العدد الحاليالعدد رقم 46ثقافات

التعبير بحركة الجسد في القرآن الكريم دراسة دلالية

المقدمة

يشكل التواصل البشري عصب الحياة، ولا تستقيم دونه، وهو حاجة فطرية لا يمكن الاستغناء عنها، ذلك أن المجتمعات الإنسانية قائمة على أساس المشاركة، والتواصل، والمحاورة، ويتم التواصل بواسطة اللغة، التي هي رموز وإشارات تعبر عن أفكار، والرموز والإشارات يمكن أن تكون لفظية (أصوات وكلمات)، وقد تكون إشارات وإيماءات بواسطة أعضاء الجسد، تؤدي وظيفة دلالية تساند الألفاظ في أداء المعنى، أو قد تحل محلها، وتقوم مقامها في التواصل بين الناس، وقد اهتم العلماء قديمًا وحديثا بلغة التعبير بالإشارة وحركات الجسم، لما لها من تأثير بالغ في النفس، ودور كبير في أداء المعنى.

والقرآن الكريم بصفته كلام الله تعالى، الأصدق قولًا، والأبلغ بيانًا، المعجز في كل ما ورد فيه يُشكل ترسيخًا لآلية التعبير بحركة الجسم، من خلال إيراده الكثير من الإشارات الدالة على هذا النوع من التعبير.

  • التعبير بحركة الجسم

تتميز اللغة العربية بقدرتها على استيعاب الألفاظ والتراكيب والأغراض والدلالات، ويضاف إلى ذلك، القدرةُ على استيعاب الإيحاءات المرافقة للمعاني، وذلك بما يصاحب الحدث الكلامي من حركات تعكس الانفعالات، وتعبر عن الإحساس بالمعاني، وهو ما يسمى بالتعبير الحركي أو التعبير غير الملفوظ، وبعضهم يسميه التعبير بالإشارة، أو البيان الحاكي  أو لغة الجسد، وتكون الإشارة باليد والوجه والرأس وغيرها من الأعضاء والحواس، يقول الجاحظ: «فأما الإشارة فباليد، وبالرأس، وبالعين، والحاجب والمنكب إذا تباعد  الشخصان، وبالثوب، وبالسيف، وقد يتهدد رافع السيف والسوط، فيكون ذلك زاجرًا، ورادعًا، ويكون وعيدًا وتحذيرًا»(1)، وتكمن أهمية التعبير بالحركة في توظيف المشاعر،  وتعميق التأثير بها، لأنها تساعد في إثارة الحس لدى الإنسان، وذلك بتشخيص المعاني، فالحركة والإشارة تتعدى بوظيفتها التعبير المجرد المباشر، إلى تصوير العواطف، وتجسيد الأفكار؛ فهي تشكل أسلوبًا من أساليب التعبير والإبانة عن المعنى؛ فهو التعبير عن المعاني بحركات تصويرية ، تكشف أحوال النفس وانفعالاتها.

ولا يخفى أن اشتراك اللفظ والحركة أدعى للتأثير في النفس مما لو جاء اللفظ مجردًا منها يقول الجاحظ: «والإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ، وما تغني عن الخط»(2).

ويعد التصوير الحركي أعلى طرق الأداء والتعبير عن المعنى، وأقدرها على إبرازه؛ فهو إدراك للمعاني من خلال الأفعال والحركات التي لا تراها العين بواسطة الكلمة الملفوظة، وإنما تراها وهي تقع أحداثًا حية في الوجود، فتكون أقدر على الإقناع والثبات في النفس، وعلى ذلك قالت   العرب قديمًا: «رب إشارة أبلغ من عبارة».

والتعبير بالحركة يُعَد متنفسًا للانفعالات الداخلية، بقطع النظر عن كونه أداة تواصل بين المتكلم والمخاطب، ونضرب لذلك مثلًا: الشخص الذي يتحدث بالهاتف، في هذه الحالة لا يراه المخاطب، وهو مع ذلك تبدو عليه تعابير الفرح، أو الغضب، وعلامات الموافقة أو عدمها، وتصدر عنه إشارات عديدة باليدين والوجه، وهو لا يهدف إلى إيصال رسالة للمخاطب من هذه التعابير، وإنما هي حركات لا إرادية تعبر عن انفعالاته ومشاعره الداخلية.

  • عالمية التعبير بحركة الجسم

من المسلم به أن الإنسان يلجأ إلى التعبير بالحركات عند الشعور بالعجز عن التواصل مع الآخرين، بسبب اختلاف اللغة فلا تسعفه المفردات ولا الصياغة؛ فيسد النقص الحاصل لديه بواسطة حركات يديه، وتعابير وجهه، وعينيه، وكذلك يكون الأمر عند تعذر التواصل بسبب الإعاقات السمعية والنطقية، وهي في هذه الحالات تكون لغة بديلة للتعبير النطقي المباشر.

والأطفال يستخدمون لغة الإشارة قبل البدء بالتكلم، فيرفع الطفل يديه في سن الستة شهور للإشارة إلى حاجته إلى الحمل، وفي السنة الأولى من عمره يشير بأصبعه إلى الشيء الذي يريده ولا يستطيع التعبير عنه، أو لا يتمكن من الوصول إليه، وهي لغة عالمية يستعملها كل الأطفال على اختلاف أصولهم، ويهتدون إليها بالفطرة.

وتتميز لغة التعبير بالحركة بأنها تُدرَك بالعين، وهذا يعني أنها أسرع من إتيان الفعل، أو الصياغة اللغوية له، فنحن نلوِّح باليد إشارة إلى جملة الوداع، ونشير بالإصبع على الفم إشارة إلى طلب السكوت، والإيماء بالرأس إلى الأسفل إشارة إلى الموافقة، ورفع اليد إلى جانب الجبهة إشارة إلى التحية، وغيرها الكثير من الإشارات والتعابير الحركية التي يعرفها الناس جميعًا، ويفهمون مدلولاتها ويتواصلون بواسطتها، وتُستخدم هذه اللغة في مجالات عديدة كبديل عن اللغة المنطوقة، في السياحة، والعلاج في الدول الأجنبية للتفاهم بين المريض والطبيب، وفي موسم الحج عند المسلمين، وغيرها.

  • التعبير بحركة الجسم في القرآن الكريم

يشتمل التعبير القرآني على جماليات قوية الإيحاء في التعبير اللغوي، وذلك من خلال التصوير، وفيه كم هائل من الصور التي تتمثل التعبير الإيحائي، بواسطة التعبير بالحركات التي تشير إلى ما خفي من انفعالات؛ فتبدو الصور نابضة بالحياة بما تضيفه الحركة إلى اللفظة الموحية، وهما تؤديان دورًا في إخراج الصور في أفصح لفظ، وأروع خيال.

ويوظف القرآن التعبير الحركي في سياقات ومناسبات مختلفة، فيتسم المشهد بطابع حركي، يؤثر في القارئ، ويعمق الإحساس بالمعنى، فالتصوير بالحركة أوقع في النفس، وأدعى لرسوخ المشهد.

أولًا: التعبير بالوجه

الوجه أشرف الأعضاء بما يحتويه من أعضاء الإحساس، ولأن أحوال الإنسان المختلفة من غضب، وفرح، ورضا، وعزة، وذلة تظهر على وجهه، وللوجه حضور بارز، ودلالات متعددة في القرآن الكريم، وتتعدد الحركة بالوجه لتفيد دلالات متعددة من المعاني البلاغية؛ فتفصح ملامح الوجه عن معان زائدة على الدلالة بالقول، وهي تزيد البيان قوة في الأداء، يصل إلى قمة التعبير، والتأثير في النفس، بما توفره من مشاهد حية متحركة، تبرز المعاني المجردة في صور محسوسة تراها العين.

صك الوجه

الصك هو الضرب الشديد بالشيء العريض(3)، وصك الوجه: اللطم وضرب الوجه للتعجب والمفاجأة، وقد جاء هذا التعبير «صك الوجه» في سياق الحديث عن ضيف إبراهيم من الملائكة، وقد أوجس منهم خيفة؛ لأنهم لم يأكلوا من الطعام، فأنكرهم، (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)  (الذاريات: 28 – 29) وأوجس: أي أحس في نفسه ولم يُظهر، وقد علمت الملائكة ما في نفسه من الخوف والإنكار مما ظهر على ملامحه من الخوف، فطمأنوه، وبشروه بإسحاق، وزوجته الوارد ذكرها في هذه الآية هي “سارة” وهي التي ولدت بعد أن أيست وتقدم بها العمر، فأقبلت إلى المجلس عند سماعها البشارة، وكانت متعجبة متفاجئة، وصكت وجهها من فرط تعجبها، وقد أفصحت عن سبب هذا الانفعال المصاحب لسماعها الخبر، فهي عجوز عقيم، لم تلد وهي فتاة صغيرة قادرة على الإنجاب، فكيف لها أن تلد الآن؟! وقد تقدمت بها السن وهي عقيم أصلًا، وقد طغى هذا التعجب عليها، فنسيت أنها في حضرة الملائكة، وقد جاء جواب الملائكة تعليقًا على ما بدر منها (قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) (الذاريات: 30) أي أن هذا تبليغ من الله الحكيم في تدبير الأمور، والعليم الذي لا يخفى عليه حالها من الكبر والعجز، والصرة هو الصياح الشديد(4)، وقد أراد الله أن يُظهر قوة إنكارها وتعاظم تعجبها، فجسد انفعالها وكأننا نشاهدها صورة حية، وهذا نوع من التعبير بالحركة المصاحب للتعبير الكلامي، يُعمّق المعنى، وليس هو زيادة عليه، وإنما هي حركة تعبيرية مصاحبة للقول، لتعطي المعنى الحقيقي للانفعال، فاللفظ وحده لا يكفي بمقدار التعجب الحاصل لدى المرأة، فهي درجة كبيرة من الانفعال تصل إلى حد التعبير الحركي الفطري لمعنى التعجب، وهي تتعجب من هول المفاجأة، وترغب في تصديق الخبر، لأن الرغبة الملحة في الإنجاب تتناسب مع كونها امرأة، حتى لو كانت عجوزًا.

عبوس الوجه

العبوس هو تغير الوجه وتقطيبه بسبب الضيق، يقول الراغب: «هو قطوب الوجه من ضيق الصدر»(5) وقد وردت حركة عبوس الوجه في سياق الحديث عن قصة ابن أم مكتوم وكان أعمى، حينما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وطلب منه أن يعلمه مما علمه الله، وجعل يناديه ويكرر عليه الطلب، وكان عند الرسول جماعة من كبراء قريش يدعوهم إلى الإسلام، ويرغب في إسلامهم، وكان لا يدري أن الرسول منشغل عنه بهم، فكرر طلبه حتى ظهرت الكراهة في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، لقطعه كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد أن أتباعه العميان والضعفاء والعبيد، فعبس عليه السلام وأعرض عنه وأقبل على القوم يكلمهم(6)، فعاتبه الله على هذه الحركة بقوله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) (عبس: 1) وتتضمن الآية حركتين، تعبر كل منهما عن انفعال يختلف عن الآخر، وتحكي أقوالًا غير محكية، فالعبوس يمثل الضيق والكراهة لقطعه عليه كلامه، والتولي تمثل الإعراض وعدم اشتغال الرسول صلى الله عليه وسلم بطلب ابن أم مكتوم، يقول ابن عاشور: «التولي هو تحول الذات عن مكانها، ويستعار لعدم اشتغال المرء بكلام يلقى إليه، أو جليس يحل عنده»(7)، وقد ظهرت هذه الانفعالات على الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان لها أثرها وبلاغتها في تثبيت المعاني والدلالات بشكل أبلغ وأكبر من القول الملفوظ عن شدة الضيق والكراهة، وليس ذلك من التقصير وإنما من رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكسب ود هؤلاء الرجال؛ فانشغل عن الأعمى بما خاف أن يفوت الدعوة من الخير العظيم بإسلام من كان يرجو إسلامهم، وفي هذا غاية الحكمة في نصرة الدين والدعوة.

وقد كان لعبوسه وتوليه عن هذا الرجل من التأثير في النفس مما دعا إلى معاتبته من الله.

وقد ورد التعبير بحركة عبوس الوجه في موضع آخر من القرآن في وصف الوليد بن المغيرة (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (المدثر: 19، 25) وذلك حين سمع القرآن فقال: والله لقد سمعت كلامًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، فقالت قريش: صبأ الوليد، فذهب إليه أبو جهل، وأثار فيه الحمية والاستكبار، وطلب إليه التراجع عما قاله، فوجد الوليد مشقة بالغة في أن يذم القرآن ففكر في نفسه، ثم نظر حوله، ثم عبس فقال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟(8).

وقد رسم القرآن لهذا الرجل العنيد صورة منكرة تثير الهزء والسخرية عن حاله وملامح وجهه التي تبرز كأنها مشاهد حية، فهو يكد ذهنه ويعصر أفكاره ويحيل النظر فيما حوله، ويصاحب ذلك تقطيب الجبين والعبوس لإبراز عجزه في أن يعيب القرآن، وهذا يدل على أنه كان عارفًا في قلبه صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أنه قال ما قاله عنادًا واستكبارًا

(ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ) (المدثر: 23)، ولعله بعد أن فكر وقدر، ظهر على لسانه كلامًا يعلم أنه ليس مصيبًا فيه، فظهر العبوس في وجهه، لأنه يعلم أن ما يقوله كذب، فهذا العبوس والتقطيب يعكس ما يدور في داخله من صراع بين قول الحق وإخفائه.

ثانيًا: التعبير بالعين

يمتلك الإنسان القدرة على التحكم بالعين بالنظر إلى ما يريد، لكنه لا يملك القدرة على التحكم بالتعبير بواسطة العين، ويستطيع الإنسان أن يتحكم بلسانه فيسكت وقت الغضب أو الحزن، ويستطيع التحكم بشفاهه فيبتسم وهو يعتصر ألمًا، لكنه لا يملك القدرة على التحكم بدموعه، كأن يوقف الدمع، أو يخفي الحزن في عينيه، فالعين جزء فعال من وسائل الاتصال الصادق، وهي تشكل انعكاسًا صادقًا لما في داخل النفس من رغبات لا يمكن التصريح بها، لذا تقول الناس «في عيونك كلام» فالرغبة، والحيرة، والحسد، والغيرة، والكذب، والشوق، والإجهاد والتعب، كلها انفعالات موطنها العين.

وقد ورد في القرآن التعبير بالعين مرارًا، وفي مواطن مختلفة، وانفعالات متعددة، في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وستورد الباحثة بعضًا من هذه المواطن في هذه الدراسة.

بكاء العين

في قوله تعالى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (التوبة: 92) ، نزلت هذه الآية في الضعفاء الذين يرغبون في الجهاد في سبيل الله، لكنهم لا يجدون ما يحملهم من الركوب فرجعوا بعد أن أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك عليهم علامات الحزن متمثلًا بالبكاء على فوات الطاعة، وعز عليهم أن يقعدوا عن الجهاد، حرصًا منهم على المشاركة، وحبًا لله ورسوله، وجاء التعبير القرآني (وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) (التوبة: 92) يعكس موقفًا إنسانيًا صادقًا وإحساسًا عميقًا بالأسى لا تعبر عنه الكلمات، يقول الزمخشري: «تفيض من الدمع أبلغ من يفيض دمعها، لأن العين جُعلت كأن كلها دمع»(9).

وقد ورد التعبير القرآني نفسه في سياق الحديث عن المؤمنين وشدة تأثرهم عند سماع القرآن: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة: 83)، فهم عرفوا الحق بقلوبهم، وأظهرت عيونهم شدة تأثرهم به، وأفصحت عن إيمانهم، هذا البكاء يصور الخشوع، والخشية، والطمع في رحمة الله والإشفاق، وإظهار المسكنة لله تعالى.

زيغ الأبصار

زيغ البصر: إشارة إلى ما في داخل النفس من الخوف وقد ورد هذا التعبير القرآني في سياق الحديث عن المسلمين في غزوة الأحزاب حينما اشتدت عليهم الأحوال، وتحزبت ضدهم القبائل: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) (الأحزاب: 10)  زاغت الأبصار أي مالت، وهذه الحالة من شدة الهلع تدل على أنهم أشفقوا من أن يُهزموا لما رأوا من قوة الأحزاب، وضيق الحصار، وخافوا أن تكون الهزيمة سببًا في جرأة المشركين عليهم، أو نحو ذلك من الظنون التي ظنوها.

نظر المغشي عليه

يصور البيان القرآني بواسطة حركة العين حالة الفزع والخوف الذي يصيب المنافقين حينما تنزل سورة من القرآن فيها أمر بالقتال، فيشعرون أنهم في مأزق لا يستطيعون الخروج منه فيسيطر عليهم الهلع، وينظرون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نظرات المغشيّ عليه من الموت، الذي أصابه الإغماء وفقد القدرة على الحركة، وقد سيطر عليهم الخوف من القتال حتى أفقدهم الحركة، فهم كالأموات، وهذا التعبير بالحركة لا يمكن أن تحل محله أية لفظة أو عبارة أخرى، فهو يرسم الخوف إلى حد الهلع، والضعف إلى حد الغشية، وتبقى هذه الصورة ثابتة في النفس.

ويأتي التعبير نفسه في تصوير حالة الخوف والهلع لدى المنافقين وهم في ساحة القتال، عندما تشتد المعركة: (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (الأحزاب: 19)، وهم يوهمون المؤمنين أنهم معهم، ولا نراهم يبارزون ويقاتلون إلا قليلًا، إذا اضطروا لذلك، وهم ينظرون نظرة المغشيّ عليه من الموت، حذرًا وخوفًا وفرقًا، فإذا ذهب عنهم الخوف، وانتصر المسلمون، انقلبت أحوالهم، وصبوا لومهم على المؤمنين لتعريضهم لخطر الموت.

تبادل النظر

ينظر المنافقون إلى بعضهم نظرات تكشف خبايا نفوسهم، وما فيها من خداع ومكر ونفاق، (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) (التوبة: 127) وهذه النظرات تشتمل على تساؤل صرح به القرآن الكريم (هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ) ليتأكدوا أن أحدًا من المؤمنين لم يلحظ نيتهم في مغادرة المكان، وهي ليست نظرات عادية، وإنما نظرات خاصة تتضمن عبارات ودلالات يفهمونها فيما بينهم، ويترتب على ذلك انصرافهم من المكان، فبعد أن امتلأت قلوبهم خوفًا وحذرًا، تفاهموا بالنظرات وأخذوا بالانصراف، فهم يترامقون ويتشاورون في تدبير الخروج والانسلال فيما بينهم.

ثالثًا: التعبير بحركات اليد

سد الآذان بالأصابع

استخدم القرآن هذه الحركة للدلالة على شدة الكفر والعناد، في سياق حديثه عن قوم نوح (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) (نوح: 7) كرهوا أن يصل صوته إلى أسماعهم وكرهوا أن تقع عليه أبصارهم، وأصروا على الضلال، واستكبروا عن الاستجابة لصوت الحق والهدى، وهذه الحركة لسد مسامعهم، إنما تدل على معنى العناد والرفض لما جاء به نبي الله نوح عليه السلام من الحق، فهم مع هذه الحركة يأتون أيضا بحركة أخرى، وهي أن يلفوا رؤوسهم بثيابهم مبالغة في رفضهم وعنادهم، ولكي لا يروه أو لا يراهم، وذلك من باب المماحكة والمعاندة والإنكار، وهنا تكمن البلاغة والعمق في التأثير، فكل سامع لهذا الوصف يستقر في نفسه ما يحمل من دلالة، ويفهم الحال الذي كان عليه هؤلاء؛ بصورة أوضح وأبلغ من الوصف بكلمة الصد أو الرفض.

تقليب الكفين

استخدم التعبير القرآني هذه الحركة للدلالة على التحسر والندم، في سياق الحديث عن قصة صاحب الجنة الظالم لنفسه، المعجب بماله، الجاحد لنعم الله، وذلك حينما أهلك الله جنته، فتذكر موعظة أخيه؛ فتمنى لو لم يكن مشركًا، حتى لا يهلك بستانه، وندم على ما كان عليه من الكفر والجحود: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) (الكهف: 42)، فأصبح يقلب كفيه ندمًا وحسرة على تفريطه وهي حركة معروفة، فبمجرد قيامه بهذه الحركة يفهم كل من يراه أن هذا الشخص نادم متأسف من غير أن ينطق بكلمة واحدة   .

عض اليدين

جاءت هذه الحركة في سياق الحديث عن الكافر يوم القيامة، وما ينتابه من إحساس بالندم والأسف على تفريطه في الطاعة، (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)  (الفرقان: 27).

الآية ترسم صورة مجسدة عن حال هذا الكافر الذي بلغ به الندم والحسرة مبلغًا عظيمًا، بأن يضع يديه في فمه ويعض عليهما، وذلك دلالة على ندمه الشديد على عدم اتباعه للحق وأهله، وبسبب سيره في طريق الكفر والظلم ورغم أنه يعلم أن الندم لا يفيد في هذه اللحظة فإنه يبالغ في إظهاره ولا يكتفي بعض يد واحدة، إنما يعض كلتا يديه، وهي حركة تفي بمقدار ما يشعر به من الندم الذي لا توفيه الألفاظ حقه.

النتائج والتوصيات

  • تتميز اللغة العربية بقدرتها على استيعاب الألفاظ والتراكيب والأغراض والدلالات، بما في ذلك القدرةُ على استيعاب الإيحاءات المرافقة للمعاني، وذلك بما يصاحب الحدث الكلامي من حركات تعكس الانفعالات، وتعبر عن الإحساس بالمعاني، وهو ما يسمى بالتعبير الحركي، أو التعبير عير الملفوظ.
  • تكمن أهمية التعبير بالحركة في توظيف المشاعر، وتعميق التأثر بها، لأنها تساعد في إثارة الحس لدى الإنسان، وذلك بتشخيص المعاني، فالحركة والإشارة تتعدى بوظيفتها التعبير المجرد المباشر، إلى تصوير العواطف، وتجسيد الأفكار.
  • تنبه العلماء العرب القدامى إلى التعبير بحركات الجسد وسموها لغة الإشارة، وتحدثوا عن أهميتها ودورها في إبراز المعنى.
  • تتميز لغة التعبير بالحركة بأنها تُدرَك بالعين، وهذا يعني أنها أسرع من إتيان الفعل، أو الصياغة اللغوية له.
  • يُستخدم التعبير بحركات الجسم في مجالات عديدة كبديل عن اللغة المنطوقة، في السياحة، والعلاج في الدول الأجنبية للتفاهم بين المريض والطبيب، وفي موسم الحج عند المسلمين، وغيرها.
  • اشتمل القرآن على آيات تصف التعبير بحركة الجسم بوصفه من مكملات الكلام، أو بديلًا عنه واشتمل على العديد من الآيات التي تذكر أعضاء الجسم، وفي صيغ مختلفة كالعين، والطرف، والجبين، والوجه، والرأس، واليد، والأصابع، والجنب، والصدر، وغيرها.
  • التعبير الحركي في القرآن يُظهر خبايا النفوس، ويُبرز المعنى على حقيقته ويجسده، ويعمق الانفعال بحيث يؤثر في النفس، ويؤدي الغرض الديني في الترهيب والترغيب، وتجذير القيم الإسلامية، إلى جانب الغرض البلاغي في إظهار الصورة على أبلغ وجه.

 

الهوامش:

1 – الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر- البيان والتبيين – 1998 – تحقيق وشرح: عبدالسلام هارون – مكتبة الخانجي – القاهرة 1 77.

2 – المصدر السابق 1: 78.

3 – انظر ابن منظور، محمد بن مكرم – لسان العرب – 1990 – دار صادر – بيروت. مادة صكك

4 – انظر لسان العرب مادة صرر.

5 – الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد – المفردات في غريب القرآن دون تاريخ – مكتبة نزار مصطفى الباز – القاهرة: مادة عبس.

6 – انظر الواحدي، أبو الحسين علي بن أحمد – أسباب نزول القرآن – تحقيق: السيد أحمد صقر – 1969 – دار الكتاب الجديد – القاهرة 479.

7 – ابن عاشور، الظاهر محمد – تفسير التحرير والتنوير – 1984 – الدار التونسية للنشر – تونس 30: 104.

8 – انظر القرطبي، أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر- الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنته من السنة وآي الفرقان – تحقيق: عبدالله بن الحسن التركي – 2006 مؤسسة الرسالة – بيروت 21: 379.

9 – الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر – الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل – تحقيق: عادل أحمد عبدالموجود وعلي محمد معوض 1998 – مكتبة العبيكان – الرياض 3: 81.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى