
النسوية الإسلامية العلمانية تفكيك المفهوم والطرح
بداية، فقد آثرنا أن يقتصر الاصطلاح على «النسوية العلمانية» بدون أية نعوت أو إضافات أخرى؛ لأنها بالفعل منتمية إلى التيار العلماني الغربي، بكل شعاراته التي سعت إلى اختراق الفكر الإسلامي المعاصر، ووضعت جملة من التحديات والممارسات، التي لم تكتف بالتنظير، وإنما كان لها آثارها الاجتماعية، وتنظيماتها المدنية، وأجنحتها السياسية، فجذورها غربية التوجه، تتخذ من المركزية الأوروبية مرجعية لها، تقيس بمقاييسها، وتطمح إلى نموذجها، وتضع نصب عينيها الإسلام هدفًا لها، بوصفه مرجعية الأمة ثقافيًا وقيميًا وتشريعيًا وحضاريًا، فلا نتفق مع بعض النعوت الأخرى على شاكلة النسوية الإسلامية الحداثية، والنسوية المسلمة الثائرة.. إلخ، فلابد أن نسمي التوجه بمسماه الحقيقي، ليكون الاصطلاح معبرًا عن جوهر فكره، دون تدليس أو تلبيس.
هذا، ولكن ندرك أبعاد النسوية العلمانية، علينا البحث في جذورها الفكرية والفلسفية، فلا يمكن مناقشة طروحاتها، دون الوقوف على الأرضية المعرفية التي انطلقت منها، وتحديد المفاهيم الدقيقة لمصطلحاتها، خاصة أن هناك كثيرًا من الالتباسات المتعلقة بالمصطلح ذاته.
فالنسوية في أصلها اللغوي، اسم مؤنث منسوب إلى نُسوة أو نِسوة، وهو مصدر صناعيّ من نُسوة أو نِسوة، وتدل على حركة فكرية مهتمة بحقوق المرأة، وتناوي بتحسين أوضاعها، وتأكيد دورها في المجتمع، وتشجعها على الإبداع(1). من الدلالة اللغوية، ندرك أنها حركة تنتسب إلى عالم المرأة، وتتمايز عن أية دعوة أخرى يمكن أن تشمل الرجال أيضا، أي أنها أنثوية قلبا وقالبا. ونفهم من التعريف المساق سابقًا أن غاياتها الانتصار لحقوق المرأة، وتدعم دورها ومكانتها الاجتماعية، وتؤكد على أهمية تميز شخصية المرأة الفردية، على مستوى تعليمها، وحقها في الترقي العلمي، لتحقق ذاتها ومواهبها الإبداعية.
مع الأخذ في الحسبان أن المصطلح مختلف عليه وفق الزاوية التي يتم تعريفه بها، فالمنطلق المحوري فيه، هو النظر إلى وضعية وجود المرأة، بعيدًا عن متلازمة الاعتماد Dependence Syndrome أو بالأدق متلازمة التبعية للزوج أو الأب أو الدين أو المجتمع أو الجماعة العرقية، فالاعتقاد الأساسي وراء النظرية النسوية هو أنه منذ بداية الحضارة الإنسانية، أن المرأة أعطيت مكانة ثانوية من خلال الخطاب الاجتماعي والغربي الذي يهيمن عليه الذكور، وانعكس في التقليد الفلسفي، مما استوجب على النساء التعريف بهويتهن النسوية، بعيدًا عن القناعات والمعتقدات الذكورية، التي وضعت المرأة في مرتبة أدنى، وجعلتها خاضعة دائمًا للهيمنة الذكورية(2). وبالطبع هذا وفق الرؤية الغربية.
إن لب الفكر النسوي، هو النظر إلى كون المرأة مفعولاً بها دومًا، وليست فاعلاً، وأنها تابعة وليست قائدة، وأنها دومًا خاضعة لهيمنة، وليست متحكمة، فالتمرد كامن في لب الفكر، دون النظر إلى أن الرجل ربما يكون أيضًا تابعًا وخاضعًا ومسيطرًا عليه حسب الجماعة أو العرق أو المجتمع الذي يعيش فيه، وهناك حالات كثيرة تشير إلى تحكم المرأة وقيادتها سواء على مستوى الأسرة، أو المجتمع الصغير أو الدولة ذاتها، وكل حالة تقدَّر بقدرها.
فتيار النسوية ليس مجرد تيار فكري، وإنما له جوانب متعدد، وأبعاد يمكن من خلالها دراسته، فالبعد الأول “علمي فكري”، ويعني الدراسة المتعمقة للتفرقة والتمييز بين الرجال والنساء في شتى مجالات الحياة، وهي المؤسسة على مجموعة من الحقائق المباشرة وغير المباشرة، ومحاولة فهم أسباب تلك التفرقة، مع اقتراح أفضل السبل والطرق للتغلب عليها(3). وتلك هي القاعدة التي انطلق منها في نظرته إلى المجتمع الإنساني بنوعيه: الذكر والأنثى، فالعلاقة بينهما -في المنظور النسوي- ليست علاقة تكاملية، وإنما ندية وتمييز، أساسها رجل متعال متعجرف ظالمٌ للمرأة؛ أيًّا ما كانت شكل العلاقة معها: زوجته كانت أو ابنته أو أخته.. إلخ، فتسعى الحركة النسوية إلى دراسة أوجه المظالم، رصدًا وتسجيلاً، من أجل فهم أسبابها الدينية والاجتماعية والسياسية، ومن ثم اقتراح سبل تتعلق بمواجهتها للتغلب عليها، تحت شعار “المساواة الكاملة” بين الرجل والمرأة، مساواة الحقوق والواجبات.
فمن المسلَّمات في الحركة النسوية أنها ترى تقسيم العمل في العالم يجعل الرجال متكفلين بالمجالات العامة: العمل، الرياضة، الحروب، الحكومة، بينما تكون النساء خادمات دون أجر في المنازل، ويتحملن كل عبء الحياة الأسرية(4)، وهي رؤية تجعل المرأة ببساطة في مرتبة الخادمة أو الجارية، وتغيّب في الوقت ذاته مفهوم الأمومة، وواجباتها، ناهيك عن دور المرأة بوصفها زوجة، ويتجاهل تكوين المرأة العضوي، وأنها قد تصلح لأعمال بعينها، ولا يمكن أن تنافس الرجل في ميادين كثيرة، مثل التجنيد، والأعمال الشاقة المجهدة، وهذا لا يعني أننا نرفض دخول المرأة سوق العمل، ولكن لابد من احترام خصوصيتها، فكثير من الوظائف والمهن العلمية والبحثية والتربوية والطبية والتجميلية…، يمكن للمرأة أن تشغلها، وبعضها يكاد يكون حكرًا عليها، مع أهمية عدم امتهانها جسدًا وروحًا بالاختلاط المذموم.
والبعد الثاني يتعلق بالوعي لتصبح النسوية استيعابًا جاء بواسطة أفكار سابقة عاشتها المرأة؛ هذه المعرفة المسبقة، أو الإدراك، يوضح أن الظلم والاحتقار ليس شيئًا طبيعيًا تولد عليه النساء، أو هو قضية فقر وجهل، وإنما هو فعل إرادي مخطط له، أي مرتبط بأسباب تخص النساء وما عانته إثر هذه العوامل. وبناء على هذا يأتي البعد الثالث، بأن تكون النسوية حركة مقاومة، بوصفها: فكرة، ومنهجًا، وحركة أداة لنشر المعرفة، ورفع الوعي النسوي، عن طريق التوعية بكافة أشكال التمييز، وتنظيم حملات، واستخدام أدوات مختلفة ومبتكرة لمواجهة ما تتعرض له النساء..، من أجل زعزعة البنى الأبوية (الذكورية) التي تسعى لقهر النساء”(5)، في المجتمع الغربي، وأيضًا في سائر أنحاء العالم.
فكلا البعدين الثاني والثالث مبنيان على البعد الأول، الذي جعل المرأة مقهورة ومحتقرة من كل مَن هو ذكوري، بل من المجتمع بأسره، الأمر الذي يدفع الأنثى إلى أن تكون في مرتبة أدنى، ومن ثم يتوجب التنوير والتوعية بحقوق المرأة، وأنها لابد أن تكون ندًا مقاومًا ومهاجمًا لمختلف أشكال الامتهان التي تتعرض لها، معنويًا أو جسديًا أو ماديًا.
وهو ما جاء في الكتاب الأساسي الذي ألّفته مبكرًا الكاتبة البريطانية ماري وولستون كرافت (1759 – 1797م)، في نهاية القرن الثامن عشر-العام 1792م-، وعنوانه: (دفاع عن حقوق المرأة)، ويُعَدّ مرجعًا للحركة النسوية الحديثة، ونجد فيه تطبيقًا لمقولات عصر التنوير على وضع النساء، وقد وضعت يدها -كما ذكرت في كتابها- على أسّ معاناة المرأة، ألا وهو طغيان الرجال على النساء، فيما أسمته الطغيان المنزلي، الذي يشبه الطغيان الملكي للملوك على رعاياهم، ورأت أن إنكار الحقوق السياسية والتعليمية والعمل المتساوي مع الرجال هو الطغيان بعينه، كما أن اتكال المرأة ماديًا على الرجل في الزواج يمثل دعارة قانونية، وذهبت إلى أن الأنوثة مركب عقلي، حيث تولد النساء مساويات للرجال، ولكن يتم تلقينهن أنهن تابعات وضعيفات وخفيفات العقل، بل يتم تربية المرأة لتكون لعبة للرجل، صليلاً له، ويجب أن تجلجل في أذنيه في أي وقت يشاء، وهو يختار وقت متعته متخليًا فيها عن عقله(6). لقد عاشت ماري حياة صاخبة بين عشق، وثورة، وسفر، وتشرد، وإنجاب أطفال غير شرعيين(7) ، وتشربت طروحات التنوير والفوضويين، وتمردت على وضع المرأة في المجتمع، وحمّلت الرجال كل مشكلات المرأة، ومشكلات المجتمع أيضًا، وربما يعود السبب إلى أنها لم تعرف الحياة الأسرية المستقرة، وإنما تنقلت بين عشاقها، فكانت حياتها أقرب إلى البوهيمية، تمتلئ بأفكار وفلسفات، ظاهرها التحرر والاستنارة، وباطنها الفوضوية، والجهل بحقائق تكوين المرأة، التي لا يمكن أن تضطلع بكل مهام الرجل، مثلما أن الرجل لا يمكنه القيام بوظائف المرأة، فالعلاقة بينهما احتياج وتكامل.
والملاحظ أن ماري ابتكرت أفكارًا؛ مثّلت إلهامًا لدعاة النسوية بعد ذلك، خاصة فكرة الطغيان الذكوري في المنزل والمجتمع، وتنبيهها على فكرة المساواة بين الجنسين التي تراها مفقودة، وأن المرأة في نظر الرجل والمجتمع مجرد وعاء للشهوة والتسلية والإنجاب لا أكثر، وأن للرجل كل الحقوق ليفعل ما يشاء بالمرأة، في مقابل إنفاقه عليها ضمن مؤسسة الزواج التي هي أقرب للشركة في نظرها. وبذلك وضعت فكرة محاربة المرأة للرجل، ومواجهتها له، بوصفها ندًّا في معركة اجتماعية وسياسية وفكرية، امتدت إلى يومنا.
الهوامش:
1) معجم اللغة العربية المعاصرة، د. أحمد مختار عمر، منشورات عالم الكتب، القاهرة، ط1، 1429هـ، 2008م، مج1، ص2207
2 – Feminism: An Overview, Javeed Ahmad Raina, International Journal of Research, International Journal of Research, 2017. PP 3372& 3373.
3) نظرة للدراسات النسوية، هند محمود، شيماء طنطاوي، إصدار (1)، (القاهرة)، مارس 2016، ص13.
4) الحركة النسوية: سوزان ألس واتكنز، ومريزا رويدا، ومارتا رودريجوز، ترجمة: جمال الجزيري، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005، ص15.
5) نظرة للدراسات النسوية، ص14.
6) الحركة النسوية، ص27، 28.
7) لقد حملت ماري حملت سفاحًا من عشيقها الضابط الأمريكي جلنمبرت إملسي (1754-1828)، ووضعت مولودًا، رآه أبوه مرة واحدة، ثم غادرها عائدًا إلى الولايات المتحدة برفقة ممثلة، وأرسلها في الوقت نفسه إلى بعثة استثمارية (عمل) إلى إسكندنافيا، دون أدنى استجابة لمراسلاتها بمئات الخطابات له، مما اضطرها إلى إلقاء نفسها من فوق جسر بوتني، في محاولة للانتحار، ولكن تم إنقاذها، وتخلصت من عشقها لإملسي، وقد اضطرت للعمل، ودخلت في علاقة عشق مع الفيلسوف الفوضوي وليام جوردون، وأنجبت منه ابنة تدعى ماري، وماتت أثناء ولادتها العام 1798. المرجع السابق، ص30، 31.
عدد التحميلات: 0



