
نظرية ما بعد الإنسانية (Posthumanism)
في أوج الحرب العالمية الثانية، أبدى ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو دهشتهما من الفظائع التي ارتكبها الإنسان، إلا أنهما أكدا في الوقت نفسه أن الإنسان يظل الأداة الأساسية للتحرر والتنوير. غير أن الموقف الفكري الذي تلا الحرب اتخذ منحًى مغايرًا، إذ بدأ الإنسان يُنظر إليه بوصفه مصدر قلق وإشكال. ومن أبرز مظاهر هذا التحول ظهور الخطاب المناهض للإنسانية في أوروبا عقب الحرب مباشرة، ثم تطورت هذه الرؤية في إطار نظريات ما بعد الإنسانية، التي أعادت إحياء الموقف المناهض للإنسانية عبر التركيز على العلاقات بين البشر والكائنات غير البشرية، إلى جانب التقدم المتسارع في مجالي العلوم والتكنولوجيا. وإذا كان مفهوم ما بعد الإنسانية ينطلق من افتراض أن الإنسان هو أصل المشكلات التي ينبغي تجاوزها، فإنه يصبح من العسير تأسيس منظومة أخلاقية متماسكة يكون الإنسان محورها ومرجع قيمها. ومع ذلك، تواصل نظرية ما بعد الإنسانية سحب ثقتها من الإنسان، متبنيةً موقفًا نقديًا أو حتى عدائيًا تجاهه، لتضع رهاناتها على مفهوم «ما بعد الإنسان»، الذي يرى أن أزمات البشرية لا يمكن تجاوزها إلا من خلال إنكار الإنسان لذاته والإقرار بنهايته (سون يونج أهن، ص 3).
تركز نظرية «ما بعد الإنسانية» على ديناميات التفاعل بين العوالم البشرية وغير البشرية والتكنولوجية، وهي رؤية بدأت بالازدهار في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، متزامنة مع تنامي الوعي البيئي والحملات التي تبرز تأثير الإنسان في تحديد مصير الكوكب. ويُعد مفهوم الترابط بين الإنسان وسائر الكائنات الحية والأرض فكرة راسخة في الفلسفات الآسيوية والأفريقية وثقافات الشعوب الأصلية، كما يتجلى ذلك في تقاليد اليوروبا، والأساطير القبلية في شبه القارة الهندية، والفولكلور، وحكايات الخلق لدى الأمريكيين الأصليين، فضلًا عن النتاج الأدبي في تلك الثقافات.
في الإطار الغربي، تنطلق «ما بعد الإنسانية» بوصفها مدرسة فكرية من الجذور الأوروبية للإنسانية، لكنها تتخذ موقفًا نقديًا حادًا منها. ويرتبط هذا النقد في بعض الأحيان بنظرية العِرق النقدية وبحقول معرفية متعددة، مثل دراسات الحيوان والدراسات الاجتماعية للتكنولوجيا. وتسعى «ما بعد الإنسانية» إلى إعادة تقييم الأساطير والرؤى التقليدية التي جعلت الإنسان محور الكون، أو التي تعاملت مع أشكال الحياة الأخرى والمواد غير الحية من منظور نفعي بحت.
تُعد إحدى أبرز إسهامات فكر ما بعد الإنسانية إزاحة الإنسان عن مركز الكون، وإبراز شبكة الترابط العميقة التي تجمع بين جميع الكيانات، من الكائنات الحيوانية على الأرض إلى التفاعل المتبادل بين الإنسان والتكنولوجيا. وإلى جانب ذلك، أدى التطور التكنولوجي السريع واندماجه المتزايد في الحياة اليومية إلى إعادة صياغة العديد من المفاهيم التقليدية، مثل الجندر، والعلاقات الاجتماعية، وبنية الأسرة، والمجتمع.

تُعد إحدى القضايا الجوهرية في فكر ما بعد الإنسانية السعي لتجاوز الثنائيات التقليدية التي أرساها الفكر الأوروبي والأمريكي، مثل ثنائية «الإنسان/غير البشري»، و«الطبيعي/الاصطناعي»، و«الحي/غير الحي»، و«البيولوجي/الميكانيكي». وتنظر ما بعد الإنسانية إلى تطور الإنسان والتكنولوجيا بوصفه مسارًا متشابكًا، وكذلك إلى العلاقة بين الكائنات البشرية وغير البشرية بوصفها علاقة تكامل وتأثير متبادل. كما تهتم بدراسة قضايا مثل تعزيز القدرات البشرية، وتوسيع آفاق الذكاء الاصطناعي (AI)، وما يرافق ذلك من أسئلة أخلاقية تتعلق بتأثير هذه التحولات على الإنسان، والقانون، ومفاهيم الهوية، والنظام الاجتماعي.
إضافة إلى ذلك، يتناول فكر ما بعد الإنسانية العلاقة بين الإنسان والكائنات الأخرى – من حيوانات ونباتات – باعتبارها علاقات ترابط وتكامل ومصاحبة. وتركز كثير من الدراسات المعاصرة على مفاهيم مثل «التفكير النباتي»، والحيوانية، وتشابك الإنسان مع أشكال الحياة الأخرى والعناصر غير الحية، مما يسهم في بلورة فهم جديد للعلاقات البيئية والمادية.
تتضمن أعمال وليم شكسبير (1582–1616) في كثير من الأحيان موضوعات وعناصر تتقاطع مع مفاهيم ما بعد الإنسانية، رغم أنها كُتبت قبل قرون من تبلور هذه النظرية بصورتها الحديثة. وتتناول مسرحياته طيفًا واسعًا من الأفكار التي تتحدى الحدود المألوفة للإنسانية ولتجربة الذات البشرية. يُعد استكشاف الهُوية وسيولة الذات من أبرز الموضوعات في أعمال شكسبير، إذ تخضع شخصياته لتحولات جسدية ونفسية تهز فكرة الهوية الإنسانية الثابتة. فعلى سبيل المثال، في مسرحية «حلم ليلة منتصف الصيف» (1595–1596)، تتعرض الشخصيات لتحولات سحرية تمحو الفواصل بين الكائنات البشرية وغير البشرية، مما يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول ماهية الإنسان وحدود إنسانيته. علاوة على ذلك، يقدم شكسبير شخصيات تتحدى الأعراف الاجتماعية والتصورات التقليدية، فيكشف بذلك عن تعقيد التجربة الإنسانية وتشابكها. ففي «هاملت» (1600)، تخوض شخصيات مثل هاملت وأوفيليا وكاليبان صراعات وجودية عميقة، وتواجه الأنظمة الهرمية وبُنى السلطة السائدة. يجسد شكسبير في أعماله عمق العلاقة بين الإنسان والعالم الطبيعي، مسلطًا الضوء على الترابط الوثيق بينهما. ويتقاطع هذا التصور مع مبادئ ما بعد الإنسانية التي ترفض مركزية الإنسان وتقر بفاعلية الكيانات غير البشرية وأهميتها. ورغم أن نصوص شكسبير لا تطرح مفاهيم ما بعد الإنسانية بشكل مباشر، فإنها تقدم تأملات ثرية في موضوعات تنسجم مع رؤاها، مما يجعل أعماله مرجعًا مهمًا لفهم تطور الفكر الإنساني عبر العصور.
تصف نيل بادمينغتون (2001) «ما بعد الإنسانية» بأنها حركة فلسفية وثقافية تهدف إلى دراسة تأثير التقنيات الحديثة – مثل الذكاء الاصطناعي (AI)، والتكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا النانو، والروبوتات – على مستقبل الإنسان ومفهوم «الإنسانية». وتعمل هذه النظرية على مساءلة التصورات التقليدية للطبيعة البشرية والهوية والفاعلية، مؤكدة أن التطور التكنولوجي قد يفضي إلى تحولات جذرية أو توسيعات جوهرية في التجربة الإنسانية. ومع ذلك، ما تزال «ما بعد الإنسانية» في مرحلة التشكل، ولم تبلغ بعد درجة النضج أو تترك أثرًا فكريًا محدد المعالم (ص 5).
يشير ر. مارشيسيني إلى أن منظّري ما بعد الإنسانية يستكشفون إمكانات توظيف التكنولوجيا في تعزيز القدرات البشرية، سواء على مستوى الإدراك أو القوة الجسدية أو إطالة العمر، بما يتجاوز حدود الطبيعة البيولوجية. ويركز هذا الفكر على مفهوم الكائن السيبراني، بوصفه كائنًا هجينًا يجمع بين العناصر العضوية والاصطناعية. وكما يوضح مارشيسيني: «تتجلى ما بعد الإنسانية في تجاوز جميع الحدود التي تُعرّف الإنسان بوصفه إنسانًا؛ ففي المنظور ما بعد الإنساني، لم يعد الإنسان تعبيرًا خالصًا عن ذاته، بل أصبح ثمرة تفاعل وتهجين بينه وبين العناصر غير البشرية» (منقول عن لوكا فاليرا، ما بعد الإنسانية: ما وراء الإنسانية؟، ص 487).
تسعى نظرية السيبرانية إلى محو الحدود الفاصلة بين الإنسان والآلة، مما يفتح المجال أمام تساؤلات عميقة تتعلق بالهوية والتجسيد. وفي هذا السياق، تتحدى ما بعد الإنسانية فكرة مركزية الإنسان والاعتقاد بتفوقه بوصفه الكائن الأسمى في الكون، مؤكدة أن «بقدر ما يصنع البشر التكنولوجيا ويشكلونها، فإن التكنولوجيا بدورها تصنع البشر وتعيد تشكيلهم» (ج. سيلتين، ص 46).
تولي هذه النظرية اهتمامًا بوجهات نظر الكيانات غير البشرية وحقوقها، بما في ذلك الحيوانات، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة البيئية. ورغم تمايزها عن مفهوم ما بعد الإنسانية، فإنهما تتقاطعان في الدعوة إلى تسخير التكنولوجيا لتجاوز حدود الإنسان الراهنة وتعزيز قدراته، مع التركيز على إطالة العمر، وتنمية القدرات الإدراكية، والسعي نحو شكل من أشكال الخلود.
بوجه عام، تحثّ ما بعد الإنسانية على تأمل نقدي في الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية والوجودية للتقنيات المتقدمة، بما يدفعنا إلى إعادة صياغة مفهوم الإنسانية في عالم يشهد تحولًا متسارعًا.
رواد الفكر ما بعد الإنساني
تضم نظرية ما بعد الإنسانية طيفًا واسعًا من الرؤى المعرفية المستمدة من تخصصات متعددة، مثل فيزياء الكم، والعلوم البيولوجية، وأخلاقيات علم الأحياء، والدراسات المعنية بالحيوانات والنباتات، إضافة إلى مجالات التكنولوجيا المتقدمة. وتشير هذه الحقول مجتمعة إلى بزوغ عصر «ما بعد الإنسان»، حيث يُعاد النظر في المفهوم التقليدي للإنسانية من منظور نقدي (أوبرمان، 2016، ص 24). تسعى هذه النظرية إلى استكشاف التداخل بين التكنولوجيا والجسد البشري، مع التركيز على الكيفية التي تعيد بها التطورات التكنولوجية تشكيل الهوية الإنسانية والتجربة الفردية والبُنى الاجتماعية. كما تبحث في الآثار المترتبة على دمج التكنولوجيا داخل الجسد أو توسيع القدرات البشرية عبر الوسائل التقنية. وغالبًا ما تتناول نظرية السايبورغ قضايا التجسيد، والذاتية، وعلاقات السلطة، وضبابية الحدود الفاصلة بين الإنسان والآلة.
ويتناول هذا الجزء عرضًا لأبرز رواد نظرية ما بعد الإنسانية ونظرية السايبورغ، مع تلخيص لأهم إسهاماتهم وأعمالهم.
في كتابه «مستقبلنا ما بعد الإنسان: عواقب ثورة التكنولوجيا الحيوية» (2002)، يتناول فرانسيس فوكوياما (1952– ) الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية للتطور الهائل في مجال التكنولوجيا الحيوية، ولا سيما في ميداني الهندسة الوراثية وتقنيات تعزيز القدرات البشرية. ويرى فوكوياما أن هذه الابتكارات قد تُحدث تحولًا جذريًا في الطبيعة الإنسانية، إذ تتيح للأفراد تجاوز الحدود التقليدية لقدرات الإنسان. غير أنه يحذر من مخاطر التقدم التكنولوجي غير المنضبط، مثل تصاعد العنصرية، وتراجع الكرامة الإنسانية، وإمكانية بروز أنماط من السيطرة الشمولية. ويشدد فوكوياما على ضرورة الوعي الأخلاقي والضوابط التنظيمية لضمان توجيه هذا التقدم نحو خدمة القيم الإنسانية وصون كرامة الإنسان.

يُعد كتاب «بيان سايبورغ» (1985) لدونّا هاراواي من النصوص المحورية في النظرية النسوية ودراسات العلوم والتكنولوجيا، إذ يقدّم رؤية نقدية جذرية تتحدى المفاهيم التقليدية للجنس والهوية والتكنولوجيا من خلال استعارة السايبورغ – الكائن الهجين الذي يجمع بين الآلة والكائن الحي. تستخدم هاراواي هذه الاستعارة لتجاوز الثنائيات المألوفة مثل الإنسان/الحيوان، الإنسان/الآلة، والمادي/اللامادي، حيث يصبح السايبورغ رمزًا للذات المتحولة والمتعددة والمجزأة، في مواجهة التصورات الجوهرية للهوية. ينتقد البيان الاتجاهات النسوية السائدة التي تعتمد على المفاهيم الثابتة للأنوثة وسياسات الهوية، ويدعو إلى نسوية أكثر شمولًا وتعددًا، تعترف بتنوع تجارب النساء، ولا سيما في ظل تصاعد دور التقنيات الحديثة. وتشير هاراواي إلى أن الحدود بين البشر والحيوانات والآلات باتت غير واضحة، وأن التطورات التكنولوجية المعاصرة تفرض إعادة نظر في معنى الإنسانية ذاته، بما يفتح آفاقًا جديدة لفهم الهوية والفاعلية. وتقترح هاراواي أن يُنظر إلى السايبورغ كرمز سياسي ثوري، قادر على تقويض بنى السلطة والتسلسلات الهرمية، من خلال وجوده خارج الفئات التقليدية. وبهذا المعنى، يتيح السايبورغ إمكان نشوء أشكال جديدة من المقاومة والتحالفات السياسية التي تقوم على المصالح المشتركة لا على الهويات الثابتة. كما تدعو الكاتبة إلى تبنّي نهج ساخر في السياسة، يقوم على احتضان التناقضات ورفض المطلقات، وتؤكد على أولوية سياسات الألفة على حساب سياسات الهوية، بحيث تُبنى التحالفات على الأهداف المشتركة بدلًا من الانتماءات الجوهرية. وتطرح هاراواي تصورًا لعلاقة تكاملية بين الحركة النسوية والتكنولوجيا، معتبرة أن النساء والفئات المهمشة يمكن أن يوظفن التكنولوجيا كوسيلة لتقويض البنى السلطوية وإعادة تشكيل الذات. وفي رؤيتها لعالم ما بعد الجندر، ترى أن الروبوتات تجسد إمكانية تجاوز الثنائيات الجندرية والهويات الجامدة، مشددة على أن هذه الرؤية ليست طوباوية بل متجذرة في الواقع المادي للمجتمع العلمي التقني المعاصر. وباختصار، يدعو «بيان سايبورغ» القراء إلى إعادة التفكير في مفاهيم الهوية والتكنولوجيا والسياسة، وإلى تبنّي نسوية مرنة وشاملة تستجيب لتعقيدات العصر التكنولوجي الحديث. ويغدو السايبورغ، في تصور هاراواي، رمزًا قويًا لأشكال جديدة من الهوية والمقاومة، يحتفي بالتهجين والتعددية والانفتاح على التحول المستمر.
يُعد كتاب روزي بريدوتي «ما بعد الإنسان» (2013) دراسة شاملة تستكشف مفهوم ما بعد الإنسانية، حيث تفكك الحدود التقليدية بين الإنسان والحيوان والآلة والبيئة، وتبحث في تأثير تلاشي هذه الحدود على مفاهيم الهوية والأخلاق والسياسة. تقدم بريدوتي رؤية فكرية متماسكة لعالم تتداخل فيه الكيانات البشرية وغير البشرية ضمن شبكة من العلاقات المرنة والمتشابكة، وتحث القرّاء على إعادة النظر في التصورات الكلاسيكية للذات والمعرفة والأخلاق والسياسة في ضوء هذا الترابط. يتمحور عملها حول الدعوة إلى تبني منظور أكثر شمولًا وترابطًا في فهم العالم والتفاعل معه. وتبدأ بريدوتي بموضعة ما بعد الإنسانية ضمن سياقها الفكري الواسع، من خلال مناقشة علاقتها بما بعد الحداثة، وما بعد البنيوية، والنظرية النسوية. كما توضّح كيف تتحدى ما بعد الإنسانية فكرة «الاستثناء البشري» والمركزية الإنسانية، مؤكدة على العلاقة العضوية بين جميع أشكال الحياة والمادة. وتذهب نظرية ما بعد الإنسانية النقدية إلى تفكيك النزعة الإنسانية التي جعلت الإنسان محور الكون، منتقدة «الموضوع الإنساني» بوصفه مفهومًا إقصائيًا يقوم على نفي الآخر – سواء كان هذا الآخر المرأة، أو غير الأوروبي، أو الحيوان. ومن هذا المنطلق، تدعو بريدوتي إلى تجاوز التصور التقليدي للذات الإنسانية نحو فهم أكثر شمولًا وترابطًا للذاتية. كما تركز المؤلفة على الأبعاد الأخلاقية والسياسية للاعتراف بفاعلية الكيانات غير البشرية وقيمتها الجوهرية، داعية إلى تبني أخلاق بيئية تقوم على التفاعل والترابط بين جميع الكائنات. وتوضح في ختام كتابها كيف يمكن لمفهوم ما بعد الإنسانية أن يلهم الحركات الاجتماعية والسياسية المعاصرة، مثل الدفاع عن البيئة، وحقوق الحيوان، والنشاط النسوي، بوصفها امتدادات عملية لفكر يرفض التمركز الإنساني ويسعى إلى عدالة كونية أكثر شمولًا.

في كتابها «ما هي ما بعد الإنسانية؟» (2003)، تقدّم كاري وولف معالجة فكرية عميقة لمفهوم ما بعد الإنسانية، بوصفه إطارًا نظريًا يسعى إلى تفكيك التمييز التقليدي بين الإنسان والحيوان، وينتقد فكرة “الاستثناء البشري” التي وضعت الإنسان في موقع مركزي فوق باقي الكائنات. ترى وولف أن ما بعد الإنسانية تمثل محاولة لإزاحة الذات البشرية من موقعها المهيمن، والاعتراف بشبكات الترابط والتداخل التي تجمع بين جميع الكائنات ضمن الأنظمة البيئية المعقدة. وتوضح أن هذا الاتجاه يستمد جذوره من مجالات معرفية متعددة، مثل النظرية النقدية، والدراسات الحيوانية، والدراسات البيئية، ودراسات التكنولوجيا، ليعيد النظر في مفهوم الإنسان وحدوده، ويفكك المركزية التي طالما ميّزت الفكر الإنساني التقليدي. تدعو وولف إلى تبني منظور أكثر شمولًا وأخلاقية في فهم الوجود البشري، منظورٍ يعترف بأن الإنسان ليس كائنًا معزولًا، بل جزء من شبكة ديناميكية من العلاقات بين الأنواع والمكوّنات البيئية. وبحسب وولف، فإن ما بعد الإنسانية لا تمثل إعلانًا عن تفوق جديد أو كشفًا منتصرًا، بل تجسد وعيًا متزايدًا بالمسؤولية والتواضع الناتجين عن إدراك أن الإنسان يعيش اليوم في عالم مأهول بمخلوقات غير بشرية تشاركه الوجود والفاعلية. بهذا المعنى، فإن ما بعد الإنسانية تدعو إلى يقظة فكرية وأخلاقية جديدة، تُعيد تعريف موقع الإنسان في الكون بوصفه كائنًا بين كائنات عديدة، لا فوقها.
نقد ما بعد الإنسانية
في حين أن ما بعد الإنسانية يقدم إمكانيات مثيرة لإعادة التفكير في الإنسانية ومستقبلها، إلا أنها لا تخلو من انتقادات كبيرة. تسلط هذه الانتقادات الضوء على أهمية النظر في الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والثقافية والبيئية عند التعامل مع أفكار ما بعد الإنسانية. إن الموازنة بين الفوائد المحتملة للتقدم التكنولوجي والحاجة إلى معالجة هذه المخاوف أمر بالغ الأهمية من أجل اتباع نهج أكثر شمولا وسليما أخلاقيا لمستقبل البشرية. فيما يلي النقاط الرئيسية للانتقادات:
- إهمال عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية: غالبًا ما تؤكد ما بعد الإنسانية على التقدم التكنولوجي وتجاوز القيود البشرية. ويرى المنتقدون أن هذا التركيز يمكن أن يطغى على التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية القائمة. فالتكنولوجيات التي تعزز القدرات البشرية لا تكون متاحة في كثير من الأحيان إلا للفئات المتميزة، مما قد يؤدي إلى تفاقم الفوارق الاجتماعية بدلا من تخفيفها.
- الإفراط في التركيز على التكنولوجيا: يمكن انتقاد ما بعد الإنسانية بسبب تفاؤلها التكنولوجي وافتراضها أن التكنولوجيا ستؤدي حتما إلى تحسين الإنسان. قد يتجاهل هذا المنظور التأثيرات المعقدة، والضارة أحيانًا، للتكنولوجيا على المجتمع، مثل القضايا المتعلقة بالخصوصية والمراقبة والمعضلات الأخلاقية.
- الانفصال عن التجربة الإنسانية: يرى بعض النقاد أن تركيز ما بعد الإنسانية على تجاوز الحالة الإنسانية يمكن اعتباره شكلاً من أشكال الهروب، والانفصال عن واقع المعاناة الإنسانية والتجارب الحياتية للفئات المهمشة. يمكن لهذا الانفصال أن يجعل خطاب ما بعد الإنسانية يبدو بعيدًا عن القضايا الاجتماعية الملحة.
- المخاوف الأخلاقية: تثير ما بعد الإنسانية العديد من الأسئلة الأخلاقية، خاصة فيما يتعلق بالهندسة الحيوية، والذكاء الاصطناعي، وتعزيز الإنسان. ويشعر النقاد بالقلق بشأن الآثار المترتبة على تغيير الطبيعة البشرية والخسارة المحتملة لما يعنيه أن تكون إنسانًا. هناك مخاوف بشأن الموافقة، واحتمال ظهور أشكال جديدة من التمييز، والعواقب غير المتوقعة للتدخلات التكنولوجية في حياة الإنسان.
- المركزية البشرية والتأثير البيئي: بينما تسعى ما بعد الإنسانية إلى تجاوز النزعة الإنسانية التقليدية، يرى البعض أنها تظل مركزية بشرية من خلال التركيز على تعزيز الإنسان وإهمال الاهتمامات البيئية الأوسع. يقترح النقاد أن ما بعد الإنسانية يجب أن تعالج العلاقة بين البشر والبيئة بشكل أكثر شمولاً، خاصة في ضوء القضايا الملحة مثل تغير المناخ والتدهور البيئي.
- إطلالات ثقافية وتاريخية: غالبًا ما يُنظر إلى ما بعد الإنسانية على أنها إطار نظري غربي في الغالب، ومن المحتمل أن يتجاهل الفلسفات ووجهات النظر غير الغربية. ويرى المنتقدون بأنه يمكن أن يكون ضيقًا ثقافيًا وتاريخيًا، ويفشل في مراعاة الطرق المتنوعة لفهم الوجود الإنساني ومستقبل البشرية.
- الغموض الفلسفي: تشمل ما بعد الإنسانية مجموعة واسعة من الأفكار والمناهج، مما يؤدي إلى الغموض والتناقضات. يجادل النقاد بأن الافتقار إلى إطار واضح وموحد يمكن أن يجعل من الصعب تطبيق نظريات ما بعد الإنسانية بشكل عملي ومتماسك في مختلف المجالات، من الأخلاق إلى السياسة.
- احتمال ظهور أشكال جديدة من الاستبعاد: من خلال التركيز على تجاوز القيود البشرية، قد تخلق ما بعد الإنسانية عن غير قصد أشكالًا جديدة من الإقصاء. أولئك الذين لا يستطيعون أو يختارون عدم اعتماد تحسينات ما بعد الإنسان قد يتم تهميشهم أو اعتبارهم أقل تقدمًا، مما يؤدي إلى تسلسلات هرمية اجتماعية جديدة تعتمد على التعزيز التكنولوجي.
- التأثير على الهوية والذاتية: تتحدى نظرية ما بعد الإنسانية المفاهيم التقليدية للهوية والذاتية، التي يمكن أن تكون مقلقة للأفراد والمجتمعات. يشعر النقاد بالقلق بشأن التأثير النفسي والاجتماعي لإعادة تعريف معنى أن تكون إنسانًا، وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على مفاهيم الشخصية، والقوة، والأخلاق.
- مهاجمة الدين: يهاجم الدكتور فهد صالح عبد الله السلطان في مقالته المعنونة «معاداة الإنسانية: مشروع ما بعد الإنسان»1 منظري ما بعد الإنسان، حيث يرى أنهم يسعون إلى زعزعة الإنسان والتلاعب بجسده من خلال العبث البيولوجي، وبعقلة من خلال محاربة معتقده وتشكيكه بعبوديته للخالق ودعم الإلحاد ومحاربة التوحيد ومعاداة الأديان والطعن في القيم والمبادئ. وفي المقابل الترويج لحرية الرأي والاختيار وهي كلمات حق أريد بها باطل.
يناقش كتاب بول جيمس «النماذج البديلة للاستدامة: إلغاء مركزية الإنسان دون أن يصبح ما بعد الإنسان» (2017) الأساليب البديلة للاستدامة التي تتجاوز المركزية البشرية دون احتضان ما بعد الإنسانية بشكل كامل. يرى جيمس الحاجة إلى إبعاد الإنسان عن المناقشات المتعلقة بالاستدامة مع الاستمرار في التركيز على رفاهية الإنسان وقدرته على التصرف. يستكشف المؤلف مفاهيمًا مثل عالم «أكثر من إنسان»، الذي يؤكد على الترابط والاعتماد المتبادل بين البشر مع البيئة والأنواع الأخرى. يدعو جيمس إلى دمج أنظمة المعرفة الأصلية ووجهات النظر غير الغربية في خطاب الاستدامة، وتسليط الضوء على مناهجها الشاملة والعلائقية تجاه الطبيعة. ويقترح، أيضًا، إعادة التفكير في دور التكنولوجيا والاقتصاد في الاستدامة، داعيًا إلى التحول نحو المزيد من المبادرات المحلية والمجتمعية. بشكل عام يدعو المؤلف إلى اتباع نهج دقيق تجاه الاستدامة يعترف بأهمية القيم والتطلعات الإنسانية مع الاعتراف بالقيمة الجوهرية للكيانات والنظم البيئية غير البشرية. وهو يدعو إلى نموذج يعزز الانسجام والمعاملة بالمثل بين البشر والعالم الطبيعي، بدلا من النظر إلى الطبيعة فقط كمورد يمكن استغلاله لصالح الإنسان. باختصار، يؤكد نقد جيمس على موقف تحذيري بشأن العواقب المحتملة لاحتضان أيديولوجيات ما بعد الإنسانية دون النظر بشكل كامل في آثارها على استمرار وجود الإنسانية وتعريفها. ويشير إلى أنه في حين أن ما بعد الإنسانية قد تقدم وجهات نظر جديدة حول الإمكانات البشرية والتطور، فإنها تطرح أيضًا تحديات فلسفية وأخلاقية كبيرة يجب معالجتها بعناية.
الهوامش:
1 – الجزيرة، العدد 18538، تاريخ 21-1-2024.
المصادر:
– Ahn, S. (2023). “Humanism Contra Post-humanism.” Historical Materialism, 31 (1), 63- 92. https://doi.org/10.1163/1569206x-20232009
– Badmington, N. “Pod Almighty! or, humanism, posthumanism, and the strange case of Invasion of the Body Snatchers”, Textual Practice 15/1, (2001), 5–22.
– Braidotti, Rosi. The Posthuman. Polity Press, 2013.
– Francis Fukuyama (2002). Our Posthuman Future: Consequences of the Biotechnology Revolution. New York: Farrar, Straus and Giroux.
– Haraway, Donna J. Manifestly Haraway, University of Minnesota Press, 2016.
– Opperman, S. (2016). Posthumanism in literature and ecocriticism. Relations, 4 (1), 23- 37.
– Seltin, J. “Production of The Post-Human: Political Economies of Bodies and Technology”, Parrhesia 8, (2009), 43–59.
– Valera, L. “Posthumanism: beyond humanism?” Cuad Bioet. 2014 Sep-Dec;25(85):481-91. PMID: 25684386.
– Wolfe, Cary. What is Posthumanism? University of Minnesota Press, 2009.
عدد التحميلات: 0



