العدد الحاليالعدد رقم 46ثقافات

النّباتية هان كانغ تُلقي دروسًا كورية على أشيائنا البشريّة

تشير الباحثة الفرنسية في علم اجتماع الأدب “جيزيل سابيرو – Gisèle Sapiro” إلى أن الأكاديمية السويدية المانحة لجائزة نوبل للآداب كانت قد درجت منذ بداية تقديم هذه الجائزة سنة 1901 على تتويج كُتّاب ومبدعين من أوروبا وأمريكا الشمالية بالأساس، بيد أنها نحت منذ بداية الألفية الثالثة نحو تكريم مجهودات كُتَّاب من إفريقيا وآسيا أكثر مما كانت تقوم به في السابق؛ حيث حصل عليها على سبيل المثال الجنوب إفريقي “جون ماكسويل كويتزي – John M. Coetzee” سنة 2003، والتركي “أورهان باموق – Orhan Pamuk” سنة 2006،  والصيني “مو يان – Mo Yan” سنة 2012، والتنزاني “عبد الرزاق قرنح” سنة 2021.

وها هي الأكاديمية تستمر في توسيع النطاق الجغرافي للفائزين بها، لتحصل عليها – خلال نسخة سنة 2024 – الكورية الجنوبية “هان كانغ – Han Kang” التي ضَمِنَت الخلود باعتبارها أول امرأة آسيوية تحصد هذا التكريم. فقد رأت الأكاديمية السويدية أن تميزها وفرادتها يرتبطان بالأساس بـ «نثرها الشعري المكثف الذي يواجه الصدمات التاريخية، ويكشف هشاشة الحياة الإنسانية»؛ ذلك أن سردها يرتكز على اشتغال الذاكرة والأسلوب الاستعادي غير الخطي؛ حيث تبحث في الذاكرة الجمعية عما كان يؤثث فترة تاريخية معينة من أحداث مأساوية، ثم تُذَوِّتُها رابطة خبايا النفس وصدماتها بالواقع المعيش من خلال قصة أو حكاية تركز على الضعف البشري، ورهافة المشاعر، وهشاشة الحياة.

ففي روايتها أشياء بشرية (صدرت ترجمتها عن دار التنوير، بتوقيع محمد نجيب) تحكي عبر المزاوجة بين الحاضر والعودة إلى الماضي عن مجزرة مدينة غوانغجو – مسقط رأسها – سنة 1980. وكأننا أمام مرثية وجودية تطرح فيها الكاتبة أسئلة تجعلنا نفقد البوصلة، وتلهينا عن الإحساس بذاك الفاصل بين الحياة والموت، وتدفعنا إلى التأمل في الحياة البشرية: “ألم تُرق الدماء بما فيه الكفاية؟ كيف يمكننا التغاضي بهذه البساطة عن كل تلك الدماء؟ أرواح الراحلين تراقبنا «(الرواية)، وكأن الإنسان انساق وراء حيوانيته ونرجسيته ووحشيته، متنكرا لإنسانيته وماضيه وروح أجداده. وبالنظر إلى إدراكها العميق “للارتباطات بين الجسد والروح والأحياء والأموات» – كما جاء في تقرير الأكاديمية – فإنها جعلت الفواصل بينها ملغاة، وقدمت تصورا فريدا لعالم لم يُشْفَ بعد من ندوبه: «أردت أن أكون قادراً على الطيران أينما كانوا وأن أسألهم لماذا قتلوني؟» (الرواية)، وكأن الموت استمرارية للحياة، وكأن الروح لا تعترف بحدود الجسد، بل وكأن الموت محاكمة للحياة، وتساؤل مستمر عن علة أفعال البشر، كما لو أن أرواحنا زجاجية هشة، لم نكتشف حقيقتها إلا بعد تهشمها على صخرة البشاعة والسادية.

لم تكن “هان” قادرة على التأقلم مع عالم مادي براغماتي، يعتبر العنف سلاحه الأهم، ويرى الروح الإنسانية شيئًا هامشيًا لا معنى له؛ فأطلقت صرختها: «الضمير هو الشيء الأكثر رعباً في العالم» (الرواية).

ولا شك أن الفائزة تؤمن أكثر من غيرها أن الذكريات لا تشفى ولا تتبخر، بل «تصبح الشيء الوحيد الذي يبقى حين يَمَّحي كل شيء آخر» (الرواية)، وهو ما يدخل الإنسان في صراع أبدي بين حاضره وماضيه، بين أفراحه – إن وجدت – ومآسيه، يصارع وحيدًا من أجل النجاة، بيد أنه يكتشف في النهاية الحقيقة المروعة: «الموت هو الطريقة الوحيدة للهروب من هذه الحقيقة».

وقد حققت “هان” العالمية، ابتداءً، بفوز روايتها النباتية (صدرت سنة 2007، ونقلها محمد نجيب إلى العربية سنة 2019 عن دار التنوير) بجائزة مان بوكر الدولية سنة 2016؛ حيث تتبعت فيها الروائية شخصية هشة تعاني من ضغوط مجتمعية هائلة امتنعت عن أكل اللحوم وواجهت رفضًا عنيفًا من زوجها وأبيها، وخضعت مرغمة لنزوات صهرها، وصولًا إلى دخولها إلى مصحة للأمراض النفسية والعصبية؛ بعد أن فقدت القدرة على تحقيق الاستقلال الذاتي ومقاومة من يعيقون حرية اختياراتها في الحياة. وحدها أختها –رمز الإنسانية واستمرار الأمل في المستقبل – حاولت أن تساعدها وتعود بها إلى الحياة الاجتماعية الطبيعية.

تمتلك “كانغ” قدرة هائلة على التقاط الإشارات التي يعج بها العالم، وتأويل اليومي المألوف، والسمو به نحو جوانبه الخفية؛ فقد رأت في روايتها الكتاب الأبيض الصادرة سنة 2016 (صدرت عن دار التنوير بترجمة محمد نجيب) علاقة وطيدة بين القماط والكفن؛ فكلاهما أبيض اللون، وكلاهما من قماش، بيد أن الأول مهد الحياة، والثاني لحدها وبوابة الموت. وفي هذا السياق، يقول الكاتب والروائي هيثم حسين: «بين القماط والكفن تدور المأساة، تستهل [“هان كانغ”] بالحديث عن القماط وكيف أنه كان أبيض كالثلج، تحيط به الممرضة جسم الطفلة (…) فجأة تتوقف الطفلة عن البكاء من تلقاء نفسها وخيم صمت ممزوج برائحة الدم على المكان، وكان كل ما يفصل بين الجسدين هو القماط فقط». تتذكر أختها التي فقدتها بعد ساعتين فقط من ولادتها، وكيف أنها ظلت حية في قلب والديها إلى الأبد، بل إن حزنهما عليها ورَّثاه لها، ولربما هذا هو السبب الكامن الذي جعلها تعيش على الدوام متأرجحة بين الماضي غير القادرة على قلب صفحته، والحاضر غير المتمكنة من التكيف معه، وكأنها سجينة بلا قيود أو مسافرة فرت من حاضرها إلى ماضيها وظلت في منطقة رمادية ملتبسة بينهما؛ فكانت حياتها مدًا وجزرًا بين الذكريات والواقع المعيش. ومن ثمة يغذو هذا الكتاب تعبيرًا شاعريًا عبر وساطة النثر عن الفقْد الأليم، وعن كل ما يقيم في اللون الأبيض الذي لم يعد رمزا للأمل والصفاء، بل أصبح يرمز للألم والحزن؛ فهو لون الشيب كذلك، ولون الثلج والطقس المكفهر، بل هو لون أقراص الأدوية كذلك…

ولا ريب أن هذا الموضوع – موضوع ارتباط الذكريات بالألم في لا وعيها – موضوع أثير لديها؛ إذ كان حاضرًا كذلك في روايتها وداع مستحيل الصادرة سنة 2021، والتي تحكي عن مجزرة جزيرة جيجو بين سنتي 1948 و1949؛ والتي قتل فيها عشرات الآلاف من الكوريين المعارضين – أو المشتبه في معارضتهم – للنظام. في هذه الرواية، تستمر “هان” في سردها لمعاناة الفئات الهشة، وفي فضحها للأنظمة القمعية (حتى إنها كانت ضمن لائحة سوداء تضم المغضوب عليهم من النظام)، مصورة «عملية الحداد المشتركة التي يقوم بها السارد وصديقته إنسيون، اللذان يحملان معهما صدمة مرتبطة بالكارثة التي حلت بأقاربهما حتى بعد وقت طويل من الحدث».

ومن ثمة، تجاهد “هان” في التعبير عن مدى سطوة الماضي وهيمنته على الحاضر بأسلوب شعري، محاولة انتشال ما قد يطويه النسيان وإخراجه إلى الضوء؛ سواء أكان جزءا من الذاكرة الشخصية أم كان من صميم الذاكرة الجماعية للشعب الكوري الجنوبي.

يُذكَر أن “هان كانغ” ولدت سنة 1970 في بيت أبيها الروائي الكوري الجنوبي “هان سونغ وون – Han Sung Won” الذي قالت عنه ذات مرة إنه كان يحب الكتب ويقتنيها على الدوام، إلى درجة أنها كانت تفوق بكثير ما كانوا يملكونه من أثاث متواضع وقليل. في هذا الجو المشبع بالأدب والفنون، تفتقت قريحة “هان”، وتفتحت عيناها على الأدب الكوري الجنوبي وعلى الأدب العالمي؛ وهو ما جعلها تقبل على التخصص في الأدب الكوري في الجامعة، والهوس بالفن والموسيقى.

ارتبطت بداياتها الأدبية الأولى بمجموعتها القصصية حب في يوسو سنة 1995 التي لقيت اهتمامًا من النقاد، ويدك الباردة سنة 2002، وقصة زهرة حمراء سنة 2003، وأغنية هادئة سنة 2007، ودروس إغريقية سنة 2011… قبل أن تكتب ثلاثيتها الشهيرة النباتية، والكتاب الأبيض سنة 2016، وغيرها.

حصلت “هان” على عدد كبير من الجوائز، منها جائزة الرواية الكورية سنة 1999، وجائزة المان بوكر الدولية عن النباتية سنة 2016، وجائزة ميديسيس للأدب الأجنبي عن روايتها وداع مستحيل سنة 2023… قبل أن تتوج مسيرتها بأرفع جائزة في المجال الأدبي: جائزة نوبل للآداب، متحدية في نفس الآن منافسيها ممن يختلفون عنها في السن (فهي، بمقاييس نوبل، لا تزال شابة – 54 سنة – بالمقارنة مع من فاز بها في السنوات الفارطة)، وممن يختلفون عنها في الانتماء الجغرافي – وبالتالي اللغوي – فنوبل كانت تهتم بشكل كبير باللغات الأوروبية؛ وكأنها تميز بين لغات مركزية وأخرى هامشية، لكنها اتجهت مؤخرا نحو آداب اكتسبت صبغة عالمية من خلال الثيمات المعالجة، والأسلوب المعتمد؛ وهذا – لعمري – من بين أهم ما جعل “هان” تفوز بنوبل هذه السنة.

وفي هذا السياق، يرى “ألكسندر جيفين- Alexandre Gefen “، مدير البحوث في المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي CNRS، أن فوز “هان” هو نوع من محاولة إعادة التوازن للمرأة ولآسيا، ولأدب هو أكثر التزامًا بقضايا معينة (القضية النباتية، قضية الصدمات النفسية، وحكي الذاكرة الشخصية، وبحثها عن ضحايا العنف السياسي وتعسف النظام في الأربعينيات)، على النقيض من الفائز بجائزة نوبل للآداب للسنة الماضية الكاتب النرويجي “جون فوسه” الذي كان مسرحه يميل نحو التجريد والقضايا البيكتية (نسبة إلى “صمويل بيكيت”) والميتافيزيقية.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

نبيل موميد

أستاذ مُبَرَّز في اللغة العربية، مركز أقسام تحضير شهادة التقني العالي، أكادير، المملكة المغربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى