الأدب والنقدالعدد الحاليالعدد رقم 46

تأويلية دلالة المعنى الأدبي

شغل مفهوم «المعنى» اهتمامًا كبيرًا من قبل المفكرين والفلاسفة واللغويين والنقاد، وتعددت المفاهيم، وتباينت، واخذت تدور حول ثلاث مكونات هي: اللغة – الآخر – العالم. وقد كانت النظرية التأويلية استنباطًا لمعنى النص أو لمعنى اللغة، وبمثابة الجسر الذي يربط بين البنيات التركيبية والتأويلات الدلالية. وشكلت موضوع بحث بالغ الأهمية ليس في حقل علم اللسانيات وحسب بل في جميع العلوم الإنسانية الأخرى. ويعود هذا الاختلاف بالدرجة الأولى إلى أن مفهوم المعنى نفسه اشكالي من ناحية، ومن ناحية أخرى ارتباط مفهوم المعنى بمفاهيم أخرى متداخلة معه مثل مفهوم الدلالة ومفهوم الفهم ومفهوم القصدية. ورغم ذلك تحظى مسألة المعنى باهتمام كبير في الدراسات النقدية والتأويلية الفلسفية.

دراسة المعنى، أو كما يقال أيضًا، عُرّف علم الدلالة بأنه العلم الذي يدرس المعنى ونظرياته مع كيفيّة جعل المفردات ذات معنى، وهو فرع من فروع العلوم اللغويّة الذي يبحث في معاني الكلمات والجمل أي في معنى اللغة أو الفرع الذي يدرس الشروط الواجب توفرها في الرمز حتى يكون قادرًا على حمل المعنى. ومن التعريف المار نستنتج أن موضوع علم الدلالة هو العلم الذي يقوم بدور المعنى أو الرمز، كما يسمى علم الدلالة في بعض الأحيان بعلم المعنى، إذن فهو علم تكون مادته الألفاظ اللغوية والرموز اللغوية وكل ما يلزم فيها من النظام التركيبي اللغوي سواء للمفردة أو السياق. ويذكر دي سوسير، أن كل رمز لغوي (على اعتبار الرمز دلالة) يتكون من عنصرين، الدال والمدلول، فالدال هو اللفظ والمدلول هو المعنى. بل ترى نظرية المعنى بأن المتلقّي يفهم المجاز المرسل بأبعاده المختلفة استنادًا إلى الدلالة. رغم أنّ المعاني أساسًا هي «الصورة الذهنية من حيث إنه وُضع بإزائها الألفاظ والصور الحاصلة في العقل، فمن حيث إنها تقْصَد باللفظ سُمّيتْ معنى، ومن حيث إنها تحصل من اللفظ في العقل سُمّيتْ مفهومًا، ومن حيث إنه مقول في جواب (ما هو) سميت ماهيةّ، ومن حيث ثبوته في الخارج سُمّيتْ حقيقة، ومن حيث امتيازه عن الاغيار سُمّيتْ هُويّة»1. هنا يكون هذا الترادف الثنائي قد شكل دلالات المعنى هكذا: اللفظ /المعنى، العقل/ المفهوم، الجواب/ماهية، العالم/حقيقة، الآخر/هُويّة. عليه لكي يفهم المتلقي المعنى، عليه معرفة الألفاظ بكلّ أبعادها: الدلالية – السياقية – الأسلوبية – الثقافية، وعدم الاكتفاء بما هو ظاهر، وهذه العملية يطلق عليها بول ريكور «إبستمولوجيا الأنطولوجيا الجديدة للفهم»2، لأنه «لا يوجد فهم للذات بدون أن يكون موسطًا بعلامات أو رموز أو نصوص»3.

هل يوجد نص ولا معنى له؟ المعنى يستخرج من النص، ويتم إنتاجه من خلال تفاعل جهات عديدة وسياقات مختلفة، فكل قراءة تنتج فيه معاني جديدة، أي يكون النص متعدد المعاني بتعدد قرائه، فلا معنى بدون نص، ولا فهم بدون معنى، فالمعنى هو أساس الفهم، لأن المعنى متقدم على الفهم فيكون الفهم مبني على أصل المعنى لا العكس، ولأن الفهم عملية لاحقة لمرحلة التمكن من النص والاحاطة بمعانيه، فيه يقول هيجل «المعنى هو هذه الكلمة العجيبة التي نستعملها بطريقتين متعارضتين في الظاهر، ففي الحالة الأولى تدل على إعطاء الإدراك الحسي، وفي الحالة الأخرى نسمي «المعنى» بالدلالة، والفكر والمظهر العام للشيء»4. وتبقى اللغة الطريق الذي به يمكن الامساك على المعنى وتحصيله باللفظ، وعلى هذا يكون «المجال اللساني للغة شرط في الإمكانية التي تحمل التأويل الى اللغة وتهيئ استقبال المعنى الذي يتأسس وجودًا عندما تتعاين الفاظه في السياق اللساني لخطاب ما»5. أي يأخذ المعنى شكل ناتج العملية التأويلية وهي المرحلة التي تكشف عن آلية المعنى الناتج عن تعدد القراءات وثراء المادة الدلالية.

تستند النظرية التأويلية في دلالة المعنى على مبدأ الاشتغال على اللغة/النص، حيث يكون التأويل فيها «هو تفكيك للرموز اللغوية.. وتعيين معنى غير مباشر من خلال معنى حرفي مباشر»6  كما يقول ريكور. وبفضل المنهج التأويلي وآلياته وإجراءاته من جهة وبفضل انفتاحه على حقول معرفية متنوعة من جهة أخرى، جعلته يتخلّى عن مفهوم المعنى المطلق ويتبنّى مشروع تعدّد المعنى «العمل المفتوح». يقول أمبرتو إيكو: «ما من وجود لعمل منغلق على الإطلاق. ذلك أنّ كلّ عمل فني يعبّر في حقيقة الأمر عن سلسلة غير منتهية من القراءات»7. وهذا يعني أنّ النّص معين لا ينضب من الاحتمالات والإمكانات المفتوحة على كلّ التأويلات والمعاني. وحسب رؤية ايكو في كتابه (دور القارئ)، فأن النصوص المفتوحة تتطلب أداة لقراءة الخطاب الأدبي المعاصر على أساس أن التأويل هو الرجوع إلى الأصل فكأنه صرف الظاهر إلى ما تحمله النصوص من المعاني الباطنية، وهذا ما جعل التأويل يمتلك منحى تأصيلي وهو ما ينطبق على القراءة الصوفية التي تتجسد من خلال صرف الظاهر واعتماد الباطن لفهم النصوص وفق دلالتها الأصلية.

تتشكّل دلالات النص ومعانيه من خلال التفاعل والمشاركة بين المؤلف والقارئ، وهذا يعني أن المؤلف قد حمّل النص ثقافته ومرجعياته وذاتيته، لكي يقرأه قارئ مفترض سوف يعمل على تفكيك النص حسب ثقافته ومرجعياته وذاتيته أيضًا، ويعيده لاستنباط المعنى المتشكّل بالانفتاح على الاختلاف والتعدد: «أن المعنى اللفظي للمؤلف يتقيد بالإمكانيات اللغوية، ولكنه يتحدد عن طريق تحقيق المؤلف وتحديده بعض هذه الإمكانيات. كما أن المعنى اللفظي الذي يوضحه المفسر يتحدد عن طريق فعل الإرادة عنده ويتقيد بهذه الإمكانيات نفسها»8. حيث تكون هذه «الإمكانيات نفسها» حلقة الوصل بين معنى المؤلف ومعنى القارئ/المؤول، فإن فكرة المعنى المشترك هذه تعد جوهر طروحات الناقد الامريكي هيرش. ولكنه يستحيل أنّ يتطابق المؤول والمؤلف، أو أن يحلّ المؤول محل المؤلف، وهو أمر مستحيل معرفيًا، فيتجرد من تجربته الخاصة ووضعيته التاريخية9. نعم، هنالك قراءات متعددة ومتنوعة، ولكن القراءة الصحيحة هي التي تتوافق مع معنى النص، المتماسك والمتسق والمنسجم، بعيدًا عن الاسقاطات الخارجية، والتأويلات التي تُقول النص مالم يقله لا من بعيد ولا من قريب إطلاقًا، لذا يبقى المعنى المْوصّل اليه هو ما يجمع النص والمؤول (المرسل اليه – المتلقي – الناقد) في الجغرافية – التاريخية. رغم أن النص أو الخطاب يزخر بالمعاني التي يبحث المؤول عنها من خلال القراءة التأويلية، وكذلك من خلال الصلة بالسياق والمرجع والإحالة والمقصد.

إن العلاقة القائمة بين المؤلف والنص في عرض المعنى وبين المؤول والنص في البحث عن المعنى، تكون من خلال الرؤية التأويلية المبنية عن طريق الاستيعاب والفهم، أي فهم المعنى من خلال العلاقة الجدلية التي تنشأ حالما تبدأ القراءة من قبل المؤول للنص، لأن المعنى ليس شيئًا معطى يستخرج من نص، بل يتم تجميعه من الرموز والايحاءات، فالمعنى يُبْنى بواسطة استراتيجيات القراءة التأويلية، باعتبار ذلك ضرورة للكشف عن المعنى، بقدر ما هو فعل لإنتاج الدلالات10.

بينما إيزر لا يلغي مشاركة التجربة الذاتية لدي المؤول في بناء المعنى، بل يؤكد على العكس من ذلك أن كل عملية تحقيق فعلية للمعنى «تبقى مشروطة بالاستعدادات الفردية لدي القارئ والشفرة السوسيوثقافية التي يخضع لها، وهذه العوامل هي التي توجه في كل مرة عملية الانتقاء التي يقوم بها القارئ والتي تمنح المعنى شكله المتجانس»11. ومنها الانطلاق إلى درجة كبيرة من المنظور الفلسفي الظاهراتي الذي يركز على الفعل الذاتي للمتلقي. ويعد الألمانيان آيزر وياوس أبرز منظري اتجاهات القراءة والتلقي. وبشكل عام تؤمن هذه الاتجاهات بأن القارئ هو المنتج الحقيقي للمعنى.

بينما يرى سارتر، على غرار إنغاردن، أن المعنى هو وحدة عضوية كاملة، أي أن المعنى لا تحتويه الكلمات، وإنما هو الذي يعطي الكلمات مغزاها، حيث يقول سارتر «يمكن قراءة المائة ألف كلمة، المتراصفة في كتاب، الواحدة تلو الأخرى، دون أن ينبثق منها معنى العمل. ذلك أن المعنى ليس مجموع الكلمات، بل هو كليتها العضوية»12.

أما المعنى عند جوناثان كلر، فيكون معقد ومراوغ، يستخلص من النص على ضوء تجربة القارئ، كما يطلق عليها كلر، فالمعنى ينتج من جدلية النص – القارئ، أي أن ذاتية القارئ، فإنها من صنُع القراءة والنّص13، فيقول في ذلك «إن المعنى لعمل ما ليس ما انشغل به الكاتب في فترة ما، وليس ما يكون، ببساطة، خاصية ما للنص أو التجربة لقارئ ما. إن المعنى هو فكرة لا مفر منها، لأنه لا يكون شيئًا ما بسيطًا أو محددًا بطريقة بسيطة، فالمعنى هو تجربة ما لذات ما، وفي الوقت نفسه خصوصية ما لنص ما، إنه الأمرين معًا، ما نفهمه، ونحاول أن نفهمه في النص»14. بل ويذهب كلر أبعد من ذلك عندما يجعل وظيفة القارئ هي استخلاص المعنى» إن وظيفة القارئ باختصار أن يستخلص المعاني التي تمتلكها النماذج الشكلية من البداية بصرف النظر عن جهود هذا القارئ. وفي رأيي أن هذه الجهود نفسها هي مكونات في بنية من الاهتمامات السابقة بالضرورة على أي فحص للنماذج ذات المعنى»15.

إن ما يميز تأويلية غادامير هي انها ترتبط بالأفق الحاضر للمؤول وبالتالي تتجاوز الموضوعية التي حاولت المناهج السابقة الوصول اليها من خلال تجاوز ذاتية المؤول. فما هو الفهم الموضوعي عند غادامير؟. الموضوعية كما يقترحها هو تتمثل في فهم ناتج من عملية دمج لسياقي النص والمؤول. أي ان عملية التأويل لا تتجاوز شروط التجربة الراهنة، وفي نفس الوقت لا تغفل عن دلالات معنى النص. فالمعنى الجديد يتشكل تبعًا لعملية حوارية – تأويلية منفتحة بين المؤول والنص وكذلك بها يحدد المؤول قصد النص. أو اندماج الآفاق كما يقول غادامير. ولكن وبما إنه يركز على ذاتية المؤول ودلالية النص وفي المقابل يهمش المؤلف. فيمكننا القول أن عملية الفهم سلبية – كما هي عند هايدجر- أما عملية الابداع فليست كذلك؟. أي إن السلبية، تبعًا لهايدجر، يجب ان تكون في حالة الابداع وفي حالة الفهم على السواء: فكما العمل الابداعي يعبر عن تجربة وجودية للمبدع، فكذلك عملية الفهم يجب أن تكون كذلك، أي تجربة وجودية للمؤول مستقلة عن نزعاته. ومع ذلك «يتكشف من وراء ذلك بعدُ أوسع، متجذرُ في الوجود اللغوي الأساسي أو القرابة اللغوية. ففي كلّ إدراك للعالم وتوجه في العالم يشتغل عنصر الفهم، ومن خلال ذلك يقام الدليل على شمولية التأويلية»16.

إما هرمينوطيقا بول ريكور، فكانت مثيرة من خلال تعريفها، واحتوائها على مفهوم الرمز بوصفه مزدوج المعنى، فيقول في ذلك أن الهرمينوطيقا هي «طريقة لفك الرموز التي هي تعبيرات ذات معنى مزدوج، يقود فيها المعنى الحرفي، المعنى الثاني الذي رامه الرمز عبر المعنى الأول»17. وليس ذلك فحسب بل انه يعتبر أن «معنى النص مفتوح على كل من يعرف القراءة»18. هذا يجعلنا أن نتوقف قليلًا للتأمل في هذه الجملة، كل من يعرف القراءة فمعنى النص في متناول يده، هكذا بكل سهولة، ظاهريا نعم، ولكن هذا الشيء يحتاج الى تركيز وشحذ همة للوصول إلى المعنى «ويصير ما يعنيه النص الآن مهمًا أكثر مما كان يعنيه المؤلف حين كتبه»19. هكذا تفلت وظيفة النص من الأفق المحدود الذي يعيشه مؤلفه، رغم أن الاستقلالية الدلالية للنص متساوية في جهة القارئ وجهة النص، ولكن ذات القارئ ليست هي الأولى بالتحكم في معنى النص من ذات المؤلف لكن يجب أن يستخلص القارئ معنى النص المقروء لأن قصد المؤلف بعيد عن ايدينا، ومما يعزز ذلك أن من طبيعة «معنى النص أن ينفتح على عدد لا حصر له من القراء، وبالتالي من التأويلات. وإمكانية انفتاح النص على قراءات متعددة هو النظير الجدلي للاستقلال الدلالي للنص» 20. حيث يكون هنا الاستقلال الدلالي للنص المعادل المتكافئ لكل الجهات: مؤلف وقراء. بالإضافة إلى فهم النص وفهم العالم، تلك هي التي تُعتبر «القوة المرجعية الأصيلة للنص»21.

أما عند أمبرتو إيكو فليس باستطاعة القارئ التمكن من الإمساك بالمعنى أو العثور عليه، ويطلب إيكو من القارئ أن يدرك أن المعنى لانهائي، وأنه يتبدل بتبدل القراء، وتباين التأويلات واختلاف زمن القراءة، يقول في ذلك «لا بد للقارئ من الظن بأن كل سطر في النص يخفي معنى سريًا آخر، كلمات، بدلًا من التصريح، تخفي ما لم يقال، ومجد القارئ يكون باكتشاف أنه يمكن للنصوص أن تقول كل شيء عدا ما يريد مؤلفوها أن تعنيه. وبمجرد أن يدعي اكتشاف المعنى المزعوم، نكون على يقين من أنه ليس المعنى الحقيقي، حيث يكون ذلك الأخير هو الأبعد» 22.

في كتاب «من العمل الى النص» للناقد رولان بارت، يفرق فيه بين مفهومي العمل الأدبي والنص الأدبي، فالأول: شيء محدد مادي يُحمل باليد، يرتبط بالأجناس والأنواع ويخضع للتصنيف، أحادي، ملك للمؤلف، بينما الثاني: تحمله اللغة وله وجود منهجي فقط، يتجاوز الأجناس والأنواع ولا يخضع للتصنيف، تعددي (التناص)، ملك للقارئ، يقروه قراءة إنتاجية تقترب من الكتابة يعيد فيها بناء معانٍ جديدة للنص، لا كما أراد مؤلفه، بل «قراءة إنتاجية، تقترب القراءة من الكتابة، حيث يصبح القارئ كاتبًا لنصّ جديد»23. ويؤكد بارت أيضًا «أن سياق المعنى يأتي من الناقد لا من النص.. ويؤكد أنه لا وجود لتأويل» بريء «لأن الناقد هو الشخص الذي يضع النص في سياق ما» 24. لقد حاول ريكور جاهدًا على استقلالية المعنى داخل النص، وتعدد مستوياته، والعمل على اظهار علاقة النص مع مبدعه، واعتبر التفسير هو الذي ينفذ إلى مستويات المعنى في زوايا النص عن طريق أساليب تحليل اللغة، وقد انطلق من خلال رد فعله على السيمائيات بان رفض البنية واشتغال على المعنى الذي «حاول فيه أن يؤسس نظرية لتفسير النص، تركز اهتمامها على المعنى بدلًا من البنية»25. بينما كلر استخدم في نظرية القراءة فكرة القدرة اللغوية لسياق المعنى، يقول كلر إن «السياق الذي يحدد معنى الجملة لا ينحصر في جمل النص الأخرى: بل انه تركيب معقد من المعرفة والتأملات بدرجات مختلفة من التحديد، وهو بمثابة نوع من القدرة التأويلية”26. وبما أن السياق يشتغل على اللغة، يقول كلر بأن «المعنى محدد عن طريق السياق context، لأن السياق يشتمل على قواعد اللغة، وموقف الكاتب والقارئ، وأي شيء آخر قد يكون متصلًا بهذا الموضوع بطريقة يمكن تصورها أو إدراكها، إن المعنى هو سياق محدد، ولكن السياق غير محدد»27.

وربما يمثل إ. دي. هيرش أحد أبرز النقاد الحداثيين المدافعين عن حق حيازة المعنى من قبل المؤلف، أن هيرش يهدف إلى «اعادة تثبيت معنى المؤلف على انه مبدأ معياري يعتمد عليه الجهد الجماعي للتأويل. وأن أفضل معيار يمكن اعتماده هو الفعل الأصلي الذي أراد به المؤلف معنى محددًا»28. بل أنه يذهب الى الاعتقاد أن اللغوي (اللفظي) يعتمد على فعل الفرد، وبالإمكان مشاركة المعنى بين المؤلف والقارئ معًا «إن المعنى اللفظي للمؤلف يتقيد بالإمكانيات اللغوية، ولكنه يتحدد عن طريق تحقيق المؤلف وتحديده بعض هذه الإمكانيات. كما ان المعنى اللفظي الذي يوضحه المفسر يتحدد عن طريق فعل الإرادة عنده ويتقيد بهذه الإمكانيات نفسها»29.

وللخروج من أزمة التنازع حول ملكية المعنى بين المؤلف والقارئ والنص، فقد اقترح الناقد العراقي فاضل ثامر في ورقة نقدية تحت عنوان «من سلطة النص إلى سلطة القراءة» ألقها في إحدى دورات مهرجان المربد، ونشرت حينها في مجلة الأقلام العراقية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي إلى تقديم قراءة نقدية شاملة للنص، وليست أحادية الجانب، قراءة توازن بين سلطة المؤلف وسلطة القارئ وسلطة النص فضلًا عن اعتماد شبكة العلاقات السياقية المقترنة بالنص بوصفه ظاهرة اجتماعية وتاريخية مشروطة. لكن علينا الاستدراك إلى أن الركون إلى أن تحقيق ذلك مرهون من خلال تحقيق مزاوجة خلاقة لأدوات التحليل النصي الداخلي، وآليات التحليل السياقي الخارجي، للوصول إلى قراءة شاملة للنص الأدبي أو للظاهرة الثقافية30.

ولكني اقول بأن فهمنا لهذه النظرية الحديثة طبَق في الواقع على نصوص التأويل والبلاغة والأدب التقليدي القائم على نظرية المعنى التي كانت تسود قبل القطيعة المعرفية المنهجية التي أحدثتها التأويلية. ولئن تمكنَ العقل الغربي من تجاوز المجال المعرفي الأصولي (episteme) لبنية المعنى فإنَ الثقافة العربية لا تزال ترزح تحت وطأته بسبب غياب الأدوات والآليات المنهجية للعلوم الإنسانية الحديثة في مجالات التأويل والتفسير لا سيما في الجامعات اللاهوتية وكليَات الشريعة. لقد استمر الاعتقاد في سلطة النصوص وقداستها وتعاليها فترسخَت تبعًا لذلك آلية تأويلية خاصَة أطلقوا عليها تأويلية المعنى.

وعليه لكي نتجاوز ذلك علينا أن نؤمن بالفقرات المدرجة أدناه، وأن نعمل بها، وننطلق منها، لتأسيس تأويلية شمولية متداخلة ومتفاعلة مع الآخر والوجود:

1 – مغادرة المركزيات لا سيما مركزية النص التي تعمل على ترسيخ الحقائق المطلقة والاعتقاد بقدسية النصوص والانغلاق عليها رغم انها تنبثق من المعنى الواحد.

2 – مغادرة المعنى الواحد الى المعنى المتعدد. أي المعنى المتعدد سوف يفضي بنا الى تأويلية الفهم. لكن دون الغاء المعنى أو مصادرته على حساب الفهم.

3 – الاستعانة بالأدوات والآليات المنهجية للعلوم الإنسانية الحديثة، للوصول الى تأويليّة الفهم.

4 – يجب أن نعلم إن أي نص ما يؤول من أجل الوصول إلى معناه أو الى معنى فيه.

الهوامش والإحالات:

1 -علي بن محمد الجرجاني – كتاب التعريفات، تحقيق: عادل أنور خضر، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت / لبنان، 2007 م، ص 199.

2 – بول ريكور – من النص الى الفعل: أبحاث التأويل، ترجمة: محمد برادة وحسان، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، 2001م، ص 22.

3 – المصدر السابق – ص 22.

4 – أحمد بو حسن – نظرية الأدب: القراءة – الفهم – التأويل، دار الأمان، الرباط/المغرب، 2004م، ص 112.

5 – رجاء عيد – ما وراء النص، مجلة علامات، السعودية، المجلد الثامن ع 30 ديسمبر/1999م.

6 – د محمد الخضراوي – جدلية التفسير والتأويل، مجلة الحياة الطبية، العدد 37 صيف 2017م، ص 173- 208.

7 – الميلود حاجي – تشكّل المعنى بين دلالات النص وتأويل القارئ عند أمبرتو ايكو، مجلة جيل العدد 33 / 2017 م.

8 – وليم راي – المعنى الأدبي: من الظاهراتية إلى التفكيكية، ترجمة: د يوئيل يوسف عزيز، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد / العراق، 1987م، ص 105.

9 – عبد الكريم شرفي – من فلسفات التأويل الى نظريات القراءة، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة / الجزائر، 2007 م، ص 31.

10 – أسامة غانم – الشِعْريّةُ التأويلية في اللحظة الشعرية، الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2021م، ص 18- 19.

11 – عبدالكريم شرفي – من فلسفات التأويل الى نظريات القراءة، ص 183.

12 – المصدر السابق – ص 139.

13 – بول ريكور – من النص إلى الفعل، ص 24.

14 – جوناثان كلر – مدخل الى النظرية الأدبية، ترجمة: مصطفى بيومي عبد السلام، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 2003م، ص 92.

15 – جوناثان كلر – مطاردة العلامات: علم العلامات، والأدب، والتفكيك، ترجمة: خيري دومة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 2018م، ص 163.

16 – هانز جورج غادامير – التلمذة الفلسفية: سيرة ذاتية، ترجمة: حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار الكتاب الجديد المتحدة، بنغازي / ليبيا، 2013م، ص 302.

17 – بول ريكور – بعد طول تأملٍ: السيرة الذاتية – الفكرية، ترجمة: فؤاد مليت، مراجعة وتقديم: د عمر مهيب، المركز الثقافي العربي، بيروت – الدار البيضاء، 2006م، ص 50.

18 – بول ريكور – نظرية التأويل: الخطاب وفائض المعنى، ترجمة: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، بيروت – الدار البيضاء، 2003م، ص 146.

19 – المصدر السابق – ص 61.

20 – المصدر السابق – ص 64.

21 – المصدر السابق – ص 145.

22 – محمد الديهاجي – سيميولوجيا أمبرتو ايكو والنظرية الأدبية التأويلية، جريدة القدس العربي اللندنية، 10- نوفمبر – 2020.

23 – محمد عزام – النص الغائب: تجليات النص في الشعر العربي، منشورات اتحاد الكتّاب العرب، دمشق / سوريا، 2001م، ص 19.

24 – ديفيد كوزنز هوي – الحلقة النقدية: الأدب والتاريخ والهرمينوطيقا الفلسفية، ترجمة: خالدة حامد، منشورات الجمل، كولونيا – بغداد، 2007م، ص 203.

25 – نصر حامد ابو زيد – اشكالية القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي، بيروت – الدار البيضاء، ط6، 2001م، ص 48.

26 – وليم راي – المعنى الأدبي، ص 129.

27 – جوناثان كلر – مدخل الى النظرية الادبية – ص 92.

28 – المصدر السابق – ص 103- 104.

29 – وليم راي – المعنى الأدبي، ص 105.

30 – فاضل ثامر – اللغة الثانية: في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح، في الخطاب النقدي العربي الحديث، المركز الثقافي العربي، بيروت – الدار البيضاء، 1994م، ص41 – 63.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

أسامة غانم

ناقد من العراق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى