة للدهشة، هل يمكن أن يكون قد فكر في البقاء في الجزائر واعتناق الإسلام، على الرغم من عدم وجود أدلة قاطعة على ذلك في أعماله. قد يكون هذا التفكير قد نابع من تفاعله مع الثقافة «الاخر» في الجزائر.

ومن الأمور اللافتة للنظر أيضًا وصف ثربانتس للحياة في الجزائر بطريقة إيجابية في بعض الأحيان، حيث أشاد بالعدالة السريعة والحاسمة التي كانت سائدة هناك. سوف نقوم لاحقا بتأمل الافتراضيات، ولكن هذه التساؤلات حتى وان لم تكن لها وثائق تفتح آفاقًا جديدة لفهم شخصية ثربانتس وتأثير تجربة الأسر في الجزائر على شخصيته وأدبه. كما تدعونا إلى إعادة النظر في بعض المفاهيم السائدة حول هذه الفترة من حيات. بينما كانت إسبانيا تعاني من فساد قضائي متفشٍ، كما علق ثربانتس بمرارة، كانت الجزائر تقدم نموذجًا مختلفًا للتسامح الديني والاجتماعي. ففي الوقت الذي كانت فيه المحاكم التفتيش تفتك بالمعارضين في إسبانيا، كان المسلمون والمسيحيون واليهود يعيشون جنبًا إلى جنب في الجزائر(13) (Maxim ilian, 2006)، وإن لم يكن في سلام تام، إلا أنه بعيد عن العنف الذي شهدته شبه الجزيرة الإيبيرية.

كان ثربانتس نفسه قد اختبر هذا التناقض على نحو مباشر. ففي الجزائر، وجد مجتمعًا مفتوحًا على المتعة الحسية، بعيدًا عن التقشف الديني الذي ساد في إسبانيا في عهد فيليب الثاني. كان بإمكانه أن يعيش حياة مرفهة، محاطًا بالترف والجمال، لولا أن القدر شاء له العودة إلى وطنه. يبدو أنه، الذي كان مفتونًا بكل ما يؤثر على العقل والجسد، قد وجد في الجزائر ملاذًا بعيدًا عن القيود الاجتماعية والدينية التي فرضتها عليه مجتمعه الأصلي.

كانت الجزائر، بتنوعها الثقافي وحكاياتها المشوقة، ملاذًا مثاليًا لثربانتس الشغوف بالناس وقصصهم. ففي هذه المدينة التي كانت تزخر بالوافدين من مختلف أنحاء العالم، كان بإمكانه أن يستمع إلى قصص مثيرة عن المغامرات والمحن، قصص تشبه إلى حد كبير تلك التي سيرويها لاحقًا في أعماله. ولم تكن الجزائر مجرد مكان للاستماع إلى الحكايات، بل كانت أيضًا مكانًا للتفكير والتأمل. فبعد سنوات من الغربة والبعد عن وطنه، وجد ثربانتس نفسه أمام خيارات جديدة، أبرزها خيار الارتداد. لكن لماذا رفض هذا الخيار؟

ربما كان السبب ليس دينيًا بقدر ما هو أخلاقي. ثربانتس، الذي جسده في شخصية دون كيخوت، كان يحمل قيمًا نبيلة حول الشرف والعدالة، قيم تتعارض مع عالم التجارة بالعبيد والقرصنة الذي كان سائدًا في الجزائر. فبالنسبة له، كانت الحياة في الجزائر، رغم جاذبياتها، تمثل تناقضًا صارخًا مع القيم التي يؤمن بها. وقد يكون هذا الصراع الداخلي هو الذي ألهم الكثير من أفكاره التي تجسدت لاحقًا في روايته الشهيرة «دون كيخوت».

لقد استخدم المسلمون القرصنة كذريعة للانتقام من ما اعتبروه استيلاء قشتالة على أراضيهم، وخاصة بعد سقوط غرناطة. إلا أن ثربانتس، الذي زار غرناطة ذات يوم، لم يشر إليها في أعماله. ربما كان ذلك لأنه لم يرغب في الخوض في تلك الفترة المعقدة من التاريخ الإسباني، والتي تمتزج فيها المأساة بالانتصار.

فقد تجنب ثربانتس الخوض في التفاصيل الدقيقة للأحداث التاريخية، وفضل التركيز على وصف العادات والتقاليد الإسبانية. وعلى الرغم من إعجابه بالآثار والمعالم التاريخية الإسبانية، إلا أنه لم يذكر المسجد الكبير في قرطبة أو الحمراء في غرناطة.

يرى ثربانتس أن المسلمين كانوا الغزاة الأصليين، وأن القرصنة التي مارسوها كانت عملًا عدوانيًا لا يمكن تبريره. وهو يرفض فكرة أن القرصنة كانت رد فعل على الاسترداد، خاصة وأن العديد من القراصنة كانوا من الأتراك والمرتدين وليسوا من الأندلسيين (14) (Emilio Sola, 1995).

كما انتقد ثربانتس نقص الثقافة في الجزائر، حيث لم يجد مسارح أو مكتبات أو مدارس على مستوى عالٍ. ويرى أن هذا النقص في الثقافة يمثل تباينًا صارخًا مع الحضارة العربية الأندلسية التي ازدهرت في شبه الجزيرة الإيبيرية. (15) (DANIEL EISENBERG,article 1996) إن غياب أي ذكر للأدب الجزائري في القرنين السادس عشر والسابع عشر يؤكد هذا الرأي، ويظهر أن الثقافة العربية في الجزائر خلال تلك الفترة لم تكن على نفس المستوى الذي كانت عليه في الأندلس.

بالرجوع لعدم أختيار ثربانتس المكوث في الجزائر، علينا فهم طبيعة الإنتاج الأدبي في الجزائر خلال فترة أسره ه يتطلب منا النظر في السياق اللغوي والثقافي المعقد في تلك الفترة. فبينما كانت اللهجات العامية الممزوجة بلغات مختلفة هي لغة التواصل اليومي، كانت اللغة العربية الفصحى هي لغة الأدب والعلوم(16) (Antonio de Sosa,S.A) .. ومع ذلك، فإن إتقان العربية الفصحى لم يكن بالأمر الهين، فقد تطلب دراسة طويلة ومكثفة. كان على الشاعر أن يتقن قواعد اللغة وقاموسها، وأن يكون على دراية بالتراث الأدبي العربي الغني. هذا الأمر كان صعبًا للغاية بالنسبة لثربانتس الذي بدأ تعلم العربية في سن متأخرة. إضافة إلى ذلك، كانت الظروف المعيشية في الجزائر لا تشجع على الإنتاج الأدبي. فلم تكن هناك مكتبات عامة ولا دور نشركما تم الذكر، وكانت الكتب النادرة التي تصل إلى الجزائر مقصورة على فئة محدودة. كما أن انشغال الأسرى بمعاناة الأسر(17) (Chiara Tadiotto,2019)  وحاجتهم إلى العمل اليومي كانا يبعدانهم عن ممارسة الأنشطة الثقافية.

وبالتالي، يمكننا القول إن الظروف المحيطة بثربانتس في الجزائر لم تكن مواتية للإنتاج الأدبي، سواء باللغة العربية أو الإسبانية. فقد كان عليه أن يتخلى مؤقتًا عن شغفه بالأدب، والاكتفاء بالتعبير عن مشاعره وأفكاره من خلال الكتابة بلغة بسيطة. ليس هذا فقط بل يؤكد أنطونيو سوسا على وجود اللغه الفرنكية وهي:

«اللغة الثالثة التي تُستخدم في الجزائر هي التي يسميها المغاربة والأتراك الفرنكا أو الكلام الفرنكي، مشيرين بذلك إلى اللغة وطريقة الكلام المسيحي، ليس لأنهم يتحدثون جميعًا لغة وطريقة الكلام المسيحي، أو لأن هذا الكلام (الذي يُطلق عليه الفرنكي) هو من أية أمة مسيحية معينة تستخدمه، بل لأنه من خلال هذا الأسلوب في الكلام، الذي هو مستخدم بينهم، يتفاهمون مع المسيحيين، وهو مزيج من لغات مسيحية مختلفة وكلمات، أغلبها إيطالية وإسبانية وبعضها برتغالية حديثة، […] وبإضافة إلى هذه الفوضى والخلط بين هذه الكلمات وأساليب الكلام المتنوعة من ممالك ومقاطعات وأمم مسيحية مختلفة، سوء النطق لدى المغاربة والأتراك، وعدم قدرتهم على تغيير الأساليب والأزمنة والأحوال، كما يفعل المسيحيون (التي هي خاصتهم)، تصبح تلك الكلمات وأساليب الكلام هي الكلام الفرنكي في الجزائر، تقريبًا كأنها لهجة أو على الأقل، كلام من نوع الوصف الأسود الذي أُحضر إلى إسبانيا من جديدة (18) (Antonio de Sosa,S.A)».

