العدد الحاليالعدد رقم 46ترجمات

مقاطع من قصّة للكاتب والشاعر الإسباني «غوستابو أدولفو بيكر» «مرتبطة بالموت»

ترجمة: أكرم سعيد

تمهيد

تنتمي هذه الرواية القصيرة التي لم تُنشر إلى يومنا هذا لمجموعة القصص الخيالية والأساطير التي كتبها الشاعر سابقًا، وجسّد فيها بموثوقية مذهلة عادات وبيئات غير مألوفة كان يجهلها تمامًا. تضمّ تلك المجموعة أيضًا (الزعيم ذو اليدين الحمراوين)، بالإضافة إلى (ضوء وثلج) دراسة المناطق القطبية، و(الهدف الهندي) دراسة حول أمريكا، و(الراقصة الهندية) دراسة حول الهنود.

كان خوان دي لا بويرتا بيثكاينو، أحد أصدقاء بيكر المقرّبين، قد احتفظ بنسخة من المخطوط الأصلي بين أوراقه لتنتقل لاحقًا إلى يديّ صديق آخر مقرّب من الشاعر أيضًا هو خوليو نومبليو.

يتوافق الإهداء «إلى السيّدة م. ل. أ» مع ما جاء في آخر أعماله «رسائل من زنزانتي».

1

هل تعرفون ذلك البلد الذي يكثر فيه الآس والسرو، رمز الحب والحزن، ويتحوّل حنق النسر ووداعة اليمامة إلى ألم أو يتهيّجان ربّما إلى حدّ الجريمة؟ هل تعرفون بلاد الأرز والعنب التي تتفتح فيها الأزهار دومًا وتكون السماء صافية، ويُذعن جناح زيفيروس1 وسط حدائق الزهور أمام عبق العطور، وتتباهى أشجار الليمون والزيتون بثمارها البهيّة ويواصل البلبل شدوه، وتتنافس ألوان الأرض وتدرّجات السماء في جمالها بالرغم من تنوّعها، ويُصبغ المحيط بلون أرجواني داكن، والعذراوات رقيقات كأزهار تشكّل أكاليل أخّاذة. وأخيرًا، هل كل شيء فيها إلهي إن استثنينا حالة البشري؟ ذاك هو مناخ الشرق، بلاد الشمس، حيث قلوب وأفعال قاطنيه كئيبة جدًا كلحظة وداع أخير بين حبيبين.

2

كان غفير المسنّ مستلقيًا على أريكته الوثيرة ومحاطًا بالعديد من الخدم المخلصين والصارمين. كانوا مسلّحين بعتاد كامل كالشجعان ومتيقظين لأيّ إشارة تبدر من سيدهم، سواء كانت لفتح الطريق أمامه أم لتأمين حمايته وراحته. كان يبدو في غاية القلق، كحال أيّ مسلم ملتزم، ولكنّه اعتاد إخفاء كل ما يتعارض مع كبريائه الجامح بطريقة لا يسمح فيها على الإطلاق بمعرفة ما يدور في خلده من خلال أسارير وجهه. وبالرغم من ذلك بدت ملامح التفكير على وجه غفير في تلك اللحظة، وبحالة استثنائية وفريدة، جليّة بصورة أكبر ممّا كانت عليه عادةً.

3

قال غفير: ليخرج الجميع من هذه القاعة! وليأتِ حالًا إلى هنا قائد حرس الحريم!

لم يبقَ أحد في القاعة سوى ابنه وخادم من بلاد النوبة ينفّذ أوامره. أكمل المسنّ كلامه متوجّهًا إلى الخادم:

– ستتوجّه يا هارون حالًا، بعد أن يجتاز حشد الخدم هذا عتبة البوابة الخارجية، لإحضار ابنتي من قصرها. لقد اتخذتُ قراري بشأن مستقبلها، ولكن لا تخبرها بأيّ شيء تستشعر من خلاله ما أخطّط له. أنا وحدي من يتوجّب عليّ إخبارها بماهية واجبها.

– سمعًا وطاعة يا مولاي!

