العدد الحاليالعدد رقم 46ثقافات

فن الكلام والتعامل في العِـشرة الزوجيـة

فنون الكلام النبوية في العشرة الزوجية لا مثيل لها ولا نظير في المعاملات الإنسانية؛ فهو صاحب أجمل توصيفٍ للنساء، توصيفًا فريدًا وأصيلًا يُقال لأول مرة في التاريخ:

ففي رواية أبي داود عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: (إنما النساءُ شقائق الرجال) أي نظائر الرجال وأمثالهم في الأخلاق والطباع والأحكام. وما أجمل التعبير (شقائق) ففيه كناية خفية عن انشقاق حواء من آدم.

ولكن الحديث النبوي الأبدع، بتعبيره الماتع الرائع هي قوله: (رفقًا بالقواريرِ). (أخرجه الألباني في جلباب المرأة وقال: أخرجه البخاري بمعناه).

وثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ في سَفَرٍ، وكانَ غُلَامٌ يَحْدُو بهِنَّ يُقَالُ له أنْجَشَةُ، فَقالَ النبيُّ ﷺ: (رُوَيْدَكَ يا أنْجَشَةُ سَوْقَكَ بالقَوَارِيرِ) قالَ أبو قِلَابَةَ: يَعْنِي النِّسَاءَ. وفي رواية قالَ: كانَ للنبيِّ ﷺ حَادٍ يُقَالُ له أنْجَشَةُ، وكانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، فَقالَ له النبيُّ ﷺ: (رُوَيْدَكَ يا أنْجَشَةُ، لا تَكْسِرِ القَوَارِيرَ) قالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ. رواه البخاري.

فقد كان أنجشة رضي الله عنه يحدو للإبل التي كانت تحمل أمهات المؤمنين وكان حسن الصوت فأسرعت الإبل في السير فخاف النبي صلى الله عليه وسلم عليهن فقال له ما معناه: (يا أنجشة رفقًا بالقوارير). فقد شبَّه النبي صلى الله عليه وسلم النساء بالقوارير، ومعلوم ليونة القوارير ووجوب صيانتها من الانكسار والضياع، فهكذا يجب على الرجال للنساء صيانتهن من الانكسار والضياع.

ولقد أوصى النبي ﷺ الرجال أن يستوصوا بالنساء خيرًا لكونهن عوان عندهم (أي أسيرات وهن في منتصف العمر) وهذا توصيف لطيف للنساء ذكره في خطبة الوداع.

وأحاديث رسول الله ﷺ تمثل نقلة نوعية عما عُرِف وساد في الحضارات القديمة من تحقير النساء، فقال ﷺ: (استوصوا بالنساء خيرا) وحديث أبي هريرة: (أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا، وخيارُكم خياركُم لأهلِه). صحيح الترغيب

ثم أن حديث البخاري: (مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِي جارَهُ، واسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا، فإنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِن ضِلَعٍ، وإنَّ أعْوَجَ شيءٍ في الضِّلَعِ أعْلاهُ، فإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وإنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أعْوَجَ، فاسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا)، فيه تعليل جميل لأجل استلطاف واسترحام النساء.  فإذا صار الرجل العاقل الذكي رحيم بزوجته، فأحسن إليها ورعاها أحسن رعاية ولاطفها أحسن ملاطفة ومازحها أحسن ممازحة، فإنها لا محالة ستحبه وتنقاد إليه وتتآلف وتتعاطف معه أحسن التآلف والتعاطف.

وحديث إياس بن عبدالله بن أبي ذباب: (لا تضربُنَّ إماءَ اللَّه) فجاءَ عمرُ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، قد ذَئرَ النِّساءُ على أزواجِهنَّ [أي نشزن] فأمر بضربِهنَّ فَضُرِبنَ، فطافَ بآلِ محمَّدٍ ﷺ طائفُ نساءٍ كثيرٍ، فلمَّا أصبحَ قالَ: (لقد طافَ اللَّيلةَ بآلِ محمَّدٍ سبعونَ امرأةً كلُّ امرأةٍ تشتَكي زوجَها فلا تجدونَ أولئِكَ خيارَكم).  صحيح ابن ماجه. ولم يتفوه رسول الله ﷺ بكلمة نابية جارحة ولا مد يده يومًا لضرب إمراه أو خادم.

لم يكن النبي ﷺ قاسي القلب، ولم يعتزل النساء، بل كان رجلًا يُسعد بما يُسعد به الرجال، ويُحبّ الطيب والنساء وكانت قرة عينه في الصلاة. ولم تكن حياة النبي قاتمة بلا ابتسامة، أو باردة بلا مشاعر، أو جامدة بلا حرارة، أو حادة بلا تلذذ بجمال الحياة وبهجتها، التي تمثل النساء جزءًا كبيرًا منها، فمن حيث الحب والغزل والرومانسية والامتزاج العاطفي مع زوجاته، فإنه قد وصل لدرجة فريدة راقية بل ومنح المرأة مكانة رفيعة بين المسلمين، لينصح النبي المسلمات قائلًا: (خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء) قاصدًا السيدة المحببة إليه (عائشة)، و«الحميراء» تصغير حمراء يراد بها المرأة البيضاء المشربة بحمرة الوجه، تغزلًا في جمالها وتعمدًا في إسعادها.

وحدّث ولا حرج عن حالات الرومانسية والمداعبة، إذ تأتى زوجته «عائشة» المحببة إليه في الصدارة، والتي كان يسابقها لتغلبه، ويغازلها بلقب: يا «عائش» و«عويش»، ويشرب الماء مكان فمها- وشفتاه مكان شفتاها، تعبيرًا عن الحب، وخاصة في وقت حيضها، ليؤكد لها حب شخصها، ولمخالفة قاعدة اليهود أن المرأة تكون نجسة متدنية لأنها تحيض وأن النجاسة تلزمها في ذلك الوقت.

مداعبات النبي لحِبِّه الأعظم (عائشة) لها مشاهد أخرى للتعبير عن الحب، فكان النبي ﷺ يأكل بقايا قطعة لحم أكلت منها زوجته متعمدًا الأكل من نفس المكان الذي أكلت منه، في موقف يشرحه نص منقول عن السيدة عائشة: (كنتُ أشربُ منَ القدَحِ وأنا حائضٌ فأناولُهُ النبي فيضعُ فاهُ على موضعِ في فيشربُ منْهُ وأتعرَّقُ منَ العرقِ وأنا حائضٌ فأناولَهُ النبي فيضعُ فاهُ على موضعِ فيَّ)، وكان يقول (لا تأذوني في عائشة).

وممَّا يدلُّ على أنها أحب زوجاته ﷺ ما رواه الشيخان (البخاري ومسلم) عن عمرو بن العاص: أنَّ النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيتُه فقلت: أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: (عائشة)، فقلت: مِن الرجال؟ فقال: (أبوها)، قلت: ثم مَن؟ قال: (ثم عمر بن الخطاب)، فعدَّ رجالًا.

وهذا تصريح نبوي رومانسي صادق عن حب الزوجة، يقوله سيد الخلق ﷺ وبلا استحاء، أمام قادة جيوش الإسلام والصحابة الكرام.

ومما لا شك فيه أن خديجة بنت خويلد رضي الله عنها كان لها النصيب الكبير من محبة رسول الله ﷺ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح شاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها الولد (متفق عليه).

وتُفصِح عائشة رضي الله عنها بنفسها عن فضلها، ومنزلتها السامية في نفس رسول الله ﷺ فتقول: “فُضلتُ على نساء النبي ﷺ بعشر:

  1. لم ينكح رسول الله ﷺ بِكرًا قط غيري؛
  2. ولم ينكح امرأة أبواها مهاجران غيري (فعلًا أبوها أبو بكر، وأمها أم رومان وكلاهما من السابقين الأولين، ومن المهاجرين)؛
  3. وجاءه جبريل بصورتي من السماء في حريرة؛ وقال: تزوجْها، فإنها امرأتك؛
  4. وكنتُ أغتسل أنا وهو من إناء واحد، ولم يكن يفعل ذلك بأحد مِن نسائه غيري؛
  5. وكان يصلى وأنا معترضة بين يديه، ولم يكن يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري
  6. ولم ينزل عليه الوحي في فراش امرأة غيري؛
  7. وقبض الله تعالى نفسه ﷺ وهو بين سحري ونحري في بيتي؛
  8. ومات في الليلة التي كان يدور عليّ فيها.
  9. ودفن في بيتي.
  10. وأنزل الله عزوجل براءتي من السماء (طبقات ابن سعد)

وكانت تفتخر وتقول للرسول ﷺ: (يا رسول الله! أرأيت لو كانت لك إبل، فنزلت عدوتين: عدوة قد أكل منها، وعدوة لم يؤكل منها، في أيهما كنت ترتع بعيرك)؟ فكان ﷺ يقول: “في التي لم يؤكل منها”، فتقول له: (فأنا تلك).

ولقد تواتر هذا الأمر لدى أصحاب رسول الله ﷺ لدرجة أنهم كان الواحد منهم إذا أراد أن يهدي هدية إلى رسول الله ﷺ، فإنه كان ينتظر اليوم الذي يكون فيه ﷺ عند عائشة فيهدي إليه، مما أثار حفيظة سائر أمهات المؤمنين، فعن هشام عن أبيه قال:  كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: (يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليّ الوحيُ وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها) (رواه البخاري).

وتأكدت مكانة عائشة السامية في قلب رسول الله ﷺ في مرض موته، حيث كان يهتم جدًا بأن يكون عندها دون غيرها وتحقق له ﷺ ما أراد.  فعن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟ يريد عائشة.. فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات.

ومن فضائلها: نزول آية التيمم بسببها، حين خرجت مع رسول الله ﷺ في سفر، انقطع عقدها؛ فبعث رسول الله ﷺ ناسًا في طلبه، وأقام بالناس؛ فنفذ ما عندهم من ماء وحضرت الصلاة، فجاء الناس إلى أبي بكر يقولون له: أما رأيت ما صنعت عائشة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: أقامت برسول الله ﷺ حتى حضرت الصلاة، وقد نفد الماء ولا ماء (يعني: جاء وقت الصلاة والماء الذي معنا نفد، وليس في الموضع ماء) قالت: فدخل عليّ أبو بكر ورسول الله ﷺ نائم ورأسه في حجري، فقال: أي بنية! في كل سفر أنت بلاء وعناء؟ (يعني بكل سفر تعملين لنا مشكلة) حبست رسول الله ﷺ حتى نفد الماء، وقد حضرت الصلاة، قالت: وجعل يطعنني في خاصرتي (يعني أبو بكر رضي الله عنه بإصبعه يلكز عائشة رضي الله عنها، قالت: فلم يمنعني من التحرك إلا مقام رسول الله ﷺ، فتحملت لكز أبيها من أجل ألا توقظ النبي ﷺ، قالت: ثم استيقظ رسول الله ﷺ، ونزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ودخل عليها أبوها يقول لها: تعلمين يا بنية! والله إنك لمباركة، فببركتها رضي الله عنها نزلت هذه الرخصة، قال الله عز وجل: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) المائدة:6

وفى سلوك النبى استمرار لعيد الحب والمداعبة والغزل يوميًا بين الزوجين، وكان من أعظم مظاهر الحب عند الرسول ﷺ، هذا الذي ملأ قلبه وكيانه، بحبه لزوجته خديجة، فهو عاش حياته مخلصًا ووفيًا لها إلى أبعد الحدود ولم يتزوج غيرها إلا بعد وفاتها، وظل يذكرها كثيرًا ويدعو لها، ويوزع الهدايا على من أحبت، حتى قالت السيدة عائشة رضى الله عنها: (ما غِرْتُ على امرأة لرسول الله كما غِرْتُ على خديجة، لكثرة ذِكر رسول الله ﷺ إياها، وثنائه عليه).

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى