
النقد الثقافي: لصوصية تنظيرية أم تجربة إبداع راديكالية؟
كثيرًا ما تتعرض النظرية النقدية المهاجرة من البيئة الأم إلى البيئة الحاضنة إلى جملة من المعوقات والعقبات التي من شأنها أن تُشوه الجهاز الاجرائي والمفاهيمي لتلك النظرية ما يجعل إمكانية فهمها والتفاعل مع مقولاتها أمر عسير، و لما كانت اللغة على رأس هذه العقبات فإن إشكالية تلقينا للنظرية النقدية مرهون أولًا بخيانة اللغة وعجزها عن استيعاب المادة الخام من النظرية المراد ترجمتها أو نقلها بصرف النظر عن قضية انتاج تلك النظريات وظروف نشأتها كذلك، ثم بإشكالية الالتزام بالنظرية أي مدى قدرة الناقد على الالتزام بمقولات النظرية النقدية في لغتها الأصل وفي اللغة المنقول إليها وإنه في سعيه لذلك حتمًا سيقع أسيرًا لجملة من الرهانات التي من شأنها أن تقوض التزامه وتجبره على التحوير والتنظير الذاتي فإما أن يقع في شراك «التنظير المفرط» الذي قد يتجاوز حدود النظرية الأصل ما يضعنا أمام «تجربة ابداعية راديكالية» تلتصق بمتلقي النظرية أكثر من التصاقها برائدها في لغتها وبيئتها الأصل وهو ما نسميه عادة «بالمشاريع النقدية العربية» كإشارة منا إلى تحقق حوار نقدي مع الآخر يعكس جهود العرب في التنظير للمفاهيم والمقولات النقدية كخطوة جريئة حاول روادها أن يخلقوا مقابلات عربية لكل نظرية غربية إيمانًا منهم بأن الذاكرة المعرفية التراثية تمتلك حسًّا غيبيًا يحملها على التنبؤ بكل ما قد يكتشفه الآخر رغم اختلاف الزمان والمكان وهو ما لوحظ في كثير من النظريات النقدية الغربية وعلاقتها بالجهود العربية التراثية كنظرية النظم ولبلاغة وعلاقتهما «باللسانيات» و«الأسلوبية»، وإما أن يعجز عن فهم مقولات النظرية النقدية الأم وذلك لعجزه عن ربط تلك النظرية بالسياقات التي أوجدتها أو ربما المنظومة المعرفية التي أسست لها ما يجعله ينسب على سبيل التزييف والتحريف مقولات لا تمت لها بصلة وهو ما يجعله أمام ما يُصطلح عليه «باللصوصية التنظيرية» إذ يؤول به ذلك العجز إلى إحداث تغيير شامل على مستوى الجهاز النظري والإجرائي للنظرية النقدية الأصل تماشيًا مع ما تفرضه المنظومة المفاهيمية التي ينتمي إليها و لأن عامل الاختلاف بينهما معلوم ولأن اجتهاده في إيجاد مقابل للنظرية محسوم، حتمًا سيدفعه غرورو البحث والاجتهاد إلى نسبة النظرية النقدية إليه، و للإشارة فإن معظم النظريات النقدية في صورتها العربية خاضعة لجملة من المؤثرات التي تجعلنا كمتلقين لها نُدين بالولاء والطاعة لروادها رغم اخفاقاتهم المدوية وهذا يرتبط أساسًا بجملة من المسببات لعل أولها ما اصطلح عليه الدكتور والباحث الجزائري منصور زغواني «بسلطة القراءة الناقدة» إذ يذهب للقول بأنه «حينما نقرأ نصًّا ما فإن هناك خبرة قرائية سابقة ليست لنا ولا تنتمي إلى ذاكرتنا وربما لا تنتمي إلى ثقافتنا وتاريخنا، تكونت حول هذا النص توجه قراءتنا وتأويلنا «أي ما تمارسه القراءة النقدية الأولى من سلطة خفية على ما تلاها من قراءات تجعلنا نتبناها لا شعوريًا ما يجعل الخضوع لها أمر حتمي خصوصًا إذا ما انتفت امكانية التواصل المباشر مع النظرية النقدية الأصل في غياب اللغة طبعًا، و هو ما أردت أن أعرضه في هذا المقال الذي عُنيت فيه بدراسة جانب من جوانب النقد الثقافي عند عبدالله الغذامي، فلطالما كان كتابه الموسوم بـ«النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية» الصادر سنة 2000 المرجع الوحيد الذي فتح لنا نافدة على النقد الثقافي وعلى أهم مقولاته و مرجعياته، ما جعل كل الباحثين والدراسين الذين أتوا بعده لا يكادون يخرجون عن مظلة الغذامي ليس عجزًا منهم في الاطلاع على النقد الثقافي في بيئته الأولى وبلغته الأصل، إنما في النجومية التي باتت رديفة هذا الكتاب و في الامتياز الاجتماعي والثقافي الذي كان يحظى به عبدالله الغذامي، فقد استطاع هشام زغلول و هو الباحث، الدكتور والمترجم أن يقدم ضربة صارخة لمشروع عبدالله الغذامي، و ذلك بعد ترجمته لإحدى كتب رواد النقد الثقافي في العالم الغربي اطلاقًا وهو فنسنت ليتش و كتابه «النقد الثقافي، النظرية الأدبية و ما بعد البنيوية» سنة 2022 والذي كان مرجعًا انتقائيًا إن صح التعبير استلهم منه الغذامي ما يلزمه ليؤسس مشروعًا نقديًا يعالج فيه أمراض الثقافة العربية من خلال دراسته لأرقى النصوص الشعرية العربية اطلاقًا والتي تتضمن من الإعجاز في النظم والإبداع في العرض ما يستحيل نقده أو الانتقاص منه وهو ما جسدته نصوص المتنبي ونزار قباني، أدونيس وأبي تمام، مبررًا موقفه بأن تلك النصوص تُجسد خلف جمالياتها انساقًا مضمرة تتصل اتصالًا وثيقًا بما يسميه «بالأنظمة المؤسساتية» إيمانًا منه بأن النقد الثقافي ما هو إلا «نشاطية نقدية غايتها تفكيك الأنساق الثقافية المضمرة وفعلها المضاد للوعي وللحس النقدي في سعيها إلى إعادة انتاج قيم التمركز والنسخ والاحتواء القسري للأنظمة الثقافية المتحكم في غاياتها ومراميها «وإلى هنا نتساءل: ماذا لو قرأ ليتش نظريته النقدية كما تلقاها الغذامي؟ هل سيقبل حقًا الصياغة الغذامية للنقد الثقافي بما هو نظرية في القبحيات؟ ثم ما محل «الأيديولوجيا» التي حافظ عليها الغذامي في حين طرح ليتش نظرية «نُظُم العقل الفوكوية» كبديل لها وعليه هل حقًا عرفنا نقدًا ثقافيًا؟
في مقدمة ترجمته أعرب الدكتور هشام زغلول عن دهشته التي لازمته طوال ترجمته لكتاب فنسنت ليتش «النقد الثقافي النظرية الأدبية وما بعد البنيوية» إذ استفاق على جملة من المغالطات والدواليل النقدية التي صيِغت جزافًا ناهيك عن الفروقات الجوهرية في الأجهزة التطبيقية والإجرائية لمقولات النقد الثقافي خصوصًا وأن ترجمته هذه تصنف في خانة الجهود النقدية المقارِنة التي تروم ببحث سبل التقارب والاتصال والتباعد والانفصال بين النظرية النقدية الأصل ممثلة في النقد الثقافي عند فنسنت ليتش وبين النظرية النقدية المهاجرة ممثلة في النقد الثقافي عند عبد الله الغذامي إذ يقول «هالني البون الشاسع بين ما يقوله نقاد الغرب وما ينسبه إليه كثير من الباحثين العرب ولا غرو أن يكون هذا الكتاب نفسه عينة مماثلة لذلك النمط المستشيري في تلقينا النقد الثقافي، فمن يتتبع ما نُسب إليه مما لا يمت له بصلة سيدهشه ما ألمّ به من تزييف وتحريف وهذا ما راعني بقدر ما أغراني بقيمة التجديف نحو الضفة الأخرى». وللتفصيل أكثر في عرض مضمون هذه الترجمة انصرفت في هذا المقال إلى التفصيل في مغالطتين اثنين حسبي أنهما تكشفان عن سقطات الناقد في تلقيه وبلورته لماهية النقد الثقافي: أولاهما أن النقد الثقافي لا يُحدث قطيعة مع النقد الأدبي وبالتالي فارتباطه أي النقد الثقافي بما بعد البنيوية ليس ابدالًا عن نقد كان موجودًا خلال سيادة النظرية البنيوية وثانيهما أن النقد الثقافي لا يرتبط بالأيديولوجيا بقدر ارتباطه بنظرية نُظُم العقل الفوكوية.
1 – النقد الثقافي ليس بديلًا عن النقد الأدبي:
يذهب فنسنت ليتش في كتابه النقد الثقافي النظرية الأدبية وما بعد البنيوية إلى التأكيد على تداخل النقد الثقافي والنقد الأدبي رغم اختلاف مجال دراستهما اذ يقول «صحيح أن النقد الأدبي والنقد الثقافي غير متطابقين تمامًا لكن تجمعهما مساحات اهتمام متداخلة وبمقدور المشتغلين بالأدب الاضطلاع بالنقد الثقافي دون التخلي عن اهتماماتهم» في حين نجد عبدالله الغذامي ينفي هذا التقارب والتداخل الوظيفي بينهما مقرًا في ذلك كله أحداث قطيعة بينهما إذ اعتبر النقد الثقافي كمشروع نقدي بديلًا عن النقد الأدبي وذلك خلال تصريحه الذي قدمه في إحدى الندوات الشعرية بتونس سنة 1997 مؤكدًا فيها على موت النقد إيمانًا منه بكون النقد الأدبي لم يعد مؤهلًا لكشف الخلل الثقافي إضافة إلى عجز وظيفته الجمالية ودوره التاريخي عن مساءلة حقيقة الحداثة العربية و حقيقة الدور الذي لعبه الشعر العربي، ما جعله يُخضع أرقى النصوص الشعرية التي تتصل اتصالًا وثيقًا بالتراث وبالهوية إلى مشرط التفكيك والتحليل ومن ثمة تبني تأويلات غير منطقية و مجحفة في كثير من الأحيان محملًا إياها ما لا طاقة لها به لتجيب اكراهًا عن أسئلة أكاد أحسبها اشكاليات معقدة تيبست في الذاكرة العربية منذ أزمانٍ بعيدة ساهمت في خلقها ظروف وسياقات طارئة وخاصة فأنّى للشعر أن يجيب عن اشكاليات من مثل هل الحداثة العربية حداثة رجعية؟ وهل جنى الشعر العربي على الشخصية العربية؟ ثم أي جرأة تلك التي استطاع الغذامي أن يظهر بها أمام مناصري الهوية العربية وهو يقدح في تاريخها العفيف وفي نظامها النزيه بقوله هل هناك علاقة بين اختراع الفحل الشعري وصناعة الطاغية؟ ومنذ متى كانت الفحولة في قول الشعر ضربًا من ضروب التجبر والطغيان؟ ومن ثمة كيف لنا أن نغفل عن كل تلك الظروف المحيطة بالحاكم العربي بما فيها السياسة الميكافيلية والاستعمار وما كرسه من أنظمة ديكتاتورية من شأنها أن تُسهم بالدرجة الأولى في خلق «الطاغية» على حد تعبيره ونتبنى جُزافًا أحجية «الشخصية العربية المشعرنة»؟!
وإنه لأمر عجيب أن يتبنى الغذامي مبررات من مثل الوظيفة الشعرية الجمالية للنقد وعيوبها النسقية في اعلانه عن النقد الثقافي كبديل عن النقد الأدبي في حين نجد فنسنت ليتش يبرر كساد النقد الأدبي والدراسات الأدبية بدعوى أن النقد الثقافي «إنما يركز على الثقافة الجماهيرية والشعبية ويغض الطرف عن الخطاب الأدبي والنظرية الأدبية بوصفها محددة و ذات حظوة» فالتوجه إلى الاهتمام بحقل الدراسات الثقافية بدل التقوقع على الدراسات الأدبية مرده فقر هذه الحقول للعناية والدراسة كنتيجة حتمية فرضتها المقولات الشكلانية والبنيوية ومن هنا جاء الاهتمام بالنقد الثقافي ليس ابدالًا عن النقد الأدبي وإنما تفاديًا لترجيح كفة على أخرى ولأجل خلق نوع من التوازن في مهام الدراسات النقدية ومدار اشتغالها لذلك نجد فنسنت ليتش يقول «أحسن ما تفضي إليه المفاضلة بين الدراسات الأدبية والدراسات الثقافية ألا نختار أحداهما بل نختار كلتيهما معًا».
ولعل هذا ليس بغريب عن المركزية التي حاولت مدرسة برمنغهام أن تقوضها وتحاربها في ظل الدراسات الثقافية التي نقلت بؤرة الاهتمام من المركز لتعنى بالتركيز على كل ما هو مهمش فكانت المواضيع الجوهرية لهذه الدراسات على حد تعبير كريس باركر في كتابه معجم الدراسات الثقافية «الثقافة الجماهيرية، الثقافات الفرعية الشبانية، التربية، النوع، العرق والدولة الاستبدادية» إلى جانب الخطابات الهامشية غير المؤسساتية التي تنتصر لقضايا المرأة والسود والمستعمرات وخطابات الشبابا المتمرد على السلطة وغيرها ولو أن عبدالله الغذامي كان صائبًا في توجهه ذلك لاهتم بدراسة شعر الصعاليك والأدب الشعبي والأمثال والحكم وغيرها من الخطابات غير الرسمية والتي تعبر صدقًا عن المهمش بدل انصرافه لدراسة أرقى النصوص التي نالت حظها دراسة ونقدًا وإنك بمجرد أن تتكلم عن شعراء من أمثال المتنبي وأبي تمام ونزار قباني وأدونيس لتشعر حتمًا بالرفعة والوقار التي هم عليها.
2 – لماذا استعاض فنسنت ليتش بنظرية نُظُم العقل الفوكوية عن مفهوم الأيديولوجيا؟
في توجه غير مطروق من لدن الناقد عبدالله الغذامي نجد فنسنت ليتش يؤكد على أن معظم القيم المهيمنة على الكيانات الاجتماعية والقيم المعارضة لها تنضوي على نُظُم العقل ونُظُم اللاعقل إذ من البداهة على حد تعبيره أن تشارك النتاجات الجمالية بدورها في مثل هذه النُظُم مما يعني أن الأدب والنقد حقلين ثقافيين يشتركان في نُظُم العقل السائدة في المجتمعات وإلى هنا نجد فنسنت ليتش يستبدل شبكة المفاهيم المرتبطة بالأيديولوجيا والتكوين الاجتماعي بمفهوم نُظُم العقل التي استلهمها من فكرة «نُظم الحقيقة التي أقر بها الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو في كتابه» (الحقيقة والقوة) المترجم إلى العربية بصيغة «الحقيقة والسلطة» بقلم مصطفى نور الدين عطية.
ولعله – أي ليتش – يبرر سبب هذا الإبدال بقوله: «ماكنت لأوثر استخدام هذا المفهوم لولا أن الأيديولوجيا صارت في الآونة الأخيرة مشحونة بدلالات متناقضة تحيل إلى انتماءات سياسة متضاربة» وهو الامر نفسه الذي أكده كريس باركر في تعريفه لمفهوم الأيديولوجيا إذ يقول: «إن الاهتمام المعاصر للماركسية الغربية بمفهوم الأيديولوجيا متجذرٌ في فشل الثورات البروليتارية وعدم تحققها وعدم كفاية التفسيرات المادية التاريخية في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالذاتية والمعنى والسياسة الثقافية».
وعليه ندرك أن نُظُم العقل الفوكوية ماهي إلا نظرية تُعنى بتحليل البنية العقلية والاجتماعية والنفسية وملاحظة التغيرات التي طرأت عليها عبر العصور دون الاهتمام بالتطورات التاريخية والظروف السياسية.
ومدام فنسنت ليتش ربط مادة النقد الثقافي بنظرية نُظُم العقل الفوكوية بدل الأيديولوجيا التي تتصل في أحايين كثيرة بظروف سياسية و تاريخية طارئة ما لذي يجعل الناقد عبدالله الغذامي إذًا ينحو في تحليله لأشعار المتنبي ونزار قباني وأبي تمام إلى ربط ما أسماه «بالفحل الشعري» بظروف مؤسِسة له ومن ثمة ما الذي يجعله يورد في كتابه «النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية» فصولًا تطيل النظر في منظومة المتغيرات من مثل «سقوط الشعر وبروز الشاعر، تحول القيم، تحول الأنظمة الأخلاقية» ألا يدعو هذا إلى التناقض؟!
وخِتامًا فإنني كاتبة لهذا المقال وقارئة لكليهما أي «عبد الله الغذامي» و«فنسنت ليتش» لا أدعي صحة ما ذكرته ولا أؤكد على حجيته بقدر ما أراهن على منطقيته.
المصادر والمراجع:
-عبدالله الغذامي، النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، 2005.
-كريس باركر، معجم الدراسات الثقافية، ترجمة: كريم بلقاسم، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2018.
-فنسنت ليتش، النقد الثقافي، النظرية الأدبية وما بعد البنيوية، ترجمة: هشام زغلول،المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2022.
عدد التحميلات: 0