باختصار، لكي يستمر ثربانتس في الجزائر، كان عليه التضحية بجزء كبير من هويته الثقافية. فقد كان عليه التخلي عن لغته الأم، الإسبانية، وعن شغفه بالأدب والشعر والقراءة. كما أن الحياة في الجزائر، رغم ما قد تبدو عليه من رخاء، كانت مبنية على أساس الاستعباد والتعصب، وهو ما يتنافى تمامًا مع قيمه ومبادئه.

لقد عاد ثربانتس من الجزائر حاملًا معه تجارب قاسية أثرت بشكل كبير على رؤيته للعالم. فقد شكك في الرواية الرسمية الإسبانية حول المسلمين، وبدأ ينظر إليهم بشكل أكثر تعقيدًا. وهذا ما انعكس بوضوح في أعماله الأدبية اللاحقة، مثل «نومانثيا» و«بيت الغيرة»، حيث تناول قضايا مثل الحرب والعنف والتسامح.

إن قصة حب «لا غالاتيا» تحمل في طياتها أيضًا صدى لتجارب ثربانتس في الجزائر، حيث قد تكون مستوحاة من علاقاته الإنسانية خلال فترة أسره.

ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من الغموض يحيط بفترة أسره في الجزائر.  فبالرغم من كل ما نعرفه عنه من خلال أعماله ومذكراته، إلا أن هناك جوانب عديدة من حياته في الجزائر لا تزال مجهولة. وهذا يدعونا إلى المزيد من البحث والدراسة لفهم هذه الشخصية الأدبية العظيمة بشكل أعمق.

الهوامش:

Miguel de Cervantes (بالإنجليزية). Encyclopaedia Britannica.

المصادر:

(1) José Manuel Lucía Megías,” Un personaje llamado Miguel de Cervantes: una lectura crítica de la documentación conservada Universidad Complutense de Madrid”, Asociación de Cervantistas.

(2) osé Manuel Lucía Megías, نفس المرجع السابق

(3) Riley, Edward C., Cervantes’s theory of the novel, Oxford, The Clarendon Press, 1968.

(4) Riley, Edward C., نفس المرجع السابق

(5) Riley, Edward C., نفس المرجع السابق

(6) DANIEL EISENBERG. “Cervantes, autor de la Topografía e historia general de Argel publicada por Diego de Haedo “, Bulletin of the Cervantes Society of America 16.1 (1996), 1996.

(7) DANIEL EISENBERG., نفس المرجع السابق

(8) María Antonia Garcés. “Cervantes in Algiers: A Captive’s Tale. Nashville”: Vanderbilt University Press, 2002.

(9) Daniel Eisenberg. ¿Por qué volvió Cervantes de Argel?

(10) Bennassar, Bartolomé. «La vida de los renegados españoles y portugueses en Fez (hacia 1580-1615)». Relaciones de la península ibérica con el Magreb (siglos XIII-XVI).  siglos XIII-XVI: actas del coloquio (Madrid, 17-18 de diciembre 1987) 1

(11) Ed. Nicholas Spadaccini and Jenaro Talens. Autobiography in Early Modern Spain Daniel Eisenberg. ¿Por qué volvió Cervantes de Argel?

(12) Domingo de la Asunción, Padre. Cervantes y la orden trinitaria. Madrid, 1917.

(13) Maxim ilian o B arrio Gozalo. Tolerancia y vida religiosa de los cautivos cristianos en el norte de Africa (siglos XVI-XVIII, Revista de la Inquisición, Universidad de Valladolid,2006.

(14) Emilio Sola y José F. de la Peña . “Cervantes y la Berbería. Cervantes, mundo turco-berberisco y servicios secretos en la época de Felipe II”. Fondo de Cultura Económica. Madrid, 1995.

(15) DANIEL EISENBERG. “Cervantes, autor de la Topografía e historia general de Argel publicada por Diego de Haedo “, Bulletin of the Cervantes Society of America 16.1 (1996), 1996.

(16) Antonio de Sosa en el capítulo XXIX de la Topografía, titulado De las lenguas que se hablan en Argel y de las suertes de monedas que allí corren

(17) Chiara Tadiotto. El trato de Argel de Miguel de Cervantes: puesta en escena de la experiencia traumática del cautiverio, Università degli Studi di Padova,2019.

(18) Antonio de Sosa en el capítulo XXIX de la Topografía, titulado De las lenguas que se hablan en Argel y de las suertes de monedas que allí corren

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى