نشوة الفكر وسطوة التفكيرالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-02-03 04:21:42

عبد الحكيم برنوص

المغرب

ترجمة: عبدالحكيم برنوص

 

تستهوي أعمالُ بروست الفلاسفةَ، ليس لأنها توضح أفكارهم، بل لأنها تصف تَوَلّد الأفكار في خضم الانطباعات الحسية. يُبهر بروست الفلاسفة، ليس لأنه مثقف وتجريدي، أو حتى مزعج...! بل لأن تعرجات الجمل البروستية تفجَؤُك عندما تحاول القبض على ومض الحقيقة: صوتُ جرس يدق، النسج الرهيف بين السقف والسماء، إنه الوجود الآسر، الرائحة المنبعثة من قُشارة الهليون وهي تُدمع عيني فتاة في المطبخ، أو حتى أشرعة المراكب المرصعة ببياض الحليب وهي تنطلق...قوة الملاحظة تلك تجعل من بروست ما يشبه جهاز استشعار كهربائيًّا، يلتقط  أصغر الموجات بدقة متناهية.

كثافة الوصف المادي للأشياء تثير فضول الفلاسفة: كل شيء يغرق في سكون متجمِد، مُضاء بإبطاء مبهر للحركة." لم يذهب أحد، أبعد مما ذهب إليه بروست" في بسط تفاصيل الإحساس بالكلمات" يهتف ميرلو بونتي1.

حتى جان بول سارتر الذي ينزله منزلة البرجوازي المتجاوَز، سجين الغرفة السوداء لذاكرته، يقرؤه بافتتان و جحود.

والتر بنيامين كان أكثر تنبهًا، وهو يلاحظ أن القرن التاسع عشر لم يُسلّم مشعله إلى أسماء من العيار الكبير أمثال بلزاك أو زولا، بالعكس لن يكون ذلك إلا لـ" بروست الشاب" ،"هذا البرجوازي العديم القيمة، عاشق الحفلات والصالونات"2 ، الذي أفصح عن أسراره الأكثر دهشة وعجائبية.

استطاع بروست أن يتسلل إلى هذه الصالونات، ويطور، إلى درجة كبيرة، حسًّا لاهوتيًّا بما يجري داخل هذه الأمكنة من فضول وتملق، وبإيماءاته صعق الادعاءات الباطلة للبرجوازية، والطقوس المتآكلة للنبالة الواهية، وهم يكاد ينفجر من الضحك.

مؤكدًا أن نظرة بروست إلى الفن تُلهم الفلاسفة بالقدر الذي تلهمهم شخصيات أعماله: موسيقى "فينتوي"3،  الأنف المدوّر لبِرْكُوت، وشِقّ جداره الأصفر4 ... فهم لا يترددون في إلحاق اكتشافاته بأنساقهم الفلسفية. ولكن هل بهذه الطريقة، يستطيع الأدب تحوير الفلسفة وتحويلها؟

"كل الذين يفتقدون الحس الفني، أي القدرة على الإنصات إلى الحقيقة الداخلية، فإنهم يبسطون نظرتهم العقلانية للأشياء على الفن الممتد، إن لم نقل زيادة، إنهم إما دبلوماسيين أو أصحاب أموال" يقول بروست باقتضاب، ويضيف:" لا محيد للفن الحقيقي عن التصريح والملاحظة، على أن يتم ذلك في صمت وهدوء"5.

في رواية "البحث عن الزمن المفقود" نجد بالضرورة آثارًا لنظريات، كما نجد بقايا لوجهات نظر فلسفية، مثال ذلك برغسون الذي نماثله ببروست  ظلمًا ـ يتشاركان في قرابة عائلية بعيدة من دون شك، وكان عليه أن يعمل الكثير لتوضيح آراء قريبه ـ برغسون هذا كان لا يستسيغ قيمة الذكاء، زد على ذلك، أن برغسون كان واهمًا تمامًا وهو يهنئ بروست على "نظرته المباشرة والدائمة للحقيقة الداخلية".

فعلى العكس يوضح بروست بدقة، أن الإبداع هو عملية إعلاء، هو قراءة مبدعة (بالمعنى التصويري) تكشف "انطباعاتنا الداخلية جراء الواقع نفسه" ويقارن تطور الشعور لدى الكاتب بالتجربة لدى العالِم: الأثر الفني هو أداة بصرية يمنحها الكاتب للقارئ، تجعل "قوة الإدراك" لديه بمثابة تلسكوب، و ليست القضية قضية ذكاء إطلاقًا.

قد يبدو أن "بركوت" أقل ذكاء من كتاب آخرين معاصرين له، طالما أننا لم نفهم كيف استطاع تشغيل الآلة التي اخترعها، وطالما أننا لم نغنم من سلوكه وطريقة تصرفه" أولئك في سيارتهم "الرولس رويس" الجميلة، باستطاعتهم العودة إلى ديارهم وهم يشمئزون امتعاضًا من "آل بركوت"، و لكن برغوت نفسه، استنادًا إلى آلته المتواضعة التي حلّقت أخيرًا، استطاع أن يطير فوقهم عاليًا" 6.

من غير المجدي إذن أن نبحث في نصوصه عن فلسفة معروفة " غلطة كبيرة من الكاتب، أن يكتب أعمالًا فكرية خالصة، إنها فظاظة كبرى. إن أي عمل فني يحوي نظريات فكرية، شأنه شأن بضاعة، نترك عليها بطاقة الثمن ظاهرة"7 .

وقد أوضح "جيل دولوز" هذه الفكرة مغتنمًا الفرصة لتخليص الأدب من مهمته الكئيبة في توضيح الفلسفة، من بروست يأخذ هذه الصورة، صورة الفكر الغضوب المجرد، وهي صورة لطالما ينشدها الفكر بعد كل فكرة تتجاوزه:

"نحن لا نفكر حينما نريد ذلك، وخصوصًا عندما نطمع لأن نكون أذكياء، ولكننا نكون كذلك حينما نقفز فرحًا جراء السطوة الخفية لعلامة ما ! ... حينها فقط يصبح الفكر إبداعًا، على هذا المنوال العفوي، والقاسي، الذي لو طُبق بسلاسة، لاستطعنا الوصول إلى الحقيقة !"

بفضل بروست ـ يقول دولوزـ نستطيع الإفلات من الصورة المدرسية لتفكير يعيد إنتاج التقاليد، كان يجب على كاتب من الكتاب أن يُجلي صور الفكر المعطاة تلك، بروست ليس فيلسوفًا عندما يصف هذه الأفكار، ولكنه يكون كذلك عندما يلتقط الانطباعات والأحاسيس: إنها تقوم برصف العالم المُتشظي وترتيبه، وتومض بالعلامات وتلتقط أدق الإشارات: حمرة الألوان، الفُوّاق اللإرادي، الشيفرة الاجتماعية، الإحساسات والمناظر الواقعية...

البحث عن الزمن المفقود، ينص دولوز8، يطور عوالم متعددة للعلامات: التفاخر داخل الصالونات ذات اللوحات الفنية المضحكة، ثم الزمن الذي نضيعه داخلها، علامات الحب وآلامه، وانفعالات الحساد وزمنها الضائع، العلامات الحساسة، التي تلتقط تفرد الأشخاص السطحي، والمناظر والمناقب، و كذلك الزمن الذي نجده مسجونًا داخل المشاعر المستجَدة، و أخيرًا عالم الفن بعلاماته المميزة، الراقية، القادرة على ترميم" قليل من الزمن في حالته الخام" تعبيرٌ سجينٌ داخل كلمة".

في سنة 1964 اقترح دولوز ما يشبه هرما بلوريا، مليئًا بالرموز والعلامات، رصفها ورتبها، وجعلها تنطلق من داخل ثَنِيّات المجتمع، لتتطلع جهة الفن، وفي سنة 1970، راجع قراءاته السابقة، ليختار تفصيلاً دقيقًا، شذرة نصية، تمتلك من قوة التشتت، ما يجعلها قادرة على تفجير بنائها الذاتي الشفاف.

لم يعد الأمر متعلقًا بتوجه ينطلق من الوجاهة الاجتماعية إلى الإبداع، ولكن الأدب أصبح أداة لاكتشاف ما هو حقيقي.

تتعلق هذه الشذرة النصية، بالرقصة التي تقوم بها الحشرة الطنانة، وهي تحوم حول زهرة الأوركيد، في إشارة إلى استطلاع اللقاء بين "جوبيان"، الزهرة الخجولة، والرجل ذو الكرش الكبيرة، البارون" شارليس"9. هذا العرض الشاذ، واللقاء المنفصل بين زهرة وحشرة، يفيد كبرتوكول للأدب، أكثر منه بالنسبة للأجسام المتحابة. نموذج التكاثر هذا نفسه لن يصلح أبدًا، إذا ما حاولت حشرة أخرى مختلفة تلقيح زهرة الأوركيد.

على طريقة "سبينوزا" يصف بروست التأثير الذي تمارسه شخصياته، سرعتهم وبطؤهم، تحولاتهم وتغيراتهم الجنسية، بحياد عالِم الحشرات.

يلاحظ "لوفيناس" بامتعاض: "عند بروست تنقلب الروح إلى حيز "اللاقانون" إلى درجة  أن العلاقات التي تنشأ بين شخصيات الرواية، هي الأكثر إثارة للدوار والغثيان.

لا يتعلق الأمر في الحقيقة بقضية أخلاق، ولا بدعوة إلى ممارسات جنسية هامشية (انقلاب أخلاقي)، و لكن الأمر متعلق بالكف عن استكشاف الرغبات انطلاقًا من أنماط معطاة.

يلتقط الأدب ويستكشف أنماط تفرّدنا المجردة، ويقبض على قوى الفن داخل المجتمع، مقترحًا طرقًا عديدة للفعل والإحساس. استطاع بروست أن يكتشف نظرية النوع، لأنه عوض التموقع على صعيد هويتيْ الجنس المعروفتين، عوض ذلك فإنه يصف أنماطًا  لانهائية للإغراء، حيث ينسجم الجانب المؤنث عند رجل ما، مع الجانب المذكر عند امرأة أخرى، أو حيث توجد سيناريوهات أخرى أكثر تعقيدًا.

هذا ما يجلبه الأدب إلى الفلسفة: أنماط جديدة لاستكشاف ما هو حقيقي، أو حين تلتقط الكتابة القوى الحقيقية العاملة، دون أن نُترك عرضة لمكابح الأفكار الموروثة. إن الأدب لا ينقل الواقع على منوال المحاكاة، ولكنه يقترح طرقًا جديدة للشعور حول نمط الصيرورة.

 

الهوامش:

1 - "المرئي وغير المرئي" (1964) موريس ميرلو بونتي، طبعة جديدة " تيل"1993. ص.195

2 -  "أعمال" مجلد 2. "والتر بنيامين" ط. فوليو، 2000، ص. 145.

3 -  تُذكرصوناتا "فينتوي" vinteuil على مدار رواية " البحث عن الزمن المفقود"، وتمثل بالنسبة لبروست مثالاً جماليًّا ينعش قوة الذاكرة وتفرض على الأفراد الوعي بذواتهم.(المترجم)

 4 - بركوت bergotte من شخصيات الرواية ، يمثل بالنسبة لبروست الكاتب ـ النموذج، " إضافة طبقات أخرى من الألوان، يجعل جملي أكثر قيمة، مثل الشق الأصفر لهذا الجدار" بروست (المترجم)

 5 - البحث عن الزمن المفقود. ط.ب. كلاركو أ. فيري.ط. كاليمار "مكتبة لابلياد" 1954. مجلد 3 . ص. 881.

 6 - مجاز استعمله بروست للإشارة إلى موهبة الكتابة عند بركوت. (المترجم).

7 - "البحث عن الزمن المفقود" م. س. المجلد 1. ص. 554.555.

8 - "بروست والعلامات"(1964). جيل دولوز .ط. معادة .PUF" Quadrige"2010.

9 - البارون charlus  من شخصيات الروائية، يدخل في علاقة شاذة  مع الخياط "جوبيان".


عدد القراء: 1837

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-