العدد الحاليالعدد رقم 46نصوص

الرجل الذي بنى الفرح من الرماد

في قرية صغيرة يحيط بها السهل والجبال، عاش نجّار بسيط كان الناس يعرفونه بابتسامته الهادئة حتى في أحلك الأيام.

لم يكن غنيًا، لكنه كان غنيّ القلب، يرى في كل صباح فرصة جديدة للحياة.

كان بيته متواضعًا، وأدواته قديمة، لكنه كان يعتني بها كما يعتني الأب بأطفاله، ويقول دائمًا: «ما دام القلب بخير، فكل شيء يمكن إصلاحه».

ذات صباح بارد، اشتعلت النار في ورشته بسبب شرارة صغيرة من الموقد، فأحرقت الخشب وكل ما تعب فيه سنوات، وقف أمام الرماد يتأمل بصمتٍ طويل، كأنه يحاول أن يسمع صوت الأمل وسط الدخان الكثيف، اقترب منه أهل القرية يواسونه، بعضهم قال: «لقد انتهى كل شيء». لكنه رفع رأسه بابتسامة واثقة وقال أيضًا: «ربّ ضارة نافعة، لعلّ الله أراد أن يفتح لي بابًا لم أره من قبل».

في اليوم التالي بدأ بجمع ما تبقى من الأخشاب المتفحمة. كان البعض يراه مجنونًا، لكنه كان يرى في كل قطعة سوداء قصة جديدة تنتظر النور.

صقلها ونحتها بيديه، وصنع منها مقاعد وأرففًا صغيرة بلون النار، فيها أثر الاحتراق ولكن أيضًا أثر الحياة في نظره هو.

مع الوقت، بدأ الناس يأتون من القرى المجاورة ليشتروا أعماله، فقد كانت تحكي شيئًا مختلفًا. كانت تشبه الإنسان الذي احترق، ثم عاد أجمل!

وصلت أعماله إلى المدينة، وأُعجب بها أحد التجار فطلب منه تصميم مجموعة كاملة بأسلوبه المميز، ومن رماد الخسارة ظهر نور النجاح، وصار للنجار اسم معروف بين الحرفيين والفنانين.

رغم الشهرة بقي متواضعًا، كان يقول لمن يسأله عن سر صبره: «من يعرف أن الله لا يبتلي عبده إلا ليقوّيه، لا ينهزم أبدًا. التفاؤل ليس تجاهل الألم، بل الإيمان بأن بعد العتمة فجرًا جميلًا، وبعد كل ليلٍ طويل فجرٌ ينتظر أن نراه».

لكن القدر لم ينته بعد، ففي عامٍ قاسٍ، اجتاحت السيول القرية، وجرّفت معها البيوت والمزارع، كان بيت النجار بينها، جلس أمام أطلاله حزينًا، لأول مرة شعر بأن الأمل بعيد، وأن القلب يتعب من الصبر الطويل، ظلّ صامتًا ساعات، حتى سمع صوت طفلٍ يبكي على لعبته التي فقدها. اقترب منه وجلس بجانبه وقال بلطف:

«هل تعلم؟ يمكننا أن نصنع لعبة جديدة، أجمل من تلك التي أخذها السيل».

نظر إليه الطفل بدهشة، ثم ابتسم.. وهنا عاد النجار إلى الحياة.

جمع قطع الخشب التي جرفها السيل، وصنع منها ألعابًا للأطفال، كانت بسيطة لكنها صنعت الفرح، وصارت القرية تمتلئ بأصوات ضحك الأطفال، بعد أن كانت تغمرها أصوات البكاء والعويل.

انتشرت فكرته في القرى المجاورة، وأطلق الناس على مشروعه «فرحة الخشب».

وبعد عام كامل زار القرية مسؤول من العاصمة، اندهش من جمال ما تصنعه الأيادي الصغيرة تحت إشراف النجار، فسأله بإعجاب: «كيف لم تفقد الأمل رغم كل ما مررت به؟».

ابتسم النجار وقال بهدوء: «لأن التفاؤل ليس كلمات تُقال في اليسر، بل هو قرار يُتخذ في العسر، حين نحمل في قلوبنا نورًا، لا تطفئه العواصف، ولا يطفئه حتى الحزن».

عندها كتب الصحفي الذي رافق الوفد مقالًا بعنوان: «الرجل الذي بنى الفرح من الرماد» وانتشرت قصته في البلاد، تحدّثت عنه الإذاعات، وزاره طلاب المدارس ليتعلموا منه الصبر والإبداع، وأصبح مصدر إلهام لكل من ظن أن النهاية سقوط.

كبر النجار وشاب شعره، لكنه ظلّ يذهب كل صباح إلى ورشته ليعلّم الصغار كيف يصنعون من الخشب فنًا ومن الألم أملاً، كان يقول لهم وهو يبتسم دائمًا: «الحياة يا أبنائي لا تنتظر الحزين، لكنها تفتح ذراعيها دائمًا لمن يؤمن أن الغد أجمل».

وهكذا بقيت قصته تُروى جيلًا بعد جيل، لتذكّر الناس أن التفاؤل ليس رفاهية، بل طريقة حياة، وأن من يبتسم وسط الرماد هو من يعرف حقًا معنى النور، ومن يؤمن أن كل سقوط هو بداية لطيران جديد.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

د. فيصل خلف

السعودية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى