
الغوص في رهان أنطون تشيخوف
أنطون بافلوفيتش تشيخوف (1860 – 1904)
طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي بزغ اسمه في سماء الأدب الروسي والعالمي، عُرف تشيخوف في سيرة ومسيرة بأفضل من كتب القصص القصيرة على مدى قرون طويلة، يقف بين كبار الأدباء الروس الأسماء التي أهدت إلى البشرية والتراث العالمي من روائع الأدب، كتب المئات من القصص القصيرة التي نالت شهره واسعة وكان لمسرحياته تأثير واضح جدًا على دراما القرن العشرين.
(الرهان)
قصّة قصيرة وواحده من روائع مؤلفات تشيخوف سنة 1889م من بين أقدم الترجمات لهذه القصّة عام 1928 للكاتب أسعد خليل داغر، من كبار المترجمين في عصر النهضة العربية.
سجَاني العزيز..
أكتب إليك هذه السطور في ست لغات، أعرضهم على الخبراء إذا لم يجدوا خطأ واحدًا، فأتوسل إليك أن تطلق رصاصة في الحديقة فصوت الرصاصة سيخبرني بأن مجهوداتي لم تذهب سدى.
كيف كان من الممكن كتابة مثل هذه القصة القصيرة، وتناسب كل شيء بإحكام شديد جدًا، ماذا يمكنني أن أقول أكثر أثناء قراءة هذا العمل القصير، لم أفكر إلا في عدد الأشخاص في عالمنا القادرين على تحمل الوحدة مع أنفسهم، هذه ليست ساعة أو ساعتين بالنسبة لك، ولكن 15 عامًا… وقت لائق، مغلق، لا يمكن للإنسان الحديث أن يكون بدون ضوضاء أو بدون صخب العالم الخارجي ويعيش بعيدًا عن كل هذا مُنزويًا لمدة طويلة من الزمن، ثم فكر في الأمر 15 عامًا بين جدران غرفه، لا اتصال، لا حديث مع شخص ما، فقط كتب، ملاحظات، بيانو، الصمت، وسيل لا نهاية له من الأفكار بمفردك مع نفسك…
بالنسبة لي نقطة مثيرة ومهمة للغاية في هذه القصة، عندما لا يتشتت انتباه الشخص بسبب الضجة الدنيوية، يبدأ في التركيز على نفسه وعلى عالمه الداخلي وتطوره الروحي.
- بالكثير القليل جدًا!!
لمثل هذه القصة القصيرة والبسيطة، ينسج لنا أنطون تشيخوف نسيجًا ثريًا في (الرهان).
يتحول الجدل حول عقوبة الإعدام إلى رهان مضحك، مما يؤدي إلى استكشاف هدف الإنسان في الحياة، يقوم تشيخوف بالكثير القليل جدًا، أن يأخذ هذا الاستكشاف ويطور أخلاقًا لحكايته، نتيجة لذلك تتحول هذه القصة القصيرة إلى حقيقة أزليَّة، من خلال حدث جرى وليست خرافة.
- ماهي الخرافة؟
عندما نسمع كلمة الخرافة، من المحتمل أن يفكر معظمنا في إيسوب وقصصه عن السلاحف والأرانب البرية والثعالب، التي تقوم فقط على التخيلات ولا تقوم على علم أو سبب عقلاني أو فكرة أو معرفة وخالية من المنطق، في حين أن شخصيات الحكاية عادة ما تكون مجسمة، يستخدم تشيخوف شخصيات بشرية مصرفي ومحامي، يطور هذه الشخصيات بطريقة تؤدي من خلال (استكشاف المعرفة البشرية إلى الهدف والمعنى) يصبح هذا الاكتشاف هو مغزى الحكاية ويمكننا تعريف (الرهان) على أنه حكاية وليست خرافة أو قصّة خرافية.
- قيمة المعرفة
من خلال المحامي وانتقاله، يتساءل تشيخوف عن قيمة المعرفة؟ هي قُوَّة هائلة تساعد المرء على فهم الطريقة التي يعمل بها العالم ومع ذلك، فإنه لا يفسر الغرض من الإنسان.
يدرك المحامي أن غرض الإنسان لا يمكن العثور عليه في الممتلكات الملموسة والواقعية المادية. ومن المثير للاهتمام ملاحظة أن التطور الأخير في هذه القصة يرتكز على حقيقة أن المحامي الشاب أكتسب كل المعارف الأساسية، التي حصل عليها من القراءات العديدة التي قام بها من الكتب المختلفة التي قرأها أثناء وجوده داخل السجن فقد منحته الأدراك والحكمة.
- الروح والعقل يتوقان إلى التنمية
يقولون ماذا يمكن للمرء أن يقرأ؟
بشكل أساسي، هذه هي الطريقة التي يفكر بها الناس بدائية.
شخصيتنا الرئيسية تفعل ذلك بالضبط، أولاً يبدأ في قراءة الكتب كثيرًا وبشغف، ثانيًا والأهم من ذلك إلى أي مدى يذهب مسار تطوره المعرفي: من القراءة الخفيفة روايات تتحدث عن قصص حب معقدة، وقصص الجريمة، والخيال، والكوميديا، إلى الأدب الأكثر جدية، وإلى دراسة اللغات والفلسفة والتاريخ بحماس، ثم ينتهي بدراسة الإنجيل والأعمال اللاهوتية، بعدهم قبل إطلاق سراحه بعامين، بدأ في قراءة كل شيء على التوالي ومع ذلك، فإن مقارنة مذهله جدًا تقود تشيخوف لمدة 4 سنوات، قرأ سجيننا حوالي 600 مجلدًا من الأدب الجاد
(وهذا أمر مهم لفهمه، لأن عقل مثل هذا الشخص يصبح أكثر تعقيدًا وفضولًا) حيث قضى عامًا كاملًا في دراسة كتاب صغير من الإنجيل.
الإنجيل وهذه الكُتُب وبما فيهم الكتاب الإلهي الأعظم القرآن ستقرأها طوال حياتك وستفهم الحكمة من كلمة الله طوال حياتك، هذا هو نوع من الخزينة التي تحمل منافع للروح والعقل والقلب.
يشير تشيخوف بشكل عام، ان من لم يقرأ، من الأفضل لهُ أن يمضي نصف ساعة في الأدب النافع الذي يقلب الافكار والوعي.
الكتب مرايا ترى فيها فقط ما لديك بداخلك.
– كارلوس رويز زافون
تعطينا القراءة مكانًا نذهب إليه
عندما يتعين علينا البقاء حيث نحن.
– ماسون كولي
إن أكبر هزيمة في حياتي
هي حرماني من متعة القراءة بعد ضعف نظري.
– نجيب محفوظ
من خلال هذه الكتب يحلل وجوده ووجود الآخرين، باستخدام حيلة عقوبة الإعدام كحبكة فرعية، يدفع أنطون تشيخوف أفكار القارئ مرة أخرى ببراعة بعيدًا عن الموضوع الرئيسي للقصة وهو تفاهة الحياة التي تُرى من خلال عيون كائن مستنير، يمكن لبعض الناس أن يكتسبوا التنوير الذي هو «يعتمد على التجربة العلمية والنتائج بدلاً من الاعتماد على الخرافة والخيال»، كما يتحدث عن موقف تافه تجاه الأمور المالية والمقامرة كضعف للفرد، لم يستطع المصرفي الصمود في الرهان، إنه لا يفكر في العواقب المحتملة، معتقدًا أنه سيكون لديه دائمًا ما يكفي من المال وغارق بالحياة المترفة، لكن في أي حال كاد هذا الإهمال في وقت لاحق أن يدفعه إلى القتل.
- الجشع وطمع الإنسان
يتطرق المؤلف إلى موضوع الجشع، قضى المحامي أفضل سنوات حياته من أجل المال الذي يمكن أن يكسبه لنفسه خلال هذا الوقت الذي قضى في السجن، وكان المصرفي من أجل المال، مستعدًا لتلطيخ روحه بالآثام، إن الجشع هو الذي يدفع الناس إلى الأعمال الفاسدة والغبيه.
وبالمجمل العام أن الحقيقة في هذه القصة لا تتعلق فقط بالجشع ولكنها تدور حول نفاق الحياة نفسها، عندما قضى المحامي الشاب خمسة عشر عامًا من سنوات حياته في الحبس الانفرادي لمجرد إثبات وجهة نظره.
- ماذا تعلمت من الكُتُب؟
يوضح تشيخوف إلى أي مدى يمكن للشخص أن يتغير، إذا ترك بمفرده. فالمحامي الذي اكتسب الحكمة من الكتب، يعتبر نفسه أذكى من أي شخص آخر!، لكن الأمر يستحق التفكير فيما إذا كانت هذه تجربة حقيقية في الحياة أم لا؟
بعد كل شيء، كل أفكار البطل حول العالم تأتي مما رآه قبل الخاتمة وما تمكن من قراءته، فهل يمكن لمثل هذا الشخص أن يحكم على الآخرين بيقين؟
تشيخوف في هذه اللحظة يجعلنا نعتقد أنه لا ينبغي استبدال التجربة الحقيقية بتجربة الكتاب ونعتبر أنفسنا حكماء غير مسبوقين بعد كل مجلد قراءة، فقط المعرفة التي وجدت تطبيقًا عمليًا في الحياة يمكن أن تجعلنا حكماء وأقوياء حقًا.
إن العيش فقط على حساب تجربة الكتاب، لا يتطور الإنسان في هذه الحالة بل يحط من قدر الإنسان، وهذا هو المغزى الذي يشير إليه.
وأيضًا من جانب آخر يجب أن يقال إن الناس لا يمكنهم العيش في عزلة تامة إن العزلة عن نوع المرء لا تساهم إلا في خيبة الأمل في الحياة واليأس، هذا ما تعلمه قصة (الرهان).
وختامًا، وخاتمة القصّة..
في المسلسل الشهير «مرايا» المقتبس من القصّة حيث قدّم الرائع ياسر العظمة لوحة بعنوان: (الرهان)، في نهاية الرهان يقول ياسر العظمة لصديقه الممثل بشار اسماعيل صديقي المليونير أسعد لم يكن هدفي عندما استضفتني بسجنك إلا النيل منك ومن ثروتك والحصول على هذا المبلغ الضخم الذي اتفقنا أن تدفعه لي عند انقضاء الخمسة عشر عامًا وصبرت في سبيل تحقيق ذلك كثيرًا أعوامًا طوالاً ولكنني قبل انقضاء الوقت كله بنصف ساعة قررت الانعتاق من سجني والانطلاق إلى الحياة، فقيرًا معدمًا لا أملك من حطام الدنيا قشة واحدة ولا نصير لي فيها ولا معين، إلا أنني خلال سجني لم أجد مؤنسًا لي غير الكتاب فأقبلت ألتهم الكتب التهامًا وكأنها غذائي وكسائي طعامي وشرابي حلقت في قراءاتي بغياهب الكون وفي مجاهل الطبيعة وفي مختلف الأمصار والاصقاع والبقاع. قرأت التاريخ والجغرافيا والفلسفة والطب والعلوم الإنسانية تبحرت بالتاريخ قديمه وحديثه، وعجبت من مصائر الدول ومن سطوة الحكام وأكبرت بطولة الشعوب استغرقتني كتب الجغرافيا فإذ بي أطوف حول العالم وأصعد الجبال وأهبط الوديان وأتأمل صنع الله وأنا قابع في مكاني. تعلمت سبعة لغات أجنبية حية وقرأت بواسطتها معظم التأليف الأجنبية واطلعت على الآداب الإنسانية والعلوم الكونية والروايات الأدبية والفنون العالمية تعرفت على إبداعات العقل البشري. أحببت كرهت سافرت حلمت عشت الحياة بكل تفاصيلها وما شعرت يومًا أني مسجون أسير بل حرٌ طليق أتجول كيف أشاء وأطير بأي سماء. قرأت معظم ما أنتجه العقل البشري قرأت التاريخ أنا لم أخسر أنا الرابح بكل تأكيد لم تعد تهمني ثروتك وزاد احتقاري للمال إذ هو الغاية إنني أرثي لك أيها العابد مالًا وأشكرك لأنك كنت سبب في حصولي على كنوز المعرفة وداعًا وليهنأ كلٌ بفوزه.
عدد التحميلات: 0



