
أوكتافيو باث حائرًا على شارع التيه
مقدمة:
هل صحيح أن تحليل أي عمل شعري يُفرغ سحره؟ أم أنه شيء نسبي يتغير بتغير طبيعة القصائد نفسها ومفاهيمنا وانطباعاتنا المتنوعة؟ على سبيل المثال، القصائد الغنية ومتماسكة البنى ومتنوعة الأبعاد لا تنغلق أبدًا على تفسير واحد، ولن تنتهي وجودها عند التعمق في ابعادها الدلالية والفنية والجمالية لمرة واحدة، وفي الحصيلة ووفقًا لمستوى فهم كل قارئ وشغفه ومستوى استمتاعه، يقرأ ويتأمل ويتلذذ من النصوص الابداعية.
هنا نتحدث عن ترجمة نص (الشارع) للشاعر المكسيكي الشهير أوكتافيوباث الذي ترجم إلى معظم لغات العالم الحية ودون فقدان قيمته الشعرية، وذلك بالطبع لتميزه. لأن الشعر الأصيل لا تزول قيمته بالترجمات العدة، لأنه غني بالافكار والصور والجمال الداخلي حتى ولو كانت لغته غير عجيبة في الالفاظ وليست غريبة في المعنی أو معقدة ووحشية في الأسلوب. وبذلك الصياغة اللغوية تبقى على المترجم في اللغة الثانية التي يقوم بترجمته إليها، لأن المصطلحات مثل الثياب والترجمة هنا تشبه تبديل الثياب، فالعبر بالجوهر ولو أن الصياغة اللغوية تكون لها الباع في تزين مداخل النصوص.
فعلى سبيل المثال عندما ترجم شعر الشاعر الكبير الجواهري لحبيبته (أنيت) في باريس والتي كتبت لها قصائد في ديوانه، قالت هذا ليس شعرًا! مع أنه الشاعر العربي الكبير، لكن تذهب المعطيات اللغوية ولا يبقى بعد الترجمة إلا الفكرة والإيقاع الداخلي للمفردات والمعان، الخالية من الغنى اللغوي، فهي تساءلت مترددًا: ليس فيها ما يدل على أن صاحب هذه النصوص هو الشاعر العربي الأكبر.
وقد أشار الجرجاني في مٶلفاته الی هذه النقطة، حيث أن الالفاظ ليست في ذاتها مقصدًا وشيئًا تذكر، بل إنها خادمة للمعان، وتظهر دورها في التركيب حيث يأتي دور وأهمية النظم. وبالأخص في زماننا المتسارع وقد تغيرت فيه وتيرة الأمور وأصبح العالم قرية صغيرة وأن معطيات العصر أثرت على الأذواق، مع أن البعض يرى أن زمن الوزن والقافية قد ولّى، بغض النظر عن أنهما يقيدان التخييل وحرية صياغة المضمون. لكن مع كل هذا سيبقى موروثًا خالدًا وسيستلهم الشعراء دومًا من نبعها الصافي الاصيل.
سيرة الشاعر:
وُلد أوكتافيو باث عام 1914 في المكسيك لأب محامٍ وسياسي وأم من جنوب اسبانيا حيث تشجعه على تحقيق طموحاته الأدبية، رغم انها كانت أمية.
كتب ديوانه الشعري الأول عام 1933 في التاسعة عشرة من عمره، بعنوان «القمر الوحشي». ساند الجمهوريين ضد الفاشيين خلال الحرب الأهلية الإسبانية. سافر إلى الولايات المتحدة عام 1943. وعاش في باريس من عام 1945 إلى عام 1951، حيث التقى بسارتر وكامو وبريتون وغيرهم من الكُتّاب المشهورين. عمل دبلوماسيًا في أوائل الخمسينيات، مُثريًا تجاربه في آسيا والشرق، بما في ذلك اليابان والهند، حيث تعرّف على البوذية في عام 1968، فالى جانب كونه شاعرًا فقد كتب أيضًا العديد من الدراسات النقدية والتأريخية والمقالات السياسية، تقاعد من العمل الدبلوماسي كرد فعل ضد قمع التظاهرات الطلابية بعنف. قضى الشاعر معظم حياته في المكسيك مع زوجته الرسام مير خوسيه. حاز على العديد من الجوائز الدولية في الشعر، بما في تلك جائزة نوبل للآداب عام 1990. قبل أن توافيه المنية في 19 نيسان 1998.
باث يمشي على شارع العبث:
قصيدة باث هي نصٌّ مفتوح، ويرتبط ارتباطًا مباشرًا بفلسفة حياة البشرية. وجدتُ العديد من التحليلات المختلفة في بحثي لهذا النص وأنا أدون خيوط الفكرة وأراقب حركة الذات المكلومة في الأسطر مع تطلعات ورؤى وأسلوب الشاعرية.
خلال الخوض في هذا النص المفتوح يمكن أن نحصل على تفاسير عدة، في البدء نرى شارعًا هادئًا. صحيح إنه استعمل كرمز، ثم نستنبط بأن الذات المخاطبة قد قضت على الحياة بطريقة دراماتيكية، لا تعرف فيها بالضبط ما تريد تحقيقه. في لحظات ينحدر فيها النص في عتمات التيه ثم يحقق نفس التكرار الممل حيث يجد المخاطب نفسه في الماضي. ينظر إلى نفسه كما لو أن لا أحدًا يراه، هل هذا هو الشعور بالدونية كما هي سائد في العالم الثالث والإنسان ليس له الأولوية؟ لكنه يكافح مرارًا وتكرارًا أن يُرى أكثر من ذاته، أن يُساعده الظروف بأن يكون شخصًا أفضل مما كان عليه، ويسترد مكانته التي يليق به. هذه هي الرسالة الانسانية الخالدة للشعر.
إذا لاحظنا حركة الذات التائهة في السطرين الثالث والرابع، سنستنتج بأن باث لا يعرف ما يريده في هذه الحياة، ولذلك يُواصل مسيرته دون ملل وكلل.
في حين نرى في السطر الخامس: شخص خلفه يصطدم بالصخور ويغادر؛ هل هذا الشخص هو نفسه في الماضي؟ حيث يرمز إلى استمرارية التسلق بمنحدرات واجتياز مطبات مسار الحياة.
عمومًا يستخدم باث في هذا النص استعارات ضمنية لرسم معظلته بعدم العثور على الذات أو افتقارها إلى الوجود المطلوب والمنظور كما يجب أن يكون.
(أمشي في الظلمة)
بما أن الظلمة هي كناية متعددة الاستعمال، يمكن أن يكون هنا في حال الشاعر أداة لخلق الظروف السائدة التي وجد فيها الشاعر نفسه، وهويلمح في السطر الأعلى إلى عتمة حياة الوحدة والعزلة، حيث لا يرى شيئًا في مكانه الصحيح، وهو يقضي معظم أوقاته متفرغا للتأمل والوحدة آملا وباحثا لمن يمتلأ فراغاته.
(إذا أتمهّل، يتمهّل)
في السطرين السادس والسابع: التكرار يعني لا هدفًا مُحددًا في الحسبان.
الإنسان مسؤول عن خياراته في الحياة، وعليه أن يترك أثرًا فيها. إن استمرارية الذهاب وعدم معرفة إلى أين يتجه، يُثير سؤالًا فلسفيًا للقارئ، مع ان معظم الناس يتعاطون مع الحياة حسب تداعيات ومتطلباتهم اليومية، لكن الشاعر هنا يخرج عن المألوف ويبحث عن أغلى ما يتفكر بە الشخص البسيط، فهو لا يرضى ولا يكتفي بأشباع غرائزه البشرية بل يتطلع إلى أكبر من هذا بحثًا عن تحقيق وجوده الإيجابي والمعنوي وبحثه عن الآخر المشابه له خارجًا من منافذ الذات المكلومة الى حياة ذات آفاق أوسع. كما أن اهتزازات الأقدام في الصعود والهبوط هنا هي مؤشر إلى ما يواجهه الإنسان في درب الحياة، فلا وقوف عن المضي قدمًا، لكن هذا لا يُعطيه السيرورة وتقديرًا أو إطارًا زمنيًا مستقبليًا لمعالجة قضية عدم وضوح الرؤية والملاذ.
يستمر كاريزما النص على هذا المنوال، ولا يرى سبيلًا للتغيير ومحاولة اتخاذ خطوات مختلفة. لذلك، عندما ينظر إلى نفسه، يجد نفسه في الماضي، وكأن هذا التخلف والعبأ السياسي قدر مكتوب للأجيال ويستحيل عليه تغييره.
ينظر أحد هواة الشعر من زاوية أخرى إلى هذا النص ويكتب:
كتب باث هذا النص عام 1963. حيث كانت حياته مُظلمة تمامًا ومحاطة باليأس، فلا يرى هنا نورًا، لأنه في الظلام ولا يرى حتى خطواته، والبعض يٶول هذا بنوع من التشاؤم، لكنە في الحقيقة لا يعتبر الا نظرة ثاقبة وواقعية لما آل ويؤول اليه الأمور والمعطيات.
أخيرًا، أود أن أدعو وأشجع محبي الشعر الجاد إلى محاولة قراءة هذا النص من منظور فهمهم المتنوع الثري، لا كما أراه أنا أو غيري، فالقارئ المعاصر هو المنتج المكمل بعد اكتمال الشاعر من انتاج النص، وستبقى جميع القراءات السابقة مجرد آراء، وغنى النص هنا يستوجب قراءات جديدة ومتنوعة. وهذه هي سمة من سمات النص الثري، قد يٶدي الى ولادة استنباطات متعاكسة تمامًا حسب زاوية رٶية المتلقي وسليقته وتجاربه.
نستطيع القول بأن هذا النص ليس سهلًا ولا هجينًا، بل يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويضمن بذلك مكوثه الخالد عند قراء الشعر الحقيقيين، بمعنى أن الشاعر لم يحصر حدود شعره في زمن أو بلد أو شخص معين. يمكن للشارع أن يوجد في أي مكان وزمان ويمكن أن يحتوي على مدلولات متنوعة، ويمكن للناس أن يسيروا عليه بطرق مختلفة ويدونوا عليه أيامهم وذكرياتهم وتجاربهم. لكن هنا الشارع فارغ من المارة، ويجد الشاعر نفسه فيه وحيدًا– وهو يعيد الكرة ويمر عليه مرارًا وتكرارًا دون جدوی.
ومن النقاط المهمة التي لم أرها مذكورة سلفًا، هي عدم الاحاطة بمغادرة منطقة الشارع، إما لأسباب خارجية كالمنع أو الغياب، أو لأسباب داخلية كالعجز أو عدم الرضا والاستسلام للقدر، فلا يخرج الشارع عن أطرنة المكان، وليس ذلك راجع إلى ضيق أفق الرؤى، بل هذا ما يقصده الشاعر عمدًا في ارسال رسالته الشعرية، وهي ثيمة تهم الكل ولكننا نتفرع عندما يأتي الدور على فك مدلولات الشارع من منظورنا المتفاوتة.
هنا بأسلوب فريد ومختلف، يقسم الشاعر نفسه إلى تاريخين، أو شخصين؛ ماضٍ مظلم، وحاضر متكرر، فلا يخوض في الحديث عن المستقبل. نعم هذه هي الحقيقة والواقعية، فمن الصعب لشاعر ذو خبرة جمة أن ينخدع بأمل غير موجود في الواقع. إن دمه مكسيكي، لذا في عام 1971 ورغم كل المشاكل التي كان يعلم أنه سيواجهها هناك، قرر بالعودة إلى المكسيك بعد اغتراب طويل، حيث قام فيها بمراجعة وجوده الانساني والشعري.
تجدر الإشارة هنا إلى نقطة مهمة حول ظلمة الشارع؛ أن الظلام الذي خيّم على الشارع ليس ماديًا، بل روحيًا، لأن الشاعر يرى فيه، كما يقول (حيث أتعقَّبُ رجلاً يتعثَّر وينهض)
في مقابلة مع ألفريد ماك آدم في نيويورك عام 1991، أشار الشاعر إلى فترة نفيه خارج المكسيك من عام 1959 إلى عام 1971، التي قادته إلى كتابة هذه القصيدة. يقول الشاعر في المقابلة: «خلال رحلتي الثانية إلى الهند، بين عامي 1962 1968، قرأتُ الكثير من النصوص الدينية والفلسفية. لقد أثرت فيّ الحركة الطلابية عام 1968، وشعرتُ بطريقة ما، أن آمال وأهداف شبابي قد وُلدت من جديد. في الثاني من أكتوبر 1968، قررت الدولة استخدام القمع الوحشي ضد المتظاهرين الطلاب. شعرتُ أنه لا ينبغي لي بعد الآن خدمة مثل هذه الحكومة، فانسحبتُ من العمل الدبلوماسي.
يظهر هذا الخطاب آفاق الشاعر الفكرية الواسعة وتوجهه التقدمي، مع أنّه شارك إلى جانب بابلو نيرودا في الثورة الإسبانية ضد الفاشيين.
الـشـارع
شارع طويل وهادئ.
أمشي في الظلمة وأتعثّر وأقَع
ثم أنهض، فأدوس بأقدام عمياء
أحجارًا صمَّاءَ وأوراقًا يابسة
يدوسها أيضًا شخصٌ ما خلفي:
إذا أتمهّل، يتمهّل؛
إذا أركض، يركض. أستدير: لا أحد.
كلُّ شيء مُعتم وبلا مخرج.
أخذت أدور وأدور طوال هذه الزوايا
المفضية دومًا إلى الشارع
حيث لا أحد ينتظرني أو يتبعني،
حيث أتعقَّبُ رجلاً يتعثَّر وينهض
وما أن يراني، حتى يقول: لا أحد.
المراجع:
1 – مجلة باريس النقدية Paris Review.
2- Poemhunter, Octavio paz.2
3 – المنار الثقافية الدولية، الشارع للشاعر أوكتافيو باث، عبدالقادر الجنابي.
4- Wikipedia.
عدد التحميلات: 0



