التغير المناخي بالوطن العربي وهل يفيدنا تحدي الدرجة ونصف؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-02-05 14:39:21

منة الله عبدالمنعم

كاتبة ومترجمة علمية وفيزيائية بمعهد الكبد القومي - جامعة المنوفية - مصر

الاحتباس الحراري أصبح من أكثر مصطلحات العصر الحديث تداولاً وهو يشير إلى زيادة درجات حرارة الأرض عن مداها الطبيعي منذ بدء الخليقة فما هو معنى هذا المصطلح بالظبط وما أبعاده الدولية والإقليمية وهل يستحق أن تفرد له قمة عالمية ضخمة كقمة المناخ بباريس التي عقدت في ديسمبر 2015 وشارك بها أغلب دول العالم هذا ما سيناقشه هذا المقال بالتفصيل:

ما هو التغير المناخي وأسبابه؟

يقدر ارتفاع درجة حرارة الأرض بحوالي 0,8 درجة مئوية منذ بدء عصر النهضة الصناعية ويطلق على هذه الزيادة الاحتباس الحراري, ونتيجة هذه الظاهرة هو التغير المناخي للأرض عامة وزيادة الأعاصير والعواصف في مناطق وزيادة الجفاف والتصحر في مناطق أخرى وهو ما يؤثر على المحاصيل ويهدد الأمن الغذائي لكثير من الدول, وانقراض بعض الفصائل التي لن تتمكن من التأقلم مع الحرارة , وتناقص كميات الثروة السمكية في عديد من المناطق  وانتشار بعض الأمراض كالملاريا إلى المناطق الجديدة الأكثر حرارة. ومن النتائج المتوقعة للاحتباس الحراري أيضا ارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات وانصهار القطبين المتجمدين وتهديد العديد من المناطق والجزر بالغرق.

والسبب الأول لظاهرة الاحتباس الحراري هو غاز ثاني اوكسيد الكربون وبعض الغازات الأخرى من أكاسيد الكربون والنيتروجين والتي ترفع حرارة الأرض لأنها  تمنع تسربها عبر الغلاف الجوي ولذا أطلق على هذه الغازات غازات الاحتباس الحراري, ورغم أن هذه الغازات الناتجة من العمليات الحيوية في الطبيعة لا تخل بالتوازن ولكن الخلل ظهر من الكميات الهائلة التي تنتج عن عمليات احتراق الوقود الأحفوري (النفط والغاز الطبيعي والفحم ومشتقاتهما) ولذلك طالب العلماء والمختصين بتقليل هذه الانبعاثات واستبدال الوقود الأحفوري بمصادر أخرى غير ضارة للبيئة (1).

قمة المناخ بباريس واتفاقية الدرجة ونصف

 دعت الأمم المتحدة منذ سنوات لاتفاقيات دولية تحد من الاحتباس الحراري وكانت الأشهر اتفاقية كيوتو اليابانية عام 2005 ولكنها لم تكن كافية وبقيت الأخطار قائمة فدعت لقمة المناخ في باريس والتي انعقدت في ديسمبر 2015 وانتهت باتفاقية وقعت عليها أغلب دول العالم بحفظ منسوب الاحتباس الحراري لأقل من درجتين مئويتين وهو حد الزيادة المتوقع ما بين عام 2045-2050 ومواصلة الجهود لجعل هذه الزيادة في حدود درجة ونصف مئوية وتم تكليف اللجنة الدولية للتغيرات المناخية  IPCC بإصدار تقرير خاص عن الآثار المحتملة لزيادة الاحتباس الحراري لدرجة ونصف مئوية.

وفي حين أن لوقت قريب كان من المعروف أن خفض الاحتباس لأقل من درجتين سيكون كافيًا لصد الكثير من أضرار التغير المناخي, ورغم أن الفارق ما بينهما ضئيل إلا أن مؤيدي مدى الدرجة ونصف يؤكدون بالأدلة العلمية أن هذا الحد سوف يدفع الكثير من الأضرار المتوقعة في ارتفاع الحرارة لدرجتين ما بين فيضانات وجفاف وموجات حارة وارتفاع منسوب مياه البحر في حين أن التقنيات المطلوبة للوصول لدرجتين ودرجة ونصف متساويتين(2، 3).

التغير المناخي بالوطن العربي

وقد وجدت الكثير من الدراسات التي ناقشت آثار الاحتباس الحراري لعدد من الدرجات المتوقعة والتغيرات المناخية المختلفة المرتبطة بها، وفيما يخص الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نشرت دراسة بمايو الماضي أجراها علماء من معهد ماكس بلانك للكيمياء بألمانيا ومعهد قبر تم توقع تأثير تغير المناخ على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال القرن القادم ووجدت الدراسة أن حتى مع إتباع جهود الأمم المتحدة والحفاظ على معدل ارتفاع حرارة الأرض لأقل من درجتين مئويتين فإن المنطقة عند نصف القرن ستشهد ارتفاعات ملحوظة تقدر بضعفي متوسط الارتفاع العالمي لتصل درجة الحرارة في أيام الصيف لنحو 46 درجة مئوية وتزيد عدد هذه الأيام لخمس أضعاف العدد المعتاد وهو حاليًا ضعف ما كان عليه منذ عام 1970 وبالإضافة لتلوث الهواء وذرات الغبار ستكون التأثيرات البيئية غير محتملة للبعض مما سيدفع الكثير من ساكني المنطقة والمقدر بنصف مليار شخص للهجرة وهو ما سيكون تهديد اقتصادي فادح لدول النصف الشمالي من الكرة الأرضية.

أما في نهاية القرن ستصل درجة الحرارة إلى 50 درجة مئوية وتزداد درجة الموجات الحارة عشر أضعاف ما هي عليه حاليًا, وقد بدأت هذه الآثار تظهر في دولنا العربية حيث كشف الفريق نفسه في بحث سابق لهم أن نسبة ذرات الغبار في الجو بكلاً من المملكة العربية السعودية وسوريا والعراق زادت بنسبة 70% بالمائة منذ بداية القرن ما نتج عنه زيادة العواصف الرملية وفترات الجفاف. هل يعني ذلك أن تحدي الدرجة ونصف لن يفيد منطقتنا بشيء ولا داعي إذن لتحمل مشقته من التخلي عن الوقود الأحفوري المتوافر في عدد من الدول العربية وخاصةً الخليج العربي والاتجاه للطاقة البديلة عالية التكلفة المادية وتطوير تقنياتها, قبل أن نقرر ذلك لنطلع على باقي الدراسة التي توقعت منحى آخر للمستقل حيث تظل الأمور على حالها ويمضي العالم في ارتفاع درجات حرارته دون رادع حينها ستزيد درجات الحرارة بشكل مقارب لما تم توقعه في الحالة الأولى لكن ستزيد عدد الأيام شديدة الحرارة بدلاً من 16 يومًا في المعتاد لتكون ما بين 80 إلى 120 يوم في نصف القرن وتصل إلى مائتي يوم في نهاية القرن خلال العام. وملاحظ أن في كلا الأحوال توقعت الدراسة زيادة الحرارة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال فصل الصيف عكس باقي ودول العالم التي تزيد حرارة شتاؤها. وهذه النتائج تشير كذلك لزيادة الرقعة الصحراوية ونقص المياه والغذاء نتيجة الجفاف وما يترتب عليها من عوامل بشرية واقتصادية(4، 5)

هل يبشر تحدي الدرجة ونصف بالأمل؟

ورغم أن الأبحاث التي أجريت لتوقع  آثار زيادة الحرارة إلى درجة ونصف مئوية لازال محدودًا بعكس الدرجتين المئويتين، إلا أنه توجد بعض الدراسات التي تكفي للمقارنة المبدئية بين المديين.

ففي تقرير دولي عام 2013 وجد أن الضرر الناتج للأراضي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من نقص مياه وتصحر نتيجة الاحتباس الحراري في مدى درجة ونصف سيصل ل 25% من إجمالي الأراضي وفي مدى الدرجتين 30% أما الأربع درجات قد يصل ل 90% (6).

وتوقع تقرير قام به معهد بوتسدام لبحوث آثار المناخ والتحليلات المناخية لصالح البنك الدولي عام 2014 أن يزيد الاحتباس بالمنطقة لمدى درجة ونصف مئوية عام 2030 ودرجتين عام 2040 وأربع درجات خلال عام 2080 حسب معدلات الارتفاع السابقة دون تدخلات، وكانت الآثار المتوقعة من الجفاف أن يزيد الجفاف لأقل 15 يوم من الجفاف المعتدل عند زيادة الاحتباس لدرجة ونصف مئوية، ويبلغ شهر ونصف عند ارتفاعه لدرجتين مئويتين. وارتفاع منسوب مياه البحر سيصل ل0,2 متر مقابل لزيادة الاحتباس لدرجة ونصف مئوية وعلى رأس المدن المتأثرة بهذا الارتفاع مدينة الإسكندرية المصرية وبني غازي الليبية(7) .

وهناك دراسة أخرى توقعت زيادة ارتفاع منسوب البحر إلى 40 سم و50 سم لكلا من الدرجة ونصف والدرجتين على التوالي عام 2100 وهو ما يبدو فرقًا ضئيلاً لكن على المدى الطويل عام 2300 سيكون الفرق 1,5 متر للدرجة ونصف مئوية و 2,7 متر للدرجتين مئويتين وهذا الفرق الكبير يعني نجاة العديد من المناطق الساحلية المهددة بالغرق.

وعلى الجانب الزراعي والأمن الغذائي في أفريقيا يتوقع العالِم بروس كامبيل من المعهد الدولي للزراعة الاستوائية أن الذرة الاستوائية وهو من المحاصيل الرئيسية هناك هو الأكثر تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة لنصف درجة مئوية من الدرجة ونصف إلى الدرجتين بأن يقل إجمالي محصوله لحوالي النصف(8، 9).

ورغم أننا نحتاج لانتظار عام 2018 لنطلع بالتفصيل على آثار الارتفاع لدرجة ونصف مئوية إلا أن كل الأبحاث السابقة تشير إلى أنها الخيار الأفضل وتستحق الاستعداد لها من الآن.

 

المصادر:

http://www.nmsea.org/Curriculum/Primer/Global_Warming/fossil_fuels_and_globalwarming

https://www.scientificamerican.com/article/earth-flirts-with-a-1-5-degree-celsius-global-warming-threshold1/

http://climateanalytics.org/files/1o5_key_points.pdf

http://phys.org/news/2016-05-climate-exodus-middle-east-north-africa.html

http://link.springer.com/article/10.1007/s10584-016-1665-6

http://climateanalytics.org/files/climate_analytics_briefing_is_it_possible_to_return_warming_to_below_1_5degc_within_this_century-.pdf

Turn Down the Heat : Confronting the New Climate Normal, Publisher: World Bank Group, ISBN: 978-1-4648-0437-3

https://www.theguardian.com/environment/2016/jun/16/what-would-a-global-warming-increase-of-15c-be-like

ttps://e360.yale.edu/digest/paris_cop21_an_unexpected_move_toward_global_target_of_15_degrees/4607/


عدد القراء: 445

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-