الأدب والنقدالعدد الحاليالعدد رقم 46

دور الكاتبات السعوديات في تطوير فنّ القصة القصيرة

في أوائل القرن العشرين، كانت الحياة الاجتماعية والاقتصادية في شبه الجزيرة العربية لا تزال تحتفظ بالهيكل الذي نشأ في العصور الوسطى، وكانت الحياة الروحية تتحدد بالعلاقات القبلية. كانت العزلة عن العالم الخارجي السبب الرئيسي وراء التخلف الاجتماعي والسياسي للمجتمع العربي، كما أدت إلى هيمنة الشعر كنوع أدبي وحيد معروف في شبه الجزيرة العربية، حيث تعود جذوره إلى الشعر البدوي الملحمي-الذاتي في القرون من الخامس إلى السابع الميلادية1.

على مدار فترة تاريخية طويلة، ظل الشعراء العرب، بصرامة، يتبعون معايير معينة للإبداع الشعري، واقتصروا على «إعادة معالجة» محدودة للموضوعات والدوافع التي وضعتها التقاليد العريقة، لتناسب متطلبات زمانهم. وقد أسهم هذا الاحتفاظ بالتقاليد في استقرار القواعد الأدبية، وكان في حد ذاته السبب الرئيسي وراء عدم تطور الأشكال الحديثة للإبداع الفني بشكل كافٍ، من وجهة نظر النقد الأدبي، في الأدب السعودي2.

ازدهار الاقتصاد في المملكة العربية السعودية، الذي حدث نتيجة اكتشاف احتياطيات ضخمة من النفط، كان السبب الرئيسي للتحول الجذري في الحياة الاجتماعية والسياسية للمجتمع السعودي. الابتكارات المتنوعة التي ظهرت في الحياة الاجتماعية فرضت الحاجة إلى تغيير أشكال الإبداع الأدبي، مما أدى تدريجيًا في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين إلى ظهور أجناس أدبية جديدة للأدب السعودي، مثل المقالة والقصة القصيرة والرواية القصيرة، التي بدأت تظهر في صفحات المنشورات المختلفة.

لعبت المجلة الأدبية الشهرية (المنهل)، التي تأسست عام 1937 في المدينة المنورة، دورًا هامًا في تطوير جنس القصة القصيرة في الأدب السعودي. وكان صاحبها الناقد الأدبي السعودي المعروف عبدالقدوس الأنصاري، الذي تعاون مع أحمد رضا خوجة، محرر (المنهل)، يسعيان إلى نشر ترجمات للأعمال الأدبية من لغات مختلفة: التركية، الروسية، الفرنسية، الإنجليزية، اليابانية وغيرها. ساهمت هذه الترجمات في شعبية المجلة بين الشريحة الثقافية في المجتمع السعودي وكان لها تأثير كبير على تطور مهارات الكُتّاب السعوديين في القصة القصيرة في جيل الثلاثينيات إلى الخمسينيات من القرن العشرين والأجيال اللاحقة. كما كانت مجلة (المنهل) أول مطبوعة رسمية تنشر أعمالًا لأديبات نساء وتدافع بثبات عن حق المرأة المسلمة في الإبداع الأدبي. وقد أشار الأنصاري لاحقًا في مذكراته إلى الانتقادات المجتمعية العنيفة التي واجهها بعد نشر أول مقالة عن الإبداع الأدبي النسائي، واضطر إلى إثبات أن إنجازات المرأة لا ينكرها الإسلام3.

تبلور جنس القصة القصيرة السعودية بشكل مستقل في الستينيات، وفي هذه الفترة أيضًا بدأت تظهر الإبداعات النسائية مع صدور مجموعة القصص (مخاض الصمت) للأديبة نجاة خياط، المولودة عام 1942.

منذ بدايات مسيرتها الأدبية، لفتت نجاة خياط انتباه النقاد الأدبيين بتميز أسلوبها في الكتابة، وجمال لغتها الأدبية، ومعالجتها الجريئة للقضايا المطروحة بما يخالف التقاليد. تركز العديد من قصصها على وضع المرأة في المجتمع المسلم، حيث تعطي الكاتبة أهمية كبيرة لقضايا الأسرة، مثل الزواج، وغياب الانسجام العائلي، وأجواء سوء التفاهم، وهيمنة العلاقات البطريركية البالية، والتناقضات ذات الطابع الاجتماعي والثقافي التي تشكل جوهر معظم قصصها.

تعيش بطلة القصة (ستشرق الشمس يومًا)4 معاناة نفسية وألمًا في زواجها من رجل مسن تكرهه، والذي تسميه في ذهنها «دودة القبر». تعبر مونولوجاتها عن حالة من اليأس والعبث: «الأيام تمر، وأكرر بقبول مذهل: (في يوم ما ستشرق الشمس). لكنني لا أسأل نفسي، ومتى ستشرق؟ من أين ستأتي إشراقة الفجر؟ وهل يوجد في زنزانتي نافذة يمكن أن ينفذ منها شعاع الضوء إلي؟»5.

تتم السردية بأكملها من منظور الشخص الأول، مما يعزز التأثير العاطفي لمحتوى القصة، ويسمح بفهم أفضل لمشاعر المرأة اليائسة، التي أدركت نفسها كشخصية، ولا ترغب في العيش وفقًا لقوانين الشريعة المفروضة عليها: «أنتظر التحرر من الظلام… وعندما أقول الظلام، أعني العادات والتقاليد التي تقيدني، والتي عشت بها منذ يوم ولادتي. لقد مرت آلاف السنين منذ أن ورثناها، لكننا نستمر في اتباع هذه العادات، على الرغم من أنها تعيق حرية الإنسان»6.

يتحول الاستسلام الأولي والانتظار الصبور لمصير أفضل إلى يأس يتحول إلى احتجاج حازم: «لماذا عشت كل هذا الوقت، متعبة تحت نير العبودية المظلمة التي تهيمن عليّ، وأنا لا أملك نفسي؟ لماذا ألقت بي الأقدار في أحضان هذه الدودة السوداء التي أكرهها؟ لماذا لديّ القدرة على العيش في هذا القبر المظلم؟7.

تقرر البطلة أن تتوقف عن تحمل الإذلال وتقاوم زوجها، الذي يثير لديها نفورًا لا يمكن التغلب عليه. ورغم أن حريتها تأتي صدفة – حيث يموت زوجها عندما تسقط عليه إطارات النوافذ القديمة أثناء محاولته الاقتراب منها – فإن القصة مليئة بفكرة النضال من أجل حق المرأة المسلمة في اتخاذ قرارات مصيرها بشكل مستقل.

قدّر النقاد الأدبيون مجموعة (مخاض الصمت والأقنعة) تقديرًا عالياً، ووصف عالم الأدب السعودي المعروف منصور الحازمي القصة (ستشرق الشمس يومًا) بأنها «صادقة وعميقة»8.

لقد كانت (قضية المرأة)، التي أثارها الكاتب المصري قاسم أمين، دائمًا موضوعًا مهمًا في الأدب العربي. وفي أعمال الكتاب السعوديين، لا يرتبط موضوع المرأة بالفقر أو الأمراض، كما هو الحال في الأدب الكلاسيكي العربي، بل يعود ذلك إلى دور الرجل المسيطر في الأسرة. ولا يزال وضع المرأة السعودية في بداية القرن الواحد والعشرين مشابهًا لوضعها في العصور الوسطى، حيث تدعم التقاليد الثقافية والمعايير السلوكية التمييز ضد النساء على المستوى الحكومي.

لا تدعو معظم الكاتبات السعوديات إلى تمرد علني مثل نجاة خياط، بل يقدمن ببساطة جانبًا من هذه القضايا على هيئة لوحة فنية تُعرض على حكم القارئ. إن التناقض الذي يكمن في أعمالهن ليس حادثًا عابرًا مرتبطًا بارتفاع الوعي الثقافي للفرد. إن القارئ يواجه ليس اضطرابًا مؤقتًا في التناغم يجب استعادته، بل نمط حياة بُني على مدى قرون يحتاج إلى تغييرات جذرية. إن تنوع الموضوعات الفرعية، التي تختلف في محتواها بالنسبة للمشكلة المشتركة، يبرز الاختلافات في الأسلوب الفني والنهج الإبداعي بين كتّاب القصص.

في قصة شريفة الشملان (المولودة عام 1947) (مقاطع من حياة)9، يقوم الأب بحبس ابنته البالغة من العمر سبعة عشر عامًا في عيادة نفسية بسبب احتجاجها على بيع حديقة النخيل، التي ترتبط في ذكريات الفتاة اليتيمة بصورة والدتها المتوفاة. ينتهي تمرد الفتاة بشكل مختلف عن بطلة نجاة حيات، حيث تبقى في نظر من حولها مجنونة بشكل دائم، ويجب إبقاؤها في عزلة.

تترك القصة القصيرة شعورًا ثقيلاً بعد القراءة، حيث تُصوَّر الوضعية اليائسة التي تعيشها الفتاة الشابة السليمة، مما يعكس الوضع الراهن لعيوب المجتمع.

في عدد من قصص ليلى الأحيدب (المولودة عام 1964)، يتم تكرار وصف الصعوبات التي تواجهها المرأة في حياتها اليومية، حيث تسعى إلى خلق جو منزلي مريح وتعتني بأطفالها.

في قصة ليلى الأحيدب (النساء)10، ضمن مجموعتها القصصية (فتاة النص)، الصادرة عام 2011 يتم خلط الواقعي باللاواقعي: امرأتان تستبدلان أماكنهما في بيوتهما، ولكن هذه الاستبدال تبقى غير ملحوظة حتى من قبل أطفالهن. توضح الكاتبة الفكرة المتعلقة بتماثل الحياة اليومية للنساء المسلمات، اللواتي يعشن في ظروف مشابهة تقريبًا، ويقمن بنفس الأعمال المنزلية والواجبات الزوجية.

حياة كل منهن تكاد لا تختلف عن حياة صديقاتهن، فهن جميعًا مقيدات بتقاليد وعادات قديمة متشابهة، ويؤدين الأدوار التي فرضتها عليهن المجتمع والقوانين الإسلامية. وجودهن، الذي يبدو للوهلة الأولى غير ضار، يحتوي بلا شك على شيء مخيف وشرير؛ فهو يعزز النظرة إلى المرأة ككائن بلا وجه وبلا حقوق، يُعتبر عنصرًا ضروريًا في البيئة المحيطة، يمكن استبداله دائمًا بشيء مماثل عند الحاجة.

لا شك أن بَدْرِيَّة البِشر (مواليد 1965) تُعد واحدة من أبرز الكاتبات الموهوبات في الأدب السعودي المعاصر. وبصفتها صحفية، تُعَدّ بَدْرِيَّة البِشر متخصصة في هذا المجال، لكن إبداعها الأدبي متعدد الأبعاد. فقد كتبت العديد من مجموعات القصص والروايات والمقالات والأبحاث الاجتماعية والمقالات النقدية، بالإضافة إلى دورات من المحاضرات.

تستند أعمال بَدْرِيَّة البِشر إلى تقاليد الواقعية في الأدب العربي الكلاسيكي في القرن الماضي، ولكنها لا تقتصر على النداء الاجتماعي النقدي، بل تتمحور قبل كل شيء حول فهم الروابط الوثيقة بين الإنسان وبيئته القريبة، تلك البيئة الوطنية الخاصة التي ينتمي إليها. القضايا التي يواجهها أفراد فئات معينة من المجتمع المحرومة اجتماعيًا، والتي يعتبرونها ظواهر «طبيعية» في الحياة، تُصوَّر من قبل الكاتبة على أنها ظواهر شاذة تتطلب حلاً.

التقاليد والأعراف القديمة، والعادات والطقوس، والعادات والروتين، التي لا تزال حية في المجتمع المسلم، تُصوَّر كطريقة للعيش في بيئة لا تسمح عمدًا بدخول أي اتجاهات تقدمية أو انتشار المعرفة التي تتطلب القضاء على جمود المعايير الحياتية في العصور الوسطى.

في القصة القصيرة ذات المحتوى المحدود (الفراشة)، تحاول بدرية البشّار لفت انتباه القراء إلى ضرورة كسر القوالب النمطية المتعلقة بقضايا الأسرة والزواج.

العمل الرئيسي لشخصية القصة، وهي عاملة النظافة المدرسية «أم سليمان»، ليس تنظيف الأماكن، بل هو تزويج الفتيات في الصفوف العليا. مفهوم السعادة في تصور أم سليمان يقتصر على الزواج الإلزامي ومشاغل الحياة الأسرية، لكنها هي نفسها، كونها متزوجة من رجل مسن، لا تشعر تجاهه بأي مشاعر، وهي في الواقع امرأة وحيدة وتعيسة جدًا. يتساءل القارئ بشكل غير إرادي: هل ستكون الفتاة الصغيرة المقبلة على الزواج من رجل غير معروف لها، التي تحت رعايتها، سعيدة في زواجها؟ يبقى السؤال مفتوحًا.

تظهر اللغة الأدبية في قصة (الفراشة)11 على مستويين. المستوى الأول هو اللغة العربية الفصحى، التي تستخدمها بدرية البشر لوصف الاستيقاظ الصباحي للحي الذي تعيش فيه أم سليمان، أو تصف المدرسة التي تعمل فيها، أو تصف بدقة تفاصيل لباس أم سليمان التقليدي وهي تتجه لحضور حفل زفاف.

أما المستوى الثاني فيتعلق بالوضع الاجتماعي لشخصية القصة، حيث تستخدم الكاتبة اللهجة – اللغة المحكية – بشكل مكثف وموجز، التي تتبادل من خلالها أم سليمان النكات اللاذعة مع سائق حافلة المدرسة أو تتواصل مع الطالبات.

في النصف الثاني من الثمانينيات من القرن العشرين، بلغت الكتابة القصصية للكاتبات السعوديات ذروتها الحقيقية. في هذه الفترة، تم نشر ثلاث مجموعات قصصية لشريفة الشملان وأميمة الخميس؛ ومجموعتين لبدرية البشر ونورة الغامدي؛ ومجموعة لليلى الأحيدب ووفاء الطيّب، والعديد من الآخرين. تتنوع مواضيع أعمال هؤلاء الكتاب وتتناول جميع جوانب حياة الإنسان والمجتمع.

تتميز معظم قصص شريفة الشملان في هذه الفترة بعمق المعاني، والحمولة الرمزية، وخلط الأسلوب الواقعي في السرد مع عناصر الفولكلور والأساطير.

البطلة الرئيسية في قصة شريفة الشملان (النمل الأبيض)12 هي امرأة شابة تعاني من كابوس يومي متكرر، حيث يأتيها نمل أبيض ويأكل كل ما حولها. تعتني الأسرة بالكامل بالمرأة: الزوج، والأب، وحتى الجدة، لكن الكوابيس تزداد سوءًا. في إحدى أحلامها، ترى البطلة نفسها تطير على بساط سحري. وعندما تمر فوق أحد القبائل، تقع عيناها على طاولات طعام طويلة وعريضة يجلس حولها الناس، مقسمين إلى مجموعات متقابلة، يأكلون بعضهم البعض… تشعر المرأة بالخوف، ويجتاحها الرعب، ويتصبب عرق بارد من كفيها، وتحاول الصراخ، ولكن بلا جدوى. لا يكتفي أفراد القبيلة بأنهم يأكلون بعضهم البعض، بل يدعون الآخرين للانضمام إلى وليمة دموية. يتحول الكابوس في قصة البطلة إلى معنى رمزي عميق، يعبر عن القلق والمخاوف التي يشعر بها الفرد تجاه مصير الأمة العربية بشكل عام. تشير تشابه الفكرة ونظام الصور مع قصة الكاتبة الكويتية الشهيرة ليلى العثمان (النمل الأشقر) إلى الروابط الإبداعية والتأثير المتبادل في عملية تطور نوع الرواية في دول الخليج العربي.

تتسم أعمال أميمة الخميس (مواليد 1947) ومريم الغامدي (مواليد 1949) بملامح مرحلة الواقعية المبكرة في تطور الأدب العربي.

في قصص مجموعة (والضلع حين استوى) – «سلمى العمانية» و«مسعود الجداوي» – تصف أميمة الخميس المصير المأساوي للأشخاص الذين تم اختطافهم من أسرهم وبيعهم كعبيد. تتجلى التزام الكاتبة بأسلوب السرد الواقعي من خلال التعاطف اللامتناهي والاهتمام الدائم بهذه القضية، التي تتكرر في العديد من قصصها. لا تزال حالات بيع الفتيات كعبيد تحدث في الوقت الحالي في المناطق النائية عن الحضارة العالمية في دول الخليج، حيث كان العبودية جزءًا لا يتجزأ من النظام القبلي لعدة قرون واستمرت حتى منتصف القرن العشرين.

في بعض قصص المجموعة، تصوّر الكاتبة أشكالًا أكثر حداثة وتعقيدًا من العنف ضد حرية الإنسان، التي جاءت لتحل محل تجارة الرقيق. يتعلق هذا بالوضع غير القانوني للأجنبيات المتزوجات من مسلمين. التعامل القاسي، ومتطلبات الطاعة المطلقة لإرادة الرجل، وحرمانهن من الحقوق الأساسية تسمح بإقامة مقارنة مع مصير العبيد الصامتين من الماضي البعيد.

تعيد قصة مريم الغامدي (المجنونة… تحاول تغيير عادات القرية)13 من مجموعتها القصصية (أحبك، لكن) خلق واقع حياة الفلاحين العرب، لكنها أيضًا تدفع القارئ إلى تقييم هذا الواقع، وهو ما يُعتبر ظاهرة نموذجية في الفن الواقعي. حياة الفلاحين العرب صعبة، وأحيانًا قاسية جدًا تجاههم، ولكن على الرغم من كل الصعوبات، والضغوط، والخطر الذي يواجه هؤلاء الناس، تنبض كل سطر في القصة بالحب لأرضهم الأم، والالتزام بمبادئ الوفاء والوطنية.

من بين الكاتبات السعوديات، يبرز العديد من النقاد الأدبيين بشكل خاص أعمال نورة الغامدي (مواليد 1968). تتميز معظم قصص نورة الغامدي بتعقيد الحبكة، وانتهاك التسلسل السردي، مما يقربها من أعمال الحداثة في الأدب الغربي.

مستوى معرفة الكتاب السعوديين بالأدب الغربي الكلاسيكي والحديث مرتفع بما فيه الكفاية، حيث أن الثقافة الغربية في العالم الحديث الديناميكي مفتوحة بلا قيود أمام المثقفين السعوديين. ومع ذلك، وفقًا لرأي الناقد الأدبي السعودي معجب سعيد الزهراني، فإن أسلوب نورة الغامدي الإبداعي المتميز لا يُفسر فقط بشغفها «بالأساليب الحديثة» في السرد، بل يرتبط أيضًا بفهم الكاتبة لاستحالة حل بعض القضايا الاجتماعية في المجتمع السعودي في المستقبل القريب14.

تُبنى التركيبة العكسية لقصة نورة الغامدي (من كم جدي) ضمن مجموعتها القصصية الأولى (تهواء)15  على الاسترجاع. يتم السرد من منظور الراوي، بأسلوب غير مستعجل يروي فيه قصة سلفه المعروف بلقب «الصقر». يبدو المظهر الخارجي لـ «الصقر» مشابهًا لصورة بطل الحكايات السحرية: «عندما كان الناس يرون جدي، كانوا ينحني له ويبتعدون عنه، لأنه كان يُظهر لهم كالعاصفة القادمة من الحجاز، التي كان دويها المدوي قادرًا على إسقاط أشجار النخيل»16.

لكن سلوك «الصقر»، ومغامراته ودهاؤه، التي بفضلها استطاع جمع ثروة طائلة، تُقارن بأفعال المحتال الماهر من الرواية المدينية في الأدب العربي في العصور الوسطى: «قرر الصقر أنه يجب أن يصبح غنيًا. جلس في تأمل لمدة خمسة أيام، وفي اليوم السادس أعلن للناس أنه يمكنه في لحظة أن ينقل الراغبين في أداء فريضة الحج إلى مكة والمدينة. من يريد أداء الحج الكبير يجب أن يدفع خمس ريالات عربية، ومن يريد أداء الحج الصغير يجب أن يدفع خمس ريالات فرنسية»17.

في القصص الأخيرة للكاتبات السعوديات، يلفت الانتباه التصوير الجريء للعلاقات بين الجنسين، والذي يتجاوز حدود الشريعة الإسلامية، مثل قصة رجاء الصانع (بنات الرياض) أو قصة بدرية البشر (زائرات الخميس). تشير هذه الحقائق، أولاً، إلى تشكيل بيئة قرائية في المجتمع السعودي المحافظ تقبل الأعمال ذات المواضيع المحظورة، وثانيًا، تعتبر مؤشرًا على نمو حرية الإبداع للكاتبات. ومع ذلك، يجدر بالذكر أن هذه القصص نُشرت في الخارج، مما يرتبط بصعوبات معينة تواجه دور النشر عند نشر مثل هذه الأعمال داخل الدولة السعودية.

تستمر قائمة أسماء الكاتبات الموهوبات اللواتي يساهمن في صفوف النخبة الإبداعية في المجتمع السعودي في الازدياد، لكن بعضهن يتركن المجال الأدبي بعد نشر واحدة أو عدة أعمال. تركت الكاتبة الموهوبة حصة التويجري (مواليد 1956) الإبداع الأدبي إلى الأبد، بعد أن نالت شهرة من خلال قصصها القصيرة في الصفحات الأدبية للمجلات والصحف. أما لطيفة السليم (مواليد 1965) فقد توقفت عن النشر بعد النجاح الذي حققته من خلال مجموعتها القصصية الأولى، في حين كرست فوزية البكر نفسها تمامًا للعمل الأكاديمي في مجال التعليم، مقتصرةً نشاطها الأدبي على مقالات تظهر بين الحين والآخر في الصحف الدورية.

في الختام، يمكن القول إن الأدب السعودي المعاصر، وبخاصة في مجال الرواية، يشهد تحولًا ملحوظًا يعكس التغيرات الاجتماعية والثقافية في المملكة. وتُعدّ إسهامات الكاتبات السعوديات حجر الزاوية في هذا التطور، حيث يسهمن في تقديم رؤى جديدة تسلط الضوء على التحديات والفرص التي تواجه المرأة في المجتمع. إن تزايد قوة وتأثير الكتابات النسائية في الساحة الأدبية يعكس ازدهار الحرية الإبداعية وتنامي الوعي الاجتماعي، مما يفتح آفاقًا واسعة لمستقبل أدبي أكثر تنوعًا وثراءً.

 

 

الهوامش:

1 – فيلشتينسكي، إ. م، الأدب العربي في العصور الوسطى، موسكو: ناوكا، 1977.

2 – أحدث تاريخ البلدان العربية في آسيا، موسكو: ناوكا، 1988.

3 – عبد القدوس الأنصاري، الكتاب الفضي (المنهل) لمدة 25 عامًا: 1937 – 1960، الرياض: دار العلوم، 1962.

4 – نجاة خياط، (مخاض الصمت) مجموعة قصصية، بيروت: دار الكشف، 1966، ص. 208-213.

5 – المصدر نفسه.

6 – المصدر نفسه، ص. 209

7 – المصدر نفسه، ص. 211.

8 – منصور الحازمي، (فن القصة في الأدب السعودي المعاصر)، الرياض: دار العلوم، 1981. – ص. 125.

9 – شريفة الشملان مقاطع من الحياة. مجموعة قصص. – الدمام: مطابع الشاطئ، 1980

10 – ليلى الأحيدب، (البحث في اليوم السابع) مجموعة من القصص، الرياض: دار العلوم، 1998، ص. 50.

11 – بدرية البشر. نهاية اللعبة. مجموعة قصصية. – الرياض: دار الأرض، 1993. – ص. 15-21.

12 – شريفة الشملان، (النمل الأبيض) مجموعة قصصية، الدمام: مطابع الشاطئ، 1989. – ص. 20-45.

13 – مريم الغامدي، (أحبك، لكن)، جدة: النادي الأدبي بجدة، 1988، ص. 23-27.

14 – نورة الغامدي، (من كم جدي)، الناسوال الجديد، العدد 3-4، مايو 1995. – ص. 73.

15 – نفس المصدر ص258

16 – نفس المصدر ص 261

17 – نفس المصدر ص 263

المراجع:

1 – أحدث تاريخ البلدان العربية في آسيا، موسكو: ناوكا، 1988.

2 – بدرية البشر، (نهاية اللعبة) مجموعة قصصية، الرياض: دار الأرض، 1993، ص. 15-21.

3 – شريفة الشملان، (النمل الأبيض) مجموعة قصصية، الدمام: مطابع الشاطئ، 1989، ص 20-45.

4 – شريفة الشملان، (مقاطع من حياة) مجموعة قصص، الدمام: مطابع الشاطئ، 1980

5 – عبدالقدوس الأنصاري، الكتاب الفضي، (المنهل) لمدة 25 عامًا: 1937 – 1960، الرياض: دار العلوم، 1962.

6 – فيلشتينسكي، إ. م. الأدب العربي في العصور الوسطى، موسكو: ناوكا، 1977.

7 – ليلى الأحيدب. (البحث في اليوم السابع). مجموعة من القصص، الرياض: دار العلوم، 1998. – ص، 50-58.

8 – منصور الحازمي، (فن القصة في الأدب السعودي المعاصر)، الرياض: دار العلوم، 1981، ص 125.

9 – نجاة خياط. (آلام الصمت). مجموعة قصصية، بيروت: دار الكشف، 1966، ص. 208-213.

10.نورة الغامدي، (من كم جدي)، الناسوال الجديد، العدد 3-4، مايو 1995، ص. 73.

11.مريم الغامدي. أحبك، لكن. – جدة: النادي الأدبي بجدة، 1988. – ص. 23-27.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

عزام أحمد جمعة

أستاذ اللغة الروسية في جامعة بغداد/ كلية اللغات /قسم اللغة الروسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى