
سيكولوجية العقل: (5) التخاطر
علميًا وتجريبيًا، تعتبر الحواس الخمس أدوات العقل التي تشكل بنيته المعرفية- الادراكية، فدائمًا الحس مرتبط بالإدراك. وأحد موضوعات علم النفس التقليدية، الإدراك الحسي، فالإنسان عندما يرى أو يسمع، أو يلمس، أو يشم ويتذوق، فإن هناك مخازن حسية لكل حاسة، تحتفظ بالصورة المرئية، أو الصوت المسموع، أو الملمس، أو التذوق والشم، هذا الاحتفاظ الانطباعي يتم لوهلة قصيرة جدًا، لكنها تسمح بانتقال الانطباعات الحسية، وعن طريق السيالات العصبية إلى المخ، ليدركها العقل، ويعطيها معنى، ثم يبدأ التعامل معها بالمعالجة الذهنية، للاحتفاظ بها، أو تجاهلها. وبناءً على ذلك، لولا وجود الحواس، لما وجد شيء في العقل، ولكان صفحة بيضاء. ولكن هناك بعض الظواهر العقلية النادرة، وغير المألوفة التي تحدث لبعض البشر، ويشعرون بها، ويتحدثون عنها، ويعتبرونها أدوات للإحساس والتواصل، وتؤثر على حياتهم، لكنهم لا يجدون لها معنى، وتتنامى الحيرة لديهم. ومن هذه الظواهر ما يعرف بالتخاطر، وهو وصف لحالة من التواصل بين بعض الأفراد، دون استخدام الحواس الخمس، يتم فيها تبادل الأفكار والمشاعر، وكذلك المعلومات بطريقة غير محسوسة، وغير مباشرة. وقد احتلت ظاهرة التخاطر، أو التخاطر العقلي (Mental Telepathy)، وهي عملية نقل الأفكار من عقل إلى آخر، تقليديًا عوالم الخيال العلمي، أو ما وراء الطبيعة، وكلاهما خارج نطاق العلم السائد، إلا أنّ التطورات العلمية الحديثة جعلت الاهتمام بظاهرة التخاطر يعود من جديد بطريقة مختلفة، تنطلق من فلسفة أن البشر ليسوا محكومين فقط بالمداخل الحسية التقليدية، بل أن العقل الإنساني يملك أبعادًا خفية لم تُكتشف بعد.
وعندما يتأمل الإنسان حياته اليومية بما فيها من مواقف وخبرات، يجد أن إدراكه لا يقتصر دائمًا على المعلومات التي تأتي عبر الحواس. فهناك لحظات يستشعر فيها المرء حالة شخص آخر دون مقدمات؛ يشعر بقلق مفاجئ تجاه قريب بعيد، أو يفكر في صديق لم يلتق به منذ زمن طويل، ثم يصله منه اتصال في اللحظة نفسها، أو تحدث مصادفات متتابعة، ربما تمثل ارهاصًا لوجود شبكة تواصل أعمق تربط العقول البشرية. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذه التجارب بحد ذاتها دليلًا علميًا، لكنها ظلت متكررة بما يكفي لجذب اهتمام الباحثين عبر قرن كامل، خصوصًا مع بروز علم الباراسيكولوجي (Parapsychology)، أو ما يسمى علم النفس الخارق، ذلك في بدايات القرن العشرين، والذي حاول أن يدرس الظواهر غير المألوفة بمنهج تجريبي، وفي مقدمتها التخاطر.
وقد كانت تجارب جوزيف راين (1934م) Joseph Rhine في جامعة ديوك الأمريكية، من أوائل المحاولات العلمية التي حاولت إخضاع ظاهرة التخاطر للبحث المنظم. اعتمد راين على بطاقات زينر (Zener) المكوّنة من رموز محددة، وكان يطلب من شخص أن يرسل الرمز عقليًا لشخص آخر في غرفة منفصلة، دون أي وسيلة اتصال. وما أثار الاهتمام أن النتائج، عبر الآلاف من التجارب، لم تكن دائمًا ضمن مستوى الصدفة البحتة، بل تجاوزته في بعض الحالات بفارق ملحوظ. ومع أن هذه التجارب تعرضت لنقد واسع حول الأدوات والمعايير، إلا أن تجاوز المصادفة المتكرر لم يكن سهل الإهمال احصائيًا، الأمر الذي جعل الحوار العلمي أكثر تعقيدًا مما يتصوره الرافضون لظاهرة التخاطر العقلي، أو المتحمسون لها، على حد سواء.
ومع مرور الوقت، لم يعد التخاطر مرتبطًا فقط بالمختبرات البسيطة أو بالقصص الشعبية، بل دخل دائرة علوم أكثر دقة مثل علم الأعصاب والفيزياء النظرية. ففي علم الأعصاب، اكتُشفت ظواهر جديدة تتعلق بـما يعرف بالتزامن العصبي بين الأدمغة. فعندما يتحاور شخصان بعمق، أو يشاركان تجربة وجدانية قريبة، تُظهر أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (fMRI) أن أدمغتهم تسجل أنماطًا متشابهة من النشاط، كأن كل دماغ يقرأ الترتيب الزمني والتعبيري للآخر. بل إن بعض الدراسات أشارت إلى أن التزامن العصبي يمكن أن يحدث حتى دون كلام، كما في العلاقات العاطفية العميقة، أو في تجارب التعاون الذهني المكثف، حيث يصبح إدراك كل طرف لنية الآخر شبه فوري. ورغم أن هذا لا يسمى تخاطرًا بالمعنى التقليدي، إلا أنه يكشف عن قدرة الدماغ على الاندماج مع دماغ آخر في حالة توحّد لحظية، وهذا يفتح بابًا مهمًا لفهم كيف تنتقل الحالة الشعورية بين البشر.
ومن التطورات التي أعادت النقاش العلمي حول التخاطر تجربة التواصل دماغ–دماغ التي نُشرت عام (2014م) في مجلة (PLOS ONE)، والتي تمكن فيها باحثون من نقل معلومة بسيطة من شخص في الهند إلى آخر في فرنسا عبر واجهة عصبية غير جراحية، دون استخدام اللغة. صحيح أن التقنية الإلكترونية كانت الوسيط، وأن العملية لا تشكل «تخاطرًا» بحد ذاتها، لكنها أثبتت مبدًا بالغ الأهمية، وهو أن العقل يمكن أن يتصل ذهنيًا بعقل آخر إذا توافرت قناة مناسبة. وبناءً على ذلك، تنتج فرضية أنه إذا كان بالإمكان ايجاد قناة اصطناعية للتواصل العقلي، فيمكن أن تكون هناك قناة طبيعية، لكن العلم لم يفهمها بعد.
ومن جهة أخرى، ظهرت في الفيزياء النظرية، وتحديدًا فيزياء الكم (Quantum physics) مفاهيم قد تشكّل إطارًا جديدًا للتفكير في موضوع التخاطر. فالتشابك الكمي مثلًا، وهو علاقة بين جسيمين تظل قائمة مهما ابتعدا، جعل بعض علماء النفس المعرفيون يطرحون امكانية، أو فرضية أن تحمل خلايا الدماغ أو البنى الدقيقة في الجهاز العصبي شكلًا من أشكال الترابط الكمي. هذه الفرضية، التي طرحها بينروز (Penrose) وهاميروف (Hameroff)، رغم ما تواجهه من اعتراضات منهجية، تدفع نحو تصور أن الوعي قد يكون أكثر من مجرد نبضات كهربائية؛ بل قد يكون ظاهرة أوسع من أن تنحصر في الدماغ وحده. وإذا صحّ ذلك ولو جزئيًا، فإن التخاطر قد لا يكون أمرًا غريبًا على الإطلاق، بل تعبيرًا أوليًا عن طبيعة الوعي نفسه.
ويُضاف إلى ذلك أن الدراسات التي تتناول العلاقة بين التوائم المتطابقة قدمت مادة خصبة لنقاش التخاطر. فهناك عدد من الأبحاث التي تشير إلى أن التوائم، خصوصًا الذين تربوا في بيئة واحدة، يسجلون معدلًا أعلى من التناغم الشعوري والحدسي مقارنة بغيرهم. ويتحدث كثير منهم عن إحساس فوري بما يشعر به الآخر، سواء كان قلقًا أو فرحًا أو خطرًا. ورغم أن هذا لا يصل إلى مستوى البرهان العلمي الصارم، إلا أنه يُظهر أن الروابط العاطفية العميقة قد تنتج حالات من الإدراك تتجاوز ما تم الاعتياد عليه.
ورغم هذا كله، فإن التخاطر، كما يبدو من منظور علمي خالص، لا يزال في منطقة محايدة بين الإثبات والنفي. فالعلم لا يستطيع حتى الآن أن يثبت انتقال «معلومة» محددة من عقل إلى آخر بلا وسيط، لكنه أيضًا لم يستطع أن يفسر بعض الظواهر المتكررة التي تقترح وجود مستوى آخر من التواصل الإنساني. ولذلك يتعامل الباحثون الجادون مع الظاهرة بمنهج وسط بين الحذر والانفتاح، إذ يرون أنه لا ينبغي رفض الظواهر الإنسانية لمجرد غرابتها، ولا قبولها لمجرد شيوعها، بل دراستها ضمن إطار تجريبي صارم يسمح بفهمها، سواء انتهى ذلك إلى إثباتها أو نفيها.
وإذا تجاوزنا المختبرات العلمية إلى التجربة الإنسانية اليومية، نجد أن الناس يعيشون بالفعل ما يشبه التخاطر، مثلًا، أم تستشعر ألم ابنها البعيد؛ وصديق يفكر في آخر ثم يستقبل رسالة منه في اللحظة ذاتها؛ زوجان يعبّران عن الفكرة نفسها في وقت واحد دون ترتيب؛ إحساس داخلي بأن شيئًا سيحدث، ثم يحدث بالفعل. من هنا، قد ينظر العلم إلى هذه الظواهر باعتبارها مصادفات أو تفسيرات نفسية كالتنبؤ الحدسي أو الانتباه الانتقائي، لكن المشترك بينها أنها تُظهر أن الوعي الإنساني قادر على التقاط «شيء ما» خارج الحدود الحسية التقليدية. وكلما تطور فهمنا للدماغ، كلما بدى أن ما نعرفه عن العقل ليس إلا طبقة سطحية فوق عالم داخلي أعمق بكثير.
إن التخاطر يمثل عبورًا خفيًا بين العقول، وسيبقى موضوعًا يختبر حدود المعرفة الإنسانية؛ وينثر التساؤلات من حوله، هل العقل مجرد نتاج عصبي كهربائي؟ أم أنه شبكة ذات امتداد أكبر؟ هل الإدراك محصور بالحواس؟ أم أن هناك مستويات مضمرة من الوعي؟ أسئلة كهذه لا تُجاب بسهولة، لكنها تدفع العلم والفلسفة معًا إلى توسيع أفق البحث. وما يبدو مؤكدًا اليوم هو أن التجربة الإنسانية أغنى من أن تختزل في التفسيرات الحسية البحتة، وأن الوعي ذاته ربما يحمل مفاتيح لظواهر لم تُفهم بعد. ولذلك فإن الحديث عن التخاطر ليس بحثًا عن «قدرة خارقة»، بل محاولة لفهم شيء أساس في الإنسان؛ وهو قدرته العميقة على التواصل، وعلى الإدراك، وعلى الشعور بالآخرين بطرق تتجاوز المحسوس والمنطوق.
الهوامش:
1 – بطاقات زينر، هي بطاقات تُستخدم لإجراء تجارب الإدراك الحسي الفائق (Extrasensory Perception) صمّمها عالم النفس الإدراكي كارل زينر (1903-1964) Karl Zener في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين لإجراء تجارب مع زميله، عالم النفس الخارق ج. ب. راين (1895-1980) J. B. Rhine
2 – التزامن العصبي (Neural Synchrony) ظاهرة تحدث عندما تتشابه أو تتطابق أنماط النشاط الكهربائي (موجات الدماغ) بين شخصين، أو بين مناطق مختلفة من الدماغ في نفس الوقت، مما يسهل التواصل الفعال والتعاون وفهم المشاعر المشتركة، وهو أساس الروابط العميقة بين الأصدقاء، ويسمح للأجزاء المختلفة من الدماغ بالعمل معًا بسلاسة لفهم العالم المحيط، ومعالجة المعلومات المعقدة.
أهم المراجع:
– زيدان، أحمد. (2020م). الظواهر فوق الحسية: قراءة نقدية. القاهرة: المركز العربي للبحث العلمي.
– الشماع، حسان. (2019م). “التخاطر بين العلم والخيال”. مجلة الفلسفة والعلوم الإنسانية، العدد 12.
– عبد الرزاق، فوزي. (2018م). مدخل إلى علم الباراسيكولوجي. بيروت: دار الجليل.
– Bem, Daryl. (2011). “Feeling the Future.” Journal of Personality and Social Psychology.
– Grau, C., et al. (2014). “Conscious Brain-to-Brain Communication in Humans.” PLOS ONE.
– Graziano, Michael. (2013). Consciousness and the Social Brain. Oxford University Press.
– Penrose, R. & Hameroff, S. (2014). “Consciousness in the Universe.” Physics of Life Reviews.
– Rao, K. R. (2001). The Basic Experiments in Parapsychology. McFarland Publishing.
Rhine, J. B. (1934). Extra-Sensory Perception. Boston Society for Psychic Research.
عدد التحميلات: 0



