
ميلاد النظرية الأدبية وموتها: النظم ذات الصلة في روسيا وخارجها
إيلي بارك سورنس* Eli Park Sorensen
ترجمة: ربيع ردمان
يذْكُر غالين تيخانوف Galin Tihanov في كتابه «ميلاد النظرية الأدبية وموتها» (مطبعة جامعة ستانفورد، 2019) أن المعرفة الأدبية التي ظهرت خلال سنوات ما بين الحربين العالميتين في روسيا ووسط أوروبا كانت بمنزلة البداية لما صار يُعْرف اليوم بالنظرية الأدبية. أرادتْ تلك المعرفة تحرير دراسة الأدب على نحوٍ جاد مما سواها من الخطابات المهيمنة أو «النُّظم ذات الصلة» – إِنْ استخدمنا مصطلح تيخانوف – مثل الفلسفة وعلم الجمال. كما يؤكد تيخانوف على أن تحديد الأصول التاريخية للنظرية الأدبية أو تحديد ميلادها يُمكِّننا من فهم أُفُولها أو موتها في أوائل تسعينيات القرن العشرين.
يسعى هذا الكتاب القيِّم وذو التأثير، بشكلٍ عام، إلى تطوير موقفٍ نظري استمر تيخانوف يدافع عنه لعدد من السنوات، على
نحو ما يظهر في مقالته المنشورة في عام 2004: «لماذا نشأت النظرية الأدبية الحديثة في أوروبا الوسطى والشرقية؟». وفي هذه المقالة، راح تيخانوف يستكشف الأهمية التاريخية لدعوى الشكلانيين الأصيلة باستقلالية اللغة في الخطاب الأدبي، ويستقصي ما أحدثتْه من تأثيرٍ لاحق في تشكيل الفهم الأدبي على مدار القرن العشرين(1). صار هذا النوع من التقييم يحظى بقبولٍ واهتمامٍ خاص في الوقت الحالي؛ لأنَّ ميدان الدراسات الأدبية الأكاديمي وجد نفسه لفترةٍ من الزمن في مواجهة أزمةٍ لا انفكاك منها، أو بالأصح داخل نطاقٍ معاصر لم يَبْدُ أنه قادر بطريقةٍ ما أن ينعتق من القرن العشرين ومساراته النظرية بشكلٍ كامل؛ إنه نطاق ربما وصل إلى نهايته المحتومة ولكنه غير مدرك لذلك، تمامًا مثل مجاز الأَب المَيَّت عند فرويد. يرمي كتاب تيخانوف إلى إعادة تقييم المجال المعرفي للنظرية الأدبية في الوقت الراهن واستشراف حظوظها في المستقبل، وذلك من خلال إعادة صياغة معالم الفرضيات الأصلية التي شكَّلتْ أساس التفكير النظري حول الأدب.
ظهرت الشكلانية الروسية حوالي عام 1915 مع تأسيس الدائرة اللغوية في موسكو، وبعد عامٍ في سانت بطرسبورغ عمد أشخاص مثل فيكتور شكلوفسكي، ويوريس إيخنباوم، وأوسيب بريك، ويوري تينيانوف إلى تشكيل «جمعية دراسة اللغة الشعرية» والمعروفة أيضًا باسم أوبوجاز OPOJAZ. لقد كانت تحدو هؤلاء الدارسين الشبان في الأدب واللغة رغبةٌ في تجاوز المذاهب الجامعية التقليدية، فسعوا إلى طرقٍ جديدة وأكثر علميةً لدراسة الأدب، متحررين من نظام الشعرية الرمزية الجمالي الذي كان يُهيمن على الدراسات الأدبية آنذاك. وكما عبَّر عن ذلك رومان ياكبسون فيما بعد: «موضوع العِلْم الأدبي ليس الأدب في مجمله، بل هو الأدبية، أي ما يجعل عملًا معينًا عملًا أدبيًا»(2). من هذه الفرضية الأساسية سعى الشكلانيون إلى تطوير سلسلة من الأفكار الرائدة حول البعد الأدبي الخاص باللغة، والتي تميَّزتْ قطعًا عن الأفكار التي تَنْظُر إلى الأدب بوصفه وسيطًا لنقل الأفكار والعواطف وما إلى ذلك. كان الهدف هو إيجاد مقاربة للأدب لا تستند إلى السياق أو البيئة الاجتماعية؛ أي تحديد موضوعي وإنساني-كوني وغير متحيز وعلمي لما يُشكِّل جوهر اللغة الأدبية.
عندما نتأمل رغبة الشكلانيين الروس في إيجاد مقاربة موضوعية للأدب غالبًا ما يتبادر إلى أذهاننا اعتراض تروتسكي على الشكلانية الروسية بأن محاولة الشكلانيين في تجاوز وعيهم البرجوازي قد أخفقت في نهاية المطاف. يأتي كتاب تيخانوف في توقيت مناسب من حيث هو إعادة تقييم للظروف التاريخية التي أحاطت بظهور الحركة، وأصالتها وابتكارها، وفي المقام الأول أهميتها فيما يخص التطورات النظرية اللاحقة.
يستعرض تيخانوف في أول فصول الكتاب وأكثرها أهميةً الكيفية التي أثَّرتْ بها خلفيةُ الحرب بشكل حيوي في فهم فيكتور
شكلوفسكي للأدب. وعلى غرار هَوَس إرنست يونغر Ernst Jünger بالحرب بوصفها شكلًا من أشكال كسر نمط الحياة المعتاد وإعادة الحيوية إليها، كان شكلوفسكي يعتقد أن الأدب يتمتع بطاقة التغيير، وقادر على أداء المهمة نفسها التي تقوم بها ظاهرة الحرب، وإن كان لا يَنْجُم عنه الآثار الفظيعة للتدمير الشامل. ما كان يثير خشية شكلوفسكي بالدرجة الأولى هو إدراك الحياة بطريقة آلية أو التعود الذي يجعلك «غير واعٍ لما تقوم به من أعمال وتستعمله من ملابس وأثاث، ويُذْهِلُكَ عن زوجتك، ويصرفك عن الخوف من الحرب»، على نحو ما يكتب في واحدةٍ من أشهر مقالاته «الفن بوصفه تكتيكًا»(3).
لا يتقبَّل النقادُ اليوم فكرة «إزالة الأُلفة» defamiliarization عند شكلوفسكي لأنه لا يوجد «جوهر» للأدب، وأن الممارسة اللغوية لـ«التغريب»، التي تميز اللغة الأدبية عن الكلام العادي، غير مقنعة. وعلى نحو ما يؤكد تيري إيجلتون، فالسياق المؤسسي هو الذي يُحَدِّد ما هو أدبي وغير أدبي: «اللغة في ذاتها لا تملك أيّ خصائص أو صفات متأصِّلة يمكن أن تُمَيِّزها عن الأنواع الأخرى من الخطاب»(4). إن كتاب تيخانوف ليس محاولة للدفاع عن مفهوم نزع الألفة في حد ذاته عند شكلوفسكي، وإنما هو محاولة لتوضيح السياق التاريخي الذي انبثق منه المفهوم، وتفسير الكيفية التي اكتسب بها هذا النفوذ على تحقيق الخلاص. يرى شكلوفسكي أن الأدب قادرٌ على أن يُحْدِث تدخلًا نقديًا يتجاوز مجالي التربية والترفيه؛ لقد كان لديه اعتقادٌ شديد في قوة الأدب على صَدّ الأخطار الكامنة في الروتين والعادات والتفكير الكسول، وصولًا إلى حد كبح رغبة الجماهير في الحرب. وكون الأدب أخفق في النهاية في الحيلولة دون انجذاب الجماهير للأيديولوجيات السياسية المتحاربة، والتي بلغت ذروتها مع الحرب العالمية الثانية، لا يمثل دليلًا فقط على حقيقة أن شكلوفسكي قد علَّق أمالًا كبيرة على الفكرة الطوباوية لإزالة الألفة، وإنما أيضًا على الضرورة الأخلاقية التي سعتْ من خلالها العديد من التشكيلات النظرية اللاحقة إلى الدفاع عن أهمية الأدب.
يحظى غالين تيخانوف بشهرةٍ عالمية كواحدٍ من كبار الباحثين الدوليين المختصين في باختين، ويتضمن الفصل الثالث من كتابه مناقشةً مطولةً حول الناقد الروسي العظيم، ودوره في تشكيل الشكلانية الروسية. بعض ما يعالجه تيخانوف في هذا الفصل هو إعادة لما سبق أن كَتَبَه عن باختين، لكن الفصل يتناسب بشكلٍ جيد مع بنية الكتاب الحالي. الجانب الأكثر أهمية هنا أن تيخانوف يرفض بحجةٍ مقنعة الصيغ الشائعة لباختين بوصفه ناقدًا شكلانيًا كما يشيع ذلك بكثرة في النقد الأدبي الناطق بالإنجليزية، في حين أنه في الوقت نفسه يُعْمِل تفكيره بما يعنيه ذلك فيما يخص تقييم دور باختين في التطور اللاحق للبنيوية وما بعد البنيوية وما بعد الحداثة.
يُلاحظ أن تاريخ الانتقال من الشكلية الروسية إلى السياقات الأوروبية الأوسع للبنيوية وما بعد البنيوية وما بعد الحداثة لم ينل حقه من التوضيح والإشباع في كتاب تيخانوف، وربما هناك جوانب كان يود العديد من القراء لو أن تيخانوف سعى إلى تطويرها بشكل أكثر وذلك لأن بإمكان المرء أن يُحاج على نحوٍ مثمر بأن النظرية الأدبية بمعناها الحديث «وُلِدَتْ» تحديدًا داخل هذا الانتقال نفسه – أي داخل هذا الفضاء الكوزموبوليتاني الخِصب من أفكار محلية جرى نشرها من غير توقع داخل نطاق دولي من مدارس فكرية ومجالات معرفية متباينة، ولنأخذ على سبيل المثال اقتران الشكلانية الروسية بالسيمائية السويسرية.
على أننا إذا نظرنا إلى كتاب تيخانوف من جهة أخرى سنجد أن تركيزه على سياق تاريخي روسي بدرجةٍ أساسية يمثل أحد الجوانب الرائدة فعليًا في هذا الكتاب. يصادف القارئ في الكتاب ذخيرة من الحكايات والسير الذاتية الموجزة المثيرة للاهتمام، والتي تشهد على وجود قدر كبير من العمل التوثيقي. قد يداخل المرء أحيانًا شعور أن الحجة العامة للكتاب (مسار السرد من الميلاد إلى الموت) تضيع في مسارات جانبية وغالبًا ما تُنسى مثل الفصل الخاص بالفيلسوف الروسي غوستاف شبيت (الفصل الثاني)، وتاريخ حركة علم الإحاثة الدلالي (الفصل الرابع)، لكن الطريقة التي يتذبذب بها المنظور السردي في كتاب تيخانوف بين دراسات متناهية الصغر في مجالات محددة للغاية وتاريخ واسع النطاق للنظرية الأدبية هي ذات نتائج مثمرة في نهاية الأمر. الواقع أن هذا التذبذب في المنظور يقوم بدور مميز للغاية حين يتعلق بشخصيات بارزة مثل شكلوفسكي وباختين؛ وذلك لأن أفكار هذين المنظرين وتأثيرهما قد بلغ ما هو أبعد من موطنهما الأصلي.
تتبدى المعرفة الأدبية في أفضل تجلياتها في الكتاب حين يعمد تيخانوف إلى الربط بين التواريخ المحلية والتاريخ المَهِيب للنظرية الأدبية. وفي بعض أفضل مقاطع الكتاب المصوغة على نحوٍ رصين، خاصة في الفصلين الأول والخامس، يُعْمِل تيخانوف النظر في الهوية التاريخية للنظرية الأدبية باعتبارها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالنفي والانخلاع، كما يتأمل في الكيفية التي أسهمت بها هذه التجارب في تشكيل الأفكار حول الاستقلالية الأدبية. يستكشف تيخانوف في الفصل الخامس مسارات الكُتَّاب الروس في المنفى؛ إنهم هناك يتأرجحون داخل فجوة الفقد، بعيدين عن الصراعات الإيديولوجية الحماسية التي تدور في الاتحاد السوفيتي الذي تشكَّل حديثًا، ولكنهم في الوقت نفسه بعيدين ومنعزلين عن تجربة الانغماس في بيئاتٍ جديدة، حيث كثافة اللغة الأدبية بكل غرابتها في حالة اهتزاز، متحررين من المشاعر القومية الضيقة. وفي هذه المجاهل يكتشف تيخانوف جانبًا من تلك الطاقة المبكرة التي رَسَمَتْ مسار النظرية الأدبية فيما بعد كحركة كانت منذ البداية تتجه نحو الإحداثيات العالمية، نحو آفاق جديدة، وعلاقات جديدة، وتجمعات جديدة، ومن ثم نحو ذُرِّيّةٍ وأحفادٍ ووَرَثةٍ جُدُد.
بدا من المناسب أن ينتهي كتاب تيخانوف بفصلٍ ختامي يتناول أحد النماذج الأدبية السائدة في الأوساط الأكاديمية اليوم: الأدب العالمي. لقد أكَّد شكلوفسكي والعديد من الشكلانيين الروس على إمكانية أن تُتَرْجم الأدبية عبر الحدود اللغوية الضيقة. ومن هنا ترتبط هذه الفكرة ارتباطًا مباشرًا بالمشروع الذي طرحه ديفيد دامروش David Damrosch وحجته الغريبة إلى حد ما أن بالإمكان في الترجمة الأدبية الظفر بشيء ذي قيمة فيما يخص الأدبية.
في هذا الصدد نصل إلى إحدى الثغرات في كتاب تيخانوف، ولا يبدو – لأسبابٍ وجيهة – أن لديه ما يقوله حول هذا الجانب. فمن الواضح أن تاريخ النظرية الأدبية يقوم دليلًا أيضًا على فشل ذريع، على الأقل إذا أخذنا برواية تيخانوف المقنعة عن أصولها التاريخية، أعني بذلك فشل مشروع تحديد الخصائص المميزة للأدب بطريقةٍ منهاجية. لا يسع المرء إلا أن يشارك تيخانوف في تحسره على أن الأدب لم يعد يحظى بتلك الأهمية في مناخ اليوم. ومع ذلك قد يتساءل بأثرٍ رجعي عما إذا كانت هذه الرغبة الأحادية التفكير والمُفْرطة في المثالية في تحديد فكرة الاستقلالية الأدبية، التي تصوَّرها بدايةً الشكلانيون الروس، هي التي رسمت إحداثيات مسار حتمي نحو ازدياد العبث الجامح من انعدام المعنى النصي، والألغاز، والتناقضات، والاستحالات، والتضحية بالذات، والتي لم يتبق بعدها شيء سوى أشكال اللذة النرجسية بوصفها وسيلة للتعامل مع نظام غير ذي صلة تمامًا. لقد تم تبني الأدب العالمي باعتباره الابن المثالي الذي سعى إليه الشكلانيون الروس دائمًا ولكنهم أخفقوا في الوصول إليه: متن ضخم من التراكيب النصية المنفصلة عن أيّ ارتباطات محلية وتم تجميعها بشكلٍ عشوائي مثل وحش فرانكشتاين، ميتًا وحيًا في الوقت نفسه، مما يؤكد بشكلٍ غريب على تميز الأدب في أيّ لغة أو ثقافة أو فترة.
لقد قدَّم تيخانوف كتابًا رفيع المستوى يحتوي على فيض من المادة الباعثة على التفكير، والأهم من ذلك أنه يذكرنا بالفترة التي كان فيها الأدب ودراسته يؤخذان بجديةٍ تامة إلى حد أن الكتاب قد يبدو لمعظم القراء وكأنه فعل من أفعال إزالة الألفة في حد ذاته.
الهوامش:
1-Tihanov, Galin. “Why did modern literary theory originate in Central and Eastern Europe? (and why is it now dead?)” Common Knowledge 10:1 (2004): 61- 81.
2 – Jakobson, Roman. Noveyshaya Russkaya poeziya [Recent Russian Poetry]. Prague: Tipografija ‘Politika’, 1921. 11.
3 – Shklovsky, Viktor. “Art as Technique.” Russian Formalist Criticism: Four Essays. Eds. Lee T. Lemon & Marion J. Reis. Nebraska: University of Nebraska Press, 1965. 12.
4 – Eagleton, Terry. Literary Theory: An Introduction. 2nd Ed. London: Blackwell Publishing, 1996. 5.
* إيلي بارك سورنس Eli Park Sorensen أستاذ الأدب الإنجليزي في الجامعة الصينية في هونج كونج.
العنوان الأصلي للمقال: The Birth and Death of Literary Theory، ونشر في مجلة Hong Kong Review of Books.
عدد التحميلات: 0