لا يمكن لخادم أن يجيب بطريقة أخرى على مستبدٍ. همّ هارون بالخروج متوجهًا إلى القصر ولكنّه توقّف بعد أن كسر الفتى سليم الصمت وانحنى بخشوع قبل التفوّه بأيّ كلمة، ثمّ وقف باحترام – فابن المسلم يموت قبل أن يجرؤ على الجلوس أمام وليّ أمره- وقال بصوتٍ عذبٍ:

– يا أبتي، لابد أن تعلم قبل أن تعاقب شقيقتي أو حارسها ذا البشرة السوداء أنّه إن كان هناك من مذنب فهو أنا، ولا يجب أن يطال سخطك سواي. كان الصباح رائعًا جدًا! وقد تهادن الشيخوخة والتعب النوم، ولكن لم يطبق لي جفن يا أبتي وذهبتُ لرؤية زليخة، فقد كنتُ بحاجة لشخص آخر أُفصح له عمّا يختلج في قلبي ولتأمل أكثر مظاهر الأرض والبحر جمالًا. يالمرارة العزلة! هل تعلم أنّ أبواب الحريم تُفتح أمامي بكل سهولة، وقبل أن يستيقظ الخدم الذين يحرسونهنّ كنتُ أنا وزليخة تحت أشجار السرو نلتهم بنظراتنا الأرض والمحيط والسماء. ربّما تنزّهنا وقتًا أطول من المعتاد مستمتعين بالحديث عن مجنون ليلى وعن أشعار الفارسي سعدي دون أن نشعر بمرور الوقت، وما إن سمعتُ أصداء الطبل الرنّان الذي أطلقه مجلسك جئتُ بكل تفانٍ لإلقاء التحيّة عليك. أمّا بالنسبة لزليخة فإنّها ما زالت إلى الآن في الحديقة دون أن يرى أحد ملامح وجهها. لا تغضب يا أبتي! وتذكّر أنّه لا يمكن لأحد التسلل تحت تلك الظلال الغامضة!

4

يا ابن الخادمة، يا ابن الكافرة! – قال الباشا-، عبثًا كان والدك يتوق أن يجد فيك المؤهلات التي يتمتع بها أيّ رجل! أي لابد أن تكون ذراعك مدرّبة على شدّ القوس ورمي السهم وترويض الخيل، إغريقي الروح وليس العقيدة. أتذهب للتأمل وسماع صوت خرير المياه أو تأمل تفتّح الأزهار! رجائي من الله العظيم أن يكون ذاك النجم الذي طالما بريقه يأسر رعونتك قادرًا أن يلقي عليك بشرارة من لهبه! ربّما تقوى على رؤية انهيار تلك الأسوار حجرًا حجرًا بدم بارد تحت ضربات مدافع الصليبيين، وانهيار أسوار استانبول العريقة أمام الموسكوفيين، دون أن تخدش ولو بضربة واحدة أولئك الكلاب الأوغاد! انصرف، انصرف، وامسك المغزل بدلًا من السيف بيدك تلك الأكثر نعومة من يد المرأة. وأنتَ هارون، انطلق بسرعة لتبقى بجانب ابنتي واصغِ جيدًا؛ إنّك تجازف بحياتك! إن كرّرت زليخة هذه الحادثة. … أترى هذا القوس؟ وتره مشدود!

***

بعض المقاطع من وسط القصّة

10

لقد أخبرتكُ زليخة بأنّي لستُ كما أبدو، واليوم ستتشكّل لديك القناعة بتلك الحقيقة. ينبغي عليّ التطرّق لأحداث لم يكن بوسعك تخيّلها، وإن بدا شيء مرعب في أعماق ما أقوله لك، وهي الحقيقة بعينها، سيكون هناك من يلقى بذلك عقابه العادل. لا جدوى من محاولة إخفاء قصتي عنك لوقت أطول من ذلك، ولا أرغب برؤيتك زوجة لعثمان. ولكن إن لم تخبرني شفتاك نفسها بالمكانة التي يشغلها في قلبك الحنون، فلن أكون قادرًا ولن تنتابي الرغبة بالكشف لك عن أسرار قلبي الفظيعة. لن أحدّثك اليوم عن حبّي، بل سأترك للزمن والأحداث والأخطار طريقة إثبات ذلك لك. ولكن قبل كل شيء لابد أن أخبرك بأمر ما: زليخة، لا تتزوجي من شخص آخر! فأنا لستُ أخيك!

11

أنتَ لستَ أخي! كلا! تراجع عمّا قلته سليم! هذا يعني بأنّي سأبقى وحيدة على هذه الأرض للمعاناة ولن أقول هنا لإنزال اللعنات، لأبكي اليوم الذي كان شاهدًا على مولدي الكئيب! آه! ولم تعد تحبني الآن كما كنتَ في السابق! ليس عبثًا كنتُ أشعر بأنّ أمرًا ما يحزن قلبي، كنتُ أتوقع تلك الكارثة! ولكنّي لا أصدّق ذلك. سترى دائمًا بي أختًا وصديقة لك وزليخة التي تحبّها! هل من الممكن أن يحدث أمر آخر؟ وهل أتيت بي إلى هذا المكان لتقتلني ربّما؟ وهل لديك ثأر عندي لتنتقم منّي؟ ها هو صدري، اطعنه! أفضّل مائة مرة أن أكون بين عداد القتلى على العيش في هذا العالم دون قيمة بالنسبة لك أو أن استحق كرهك! لقد أدركتُ الآن السبب الذي كان يمتلكه والدي ليُظهر لك العدائية دومًا! … وأنا، وأنا، يا لشقائي! أنا ابنة غفير ذاك الذي قد احتقرك وأذلّك. سليم، سليم، إن لم أكن أختك وكنتَ جديرًا باحترام حياتي اقبلني خادمة لك!

12

أنتِ خادمة لي يا زليخة! أنا لك وسأكون دائمًا كذلك! ولكن يا حبيبتي هدّئي من روعك، فمصيرك مرتبط بمصيري للأبد، وأقسم لك بقبر نبيّنا، وعسى أن يكون هذا القسم بمثابة علاج ناجع لأحزانك. وبما أنّي سأحافظ على هذا الوعد المهيب، أرجو الله أن توجّه الآيات القرآنية المنقوشة على سيفي نصله بطريقة تحفظنا نحن الاثنين من الأخطار! ولابد أن يختفي أو يتغيّر بكل تأكيد ذلك الاسم المحبّب على قلبك، والذي يرى فيه فؤادك كبرياءه، ولكن يجب أن أضع في حسبانك عزيزتي زليخة أنّ صلة القرابة لن تنقطع بشكل مطلق فيما بيننا وإن كان والدك عدوّي اللدود. لقد كان والدي بالنسبة لغفير كما هو سليم بالنسبة لك حتّى هذه اللحظة. ولكن ذلك الأخ قتل أخيه وخدعني آخذًا بالحسبان عمري الصغير بأوهام غادرة لابد أن تلقى عقابها العادل. لقد نشأتُ وترعرعتُ في كنفه دون أن ألقى حنانًا منه، بل عاملني بالطريقة ذاتها التي ربّما كان قابيل قد تعامل بها مع ابن أخيه، كان يراقبني كمن يراقب شبلًا يقضم قيده محاولًا كسره ذات يوم. دماء والدي البريئة تغلي في عروقي ولكن الحب الذي أكنّه لك يوهن أفكار انتقامي. آه! لا يمكنني البقاء هنا. اسمعي عزيزتي زليخة كيف ارتكب غفير جريمته النكراء.

13

أجهلُ تمامًا وقلّما يعنيني كيف نجم ذلك الكره عن شقاق بين كلا الأخوين، أو إذا ما كان الحب أو الحسد هو الذي جعل منهما عدوين لدودين. ولكن يكفي أدنى تعبير من الازدراء بين الأرواح المتغطرسة، مجرد الإهمال فقط، لزرع بذور الشقاق. كان والدي المسكين عبدالله ذائع الصيت كمحارب بمآثره القتالية التي ما زالت إلى الآن تشكّل أساس الأناشيد البوسنية، كما لم تنسَ جحافل باسفان المتمردة حضوره المرعب بالنسبة لها. ما ينبغي الإشارة إليه الآن هو مقتله كنتيجة مقيتة لضغينة غفير، وكيف اكتشفتُ ولادتي؛ ذاك الاستقصاء الذي أشعر بالامتنان له على الأقل لكوني حرًّا.

14

بعد أن وصل الأمر بباسفان الذي كان يقاتل في بادئ الأمر من أجل الحياة ولاحقًا من أجل السلطة لاتخاذ موقف بارز جدًا عند أسوار فيدين، اجتمع الباشاوات مع رئيس الدولة. وعندئذٍ تولّى كلا الأخوين اللذين كانا يحملان الرتبة ذاتها قيادة عدد معيّن من القوات كل على حدة، وانطلقا بكل حماس للانضمام إلى الجيوش في سهول صوفيا حيث أقاموا معسكراتهم في الموقع الذي حُدّد لهم. ولكن لم يكن الحذر مجديًا بالنسبة لأحدهما، يا لشقائي! لماذا ينبغي عليّ الإطالة في رواية تلك التفاصيل المحزنة؟ أُعدّ بأمر من غفير سمٌّ قاتل كروحه وسُكب في كأس تجرّعه والدي وتسبّب بمقتله. حدث ذلك بعد أن عاد ذات مرة منهكًا من إحدى المطاردات التي تعرّض فيها لحمّى شديدة ودخل ليستحم دون أن يراوده شك بأنّ ضغينة أخيه قد تدفعه ليقدّم له خليطًا كذاك ليروي ظمأه. قدّم له خادم مأجور ذلك الكأس الغادر، وقرّبه والدي البائس من شفتيه وأخذ رشفة. لم يكن الأمر يتطلب أكثر من ذلك! وإن كان يساورك الشك حول صحة الأحداث التي أرويها لكِ زليخة فاسألي هارون.

15

بعد تنفيذ الجريمة وانهيار نفوذ باسفان جزئيًا، بالرغم من عدم القضاء عليه بشكل نهائي، حصل غفير على منصب عبدالله. آه! فأنتِ لا تعلمين ما تحقّقه الثروة في بلاطنا حتّى لدى أكثر الأشخاص سفالة في العالم. تمكّن غفير الملطّخة يديه بدماء أخيه من الاستيلاء على كافة الألقاب التي كانت قد مُنحت إلى ضحيته. صحيح أنّه قد توجّب عليه استنزاف كافة ثرواته المكتسبة تقريبًا بطرق مشينة من أجل شرائها، ولكن سرعان ما تمّت تسوية تلك الثغرة. هل ترغبين بأن أخبرك بأيّ طريقة كان ذلك؟ تجوّلي في تلك الأرياف واسألي قاطنها البائس إذا ما كانت الأعمال فيها تعوّض مجهوده وعرق جبينه. أجهلُ السبب الذي دفع الغاصب الظالم للقبول بوجودي في قصره. الخجل والندم وتأنيب الضمير والثقة التي يلهمها الطفل وضرورة تبنّي طفل لم تهبه إيّاه السماء، وربّما كانت مكيدة غامضة أم مجرّد أهواء فقط، وأذكر هنا كل ما ساهم في إنقاذ حياتي التي لم تكن يا عزيزتي زليخة سعيدة أو هادئة على الإطلاق، فهو لم يتمكّن البتّة من التحكّم بطبعه المستبد وأنا لم أتمكن من مسامحته إطلاقًا بدماء والدي.

16

كان غفير في مقر إقامته ذاتها محاطًا بالأعداء، وهم أنفسهم المدينون له بالبقاء لم يكونوا في أغلبيتهم مخلصين له. لو أنّي كشفت سرّ ولادتي لكافة أولئك الرجال المستائين لكانت حياة الباشا لا تتعدّى بضع ساعات. لم يكن الأمر يتطلب سوى قلب رصين لقيادتهم ويد صارمة لإرشادهم إلى الهدف الذي ينبغي عليهم طعنه، ولكن هارون وحده هو من وُلد في سراي عبدالله، وكان يشغل المنصب ذاته الذي يشغله اليوم وشاهدًا على كارثة مقتل والدي دون أن يتمكّن من فعل شيء للانتقام له إلى الآن. وما النفوذ الذي يمتلكه خادم منعزل؟ ولكن بالرغم من ذلك حاول الحفاظ على الابن من مصير مشابه. وعندما رأى غفير المتغطرس سعيدًا ومنتصرًا على بقية أعدائه الخاضعين له، أخذني من بين أصدقائه المأجورين بشكل فاضح، وأنا اليتيم المسكين دون سند، وقادني إلى باب قصره متوسّلًا لقاتل الأب للحفاظ على حياة الابن. وكان ذلك مجديًا. حاول إخفاء كافة أسرار ولادتي ولا سيّما عنّي. اعتقد غفير أنّ ذلك الحذر كان كافيًا للبقاء بأمان. غادر على الفور مقرّرًا المجيء للإقامة على ساحل آسيا ذاك، على ضفاف روميليا ومقاطعاتنا البعيدة في الدانوب، دون أن يجلب معه سوى هارون، الوحيد الذي يحفظ أسراره. ولكن ذلك النوبي أدرك أنّ أسرار الطاغية لم تكن سوى قيود تضغط بشكل أكبر على الأسير الذي يتوق لكسرها، وكشف لي تفاصيل كثيرة من تلك القصّة الكئيبة. وبالتالي يمنح الله في قضائه العادل خدمًا ومتواطئين وضحايا للجريمة ولكنّه لا يمنح صديقًا!

17

زعيم عصابة قراصنة! وماذا بوسعي أن أكون غير ذلك؟ يعاملونني هنا كبائس محظور تدفعه آلاف تصرفات الازدراء للتوق إلى حياة متنقلّة ومستقلة ومكرّسة للهو بعد أن منعتني مخاوف غفير المريبة من الحصول على جواد ورمح. آه! وكم من المرّات، آه يا محمّد! كم من المرات سخر مني المستبد في مجلسه بأن يدي نتيجة الضعف أو عدم الإرادة لا تجرؤ على الإمساك باللجام والسيف! كان يذهب لوحده دومًا إلى الحرب ويتركني وحيدًا دون القيام بأيّ نشاط ومجهولًا في عهدة هارون ومخدوعًا كالنساء في كافة آمالي ومجرّدًا من كل وسائل إثبات نفسي، بينما أنتِ يا حبيبتي زليخة التي كنتِ تمثّلين بحنانك الدائم العزاء الوحيد لمصير البائس نُقلتِ من أجل أمان أكبر إلى أسوار بروسا وبهدف مضاعفة نجاح المعركة هناك. وافق هارون بعد أن أشفق لروحي الكئيبة الرازحة تحت نير الخمول، ولكن مع بعض المخاوف، على منح الحرية لأسيره، وفكّ قيدي طوال فصل الصيف بفضل الوعد الذي عاهدته عليه بالعودة قبل اليوم الذي يستلم فيه غفير قيادة الجيش. أحاول عبثًا أن أصف لك نشوة قلبي عندما تمكنتُ للمرة الأولى وبمحض اختياري من تأمل الأرض والمحيط والشمس والسماء، كما لو كانت روحي قد رأت نفسها فيها وبدأت تستحوذ على أكثر عجائبها خصوصية. كلمة واحدة فقط قد تساعدك على إدراك هذا الشعور الخارق، لقد كنتُ حرًّا! وتوقفت عن المعاناة لغيابك، وكان العالم والسماء وكل شيء لي!

***

بعض المقاطع من نهاية القصّة

24

وصل سليم دون أن يصاب بأيّ رصاصة وإنما ببعض الجروح الطفيفة جراء وقع السيوف، ومغدورًا به ومحاصرًا من كل الجهات، إلى الحد الذي التقت فيه الأمواج بالرمال. ولكن في اللحظة التي كانت فيها قدمه تغادر اليابسة وذراعه يوجّه الطعنة الأخيرة القاتلة، لماذا نظر إلى الوراء؟ ولماذا كانت عيناه تبحث عن أمرٍ ما دون جدوى؟

كان ذلك التوقّف وتلك النظرة القاتلة بمثابة تصديق على حكم إعدامه أو عبوديته الأبدية. آه! في خضم الأخطار والآلام يبقى الأمل قابعًا في قلب العاشق! ففي الوقت الذي استدار به والبحر الهائج مع رفاقه المخلصين من خلفه وقريبين منه دوّت رصاصة فجأة:

– فليمت كل أعداء غفير!

أيّ صوت قد تردّد صداه للتو؟ وأيّ سلاح قد أُطلق منه النار؟ وأيّ يد قد أطلقت سهم الموت ذاك الذي دوّى في صمت الليل من مسافة قريبة جدًا ومُسدّدًا بعناية فائقة لا تخطئ الهدف؟ إنّه صوتك وسلاحك ويدك يا قاتل عبدالله! لقد أعدّ كرهك بهدوء مرعب مقتل الأب واليوم ها أنتَ تنهي بسرعة حياة الابن!

نزفت الدماء من صدر سليم بدفقات هائلة صبغت بياض زبد البحر بلون وردي. ولو تلفّظت شفتا الضحيّة بأدنى حدٍ من التأوهات لكان هدير الأمواج قد أخمدها على الفور.

25

بدّد الصباح بشكل متباطئ كتل الغيوم التي لم توحِ بأيّ شكل من الأشكال بأنّها كانت شاهدًا على المعركة، وأعقب هدوء تام تلك الصيحات التي عكّرت أثناء الظلام صمت الخليج، ولكن من الممكن ملاحظة مخلفات القتال على الرمال، قطع متناثرة من السيوف المحطّمة وأثر مضاعف للأقدام، كما طُبعت على الرمال إشارات لأكثر من يد مرتجفة، ومن بعيد مشعل منطفئ، وقارب مهجور، ووسط الطحالب التي قد تكدّست على الشاطئ، في المكان الذي ينحدر فيه هذا نحو العمق، رداء أبيض اللون ممزّق بالكامل وملطّخ ببقعة حمراء داكنة تمرّ المياه من فوقها دون أن تمحوها. ولكن أين هو ذاك الذي كان يرتدي الرداء الأبيض؟ أنتم، يا من بحاجة البكاء على ذلك الرفات، انطلقوا للبحث عنه على ضفاف ليمنوس، حيث تترك الأمواج عادةً حمولتها بعد أن تكون قد مرّت بها حول رأس سيجيو. وهناك، تطلق الطيور الجارحة صرخاتها الموحشة محلّقة فوق طريدتها دون أن تجرؤ على لمسها بمناقيرها المتضوّرة جوعًا، لأنّها بعد تعرّضها للاهتزاز دون توقّف على وسادتها المتحركة يعلو رأس الجثة الأمواج التي تهدهدها، وبدت يدها التي اتخذت حركة غريبة لا توحي بالحياة كأنها ما زالت مهدّدة، تعلو مع ارتفاع الأمواج وتنخفض مجدّدًا مع انحدارها. وبما يهمّ اختفاء تلك الجثة في ذلك القبر الحي؟ والطير الذي يمزّق تلك الأشكال التي لا حياة فيها لا يفعل شيئًا آخر سوى إلقاء تلك الفريسة إلى حشرات قذرة. ولكن القلب الوحيد الذي كان قد نزف والعيون الوحيدة التي كانت قد بكت برؤية مقتل سليم، ذاك الفؤاد الوحيد الذي قد عانى من عذاب فظيع بجانب تلك الأعضاء المغلقة في قبر، والعيون الوحيدة التي قد حزنت لأقصى الحدود عند أعتاب المدفن المزيّن بعمامة، هم قلب وعيون زليخة. ولكن فؤاد زليخة قد تمزّق وعيناها قد أُغمضت. أجل، لقد أُغمضت للأبد، وذلك قبل عينيّ عاشقها!

26

يتردّد صدى الأنشودة الجنائزية بالقرب من أمواج بحر هيله، حيث كانت أعين النساء تذرف الدموع ووجنات الرجال شاحبة. زليخة! آخر المنحدرين من نسل غفير! لقد وصل الزوج الذي كان مقدّرًا لك بعد فوات الأوان، ولم ولن يرى بتاتًا ملامح وجهك. ألا تخدش أصوات الولولة البعيدة مسامعه؟ ونوّاحات الموكب الجنائزي اللاتي يبكين عند أعتاب الإقامة الكئيبة، والأصوات التي ترنّم أنشودة القدر المشار إليه في القرآن، والخدم الذين التزموا الصمت مكتوفي الأيدي، والتنهيدات التي تُسمع في القاعة، والصرخات التي تعلو أجنحة النسمات، ألم تخبره بوقت مسبق بالحدث المشؤوم؟ آه يا زليخة! أنتِ لم تري تهاوي البائس سليم! فمنذ تلك اللحظة الرهيبة التي افترق بها عنك مغادرًا المغارة تقطّعت أوصال فؤادك المتألم بالكامل. كان سليم أملك وفرحك وحبّك وكل شيء بالنسبة لك! وتعلّق فكرك بذاك الذي لم يكن بمقدورك إنقاذ حياته، وأثارت لديك تلك الفكرة خيبة أمل ومن ثمّ الموت! صرخة زُفرت من صدرك، صرحة تمزق الفؤاد، وعلى الفور أصبحتِ جثة هامدة، أيتها المسكينة! السلام لروحك المفجوعة! والسلام لمرقد عذريتك! زليخة المباركة، بالرغم من كل شيء، لم تفقدي من الحياة سوى ما تخفيه تلك ممّا هو أسوأ من ذلك! ولكن ذلك الألم العميق والفظيع في الحقيقة كان أول آلامك! آه، مباركة أنتِ ثلاث مرّات! لا ينبغي عيش التجربة، ولا تذوّق لوعة الغياب والخجل والكبرياء الفاحش وتأنيب الضمير، وتلك الهموم التي تُعتبر أكثر من طائشة، وذلك الشغل الشاغل الذي لم يتحدّد أبدًا ولم ينتهِ على الإطلاق، وتلك الأفكار التي تجعل النهار مظلمًا وتُسكن الليل بالأشباح، والتي تخشى الظلام وتهرب من النور، وتتجوّل حول القلب النابض وتمزّقه دون هوادة. آه! لماذا لم تستنزفه دفعة واحدة!

أيّها الباشا البائس والظالم والطائش! دونما جدوى تغطي رأسك بالرماد، ودونما جدوى تمسك رداء التوبة بتلك اليد ذاتها التي قتلت عبدالله وسليم! ودونما جدوى تقتلع لحيتك البيضاء وصولًا إلى حالة من اليأس العاجز! كبرياء فؤادك، والعروس الحسناء لعثمان صاحب النفوذ، التي لو رآها السلطان نفسه لكان قد طلب يدها زوجة له، ابنتك في نهاية المطاف قد توفيت! وتهاوت ليتبدد بذلك أمل شيخوختك والشعاع الوحيد من شفق غروب حياتك! ومن الذي بدّد ذلك الشعاع العذب والمنير من أمواج بحر هيلة؟ الدماء التي أرقتها أيّها القاتل! اسمع، غفير، صرخة يأسك تلك:

– يا بنيتي! يا بنيتي! أين أنتِ؟

ويجيب الصدى:

– أين أنتِ؟

27

في ذلك النطاق الذي تناثرت فيه آلاف المقابر تحت ظلال أشجار السرو الكئيبة، تلك الأشجار التي في خضّم الحداد المحيط بها تنبض بالحياة ولا تنضب قط بالرغم من أنّ أغصانها وأوراقها منقوشة بختم ألم أبدي كألم الحب الأول البائس. في ذلك النطاق، يوجد موقع مزدهر دومًا، وفي ذلك الموقع من حديقة الموت توجد زهرة متواضعة غضّة وشاحبة تنثر عبيرها الفريد، وناصعة البياض لدرجة يُقال عنها إنّ يد الخيبة قد زرعتها، وهشّة جدًا لدرجة أنّ النسمة الرقيقة قادرة على تفريق بتلاتها في الهواء. ولكن مع ذلك، لا يقوى البرد والعواصف على اجتثاثها، ولا تقوى الأيدي الأكثر خشونة من هواء الشتاء على اقتلاعها من جذورها. وفي اليوم التالي تزهر مجدّدًا. روح حارسة ينبغي عليها زراعة النبتة بعناية فائقة وسقايتها بدموعها السماوية، (وعذراوات هيله يعرفن ذلك جيدًا)، فتلك الوردة لا يمكن أن تمتلك شيئًا أرضيًا عندما تتحدّى هبوب العواصف المدمّر وتمنح الحياة مجدّدًا وبشكل دائم لبرعم جديد دون الحاجة لأمطار الربيع الناجعة أو لحرارة الصيف. ولأجلها فقط يشدو طوال الليل طير لا يراه أحد، بالرغم من أنّه يبدو قريبًا منها، فأجنحته غير مرئية ولكن ألحان شدوه الممتعة والمطوّلة عذبة جدًا كقيثارة إحدى الحوريات. ربّما يكون شدو بلبل ولكنّه أكثر كآبة، فشدو البلبل لا يمتلك تلك الأصوات، والمحظوظون الذين تمكّنوا من سماعه كانوا يتوقفون في ذلك النطاق بسحر لا يُقاوم ويتسكّعون هائمين من جهة لأخرى وهم يبكون كما لو أنّهم قد أحبّوا دون أن يُقابلوا بالمشاعر ذاتها. ولكن دموعهم عذبة جدًا، وأحزانهم خالية من الرعب لدرجة أنّهم يحزنون عند بزوغ الفجر لانقطاع ذلك السحر الغامض الذي يحبّذون استمراريته إلى ما لانهاية. ينقطع اللحن الساحر مع إشراقة الصباح الأولى، لدرجة أنّ البعض قد ظنّ (وفي هذا السياق قد تذهلنا تخيّلات الشباب الرائعة) أنّ تلك النغمات الحادة والمؤثرة كانت تنطق اسم زليخة، ومن أعلى قمّة شجرة السرو التي نمت فوق قبرها يتردّد في الهواء ذلك الاسم بمقاطع صوتية نقية فوق مرقد عذريتها المتواضع حيث نمت زهرة بيضاء. كانت قد وُضعت هناك شاهدة من الرخام في المساء، ولكن في صباح اليوم التالي لم يُعثر على أثر لها في موقعها، بالرغم من أنّه لم تلمس ذلك الصرح الجنائزي المتجذّر في الأرض بكل ثبات أيّ يد بشرية، ولكن إن كان لابد من تصديق ما ترويه الأساطير على ضفاف بحر هيله فإنّ البلاطة الرخامية قد ظهرت منتصبة في الموقع الذي قُتل فيه سليم. وهناك تغمرها الأمواج الهادرة التي لم تمنح ابن عبدالله قبرًا أكثر قداسة. ويُشاع أيضًا أنّه خلال الليل يُرى رأس شاحب مغطّى بعمامة يستند عليها، وتلك القطعة الرخامية بجانب البحر تسمّى «وسادة القرصان». وما زالت الزهرة الفريدة مغمورة بالندى تنبت كل صباح في الموقع الذي وُضعت فيه في بادئ الأمر، لتغطّي الجسد الرقيق لابنة غفير، تلك الزهرة النقيّة والباردة والشاحبة كوجنتي الحسناء التي تذرف بعض الدموع الرقيقة عندما تقلّب صفحات هذه القصة المؤلمة.

 

***

الهوامش:

1 – النسيم الرقيق، والرياح التي تهب من الغرب.

(المترجم)

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

أكرم سعيد

مترجم - دمشق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى