العدد الحاليالعدد رقم 46ثقافات

إشكالية العلمانية في الفكر العربي المعاصر بين محمد أركون ومحمد عابد الجابري

خلاصة:

تعد العلمانية من أكثر المصطلحات إثارة للجدل والغموض منذ فجر النهضة العربية إلى الآن، ويرجع ذلك بالأساس لكونه مصطلحًا منقولاً من الحضارة الغربية، إذ لا يمكن إدراك دلالته الحقيقية خارج مجالات تشكله داخل الفضاء الأوروبي العام، فهناك الفضاء الفرنسي الكاثوليكي، والمجالان الإنجليزي والألماني البروتستانتيان، وكل مجال حضاري حدد مفهومًا خاصًا لهذا المصطلح، كما أنه تعرض لمجموعة من التحولات بحسب المراحل التاريخية التي قطعها، وتعددت أوجه العلمانية ودرجات العلمنة بحسب الأزمنة والأمكنة. وقد وضعت العلمانية تحت مجهر التحليل من قبل عدة مفكرين عرب، فتعددت المنظورات بتعدد المنطلقات والخلفيات الفكرية، وسنتناول في هذا المقال مفهوم العلمانية، ونرصد الفروق الدلالية بينه وبين المصطلحات المتداخلة معه، وبعض المنظورات الغربية والعربية لمفهوم العلمانية، بالتركيز على منظوري محمد أركون ومحمد عابد الجابري.

في مفهوم العلمانية

إذا كان هذا المصطلح قد تعرض في أصله الغربي إلى الاختلاف والتنوع، فإن انتقاله إلى العالم العربي الإسلامي زاد من هذا الأمر، حيث تعددت المدلولات والمنظورات، وتناقضت في أحايين كثيرة، فمن المفكرين من يستعمل مصطلح «الدنيوية» أو «الزمنية»، أي الإقبال على ما له علاقة بالزمان والدنيا وَحْدهما دون غيرهما من الماورائيات. وتُستعمل العِلمانية نسبة إلى العِلم، أو العَلمانية  (بفتح العين) نسبة إلى العالم، وتستعمل معادلا دلاليا للكلمة اللاتينية saeculum، وتعني «العصر» أو «الجيل» أو «القرن»، وفي لاتينية العصور الوسطى تعني العالم أو الدنيا، «فالعلماني هو ما ينتمي إلى هذا العالم الآني والمرئي (…) وينتمي للحياة الدنيا وأمورها، فالعلمانية ليست غير دينية وحسب، وإنما تنتمي للآن وهنا، هذا الزمان والمكان، وزمنية العلمانية هي صفة لصيقة بها منذ البداية»1، ومن الأصل اللاتيني saeculum اشتقت كلمة secularism التي تستعمل في البلدان المسيحية البروتستانتية، والتي كانت جزءًا من حركة النهضة الأوروبية السباقة إلى المطالبة بالعلمنة، «في حين أن البلدان المسيحية الكاثوليكية استعملت مصطلح laicim وهو المصطلح الذي جاء من الكلمة اللاتينية laicus ومن الكلمة اليونانية «لايوس laos» وتعني الشعب، و«لايكوس laikus» تعني كل ما يخص الشعب مقابل كلمة «كليروس» التي تعني كل رجال الدين الذين يملكون سلطة دينية، أو سياسية أو مالية (…)، وكان مصطلح laicim يعني النظام العلماني السياسي المتميز الذي ينادي بإقصاء النفوذ الكهنوتي عن الدولة»2.

يعود أركون إلى علم أصول الكلمات ـ الايتيمولوجيا ـ ليبحث في دلالة كلمة Laikos اليونانية، والتي تعني الشعب ككل ما عدا رجال الدين، أي بعيدًا عن تدخلهم في حياته. وفي لاتينية القرن الثالث عشر نجد أن Laikos تعني الحياة المدنية، ويستمر المعنى ذاته على امتداد القرون الوسطى. وهكذا يحصل التمييز ما بين الشعب الذي يعيش حياته الخاصة بكل معطياتها، وبين رجال الدين الذين يتدخلون في هذه الحياة من أجل ضبطها بطريقة ما. لم تكن هناك حدود واضحة بين ما هو مقدس أو سحري أو ديني، بل كانت هناك علاقات متشابكة بين الشعب وطبقة رجال الدين، وكان الشعب متكلاً على رجال الدين في كل لحظات وجوده، بدءًا من الولادة والختان وحتى الموت مرورًا بالتعليم والزواج …«كل هذه اللحظات الأساسية في الحياة تحمل سمات التدخل الهائل لطبقة رجال الدين (…) فالعلاقات التي تربط الشعب بطبقة رجال الدين موجودة في كل المجتمعات البشرية. قد يكون السبب في استمرارية هذه العلاقات هو أن الأمور لم تحسم بشكل كامل ـ حتى في البلدان المتقدمة ـ لمصلحة العقلانية»3. وبهذا المنظور الواسع يصعب وصف وتحديد مسألة العلمانية بشكل دقيق.

يُعرِّف معجم أكسفورد العلمانية باعتبارها: تلك المدرسة التي تعطي تعليما غير ديني، ويحدد معجم علم الاجتماع المعاصر Dictionary of Modern Sociology، لمؤلفه توماس فورد هلت ثلاث مواد لها صلة بمصطلح «العلمانية» هي: «علمانيSecular» و«علمنة Secularization» و «مجتمع علماني Secular society ». وقد بين المعجم أن كلمة «علماني» لها عدة معان من بينها: «الدنيوي، غير الروحي، وغير الديني، ومن هنا يقف العلماني على طرف النقيض من المقدس». وفي مدخل «العلمنة» يشير المعجم4  إلى وجود استخدامات أساس في العلوم الاجتماعية نقلها المعجم عن مقال للاري شاينز Larry Shiner بعنوان «مفهوم العلمنة في البحوث التجريبية»، وهي5:

1 ـ انحسار الدين وتراجعه (الرموز والعقائد والمؤسسات (الدينية المهيمنة) تفقد مكانتها ونفوذها).

2 ـ الفصل بين المجتمع والدين (إن ذروة هذا النوع من العلمنة هو ظهور عقيدة ذات طابع داخلي محظ، لا تؤثر في المؤسسات ولا في الأفعال الجماعية).

3 ـ التركيز على الحياة المادية في الوقت الراهن بدلا من التطلع إلى مستقبل روحي (إن ذروة عملية العلمنة هي مجتمع مستوعب تماما في مهام الحاضر العملية).

4 ـ اضطلاع منظمات غير دينية بالوظائف الدينية (المعرفة وأنماط السلوك والترتيبات المؤسسية التي كان ينظر إليها، في مرحلة سابقة، باعتبارها تستند إلى القوة الإلهية، يعاد النظر فيها لتصبح ظواهر من إبداع الإنسان وحسب، فتقع تبعاتها على الإنسان وحده).

5 ـ اختفاء فكرة المقدس (يفقد العالم تدريجيًا طبيعته المقدسة عندما يصبح الإنسان والطبيعة خاضعين للتفسيرات العقلانية).

6 ـ إحلال المجتمع العلماني محل المجتمع المقدس (أي العمليات التي يتحول المجتمع من خلالها من مرحلة ينظر فيها إلى جميع الظواهر ذات المعنى باعتبارها مقدسة، إلى مجتمع ينظر إلى جميع الظواهر تقريبًا من منظور نفعي، ومن ثم يمكن نبذها حين ينتهي نفعها).

من خلال الخصائص التالية نستنتج أن العلمانية secularisme ترتكز على الفلسفة المادية، وعلى فكرة الدنيوية، ويشير مصطلح laicim إلى فصل الدين عن الدنيا. ويتجه المصطلحان في النهاية للدلالة على معنى واحد «وهو فصل الدين عن الدولة والدنيا أو فصل الروحي عن الدنيوي، وإبقاء الدين داخل جدران المعابد الدينية سواء ما كان منها مسيحيًا أو إسلاميًا أو يهوديًا»6، وهذا هو التعريف الأكثر شيوعا للعلمانية في العالم، سواء في الغرب أو في الشرق، والعبارة تعني حرفيًا فصل المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية، وهذه تسمى العلمانية الجزئية بحسب عبد الوهاب المسيري، وهو الذي يميز «بين العلمانية الجزئية (فصل الدين عن الدولة) والعلمانية الشاملة (فصل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن الحياة في جانبيها العام والخاص)»7. وقد ارتبطت العلمانية الجزئية بالمراحل الأولى لتطور العلمانية الغربية، ومع مرور الزمن تصاعدت معدلات العلمنة خاصة في العالم الغربي، بحيث تجاوزت مجالات الاقتصاد والسياسة والأيديولوجيا، وأصبحت «ظاهرة اجتماعية كاسحة، وتحولاً بنيويًا عميقًا يتجاوز عملية فصل الدين عن الدولة وعملية التنظيم الاجتماعي (الرأسمالي والاشتراكي)، ويتجاوز أية تعريفات معجمية وأية تصورات فكرية قاصرة ومحدودة. فلم تعد هناك رقعة للحياة العامة مستقلة عن الحياة الخاصة»8.

عَرف مصطلح العلمانية حديثًا مراجعات كثيرة مما زاد من غموضه، خصوصًا من لدن نقاد العلمانية في الغرب والشرق، ولا توجد مراجعة تصل في راديكاليتها إلى ما وصلت إليه، على سبيل المثال، مراجعة إرفين كريستول Kristol Irving 9، الكاتب الأمريكي الذي يؤكد أن عملية العلمنة جزء عضوي من عملية التحديث، وهو يصف العلمنة بكونها رؤية دينية حققت انتصارًا على كل من اليهودية والمسيحية، فقد بلغت العلمانية عنده مبلغ الدين لأنها تحتوي مقولات عن وضع الإنسان في الكون وعن مستقبله، ولذلك لا يمكن نعتها بالعِلمية، بل هي مقولات ميتافيزيقية لاهوتية. وقد تمت مراجعة مفهوم العلمانية في العالم العربي أيضًا من قبل بعض المفكرين العلمانيين والإسلاميين، «وهم يشتركون في أنهم يدركون العلمانية باعتبارها رؤية جزئية غير شاملة»10، ويعد المفكر العلماني جلال أمين أحد أهم المهتمين بمفهوم العلمانية نقدًا ومراجعة، إذ لم يكتف بالتعريفات الجاهزة، بل راح يبحث في جذور العلمانية الفكرية وبنيتها، ويدرس المجتمعات العلمانية التي لا مجال فيها للخصوصية والقيم، عالم المادة والمنفعة، ويرى أن فكرة الاقتصاد الحر، أو اقتصاديات السوق والداروينية الاجتماعية والنيتشوية والعنصرية والنازية … إلخ ، كلها منظومات فكرية علمانية صراعية قتالية أبعد ما تكون عن التسامح وقبول الآخر. وعمومًا، فالكثير من المفكرين العرب العلمانيين أو غير العلمانيين، قد قبلوا بعض الجوانب الإيجابية للمنظومة العلمانية الجزئية، ورفضوا العلمانية الشاملة حتى لا يسقطوا في المادية والعدمية.

يميز المهتمون بظاهرة العلمنة في علاقتها بالأديان عامة، والدين الإسلامي على وجه الخصوص، بين تيارين علمانيين، التيار العلماني المتطرف، والتيار العلماني المعتدل11. المتطرفون ينتصبون ضد الشريعة والعقيدة معًا، ويَدْعون إلى إقصاء الدين ومحوه من كل مجالات الحياة. أما المعتدلون فليست لديهم مشكلة مع العقيدة، بل ينادون فقط بضرورة إبعاد الدين عن السياسة، ويتحفظون من تطبيق الشريعة، لأن هذا يهدد، في نظرهم، قيم الحرية والديمقراطية والمساواة. لكن إمكانيات التعايش ممكنة بين الإسلاميين والعلمانيين المعتدلين نظرًا لالتقائهم في مجموعة من القواسم المشتركة، في إطار التعددية وشرعية الاختلاف، وهذا ما يؤكده الكثير من المفكرين العرب.

– محمد عابد الجابري: العلمانية تحرير للمجال السياسي

طرحت ومازالت تطرح إشكالية العلمانية في الفكر العربي والإسلامي في سياق صراع سياسي وإيديولوجي حاد، يتجاذبه طرفي الدين والسياسة، وهي إشكالية معقدة يتداخل فيها الماضي بالحاضر، والتراث بالحداثة، والإسلام بالغرب، والفكر بالسياسة … إلخ. وتناوُل ثنائية الدين والدولة، أو الدين والسياسة في الفكر العربي الإسلامي، يطرح إكراه الفصل بين الإيديولوجي والمعرفي، وهي من أشد القضايا تأثرًا بالسياسة، وبمرجعياتها المذهبية، ولم تطرح على مدى التاريخ الإسلامي إلى حدود النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحت تأثير الفكر الأوروبي.

إن الحديث عن الدولة في علاقتها بالدين يستدعي مفهوما مركزيًا في مشروع الدكتور محمد عابد الجابري حول «العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته»، وهو مفهوم «المجال السياسي»، والذي استعاره من الدراسات الاجتماعية المعاصرة، معتمدًا على السوسيولوجي الفرنسي برتراند بادي في كتابه «الدولتان: السلطة والمجتمع في الغرب وفي بلاد الإسلام». ويقارن فيه بين النموذج الأوروبي للدولة، والنموذج الإسلامي، فقد قامت الدولة في أوروبا نتيجة عملية تاريخية أسفرت عن ظهور مجال جديد الحياة الاجتماعية هو  مجال «السياسي»، أي خاص بالممارسة السياسية، وقد ظهر هذا المجال نتيجة الصراع بين «الأمير» والكنيسة خلال القرون الوسطى، ونتج عنه ظهور نظرية «التعاقد» التي تقول إن سلطة الكنيسة من الله، وسلطة الأمير من الشعب ويعمل لخدمته، ويمكن عزله في حالة الإخلال بواجباته تجاه الشعب والصالح العام. فشرعية السلطة نابعة من هذا التعاقد بين الأمير والشعب، وهكذا ظهر طرف ثالث في حلبة الصراع بين الأمير والكنيسة، هو الشعب. «لقد اقترن ظهور هذا المجال (السياسي) في أوروبا، بانتهاء الصراع بين الكنيسة و «الأمير» إلى القول: إن السلطة السياسية ليس مصدرها الكنيسة ولا الحق الإلهي المزعوم لـ «الأمير» وإنما مصدرها الشعب (العقد الاجتماعي، المصلحة العامة)»12.

يرفض الجابري الإسقاط الذي أقامه برتراند بادي من التجربة الأوروبية على بلاد الإسلام، إذ يرى برتراند أن خلو تاريخ البلاد العربية الإسلامية من ذلك الصراع الذي عرفته أوروبا بين الكنيسة والأمير، والتماهي بين الأمير والدولة، هو سبب غياب المجال السياسي والحداثة السياسية في البلاد العربية الإسلامية، هذا عن الماضي، أما بالنسبة للحاضر فإن برتراند بادي يرى أن فشل النخب العصرية في البلاد العربية الإسلامية في «استيراد» الحداثة السياسية الغربية وغرسها في بلدانها يرجع إلى عامل رئيس، هو أن المجال السياسي في هذه البلدان مازال كما كان في القرون الوسطى، مجالا يحتله «الأمير» بمفرده ويحتويه الدين أيما احتواء.

في المقابل يرى الجابري أن تقهقر الأوضاع السياسية في العالم العربي والإسلامي، أو على الأقل جمودها، ضمن نموذج يكرر نفسه باستمرار، يعود إلى العامل الخارجي المتمثل في الغزو المباشر والمدمر الذي تعرضت له المنطقة العربية انطلاقًا من هولاكو إلى الحروب الصليبية إلى التوسع الأوروبي الحديث، إن «غياب الحداثة السياسية في الوطن العربي المعاصر لا يفسره ماضيه وحده بل لابد أن ندخل في الحساب «حاضره»، بل حضور الغرب الاستعماري كقوة عالمية يتوقف استمرار نموها واطراد تقدمها على إعاقة نمو وتقدم العالم العربي والإسلامي وجميع بلدان العالم الثالث»13.

يسعى الجابري في معالجته لموضوع العلمانية إلى الإجابة على سؤالين مركزيين هما: لماذا طرح شعار العلمانية في العالم العربي؟ وما هي الحاجات التي أريد منه تلبيتها؟. كما تناول الجابري ثنائية الدين والدولة من خلال مرجعيتين أساسيتين: المرجعية التراثية، والمرجعية النهضوية، الأولى تمتد من ظهور الإسلام إلى أوائل القرن التاسع عشر، وأثناء هذه المرحلة لم تطرح هذه الثنائية بتاتا، ولم يكن لديها أي معنى وكانت غائبة تماما، سواء تعلق الأمر بالوصل أم بالفصل، وعبارة «فصل الدين عن الدولة» أو «فصل الدولة عن الدين» ستعني بالضرورة، داخل المرجعية التراثية، أحد أمرين أو كلاهما «إما إنشاء دولة ملحدة غير إسلامية، وإما حرمان الإسلام من «السلطة»” التي يجب أن تتولى تنفيذ الأحكام»14. وفي المرجعية النهضوية العربية يحدد الجابري ثلاثة عوامل محددة لثنائية الدين والدولة في هذه الحقبة التاريخية، وهي: استلهام التجربة الأوروبية، ومشكل الطائفية الدينية، وربط النهضة بالفصل بين الدين والدولة باستلهام تجربة النهضة الأوروبية.

كل طرف يتمسك بما تمليه عليه مرجعيته، فالسلفي يرى ضرورة التمسك بالدين لتحقيق النهضة، والعلماني يرى أن تحقيق النهضة لا يتم إلا بفصل الدين عن الدولة كما فعل الأوروبيون في نهضتهم، لكن هذا الأمر ليس مشكلًا قوميًا يعم الوطن العربي كله، وإنما يعكس وضعا اجتماعيًا وسياسيًا يخص أقطارًا عربية معينة وبدرجات متفاوتة، هذا الوضع يعبَّر عنه بــ«الطائفية الدينية»، وهكذا يخرج الجابري بنتيجة عامة، وهي «أن مسألة العلاقة بين الدين والدولة يجب أن تعالج على ضوء معطيات كل قطر عربي على حدة، وأنه يجب أن نتجنب تعميم المشاكل القطرية تعميما يجعل منها مشاكل قومية»15، ويحدد الجابري الأقطار العربية التي تعيش الطائفية الدينية، والتي يطرح فيها مشكل الدين والدولة بحدة في: لبنان وسوريا والسودان ومصر، وهذه الأقطار ذاتها لا تعيش هذا المشكل بالحدة نفسها.

لقد طُرح شعار «العلمانية» في منتصف القرن التاسع عشر من قبل مسيحيي الشام، الذين كانوا آنذاك خاضعين لهيمنة الدولة التركية العثمانية، والاستقلال عن الترك كان يعني في الوقت نفسه قيام دولة عربية واحدة، فقد ارتبطت المفاهيم الثلاثة ببعضها ارتباطًا عضويًا: العلمانية والاستقلال والوحدة. مما خلق تعارضا بين الاتجاه الذي كان يدعو إلى «الجامعة الإسلامية» وبين اتجاه كان يدعو إلى دولة عربية. إن شعار «العلمانية» مرتبط أساسًا بمشكلة التنظير لدولة تضمن حقوق الأقليات الدينية، أي بناء دولة على أساس ديمقراطي، لا على أساس الهيمنة الدينية. ومن هنا تنبع ضرورة «استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر العربي وتعويضه بشعاري الديمقراطية والعقلانية، فهما اللذان يعبران تعبيرًا مطابقًا عن حاجات المجتمع العربي. الديمقراطية تعني حفظ الحقوق، حقوق الأفراد وحقوق الجماعات، والعقلانية تعني الصدور في الممارسة السياسية عن العقل ومعاييره المنطقية والأخلاقية»16.

الديمقراطية والعقلانية، إذن، هما البديل العملي والنظري لشعار العلمانية، ويتفق الجابري مع برهان غليون في اعتبار العلمانية «إشكالية مصطنعة منقولة عن الغرب»17، أي أنها لم تطرح في المرجعية التراثية، ولم يتم تبيئتها في الواقع العربي، وهي لا تهم كل الأقطار العربية، إضافة إلى كون كل الدول العربية علمانية في قوانينها وسياساتها، حتى الدول التي تتخذ من إعلان التمسك بالإسلام شعارًا سياسيًا وإيديولوجيا لها، فإنها في الواقع العملي علمانية إلى حد بعيد. إن المشكلة الأساس التي تعم جميع البلدان العربية لا تكمن في الدين والدولة، بل تكمن في عدم تحقيق الديمقراطية، ومن هذه المنطلقات كلها يتجه الجابري إلى نقد الخطاب العربي المعاصر، وكل المرجعيات التي تناولت مسألة علاقة الدين بالدولة.

– محمد أركون: نحو استعادة علمانية الإسلام

يندرج موضوع الإسلام والعلمنة – عند أركون – في إطار الإسلاميات التطبيقية، وهي منهجية تختلف إلى حد كبير عن منهجية الاستشراق أو الإسلاميات الكلاسيكية، وينبغي لحل هذه الإشكالية في الإسلام ـ في نظر أركون – القيام بإعادة نقد لمفهوم العلمنة، نقدًا فلسفيًا، كما كانت قد استخدمت وطبقت في فرنسا. وقد ذهب أركون أبعد من ذلك وأوسع حين عالج إشكالية «العلمنة والدين»، في كتاب «العلمنة والدين الإسلام المسيحية الغرب»، وذلك بتناوله الظاهرة الدينية ككل، وليس فقط أحد تجلياتها كالإسلام مثلا أو المسيحية.

يُعلي أركون من شأن عملية العلمنة ويعتبرها إحدى «مكتسبات وفتوحات الروح البشرية (…) وهي موقف للروح، وهي تناضل من أجل امتلاك الحقيقة أو التوصل إلى الحقيقة»18، وتواجه العلمنة بهذا المعنى مسؤوليتين اثنتين أو تحديين اثنين هما: المسؤولية الأولى هي كيف نعرف الواقع بشكل مطابق وصحيح؟ أي كيف يمكن أن نتوصل إلى معرفة تحظى بالتوافق الذهني والعقلي لكل النفوس السائرة نحو التوصل إلى الحقيقة بغض النظر عن اختلافاتها؟ وهذا يفترض من الباحث أن يتجاوز كل الخصوصيات الثقافية والتاريخية وحتى الدينية. أما المسؤولية الثانية، فهي تخص ضرورة إيجاد صيغة أو وسيلة ملائمة لتوصيل تلك المعرفة المتوصَّل إليها حول الواقع إلى الآخر دون أن نشرط حريته أو نقيدها، وهنا تكمن كل مشكلة التدريس والتعليم.

يولي أركون أهمية قصوى لموضوع «الإسلام والعلمنة» داخل منهجية الإسلاميات التطبيقية. وأهمية موضوع كهذا «ليست علمية أو نظرية فحسب، وإنما هي حياتية ومعاشية»19، وهي مسألة حاضرة وملحة في العالم العربي والإسلامي بشكل عام، وذلك في سياق السعي لتشكيل دولة حديثة، والتخلص من البنيات والهياكل التقليدية، والعمل على إدخال أفكار حديثة. إن مسألة العلمنة ـ عند أركون ـ تدخل في سياق التحديث والحداثة، ويرى أن: «الإسلام لم يعرف أبدا في تاريخه تفكيرًا فلسفيًا يطرح مسألة العلمنة كما نفهمها اليوم. هذا لا يعني بطبيعة الحال أن العلمنة لم تعش حياتيًا أو لم تعرف في بيئات الإسلام»20. هنا تكمن مهمة الإسلاميات التطبيقية في أن تؤسس الإطار النظري والفكري الذي يتيح مواجهة كل الصعوبات والمشاكل المعيشة حتى الآن بشكل تجريبي وواقعي. ولبيان مدى أهمية مسألة «العلمنة والإسلام» يستشهد أركون بتجربتين تاريخيتين، هما: التجربة التركية، والتجربة اللبنانية.

لمعالجة إشكالية العلمانية ـ حسب أركون ـ ينبغي طرح مسألة الخلافة، وإعادة قراءتها من وجهة نظر التاريخ النقدي، فالخلافة تحيلنا إلى مسألة أصل السلطة وتنظيم «الدولة الإسلامية»، وهذا التعبير الأخير يتضمن، سلفًا، موقفًا سلبيًا من العلمنة. ويستعيد أركون هنا إسهام المفكر المصري علي عبدالرزاق عام 1925، في محاولته لعلمنة الفكر الإسلامي، بدعوته إلى مواصلة هذا العمل من جديد وذلك على ضوء الأنثروبولوجيا السياسية21   التي افتتحها جورج بالانديه.  وينبغي ـ حسب أركون دائمًا ـ أن نتجنب خطأ شائعا ومنتشرًا جدًا في الأدبيات الاستشراقية، وعند المسلمين على السواء، ويتمثل في القول إن الإسلام لم يعرف أبدا التفريق ما بين الزمني والروحي، لذا يجب التخلص من هذه النظرية. «لقد وجدت سابقًا في المجتمعات المدعوة إسلامية تجارب معمقة يمكن لنا أن نصفها بالعلمانية. لكن هذه التجارب لم تصل إلى درجة الوعي الواضح بذاتيتها، ولم تلق في يوم من الأيام لها تنظيرًا»22.

من بين هذه التجارب العلمانية يقف أركون عند التجربة التأسيسية «تجربة مكة والمدينة»، التي انطوت على معطيات من نوع ديني، ومعطيات من نوع دنيوي خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهي تصرفات شخصية قيادية سوف تتخذ فيما بعد قيمة مثالية أنموذجية. وبعد وفاة الرسول ستطرح مشكلة استمرارية هذه التجربة، وإعادة إنتاج النموذج، وهذا الإشكال النظري لم يُحل أبدًا في تاريخ الإسلام بالشكل المشروع ومن وجهة نظر ثيولوجية. «هذا ما يدعونا إلى التأكيد بأن السلطة على مدار التاريخ الإسلامي كله كانت سلطة زمنية مضبوطة (أو موجهة) من قبل السيادة الدينية. هذه حقيقة مهمة جدا تعاكس تلك التصورات الكبرى التي رسخت في أذهان الجماعات الإسلامية كلها (…) إن هذا المنهج (تفكيك التاريخ La déconstruction de L’histoire )23 في التحليل يخلصنا بلا ريب من تلك الأوهام الراسخة التي اشتغلت في التاريخ كقوى جبارة، قوى ذات أثر حقيقي واقعي، لكنها وهمية في نظر الروح العلمية الباحثة»24.  وهكذا يجب على المؤرخين إعادة كتابة التاريخ، وإعادة النظر إلى الذات، لمعرفة ما الذي حدث بالضبط حتى تشكلت في الوعي الجماعي الإسلامي هذه الصورة المثالية اللاتاريخية للتاريخ الإسلامي، وذلك بتفكيك الكثير من الوقائع والمفاهيم والتمثيلات والتصورات التي فرضت نفسها تدريجيًا وكأنها حقائق مطلقة لا مجال فيها للنقاش.

الإسلام ـ في نظر أركون ـ ليس مغلقًا في وجه العلمنة. «ولكي يصل المسلمون إلى أبواب العلمنة، فإن عليهم أن يتخلصوا من الإكراهات والقيود النفسية واللغوية والإيديولوجية التي تضغط عليهم وتثقل كاهلهم، ليس فقط بسبب رواسب تاريخهم الخاص بالذات، وإنما أيضا بسبب العوامل الخارجية والمحيط الدولي»25، ولذلك دعا إلى إعادة قراءة تاريخ الفكر الإسلامي في قرونه الأربعة الأولى. وعلى سبيل المثال فقد وجدت في أرض الإسلام بين القرنين الثاني والثالث للهجرة حركة ثقافية عقلانية يدعى أصحابها بالمعتزلة، وهم الذين اعتزلوا الصراع من أجل التأمل والتفكير، وقد تعرض هؤلاء للاضطهاد والتسفيه.

استكمالًا لتقديم صورة واضحة عن العلمنة في الإسلام يتناول أركون فكرتين هامتين، الأولى تتعلق بالدولة الإسلامية التي أثارها سابقًا عندما تحدث عن الخلافة، والفكرة الثانية تهم الشريعة. وفيما يتعلق بالنقطة الأولى، يرى أركون أن الدولة الإسلامية كانت في البداية تبحث عن تبرير أو تسويغ ديني. إن تلك الدولة هي في الأساس علمانية، واجهت مشكلة تنظيم المجتمع كأية دولة ناشئة. وللاستدلال على هذا الحكم (علمانية الدولة الإسلامية) أعطى أركون مثالًا متمثلًا في الرسالة المتعلقة بإنشاء الدولة وبنياتها، والتي كتبها الكاتب ذو الأصول الفارسية ابن المقفع عام 750م عنوانها (رسالة الصحابة). والتي يحدد فيها ابن المقفع بنيات الدولة العباسية ومؤسساتها التي ستنشأ في بغداد وذلك دون أي رجوع إلى الدين، وقد استلهم فيها تنظيم الدولة الإيرانية التي وجدت في زمن الساسانيين قبل الإسلام، «وفي الواقع فالدولة العباسية المؤسسة عام 750م ليست إلا صورة منسوخة عن بنية الدولة الساسانية (…) إننا هنا بإزاء وثيقة تاريخية لا تُدحض تبين لنا كيفية انبثاق الدولة الجديدة التي واجهت مشاكل عديدة خاصة بأية دولة وليدة. حدث كل هذا ضمن منظور علماني بحت»26.

الفكرة الثانية الأكثر أهمية فيما يخص علمنة الإسلام عند أركون هي الشريعة، ويرى أن هناك فهم تقليدي للشريعة ممارس في بعض البلدان كما هو الحال في الجزيرة العربية. إنها مجموعة من المبادئ التي تشمل كل نواحي القانون، من مدني ومؤسساتي وجنائي، والمطبقة في مجتمع ما. و«كان المسلمون قد تلقوا هذه القوانين وتمثلوها وعاشوها وكأنها ذات أصل إلهي. لقد ترسخت في الوعي الإيماني وكأنها ناتجة ـ بواسطة بعض الوسائل الاستنباطية المطبقة بصرامة ـ عن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية»27. ويتساءل أركون قائلًا: كيف حصل أن اقتنع ملايين البشر أن الشريعة ذات أصل إلهي؟  سؤال تستوجب الإجابة عنه اعتماد المنهج التفكيكي والتحليلي العلمي في كتابة التاريخ، وهو الأمر الذي تصدى له باحثًا في بدايات تشكل وترسيم الشريعة حسب الرواية الرسمية.

خاتمة

إن ما يستدعي الحفر في مفهوم العلمانية في الفكر العربي المعاصر هو حضورها البارز في مختلف السجالات التي تنشط عندما تطفو إلى السطح إشكالية الدين والسياسة في بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وعند التفكير في عملية التحديث السياسي، حيث ينتصب النموذج العلماني الغربي ليفرض نفسه في أي عملية تفكير في المجال السياسي في بلداننا، في ظل ما يشهده المجال السياسي عندنا من تداخل بين السياسة والدين على جميع الأصعدة.

لقد صارت العلمانية الغربية اليوم محط اختبار ونقد، وذلك بفعل تنامي حضور الدين في الميدانين السياسي والاجتماعي، وهو الأمر الذي دفع الفكر الأوروبي المعاصر إلى الحديث عن مرحلة «ما بعد العلمانية»، والتي تحضر بالخصوص عند المفكر الألماني يورغن هابرماس، فكثيرة هي الظواهر التي تنم عن كون الدين أضحى عاملا حاضرا بقوة في المجتمعات المعاصرة في مختلف أرجاء العالم، بما في ذلك داخل الفضاء السياسي العام. فهل يكون هذا التحول الغربي الراهن ذريعة للإبقاء على التداخل التلفيقي بين الدين والسياسة عندنا؟

 

لائحة المصادر والمراجع:

1 – عبدالوهاب المسيري وعزيز العظمة، العلمانية تحت المجهر، حوارات القرن الجديد، دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، سبتمبر 2000، ص: 59.

2 ـ محمد لكموش، الدين والسياسة بالمغرب، أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 2013، ص: 11.

3ـ محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة: هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، الطبعة الثانية، بيروت، 1996، ص: 292.

4 ـ اعتمدنا في هذه الدراسة المعجمية للعلمانية على الباحثين: عبدالوهاب المسيري وعزيز العظمة، العلمانية تحت المجهر، المرجع السابق، ص: 58.

5 ـ عبدالوهاب المسيري وعزيز العظمة، العلمانية تحت المجهر، المرجع السابق، ص: 62 ـ 63.

6 ـ شاكر النابلسي، الفكر العربي في القرن العشرين 1950 ـ 2000، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، 2001، ص: 166 ـ 167.

7 ـ عبدالوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، المرجع السابق، ص: 6.

8 ـ المرجع نفسه، ص: 20.

9 ـ نفسه، ص: 101.

10 ـ نفسه، ص: 111.

11 ـ من الباحثين من يستعمل مصطلح «العلمانية الناعمة Soft Secularism » وتجسدها العلمانية الأمريكية، والأنجلو ـ سكسونية على وجه العموم، مقابل «العلمانية الصلبة   Hard Secularism»، السائدة في أوروبا خصوصًا في فرنسا. ويتنبأ عزمي بشارة بكون النمط الناعم هو الذي سيسود في المستقبل مجمل المجتمعات العربية عند تحولها إلى دول ديمقراطية بمجتمعات متدينة، وبوجود تيارات إسلامية قوية. انظر: عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، المرجع السابق، ص: 440، الهامش 35.

12 ـ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الرابعة، بيروت، 2000، ص: 20.

13 ـ نفسه، ص: 20.

14 ـ محمد عابد الجابري، وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء، بيروت، 1992، ص: 19 ـ 20.

15 ـ محمد عابد الجابري، وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء، بيروت، 1992، ص: 105.

16 ـ محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربي، الطبعة الخامسة، بيروت، 1994.، ص: 113.

17 ـ نفسه، ص: 83.

18 ـ محمد أركون، العلمنة والدين الإسلام المسيحية الغرب، دار الساقي، الطبعة الثالثة، بيروت، 1996، ص: 10.

19 ـ نفسه، ص: 276.

20 ـ نفسه، ص: 278.

21 – George Balandier ; Anthropolgie politique, P . U . F . éd ; 1969 .

22 ـ محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، الطبعة الثانية، بيروت، 1996، ص: 280.

23 ـ يتأسس عمل أركون ضمن منهج التاريخ التفكيكي أو التحليلي في مقابل التاريخ المروي التقليدي الذي يكتفي بترجمة النصوص والوقائع القديمة دون محاولة كشف أو تعرية مضامينها الإيديولوجية الخادعة.

24 ـ محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، المرجع السابق، ص: 281.

25 ـ محمد أركون، العلمنة والدين الإسلام المسيحية الغرب، ص: 59.

26 ـ محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، المرجع السابق، ص: 295.

27 ـ نفسه، ص: 296.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى