
كيف غيّر الزمن الرقمي علاقتنا بالمعرفة؟
مجلة فكر الثقافية
المقدمة:
كنا نعرف المعرفة بوصفها طريقًا نحو الحقيقة، رحلة طويلة محفوفة بالشك والتأمل والصمت. كانت القراءة فعلًا من أفعال التأمل الداخلي، حيث يتباطأ الزمن ليصغي القارئ إلى نبض الفكرة وهي تتشكّل بين الكلمات. أمّا اليوم، فقد تسلّل الضوء إلى صميم الإدراك البشري؛ شاشة صغيرة تحلّ محلّ الكتاب، إشعارٌ يحلّ محلّ الفكرة، و«نقرة» تختزل طريقًا كان يستغرق أعوامًا من التفكير.
الزمن الرقمي لم يُسرّع فقط وسائل التواصل، بل أعاد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة نفسها. لم تعد المعرفة تُطلب لذاتها، بل تُستهلك كما يُستهلك كل شيء في هذا العالم المعلَّب بالسرعة. كما يقول نيكولاس كار في كتابه الضحالة: «كلما زادت سرعة الإنترنت، قلّ عمق أفكارنا».
في هذا البحث، نحاول تتبّع هذه التحوّلات الكبرى التي أصابت جوهر المعرفة في عصر السرعة، متوقفين عند مفاصل فكرية متنوّعة تجمع بين الفلسفة والأدب وعلم الاجتماع والتقنية. من هايدغر الذي رأى في التقنية خطرًا على كينونة الإنسان، إلى شوشانا زوبوف التي كشفت الوجه الخفي لرأسمالية المراقبة، ومن ماريان وولف التي نبّهت إلى تراجع القراءة العميقة، إلى بودريار الذي أعلن دخولنا في عصر «الواقع الفائق» حيث تحل الصورة محلّ الحقيقة.
فهل ما زال في مقدورنا أن نعرف كما عرفنا من قبل؟ أم أن المعرفة قد تحوّلت إلى مجرد تدفّق معلوماتي بلا جذور، كما تحوّل الزمن نفسه إلى لحظات متلاحقة لا تستقر في وعي؟
المحور الأول: من زمن الورق إلى زمن الشاشة – التحوّل في بنية الإدراك
لم يكن الانتقال من الورق إلى الشاشة مجرد قفزة تقنية، بل كان انقلابًا في بنية الإدراك الإنساني ذاته؛ في طريقة رؤيتنا للعالم، وفي إيقاع وعينا، وفي العلاقة الحميمة بين الفكر واللغة والزمان. الورق لم يكن وسيطًا فحسب، بل كان بيئةً ذهنية وفضاءً للتمهّل والتأمل. أما الشاشة، فقد جاءت لتُدخل وعينا في مدار الضوء المستمر، حيث السرعة تُلغِي العمق، وحيث الفكرة تتبخّر في لحظة اللمس.
لقد كان الكتاب الورقي فضاءً للمكوث، بينما أصبحت الشاشة فضاءً للعبور. في زمن الورق كان القارئ يتعامل مع النص كما يتعامل الزاهد مع صلاته: طقس داخلي، بطءٌ مُتعمَّد، استغراقٌ في سكون الصفحة البيضاء التي لا تضيء إلا بنور العين. أما اليوم، فقد أصبحت القراءة تجربة سطحية متقطّعة، أشبه بتصفّح الأمواج لا بالغوص في الأعماق.
يقول أمبرتو إيكو في حديثه عن الكتاب: «الكتاب كائن مثالي، لا يحتاج إلى كهرباء، لا يستهلك إلا وقتك وتأملك». وفي المقابل، يرى مارشال ماكلوهان أن «كل وسيلة جديدة تُعيد تشكيل الوعي الإنساني». لم يكن ماكلوهان يبالغ، فقد تحوّل الإنسان المعاصر من قارئ متأمّل إلى مستهلك للمعلومة، يلتقطها كما يلتقط الصور على شاشة هاتفه، لا بوصفها فكرة بل كوميضٍ عابر.
الشاشة لا تتيح للمعنى أن يترسّب في الذاكرة كما كان يفعل الورق. هناك شيء في ملمس الصفحة، في ثقل الكتاب، في بطء تقليب الورق، يجعل الفكرة تنبت داخل القارئ. القراءة الورقية كانت حدثًا وجوديًا، بينما أصبحت القراءة الرقمية فعلًا وظيفيًا. لم تعد الكلمات تترك أثرًا فينا كما في الماضي، لأننا لم نعد نسكن النص؛ نحن فقط نمرّ به مرورًا سريعًا كما يمر الضوء على سطح الماء.
من الاستغراق إلى التشتت: ذاكرة جديدة للعصر الرقمي
يتحدّث نيكولاس كار في كتابه The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains عن أثر الإنترنت في إعادة تشكيل أدمغتنا. يقول: «كنت أستطيع أن أقرأ كتابًا طويلًا دون أن أفقد تركيزي، لكن الآن أجد نفسي عاجزًا عن المكوث مع النص. الإنترنت أعاد برمجة دماغي على البحث السريع لا على الفهم العميق».
هذا الاعتراف الصادق يختصر مأساة عصر الشاشة: نحن نعرف أكثر، لكننا نفهم أقل. أصبح وعينا مجزّأً مثل واجهة المتصفح، كل فكرة تُفتح في تبويب جديد، ولا شيء يُغلق تمامًا. إننا نعيش في حالة «انتباهٍ مفتوحٍ بلا تركيز»، وكأن وعينا أصبح خادمًا للآلة التي تغذّيه.
في زمن الورق، كانت القراءة تبني ذاكرة طويلة المدى، تصنع جسورًا بين الأفكار والتجارب. أما اليوم، فالذاكرة أصبحت ذاكرة عملٍ مؤقتة؛ ما نقرأه يُخزَّن مؤقتًا في الوعي ثم يُمحى عند أول إشعار جديد. كل شيء يُستبدل قبل أن يُهضم.
يرى الفيلسوف بيونغ-تشول هان في كتابه (في مجتمع الشفافية) أن عصر السرعة «ألغى البُعد السلبي للتفكير»، أي المسافة التي تفصلنا عن الفعل، والتي تسمح للفكرة أن تتخمّر في بطء التأمل. لقد أصبحنا نعيش في «زمن فوريّ»، حيث لا مكان للصمت ولا للانتظار، وكأن التفكير نفسه صار عبئًا لا يُحتمل.
من المعنى إلى الصورة: سطوة البصري على المفهومي
إن التحوّل من الورق إلى الشاشة ليس فقط انتقالًا في المادة، بل هو تحوّل أنطولوجي في طبيعة الوعي. الورق كان وسيطًا لغويًا، بينما الشاشة أصبحت وسيطًا بصريًا. في الماضي، كان الإنسان يقرأ ليُنتج صورًا في خياله، أما اليوم فالصور هي التي تُقدَّم له جاهزة. لقد فقدنا القدرة على التخيّل البطيء، على بناء الصور الذهنية.
يقول رولان بارت إن «القراءة فعل إنتاج للمعنى»، أما في الشاشة فقد صارت القراءة فعل استهلاك للصور. الصورة لا تطلب منا تأملاً، بل ردّ فعل. ومع كل تمريرة بالإصبع، يتضاءل النص لصالح الفيديو والمشهد، ويتراجع الزمن الداخلي للفكر أمام الزمن الفوري للمؤثرات البصرية.
في زمن الورق، كانت الكتابة مقاومة للنسيان، أما اليوم فهي غارقة في زبد اللحظة. الذاكرة الرقمية لا تحفظنا بل تبتلعنا؛ فهي ذاكرة بلا عمق، بلا نسيان، بلا ألم. إنها ذاكرة بلا روح، لأن كل ما فيها يمكن حذفه بضغطة زر.
من المؤلف إلى الخوارزمية: فقدان الصوت الإنساني
في زمن الورق، كان الكاتب يكتب لوجه الكلمة. كان النص يمر عبر تجربة إنسانية، لغة تنبض بحرارة اليد والعزلة والليل الطويل. أما اليوم، فإن الخوارزميات تقترح ما نقرأه، وتوجّه ذوقنا، وتُشكّل وعينا وفق مقاييس “الترند” و”المحتوى الأكثر مشاهدة”. أصبحنا نقرأ ما تختاره الآلة لا ما يدعونا إليه الشغف.
يقول جورج شتاينر: «حين تفقد الكلمة صبرها، يفقد العالم روحه».
وهذا ما يحدث الآن؛ الكلمات تفقد صبرها، لأننا لم نعد نحتمل بطئها.
لقد تغيّر معنى «المعرفة» في جوهرها. لم تعد ثمرة السعي والصبر، بل منتجًا جاهزًا وسريع الهضم. إن الخطر الأكبر لا يكمن في ضياع المعرفة، بل في تحولها إلى شيء يُستهلك دون أن يُعاش. فالمعرفة التي لا تُبطئك، لا تُغيرك.
الزمن كقيمة معرفية
في النهاية، ما تغيّر ليس الأدوات فحسب، بل فهمنا للزمن نفسه. فالورق كان يعلّمنا الصبر، بينما الشاشة تعلّمنا القفز. الزمن لم يعد حليف الفكر، بل خصمه. إننا نحاول أن “نختصر” كل شيء، حتى التأمل نفسه.
وهنا نلمس المفارقة:
لقد وُعدنا بأن التكنولوجيا ستُحرّر وقتنا، لكنها جعلت الوقت يُلاحقنا. صار الزمن سريعًا إلى درجة أنه لم يعد يُقاس بالدقائق، بل بالإشعارات. والإنسان المعاصر، كما يقول بول فيريليو، أصبح يعيش في «ديكتاتورية السرعة»، حيث لا يُسمح له أن يتباطأ دون أن يُعاقَب بالنسيان.
المحور الثاني: تسليع المعرفة وولادة اقتصاد الانتباه
لم تعد المعرفة في عصرنا الحديث تُنتج بوصفها ثمرة تأمل أو اكتشاف أو بحث حرّ، بل أصبحت تُدار كما تُدار السلع في الأسواق. صار للمعرفة سعر، وللانتباه قيمة سوقية، وللمعلومة دورة حياة قصيرة كأي منتجٍ استهلاكي. لم تعد الفكرة تعيش لأنها تُلهم، بل لأنها تُشاهد وتُشارك وتُستثمر.
لقد دخلنا حقبة جديدة يمكن تسميتها – كما يسميها هيربرت سيمون وبيونغ تشول هان – بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث لم يعد النُدرة في المعرفة نفسها، بل في قدرتنا على التركيز.
من إنتاج المعرفة إلى إنتاج الاهتمام
في القرن العشرين، كان الصراع الفكري يتمحور حول من يمتلك الحقيقة، أمّا اليوم فالصراع يدور حول من يمتلك “الانتباه”. لم تعد المعرفة تُنتج لتُفهم، بل لتُثير؛ لتخطف بصر المتصفح قبل أن يُغلق الصفحة أو يُمرّر إصبعه نحو التالي.
يقول هيربرت سيمون في ملاحظته الشهيرة: «وفرة المعلومات تولّد ندرة في الانتباه».
وهكذا تحوّل الانتباه إلى سلعة اقتصادية، تتنافس عليها الشركات والمنصات كما تتنافس الدول على الموارد الطبيعية.
إن هذه الندرة الجديدة – ندرة التركيز – هي أخطر ما أنتجه الزمن الرقمي، لأنها غيّرت علاقتنا بالمعنى ذاته. نحن لم نعد نبحث عن “الحقيقة”، بل عن ما يجذبنا أكثر. وهنا تظهر مفارقة مأساوية: المعرفة لم تعد سبيلًا للتحرر، بل وسيلة للهيمنة.
المعلومة كسلعة: حين أصبح الفكر قابلاً للتداول
يُشير جان بودريار في مجتمع الاستهلاك إلى أن «كل شيء في العالم الحديث يُختزل إلى رموز قابلة للتبادل»، والمعرفة ليست استثناء. لقد تحوّل الفكر نفسه إلى محتوى يُقاس بعدد المشاهدات والإعجابات. صار «العالم المفكر» يُعامل كعلامة تجارية، و«النص» كمنتج تسويقي يُروّج له عبر العناوين اللافتة والصور المبهجة.
في هذا السوق الجديد، لا قيمة للبطء، ولا مكافأة على العمق. إننا نعيش زمن «المعلومة السريعة» – bite-sized knowledge – التي تُقدّم في جرعات قصيرة تُشبع الحاجة السطحية للمعرفة دون أن تفتح جرح التساؤل. أصبحنا نقرأ لنستهلك، لا لنفكر.
يقول نيل بوستمان في كتابه Amusing Ourselves to Death: «لقد انتقلنا من ثقافة الكلمة إلى ثقافة الصورة، ومن الحوار إلى الترفيه، ومن التفكير إلى التصفّح».
وهكذا، أصبحنا نعيش في ما يسميه بيونغ تشول هان «زمن الإغراق المعلوماتي»، حيث «تغرق الحقيقة في بحر من البيانات»، فلا يعود الفرق واضحًا بين المعلومة والمعنى، بين الخبر والرأي، بين المعرفة والحشو.
الإعلان كسلطة جديدة: تسويق الوعي بدل تشكيله
يقول الفيلسوف الفرنسي غي دوبور في عمله الشهير مجتمع الاستعراض: «كل ما كان يُعاش مباشرة، صار يُمثّل في شكل صورة».
لم تعد الإعلانات تبيع منتجات فقط، بل تبيع أنماط حياة، أحلامًا، هوياتٍ جاهزة. وبالمثل، أصبحت المنصات الرقمية لا تبيع المعرفة، بل «تسويق الذات» على هيئة رأي سريع أو اقتباس مُقتطع. أصبحت الذات نفسها سلعة في هذا السوق المفتوح.
لقد تمّ استبدال الإنسان المتعلّم بـالمستخدم الدائم الاتصال، وأصبح أهم ما يُنتجه المجتمع الرقمي هو البيانات -بياناتنا نحن، التي تُباع وتُشترى كما تُباع المعادن والنفط.
في هذا الإطار، تشير الباحثة شوشانا زوبوف في كتابها المؤسس عصر الرأسمالية المراقِبة (The Age of Surveillance Capitalism) إلى أن المنصات التقنية لم تعد تقدم المعرفة للمستخدم، بل تستخلص من انتباهه ومن سلوكه بيانات تُحوّل إلى أرباح. نحن لم نعد مستخدمين للمعرفة، بل أصبحنا نحن أنفسنا المادة الخام للآلة الاقتصادية.
الانتباه: الثروة الخفية للعصر الرقمي
لقد أصبح الانتباه موردًا نادرًا، أشبه بالذهب الرقمي الذي تتنافس عليه الشركات والأنظمة. المنصات الكبرى – فيسبوك، يوتيوب، تيك توك – لا تبيعك الخدمة، بل تبيع وقتك لمن يدفع أكثر. وفي سبيل ذلك تُعاد صياغة كل شيء لتخدم بقاءك أطول مدة ممكنة على الشاشة.
فيديوهات قصيرة، عناوين مثيرة، أصوات تنبيهٍ محسوبة بدقة -كل ذلك لتغذية دائرة الإدمان. وهكذا يتحوّل الدماغ الإنساني إلى حقل تجارب مفتوح. المعرفة، التي كانت يومًا سبيلًا للتحرر، أصبحت أداة للهيمنة الناعمة.
في هذا السياق، يمكن فهم قول ميشيل فوكو: «المعرفة ليست بريئة؛ إنها تمارس السلطة كما تمارسها الدولة والسوق».
ففي زمن اقتصاد الانتباه، من يمتلك قدرتك على التركيز يمتلكك.
من الفكرة إلى الخوارزمية: موت الوسيط الإنساني
في عالم الورق، كان القارئ يختار كتابه، يفتحه ببطء، يعيد قراءته، يضع ملاحظاته. كان هناك علاقة جدلية بين النص والقارئ، بين الذهن والعالم. أما اليوم، فالخوارزمية هي من تختار ما نقرأه، وتحدّد ما نظنه مهمًا.
الخوارزمية لا تميّز بين الجيد والرديء، بل بين ما يجذب وما لا يجذب. إنها تُكافئ الإثارة وتُعاقب العمق. وبذلك، لم نعد نعيش في فضاء معرفي حر، بل في فقاعة ذهنية مغلقة حيث يُعاد تدوير ما نؤمن به حتى نصبح سجناء لأفكارنا المسبقة.
وهنا يظهر البعد الأخطر: لم تعد المعرفة طريقًا إلى الحقيقة، بل إلى الرضا الذاتي. لم نعد نبحث لنعرف، بل لنؤكّد لأنفسنا أننا كنا على صواب. وكأن الشاشة صارت مرآة فكرية ضخمة تعكس ما نريد سماعه.
الكاتب في زمن السوق: من المفكر إلى المؤثر
في زمن اقتصاد الانتباه، تحوّل الكاتب من منتج للأفكار إلى “مؤثر رقمي”. لم تعد القيمة في النص، بل في مدى تفاعله. أصبح الفكر يُقاس بعدد الإعجابات كما تُقاس السلع بالعرض والطلب.
في هذا المناخ، تُقتل الفكرة الجادة قبل أن تولد، لأن المنصات لا تحتمل الصمت، ولا تكافئ التأمل.
لقد كان فالتر بنجامين يحذّر منذ ثلاثينيات القرن الماضي من أن «العمل الفني في عصر الاستنساخ التقني يفقد هالته». واليوم، يمكننا القول إن الفكر في عصر المشاركة الفورية فقد هالته كذلك. كل نص أصبح نسخة من نسخة، وكل فكرة تُختصر في اقتباس أو تغريدة أو مقطع.
نهاية الفيلسوف وبداية المسوّق الفكري
في مجتمع الصورة، لم يعد المفكر صانع أفكار، بل صانع هويةٍ قابلة للتداول. أصبح «العمق» نفسه سلعة تُقدَّم في قوالب جميلة لكنها خاوية من التجربة. وكما يقول بودريار: «الواقع لم يختفِ، بل استُبدل بمحاكاة له».
وهكذا، أصبحت المعرفة تُباع في عبوات براقة من التحفيز الذاتي، والإلهام اللحظي، والاقتباسات المنمقة.
المفارقة أن هذه «المعرفة السريعة» لا تُشبع، لأنها لا تترك أثرًا وجوديًا. إنها تُشبه السكر الثقافي: تمنحك نشوة فورية ثم تتركك فارغًا. كلما ازددنا اطلاعًا، ازددنا سطحية.
من الوعي الجمعي إلى السوق الجماعي
لقد غيّر الزمن الرقمي طبيعة الفضاء العمومي ذاته. في السابق، كانت الصحف والمجلات والكتب فضاءً للنقاش العقلاني، أما اليوم فالشبكات الاجتماعية حولت الحوار إلى بازار للانفعال. لم تعد المعرفة تُبنى عبر الجدال، بل عبر الجدل.
وكل رأي لا يُثير ضجيجًا لا مكان له.
يقول هان أرنت إن «الحرية لا تُمارس في العزلة، بل في الفضاء العمومي للحوار». ولكن أي حوار يمكن أن يقوم في عالمٍ تُقاس فيه القيمة بمدة المشاهدة لا بقوة الفكرة؟
إننا نعيش ما يمكن تسميته بـ«الاستعمار الرقمي للعقل»، حيث لم تعد الهيمنة تُمارس بالقوة، بل بالإلهاء. إننا نُستدرَج طواعية إلى التفاهة، باسم المشاركة والانفتاح، حتى ننسى ما كان يومًا محور الوجود الإنساني: البحث عن المعنى.
المحور الثالث: الذاكرة في عصر السرعة – من الحفظ إلى البحث
لطالما كانت الذاكرة حجر الزاوية للمعرفة. عبر العصور، ارتبطت المعرفة بالحفظ، والتذكر، والتأمل. لم يكن الحفظ مجرد تكديس للمعلومات، بل فعل وجودي يربط الإنسان بماضيه، ويفتح له نافذة على مستقبله. في زمن الورق، كانت الكتب تعمل كـ«خزائن للذاكرة»، تحفظ الأفكار، وتتيح للقارئ أن يتلمس الزمن، وأن يكوّن سرديته الخاصة للعالم.
أما اليوم، فقد طرأ انقلاب جذري على طبيعة الذاكرة بفعل الزمن الرقمي والتقنيات الحديثة. صار الحفظ فعلًا ثانويًا، لأن كل ما يحتاجه الإنسان يمكن أن يُستدعى بضغطة زر. لم نعد نحفظ لأننا نستطيع الاستدعاء، ولم نعد نعيد القراءة لأننا نملك «ذاكرة خارجية» في محركات البحث والسحابة الرقمية.
الذاكرة كاختصار – البحث بدل الحفظ
تغيرت العلاقة بين الإنسان والمعرفة من تراكم ذهني داخلي إلى استدعاء خارجي. كل معلومة يمكن أن تُسترجع فورًا، وكل كتاب يمكن الوصول إليه بلا انتظار. وعلى الرغم من اليسر الظاهر، فإن هذا التحول له ثمن ثقيل: فقدان القدرة على التركيب الداخلي للأفكار.
يقول نيكولاس كار في The Shallows: «لقد خسر دماغنا القدرة على التفكير العميق لأننا أصبحنا نثق في الذاكرة الرقمية بدلًا من ذاكرتنا الداخلية».
فالذاكرة الرقمية ليست ذاكرة بالمعنى الإنساني، بل قاعدة بيانات بلا روح. إن الحفظ ليس مجرد حفظ كلمات، بل عملية تحويل المعرفة إلى وعي شخصي؛ أما الاستدعاء الفوري فيغيب عنه هذا الجانب الوجودي، ويتركنا في حالة سطحية من المعرفة.
من العمق إلى الفور – تداعيات التشتت الرقمي
في زمن الورق، كان التأمل بطيئًا، والعودة إلى النص ضرورية لإعادة تشكيل الفكرة. أما اليوم، فالتشتت الرقمي يحوّل القراءة إلى عملية متقطعة ومشتّتة. كل إشعار، كل رابط، كل نافذة منبثقة، تعطل التركيز وتشتت الذاكرة.
يصف بيونغ تشول هان هذا الواقع في مجتمع الإرهاق: «السرعة في الوصول إلى المعلومات تمنح الإنسان وهم السيطرة، لكنها تقضي على عمق التفكير، وتحوّل الذاكرة إلى جهاز استقبال لا أكثر».
وبذلك، أصبحنا نختصر الزمن، ونختصر المعنى، ونختصر أنفسنا معًا. لم تعد المعرفة فعلًا حضوريًا، بل فعل تجريدي لحظة الوصول.
الذاكرة الجماعية مقابل الفردية
أحد التحولات الجوهرية في زمن الرقمي هو انتقال جزء كبير من الذاكرة الفردية إلى ذاكرة جماعية رقمية. لم يعد الفرد محتاجًا لحفظ كل شيء، لأن الشبكات الاجتماعية ومحركات البحث تحل محل التذكر الشخصي.
يشير مارشال ماكلوهان إلى أن الوسائل الجديدة تعيد تشكيل «المجتمع العضوي للذاكرة». اليوم، يختلط الحفظ الشخصي بالذاكرة الشبكية، وتصبح التجربة الفردية مجرد امتداد لما تحتفظ به الخوادم الرقمية.
لكن هذه الذاكرة الجماعية الرقمية ليست حيّة. فهي تحفظ البيانات ولا تحفظ السياق، وتخلو من الحس الإنساني للنسيان الإبداعي، الذي يتيح للفكرة أن تتطور، وأن تتشكل من خلال الفراغ والتأجيل.
النسيان: الفضيلة المفقودة
في الماضي، كان النسيان جزءًا من بناء الوعي. فالنسيان يتيح للمخيّلة أن تعيد تركيب الأفكار، وللتجربة أن تُبنى في العمق. أما اليوم، فقد أصبح النسيان غائبًا، لأن كل شيء يُسجَّل، ويُخزن، ويُعالج خوارزميًا.
ويعلق هايدغر على هذا الوضع: «حين تتحول المعرفة إلى بيانات محوسبة، يصبح الإنسان عبدًا لتقنيته، ويفقد القدرة على إعادة تفسير واقعه».
إن ضياع النسيان يعني ضياع القدرة على العمق، وعلى الفهم العميق للعلاقات بين المعرفة والخبرة، بين الماضي والحاضر، بين الذات والعالم.
الذاكرة كفعل إبداعي
الذاكرة ليست مجرد حافظة للمعلومات، بل أداة للتفكير الإبداعي. إنها تصنع المعنى، وتخلق الروابط، وتبني الفلسفة الفردية للوجود. في زمن السرعة، ومع الاستدعاء الفوري، يتحول البحث إلى مجرد نقل للمعلومة، وليس بناءً للمعرفة.
يقول جون سيرل: «لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلق معنى كما يفعل العقل البشري، لأن العقل البشري يربط الماضي بالحاضر لتشكيل التجربة».
ولذلك، يبقى التحدي في استعادة فعل الحفظ كفضيلة معرفية. في عالم تسيطر عليه السرعة، يصبح الحفظ مقاومة، والنسيان المقصود انتصارًا على الانغماس الرقمي.
المحور الرابع: نيتشه وهايدغر – الفلسفة في وجه التقنية
حين نتحدث عن الزمن الرقمي وتأثيره على المعرفة، لا يمكن تجاوز رؤية الفلاسفة الذين تنبّهوا منذ قرون لمخاطر التقنية على الإنسان والوعي. هنا يبرز نيتشه وهايدغر، كلٌّ من زاويته، ليضعا أمامنا مرايا صافية، تعكس عمق الأزمة التي يعيشها الفكر في عصر السرعة.
نيتشه: إرادة السيطرة والمعرفة كقوة
كان نيتشه يرى أن المعرفة ليست مجرد فعل حيادي، بل أداة إرادة. المعرفة قوة، والفكر وسيلة للسيطرة على الذات والعالم. في كتابه (إرادة القوة)، يربط بين البحث عن الحقيقة وبين النفوذ، مشيرًا إلى أن الإنسان الذي يملك المعرفة يمتلك القدرة على تشكيل واقعه.
اليوم، يمكن قراءة نيتشه على ضوء الزمن الرقمي كتحذير مزدوج: المعرفة التي تتحول إلى سلعة أو إلى بيانات تُديرها الخوارزميات، تفقد بعدها الإنساني وعمقها النقدي. نحن نعيش حالة من الانقسام بين معرفة سريعة، موجهة للترفيه والتفاعل، ومعرفة تتطلب جهدًا وتأملًا. الفجوة بينهما تتسع يومًا بعد يوم.
يقول نيتشه: «حين يُصبح الإنسان عبد أدواته، لن تعود له حاجة إلى إله، لأنه سيكون قد عبد ذاته».
– وهذا ينطبق حرفيًا على الإنسان الرقمي الذي يُقاد بخوارزميات الشبكات، حيث يُستبدل التفكير العميق بالانبهار اللحظي.
في هذا السياق، تصبح فلسفة نيتشه دعوة للتمرد على سطحية المعرفة الرقمية، واستعادة إرادة البحث عن المعنى، بغض النظر عن ضغط السرعة والمعلومات.
هايدغر: التقنية ككشف للعالم
أما هايدغر، فيرى التقنية كظاهرة وجودية تتجاوز كونها مجرد أدوات. في مقاله «السؤال حول التقنية»، يقول:
«الخطر ليس في أن تُستعبد، بل في أن تُنسى مسألة الوجود ذاته».
التقنية، وفق هايدغر، تغيّر طريقة إدراك الإنسان للعالم؛ تجعل كل شيء موردًا، وكل فعل قابلًا للتحويل إلى عملية إنتاجية. في زمن الإنترنت والذكاء الاصطناعي، صار كل شيء، من المعلومات إلى الإبداع، قابلاً للحساب، للقياس، للتحليل الرقمي، مما يحول الوعي البشري إلى «آلة استقبال».
وهنا، يظهر التحدي الفلسفي: كيف نعيد للمعرفة بعدها الإنساني وسط عالم يحوّل كل شيء إلى بيانات؟ كيف نعيد للقراءة والتأمل والبحث عن المعنى قيمتها، في مجتمع يسابق الزمن ويكرس الانتباه كسلعة؟
الالتقاء بين نيتشه وهايدغر: التقنية وإعادة تعريف الإنسان
إذا جمعنا رؤيتي نيتشه وهايدغر، نجد تحذيرًا مزدوجًا: نيتشه يحذر من أن المعرفة بلا وعي إرادي تتحوّل إلى أداة للسيطرة والسطحية.
هايدغر يحذر من أن التقنية تغيّر الوجود ذاته، وتحول كل فعل بشري إلى مجرد أداء وظيفي.
في عصر السرعة الرقمي، نرى انعكاس هذا التحذير: الإنسان يُسحب من عمق تجربته المعرفية ليصبح متلقيًا فوريًا للمعلومة، لا منتجًا للفهم. التقنية تُسرع كل شيء، وتقصي الصبر، وتلغي البُعد النقدي، فتتحوّل المعرفة إلى إلهاء دائم.
الفن والأدب كفضاء مقاومة فلسفية
في مواجهة هذا التحدي، يمكن النظر إلى الأدب والفن كمساحات مقاومة. فالأعمال الأدبية الكبرى، من روايات مارسيل بروست إلى مقالات أمبرتو إيكو، توفر للقارئ تجربة تأملية تمارس البطء، وتعيد الإنسان إلى عمق الفكر، وتخلق نوعًا من الوعي المقاوم لتسليع المعرفة.
كما أن الشعر والفلسفة يقدمون للإنسان فرصة إعادة التأمل في الزمن الداخلي، وهو ما يفتقده الكثير من مستخدمي التقنية الحديثة. في هذه المقاومة، يصبح الفرد قادرًا على إعادة صياغة علاقته بالمعرفة، بعيدًا عن الاقتصاد الرقمي للانتباه، بعيدًا عن الانشغال بالمؤثرات اللحظية، واستعادة حرية الفكر والتأمل.
هايدغر والوعي الرقمي: خطر الغياب عن الذات
يضيف هايدغر بعدًا آخر، إذ يشير إلى أن التقنية تجعل الإنسان غائبًا عن نفسه، لأنها تحل محل التفكير الداخلي بالعمليات الحسابية. في عالم الشبكات الرقمية، يصبح الفرد متلقّياً للبيانات والمحفزات، دون أن يخلق معنى شخصيًا.
وهذا يقود إلى تساؤل فلسفي عميق: هل المعرفة بلا تأمل تُنتج وعيًا؟
هل السرعة الفائقة تتيح لنا أن نعيش المعنى، أم أنها تحوّل كل ما نفهمه إلى وهم مؤقت؟
الإجابة تظهر جليّة في توصيات الفلاسفة المعاصرين: الإنسان بحاجة إلى مسافة تأملية، إلى بطء يُعيد له السيطرة على وعيه، وإلى نصوص وأفكار لا تُستهلك، بل تُعاش.
المحور الخامس: وهم المعرفة – حين يصبح السطح عمقًا جديدًا
في عالم السرعة الرقمية، تتقاطع المعرفة مع وهمٍ غريب: السطح صار عمقًا. نحن نعيش حالة من الانبهار المستمر بالمعلومة، ولكننا فقدنا القدرة على استيعابها، وتحويلها إلى تجربة حقيقية. فالتقنية جعلت من الاستهلاك اللحظي للبيانات ما يشبه الاحتفاء بالسطح بدل الغوص في العمق.
هنا يظهر التناقض الأساسي: المعرفة اليوم متاحة أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك، أصبح الإنسان يشعر بالعجز عن امتلاكها أو فهمها. إنها وفرة بلا معنى، كثافة بلا صبر، وكم هائل من المعلومة لا يترجم إلى وعي حقيقي.
المعلومة كإيهام بالعمق
يصف نيكولاس كار هذه الظاهرة في كتابه The Shallows، مشيرًا إلى أن الإنترنت أعاد تشكيل طريقة تفكيرنا إلى سلسلة من الانطباعات السريعة: كل معلومة تُلتقط بسرعة ثم تُنسى، وكل فكرة تُستبدل بالأخرى قبل أن تتشكل.
هذا هو وهم المعرفة: أننا “نقرأ كثيرًا”، ولكننا لا نعرف شيئًا بعمق. كل رابط، كل مقطع فيديو، كل تغريدة، تُضخم شعورنا بالاطلاع، لكنها في الحقيقة تُفرغ العملية الفكرية من جوهرها.
السطحية كثقافة جديدة
في عصر الشاشة، السطحية لم تعد مجرد عيب، بل ثقافة مُعمّمة. وسائل التواصل الاجتماعي تعزز الانطباعية وتقلل من الحاجة إلى الفهم العميق. كل محتوى يُصمّم ليجذب الانتباه بسرعة، ليحصل على تفاعل فوري، ثم يُنسى.
يصف بيونغ تشول هان في مجتمع الشفافية هذا الواقع بأن الإنسان أصبح يعيش في «دائرة السطحية المستمرة»، حيث الوعي مضغوط بفعل الإلهاء المتكرر، والعمق محجوب باستمرار عن التجربة الشخصية.
الأدب والفلسفة هنا ليسا مجرد متعة، بل أدوات مقاومة: الكتاب الورقي، الرواية الطويلة، المقالة العميقة، تمثل فرصة لإعادة اكتشاف العمق الحقيقي للمعرفة في مواجهة وهم السطحية الرقمية.
الوهم الاجتماعي للمعرفة
السطح هنا ليس مجرد تجربة فردية، بل يمتد إلى الوهم الاجتماعي: كل شخص يظهر وكأنه مطلع على كل شيء، كل خبرية تبدو مكتملة، وكل حوار رقمي يختصر كل الأبعاد في جملة قصيرة أو فيديو قصير.
يقول هارولد إنيس في دراسته عن الاتصال: «الوسيلة تحدد الثقافة، والثقافة تحدد الإدراك». في زمن الإنترنت، الوسيلة الرقمية تُولّد ثقافة الوهم: نحن نعرف القليل جدًا عن كثير، ونعرف كثيرًا عن القليل.
السطح كأداة هيمنة
في الواقع، السطحية تُستخدم كأداة للهيمنة على الانتباه: كل ما يُقدّم لنا يكون مصمّمًا لجذب العين واللمس قبل الفكر. كل إشعار، كل فيديو، كل تنبيه، يُسابق الوعي ليخطف انتباهه، ويترك الفكرة غير مكتملة.
يعلق جون سيرل بأن الإدراك البشري غير مُصمّم للتعامل مع هذا الكم الهائل من البيانات، وأن التحدي الحقيقي هو الحفاظ على المسافة التأملية بين الفكرة والعقل.
المعرفة كرحلة وليس كمنتج
المأساة الكبرى هي أن الإنسان المعاصر بات يختزل المعرفة إلى منتج نهائي، وليس رحلة. كل شيء متاح، لكن لا شيء يُعاش. وكل محاولة للتوقف والتمعّن تُعتبر «تباطؤًا» غير مقبول في زمن السرعة.
هنا تكمن الدعوة الفلسفية والأدبية: العودة إلى المعرفة كرحلة، حيث تُعاد قراءة النصوص، وتُسترجع الأفكار، ويُعاد التفكير فيها ببطء، بعيدًا عن ضغط الانتباه الرقمي.
المحور السادس: القراءة النقدية في زمن السرعة – من النص إلى التأمل
القراءة النقدية ليست مجرد نقل للمعلومة، بل رحلة داخل النص، ومسارًا نحو الذات. عبر العصور، كان القارئ يبني تجربته المعرفية من خلال التأمل البطيء، وإعادة القراءة، وربط الأفكار ببعضها. هذه العملية، التي كانت محور التعلم العميق، تتعرض اليوم لضغط الزمن الرقمي، حيث السرعة والإلهاء يغيران طبيعة القراءة نفسها.
التحول من القراءة العميقة إلى القراءة السريعة
يصف نيكولاس كار في كتابه The Shallows كيف أن الإنترنت أعاد تشكيل الدماغ، وجعل القراءة أكثر سطحية، وأكثر سرعة، وأقل قدرة على التركيز العميق. في زمن الشاشة، أصبح النصوص تُستهلك بسرعة، وتُستبدل بأخرى قبل أن يُستوعب المعنى الكامل.
إن القراءة النقدية تتطلب بطءً ومقاربة متعددة الأبعاد للنصوص، وهو ما تختزله التجربة الرقمية في سيل من النوافذ المتنافرة، والروابط المشتتة، والإشعارات المستمرة.
التأمل والتمرد على السرعة
القراءة النقدية ليست مجرّد معرفة المضمون، بل تمرد على السطحية المفروضة. حين نعيد قراءة نص طويل أو رواية معقدة، نحن نمارس فعل مقاومة: مقاومة الزمن السريع، ومقاومة الإلهاء، ومقاومة التسلع الرقمي للمعرفة.
يقول أمبرتو إيكو: «الكتاب الجيد ليس ما يُقرأ مرة واحدة، بل ما يُعاد قراءته مرات، ليكشف عن طبقات جديدة من المعنى».
وهنا يتضح أن القراءة النقدية في زمن السرعة تمثل فضاءً للحرية، حيث يستعيد القارئ السيطرة على وعيه، ويعيد صياغة العلاقة بين النص والعقل، بين المعرفة والذات.
التفاعل مع النص: من الملاحظة إلى الحوار
القراءة النقدية تتطلب حوارًا داخليًا مع النص. كل فكرة تُقرأ تُعاد صياغتها داخليًا، تُربط بتجارب شخصية، وتُختبر ضد المعرفة السابقة. هذا التفاعل هو ما يميّز الإنسان عن الخوارزمية، ويعيد للمعرفة بُعدها الإنساني.
في زمن السرعة، يحوّل الضغط الرقمي هذا الحوار إلى تفاعل سطحي: التعليقات السريعة، الإعجابات، أو التلخيص اللحظي للمحتوى. وهكذا نفقد البنية الداخلية للفهم النقدي.
الأدب كفضاء للقراءة النقدية
الأدب، بخاصة الرواية والفلسفة، يوفّر مساحات واسعة للقراءة النقدية. الأعمال الكبرى من مارسيل بروست، إلى تولستوي، إلى جيمس جويس، تتطلب بطءً وإعادة قراءة وتأمل، وهو ما يتناقض مع زمن السرعة الرقمي.
القراءة النقدية في هذا السياق تصبح تمرينًا على الصبر والعمق. كل صفحة تُقرأ، كل فصل يُستوعب، كل فكرة تُستدعى، تمثل فعلًا مقاومة للسطحية الرقمية.
الفكر الرقمي والتحديات المعاصرة
في عالم المعلومات الفورية، تتعرض القراءة النقدية لأربعة تحديات رئيسية:
– الانشغال المستمر: الإشعارات والتنبيهات تشتت التركيز.
– الإغراق المعلوماتي: الكم الهائل من المعلومة يضعف القدرة على التعمق.
– الوهم الاجتماعي للمعرفة: الانطباعات الرقمية تمنح شعورًا زائفًا بالإلمام بالمحتوى.
– الاستعاضة عن التأمل بالمشاركة السطحية: التعليقات والإعجابات تحل محل التفكير النقدي.
هذه التحديات تجعل القراءة النقدية فضاءً نادرًا وثمينًا، إذ تمنح القارئ القدرة على استعادة معنى المعايشة المعرفية بعيدًا عن الاستهلاك اللحظي للمعلومة.
المحور السابع: أثر السرعة على الإبداع والخيال – من البناء الفني إلى الضياع الرقمي
الإبداع والخيال يمثلان جوهر التجربة الإنسانية؛ ففيهما يلتقي العقل مع الروح، وتولد الأفكار، وتُشكّل العوالم. لكن في زمن السرعة الرقمية، يتعرض هذان الفعلان الإنسانيان لضغط متزايد، يحول الإلهام إلى مادة مستهلكة بسرعة، ويدمر الصبر اللازم للبناء الفني العميق.
السرعة الرقمية والتشتت الذهني
في الماضي، كان الإبداع عملية متأنية، تبدأ بالفكرة ثم تتطور عبر التدفق الداخلي للفكر والممارسة الطويلة. أما اليوم، فالزمن الرقمي يُخضع الخيال للضغوط الـفورية: كل فكرة يجب أن تُعرض فورًا، كل محتوى يجب أن يجذب الانتباه خلال ثوانٍ.
يصف بيونغ تشول هان هذه الظاهرة بأنها «عصر التسريع والإلهاء»، حيث يُغرق الفرد في كم هائل من البيانات، فتختنق القدرة على التركيز، وتضعف القدرة على تحويل الفكرة إلى بناء فني كامل.
الإبداع في مواجهة الاستهلاك اللحظي
الإبداع يحتاج إلى مساحة للتأمل، وإلى وقت للتجربة والخطأ. في عالم الرقمي، كل محتوى يُقاس بالسرعة، وكل فكرة تُقيّم بعدد المشاهدات والتفاعلات. وهنا يظهر التناقض: الفكرة التي تحتاج للعمق تُستبدل بالمؤثر اللحظي، والتجربة الإبداعية تتحوّل إلى عرض سريع يُستهلك بلا أثر دائم.
يقول نيتشه: «الفنان الحقيقي يعيش في صراع داخلي مستمر؛ لا يمكن اختصار هذا الصراع في ضغطة زر».
وهكذا، يصبح الإبداع الضائع هو الضحية الأولى للسرعة الرقمية، بينما ينجح السطح والتكرار اللحظي في السيطرة على الانتباه.
الخيال كمساحة مقاومة
على الرغم من الضغوط، يظل الخيال مجالًا يمكن من خلاله مقاومة السرعة. الروايات الطويلة، الشعر المركب، والموسيقى المعقدة، تمنح القارئ أو المتلقي فرصة للاغتراب عن الزمن الرقمي، وللتفاعل مع النصوص والفنون بعمق.
هنا يظهر دور الأدب والفن ليس فقط كمنتج، بل كـفضاء وجودي مقاوم. الخيال يسمح للإنسان أن يعيد بناء ذاته، وأن يربط المعرفة بالتجربة، بعيدًا عن الانبهار اللحظي للمعلومة.
الفن الرقمي والتهديد للعمق
الرقمنة لم تأتِ دون إيجابيات، فهي وسّعت فضاءات الإبداع، وسمحت بنشر الفن والموسيقى والنصوص بسرعة غير مسبوقة. لكن هذه الإيجابيات تأتي مع ثمن فقدان العمق. في كل صورة رقمية، وكل فيديو قصير، وكل محتوى تفاعلي، يصبح التركيز على الاستهلاك أكثر من التركيز على التأمل والإبداع الداخلي.
يصف مارشال ماكلوهان وسائل الاتصال بأنها «امتداد للحواس»، وفي السياق الرقمي، امتداد الحواس هذا يحوّل الإبداع إلى تجربة سريعة ومسطحة، ويهدد بناء عالم داخلي غني بالخيال.
الإبداع والتجربة الشخصية
الإبداع الحقيقي يحتاج إلى التجربة الشخصية، وإلى مواجهة التحديات الذاتية، وإلى صبر على الفكرة حتى تنضج. في عالم السرعة، هذه التجربة غالبًا ما تُستبدل بمحاكاة أو تكرار جاهز. الخيال يصبح مفتاحًا لمقاومة الضياع الرقمي، حيث يمكن للفرد أن يخلق مساحة خاصة للتفكير والإبداع بعيدًا عن ضغط الإيقاع الرقمي.
الخيال بين الأدب والفلسفة
الأدب والفلسفة يشتركان في خلق فضاءات خيالية تسمح بالتفكير العميق والتأمل النقدي. يقول هايدغر:
«الفن يكشف للإنسان العالم الحقيقي من خلال تجارب وجودية لا يمكن اختزالها إلى صور سريعة أو بيانات».
وهذا يذكّرنا بأن الإبداع والخيال ليسا مجرد أدوات ترفيهية، بل مساحات لبناء الوعي، وإعادة اكتشاف المعنى، وفهم العلاقة بين المعرفة والتجربة.
المحور الثامن: نحو وعي معرفي مقاوم – استراتيجيات التعلم العميق في زمن السرعة
بعد أن استعرضنا تحولات المعرفة والذاكرة، والسطحية الرقمية، وتأثير السرعة على الإبداع والخيال، يظهر سؤال محوري: كيف يمكن للإنسان أن يكتسب وعيًا معرفيًا مقاومًا في زمن السرعة؟
الوعي المعرفي لا يقتصر على جمع المعلومات، بل يشمل القدرة على الاختيار، والتأمل، والفهم العميق، وبناء الروابط بين المعرفة والتجربة الإنسانية. في هذا السياق، يصبح التعلم العميق ليس مجرد فعل أكاديمي، بل فعل وجودي مقاوم للسطحية الرقمية.
التحكم في الانتباه كأول خطوة
أحد أبرز التحديات في زمن السرعة هو إلهاء الانتباه المستمر. القراءة المتقطعة، الإشعارات الرقمية، والكم الهائل من المعلومات تجعل العقل يتنقل بسرعة من فكرة إلى أخرى، دون أن يتمكن من التعمق.
هنا يبرز دور الانضباط الذاتي الرقمي: التحكم في الانتباه عبر تخصيص أوقات للقراءة، وإغلاق التنبيهات، وممارسة الصمت الرقمي. يقول بيونغ تشول هان: «الحرية الحقيقية تبدأ حين يتحرر الإنسان من استعجال المعلومات المستمرة».
إذن، السيطرة على الانتباه ليست مجرد مهارة، بل شرط أساسي للوعي المعرفي العميق.
القراءة البطيئة والمركّزة
القراءة البطيئة، أو ما يسميه البعض «البطء الواعي»، هي أحد أهم استراتيجيات التعلم العميق. عبر إعادة قراءة النصوص، والتوقف عند الأفكار الكبرى، ومساءلة المؤلف، يعيد القارئ العمق للمعرفة، ويحوّل المعلومة إلى خبرة حية.
أمبرتو إيكو يؤكد أن القراءة ليست فقط نقلًا للمعلومة، بل حوار مستمر بين القارئ والنص، وحيث يُعاد بناء الفكرة داخليًا عبر التأمل النقدي، ويصبح النص فضاءً لتوليد المعنى وليس مجرد بيانات.
ممارسة الكتابة التأملية
الكتابة ليست مجرد توثيق، بل أداة للتفكير العميق. تدوين الملاحظات، كتابة اليوميات الفكرية، أو صياغة الأفكار الجديدة، يجعل القارئ مشاركًا نشطًا في عملية المعرفة.
جون سيرل يشير إلى أن الإدراك البشري يحتاج إلى التفاعل النشط مع الفكرة. الكتابة التأملية تسمح للعقل بتحويل المعلومة إلى فهم، وتحويل المعرفة السطحية إلى وعي شخصي قادر على اتخاذ قرارات فكرية وأخلاقية.
التفاعل النقدي مع المصادر الرقمية
حتى في زمن الشبكة، يمكن ممارسة وعي رقمي مقاوم عبر القراءة النقدية للمصادر الرقمية، والمقارنة بين المعلومات، والتحقق من صحتها، والتمييز بين المحتوى الموثوق والتسلية اللحظية.
هذا النوع من الوعي الرقمي يتطلب مهارات متعددة: التفكير النقدي، التأمل في السياق، والتحليل المتعمق. وهو ما يجعل القارئ فردًا متحكمًا في المعرفة وليس مجرد مستهلك لها.
إعادة اكتشاف النسيان الإبداعي
كما ناقشنا في المحور الثالث، النسيان ليس عيبًا، بل فضيلة معرفية. يسمح للنفس بإعادة بناء الأفكار، وتجربة الروابط الجديدة بين المعرفة والخبرة.
في زمن السرعة، يُغفل النسيان الإبداعي، ويُستبدل بالتخزين الرقمي. إعادة إدماجه في التعلم العميق، من خلال التفكير بعد القراءة، والتأمل خارج الشاشات، تمثل استراتيجية حيوية للحفاظ على العمق المعرفي والخيال الإبداعي.
المطالعة متعددة التخصصات
التعلم العميق يتطلب تجاوز حدود التخصص الواحد. قراءة الفلسفة، الأدب، التاريخ، العلوم، والتفاعل مع مصادر متنوعة، يساعد العقل على بناء شبكة من المعاني، ويمنع الانغلاق في فقاعة معرفية واحدة.
هنا يظهر دور الأدب والفلسفة كمجالات غنية لتطوير وعي نقدي متعدد الأبعاد، يجعل المعرفة رحلة متصلة بين الفكر والوجود، بين الذات والعالم.
أهم المصادر والمراجع:
1 – Vettehen, P. H., & Schaap, G. (2023). An attention economic perspective on the future of the information age. Technological Forecasting & Social Change, Elsevier.
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0016328723001477
-2 Li, Y. (2024). Which reading comprehension is better? A meta-analysis of reading on paper versus digital text. ScienceDirect.
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2772503024000288
3- Fontaine, G., et al. (2021). A Meta-Analysis of the Effect of Paper Versus Digital Reading. PMC (PubMed Central).
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8715975/
– 4 Hargreaves, H. (2022). Student perceptions of reading digital texts for university study. Journal of Learning Development in Higher Education.
https://journal.aldinhe.ac.uk/index.php/jldhe/article/view/817
5- Brysbaert, M. (2019). How many words do we read per minute? A review and meta-analysis. ScienceDirect.
https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0749596X19300786
6 – Oakley, G., et al. (2024). A Scoping Review of Research on the Use of Digital Technologies in Reading Fluency. MDPI.
https://www.mdpi.com/2227 -7102/14/6/633
7 – Anna Hartford & Dan J Stein. (2023). Attentional Harms and Digital Inequalities. PMC.
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8881781/
“-8The Attention Economy – Center for Humane Technology.”
https://www.humanetech.com/youth/the-attention-economy
9- Smith, T., Decarolis, F., & Rovigatti, G. (2021). The rise of advertising giants in the attention economy. American Economic Association.
https://www.aeaweb.org/research/concentration-buyer-power-online-advertising
10- González de la Torre, P., Pérez-Verdugo, M., & Barandiaran, X. E. (2024). Attention is all they need: Cognitive science and the (techno)political economy of attention in humans and machines. arXiv.
https://arxiv.org/abs/2405.06478
عدد التحميلات: 0



