العدد الحاليالعدد رقم 46ترجمات

كوكب البلاستيك

ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو

هل يستطيع العلم تقديم يد العون في مواجهة تلوث البلاستيك الذي يلف العالم؟

الحبيبات

تبدو طبيعية المظهر في ثنايا الرمل. مثل لُطاخات بيضاء بحجم حبة العدس شفافة أحيانًا وشبه مستديرة في غالب الأحيان: ربما تكون حصيات حليبية أو حبات من الأرز ينيرها ضوء القمر تتمازج بلين مع أعشاب البحر والأصداف التي خلفها المد على الشاطئ.

يسمونها الحبيبات وهي كريات من رزين البلاستيك، المادة الأولية للبلاستيك، والتي تشحن إلى المصنعين المنتجين للسلع البلاستيكية وها أنا أبحث عنها في صباح ضبابي شتائي على شاطئ شيلي في جنوب شرق أستراليا وهو خليج خلاب تعشش بين صخوره طيور الزقزاق المهددة بالانقراض وحيث تندفع الأمواج في امتداد مائي مفتوح لمسافة 3000 كيلومترًا وصولًا للقارة القطبية الجنوبية.

تحمل دليلي واستاذتي في البحث عن الحبيبات كولين هيوجسن عدة عينات منها للتفحص. وكولين هذه منتجة ومخرجة أفلام تعيش قريبًا من هنا في بلدة وارنامبول وأصبحت خبيرة بها منذ أن بدأت مئات آلاف تلك الحبيبات بالانغسال على شاطئ شيلي في تشرين الثاني من عام 2017.

أعثر على أولاها بعد غربلة بسيطة لدقيقة أو دقيقتين عبر الرمل وبعض البدايات الفاشلة. بدايةً شذر رقيقة من الخفان ومن ثم شرذمتين من الأصداف وأخيرًا إحدى الحبيبات. عندما أمعنت النظر جيدًا وجدتها في كل مكان. تلال دقيقة شاهدة على ابداعية البشر والتي قد تتبقى هنا لقرون طويلة قادمة.

تحدثني هيوجسن عن مشاهدتها للحبيبات للمرة الأولى. «لقد غطت الشاطئ بأكمله». شكلت فريقًا من المتطوعين على الفيس بوك لتنظيف الشواطئ المحيطة ببلدتها من النفايات متأسية بجهود راكبي الأمواج ذوي العقلية المناصرة للبيئة الذين عقدوا العزم على حماية شاطئ بيلز الذي يحظى بشهرة عالمية والذي لا يبعد عنها سوى 180 كيلومترًا باتجاه الشرق.

تلقت ذات يوم أحد مكالمة من أحد أعضاء الفريق يخبرها أن الحبيبات البلاستيكية غطت شاطئ شيلي.

«ذهبت في الصباح التالي لألقي نظرة على أرض الواقع».

انغسلت الحبيبات الطافية الخفيفة الوزن خلال الأيام القليلة التالية وغطت مسافة 30 كيلومترًا من الشاطئ. اتصلت بسلطة حماية البيئة في فيكتوريا ومؤسسة المياه المحلية “وانون” المسؤولة عن مخرج من مياه الصرف المعالجة والمياه العادمة يصب في البحر بالقرب من شاطئ شيلي.

تحولت الحادثة إلى حالة طوارئ على مستوى الولاية برمتها.

تم تحديد المخرج بسرعة كمصدر الحبيبات. ربما أُفرغت كمية مجهولة من الحبيبات-أكثر من 4 مليون-في «نقطة تجميع للنفايات الصلبة» قرب ملعب الجولف في وارنامبول بواسطة شاحنة تجمع محتويات خزانات الصرف وغيرها من النفايات. صممت وحدة معالجة مياه الصرف لتلتقط المواد التي يصل قطرها لغاية 6 ملم. تم التقاط 3 مليون حبة منها ولكن الكثير منها دخل وحدة المعالجة وتسرب عبر الأنبوب واندلق في البحر.

لا يعلم أحد كيف وصلت الحبيبات إلى خزان الصرف في المقام الأول وربما يعلمون ولكنهم لا يتحدثون. انتهت التحقيقات التي أجرتها مؤسسة المياه بحصر الشبهة في20 شخصًا ولكن التحقيق بقي مفتوحًا.

لم يكن من السهل تنظيف الحبيبات من الشاطئ وبعد عدة أشهر جمع منها ما يقدر ب 570000 حبة ولا يزال الكثير مبعثرًا هناك وتستخرج العواصف من حين لآخر ما طُمر في أعماق الرمل.

مضى على تلك الحادثة ستة أشهر واليوم تغربل هيوجسن حفنة من الرمل لمدة ربع ساعة وأراها تجمع حفنة من الحبيبات وبعض العوالق البلاستيكية الأخرى.

يبدو التلوث على الأخص هنا صارخًا نظرًا للعزلة الظاهرية لهذا الشاطئ ونقاءه الفريد والذي تصفه بالقول «هذا هو الشاطئ المنشود إذا رغبت بالحضور والعزلة عن العالم برمته».

يقطن وارنامبول 35000 ساكن وأن تتفوه بمثل ذلك القول يشي بالكثير ولكن تلك هي الحقيقة المؤسفة. لم يعد من مكان في العالم معزول بما فيه الكفاية لتفادي البلاستيك.

ها هو جبل ايفرست يعج بقوارير المياه البلاستيكية ويمتلئ خندق ماريانا الذي يعتبر أعمق نقطة في المحيطات بالأكياس البلاستيكية وتوشي الشذر البلاستيكية الدقيقة الجليد القطبي وتغطي النفايات البلاستيكية الشواطئ النائية لجزر جنوب المحيط الهادي. لقد أصبحت المشكلة شائعة في كل مكان.

تجاوز الإنتاج العالمي من البلاستيك منذ الخمسينيات من القرن الماضي أكثر من 8 مليار طن وقد انتهى المطاف بتحول معظم تلك الكمية إلى نفايات. وإذا تابعت الأمور مسارها الحالي سيستهلك تصنيع البلاستيك 20% من النفط العالمي بحلول عام 2050 ويكون مسؤولًا عن 15% من انبعاثات الكربون.

يكمن التأثير الأكثر فداحة من الناحية البيئية في كمية النفايات البلاستيكية التي تنغسل عبر الممرات المائية وينتهي بها المطاف في البحر.

تتلقف المحيطات كل عام أكثر من 8 مليون طن من تلك النفايات ويرتفع هذا الرقم عامًا إثر آخر وبنسبة مريعة.

تشير بعض التقديرات إلى أن وزن البلاستيك الموجود في المحيطات بحلول عام 2050 سيتجاوز وزن ما تحتويه من أسماك.

لا تشكل ملايين قوارير البلاستيك وغيرها من المواد البلاستيكية التي تلفظها الأمواج على الشواطئ النائية سوى القمة المنظورة من جبل البلاستيك الخفي.

تكبل الأكياس والماصات ومواد التغليف الأسماك والسلاحف والطيور.

يثير البلاستيك المعرض للعوامل الجوية الكثير من القلق. فالبلاستيك ليس قابلًا للتحلل الحيوي ولكنه قابل للتحلل الضوئي: إذ تقوم أشعة الشمس بتحليله إلى قطع أصغر فأصغر. تحول هذه القطع المحيط إلى حساء مترع بالبلاستيك تهبط مكوناته ببطء إلى الأعماق أو تصبح طعمًا للأسماك.

تلتهمها الكائنات البحرية التي تظنها بلانكتون بدءًا من الكريل وانتهاءً بأسماك القرش.

ويشكل ذلك خطرًا جسيمًا على تلك الحيوانات وبالتالي على سلسلة الطعام كلها ومعها بالطبع بني البشر.

قد يحتوي البلاستيك ذاته على سموم –وغالبًا إضافات مثل الفثالات وثنائي الفينول أ- التي تستخدم لتغيير خواص البلاستيك ولكنها قد تكون أيضًا مسببة لاضطراب الغدد الصماء الذي يحدث آثارًا هرمونية ضارة للحيوانات. وقد تصبح الجزيئات البلاستيكية الطافية مثل اسفنجات تمتص الملوثات الموجودة في مياه البحر وتنقل جرعة مركزة منها لكل حيوان يلتهمها.

ينتشر استهلاك البشر غير المقصود للبلاستيك الميكروي على نطاق واسع.

لا تزال الآثار الصحية لذلك الاستهلاك مجهولة وذكرت دراسة نشرت عام 2017 في المجلة الطبية البريطانية أنه حان الوقت «لنخرج رؤوسنا من الرمال» ومجابهة تلك المخاطر.

منحتني الحبة التي ضممتها بيدي على شاطئ شيلي الماحة بسيطة لمشكلة ذات أبعاد مهولة. لا يزيد وزنها عن جزء من الغرام ولا تساوي سوى جزء من ألف من سنت لكنها بلا ريب ستبقى حية بعد أن تبلى عظامي ويندثر ذكري.

أضعها على مكتبي وأتساءل: ألا يستطيع العلم الذي اخترع البلاستيك العثور على حلول له؟

من العصر الكربوني(الفحمي) إلى عصر الأنثروبوسين

تشكل الحبيبات التي شاهدتها على شاطئ شيلي كتلًا دقيقة من البولي بروبيلين وهو النوع الثاني الأكثر شيوعًا من البلاستيك بعد البولي اثيلين.

وتصنع مثلها مثل معظم البلاستيك من المنتجات البترولية مما يعني أن بداياتها تعود لملايين السنين عندما ماتت الطحالب والبلانكتون الحيواني واستقرت في أعماق المحيط القديم. تنامى الضغط والحرارة مع تجمع الرسوبيات فوقها وتحول المزيج الموحل إلى مادة صلبة تسمى قار الطفل الزيتي (الكيروجين) المكون من المادة العضوية والمعدنية.

مرت ملايين السنون وغاص الكيروجين أكثر في القشرة الأرضية حيث حولته الحرارة والضغط المتزايد ببطء إلى حمأة هيدروكربونية ندعوها اليوم بالبترول.

استقر البترول هناك لدهور حتى ظهر البشر على السطح وطوروا الأدوات اللازمة لتسخير خواصه الكيماوية.

شهد القرن التاسع عشر في أعقاب الثورة الصناعية طلبًا متزايدًا على المواد الجديدة -في البداية كبدائل للمواد النادرة أو الثمينة مثل العاج-وعلى المعرفة العلمية والتصنيعية لتحويلها إلى سلع عديدة.

كان البلاستيك الأول سِلْيُولُويد نباتي المنشأ حيث صنع من النتروسيلولوز ورزين الكافور. قام المخترع الأمريكي جون ويسلي هيات بتسجيل براءة الاختراع عام 1869 وصمم السليولويد أصلًا لكسب جائزة عرضها أحد مصنعي طاولات البلياردو الذي بحث عن بديل صناعي لكرات البلياردو العاجية.

نجح السليولويد في الاختبار ولكن بوجود بعض المحاذير كما يذكر هيات في عام 1914 ولد التصادم العنيف بين الكرات في بعض الأحيان انفجارًا خفيفًا مثل كبسولة قدح المسدس. (يعتبر النيتروسيلولوز مادة شديدة الانفجار).

بلغ انتاج العالم من البلاستيك في عام 1950 2 مليون طن وارتفع عام 2017 إلى 400 مليون طن.

وهكذا بدأ عصر البلاستيك. تنامي استخراج النفط في النصف الثاني من القرن (كان انتاج النفط في أمريكا عام 1859 حوالي 2000 برميل يوميًا وفي عام 1899 حوالي 57 مليون برميل سنويًا) ووفر الوقود والكيروسين.

تحول الكيمائيون إلى النفط كمصدر للجزيئات الأولية التي تربط في سلاسل طويلة من الكربون والهيدروجين مما يمنح البلاستيك خصائص تجمع بين المرونة والقوة.

أصبح البلاستيك مع حلول الأربعينيات من القرن الماضي جزءًا من الحياة اليومية. إذ دخلت في الفيلم السليولويدي الذي جعل الأفلام السينمائية حقيقة واقعة والمجوهرات التقليدية الشائعة وفراشي الأسنان المتوافرة في زوايا المحلات.

وكان، وفق مقال نُشر عام 1941 في مجلة هاربر، «المواد المعجزة المصنوعة من مواد بسيطة مثل الهواء والفحم والماء».

حدثت القفزة الكبرى للبلاستيك مع الحرب العالمية الثانية. خُصصت المعادن ومواد أخرى للاستخدام العسكري مما دفع بالمصنعين للبحث عن مواد بديلة. أصبح النايلون شائعًا في الجوارب نظرًا لاستخدام الحرير في صنع المظلات (الباراشوت). تبنى القطاع العسكري البلاستيك نظرًا لخواصه مثل القوة ومقاومة الحرارة وعازليته الكهربائية ومرونته.

شهد العام 1955 الاحتفاء بالبلاستيك الذي يستخدم لمرة وحيدة.

أظهر مقال لمجلة لايف بعنوان (حياة الرمي) عائلة ترمي بكل سعادة وحبور علب الطعام والمزهريات والستائر والحفاضات والعشرات من المواد الأخرى في انتصار حديث على متاعب التنظيف وإعادة الاستخدام.

ارتفع الإنتاج العالمي من البلاستيك بمقدار أربعة أمثال من 2 مليون طن إلى 8 مليون طن في العام خلال خمسينات القرن الماضي. ووصل عام 1970 إلى 35 مليون طن. وفي عام 2017 بلغ 400 مليون طن. يعتقد أن الإنتاج سيتضاعف كل 12 سنة. ومن بين ال 8 مليار طن من البلاستيك المنتج خلال العقود السبعة الماضية أنتج أكثر من نصفها خلال العقدين الماضيين.

لا يزال 30% من تلك الكمية قيد الاستخدام وأحرق حوالي 10% منها وانتهى المآل بـ 60% منها في المطامير أو تحول إلى نفايات مزعجة.

وبما أن البشر يسكنون غالبًا قرب الممرات المائية تصل نسبة لا بأس بها من النفايات البلاستيكية إلى الأنهار والمحيطات حيث يصل 80% من بلاستيك المحيطات بتلك الطريقة. ويلقى بالباقي من السفن والبواخر والقوارب.

يشكل البلاستيك المرمي اليوم طبقة تزداد سمكًا على سطح الكوكب ويفترض أن وجود البلاستيك هو أحد المؤشرات لعصر الأنثروبوسين وهو العصر الراهن الذي شهد تحولات جارفة بلا ريب بسبب النشاط البشري. وبالفعل بدأ علماء الآثار باستخدام طبقات من الأنواع المختلفة من بوليمرات البلاستيك لتحديد الحقب.

لا نعلم إلى أي مدى ستبقى جزيئات البلاستيك متواجدة في البيئة وفق تعبير عالمة المحيطات جوليانا ايفار دو سول من معهد ليبنيز لأبحاث بحر البلطيق في ألمانيا.

تعتبر جوليانا خبيرة البلاستيك في فريق عمل الأنثروبوسين للجنة الدولية لعلم وصف طبقات الأرض (الاستراتيجرافية) والتي تحدد الأسماء الرسمية وحدود الفترات الزمنية في التاريخ العميق للأرض.

وتقول «نعلم أن البلاستيك يتحلل ببطء شديد بعد أن يخزن في الرواسب».

ما عسانا أن نفعل؟

كما يقال لا يوجد علاج وحيد للسرطان كذلك لن يتوفر علاج مفرد للتلوث بالبلاستيك.

يشكل البلاستيك مئات المواد ولها آلاف الاستخدامات من البناء إلى الطب إلى مواد التغليف المستخدمة لمرة واحدة والتي تسقط على الأرض عبر ملايين المسارات.

لن يحدث البلاستيك إذا انتهى به الأمر في المطامر أو حتى في مكب غير رسمي ضررًا بيئيًا ماحقًا.

قد تحدث التشريعات والقواعد الناظمة لإدارة النفايات فرقًا كبيرًا. إضافة إلى إعادة التدوير الذي لم يقتنص سوى 7% من مجموع البلاستيك المنتج حتى الآن. إضافة إلى الطريقة التي استخدمتها عديد من الدول الغنية على مدى عقود عديدة لتجعل أنظمة إعادة التدوير فيها أكثر اقتصادية – أي تصديرها إلى الصين والتي تعاملت تاريخيًا مع نصف البلاستيك المجمع على مستوى العالم – ولكن ذلك الأمر وصل إلى نهاية مفاجئة عندما رفضت الصين في عام 2018 قبول المزيد من النفايات البلاستيكية.

أدركت الصين أن المشكلة الأساسية والمتعلقة بإعادة التدوير هي اقتصادية بحتة: فـ 80% من البلاستيك له «قيمة منخفضة بعد التدوير».

ما العمل إذًا؟ هناك ثلاثة استراتيجيات عريضة واعدة.

تتعلق الأولى بالعثور على طريقة لتنظيف البلاستيك. ثانيًا العثور على بدائل للبلاستيك الحالي تكون أقل ضررًا من الناحية البيئية. ثالثًا تخفيض كمية البلاستيك المنتج والمرمي من خلال تغيير طريقة استخدامنا وتخلصنا منه.

تنظيف المحيطات

لا شك أن الجهود المحلية لجمع نفايات البلاستيك من الشواطئ كتلك التي تمت على شاطئ شيلي أمر محمود. ولكن ما الذي يستلزمه تنظيف المحيطات؟ وهل نستطيع إحداث خدش بسيط في هذه المسألة؟

دعنا نبدأ ببقعة النفايات الكبرى في المحيط الهادي. وهي مساحة مفتوحة في المحيط بين أمريكا الشمالية وآسيا حيث جمعت حركة التيارات المحيطية ما يقدر بـ 80000 طن من مخلفات البلاستيك على شكل دوامة بحجم منغوليا. تم تحديد تركيز البلاستيك في الدوامة في ثمانينيات القرن الماضي ولا تزال تتنامى منذ ذلك الحين.

ذكرت دراسة حديثة في بدايات عام 2018 أن البقعة قد تحتوي على ما يقرب من 1.8 تريليون قطعة من البلاستيك. ومعظم تلك القطع هي بلاستيك ميكروي-أي القطع التي لا يتجاوز قطرها 5 ملم – ولكنها لا تشكل سوى 8% من وزنها.

اقترحت مراهقة هولندية في عام 2013 تدعى بويان سلات خطة ضخمة لتنظيف المحيط من النفايات. تقترح فكرة سلات استخدام انابيب ضخمة بطول مئات الأمتار تنثني على شكل حرف يو (بالإنجليزية) عائم. تساق هذه الأنابيب بفعل الرياح والأمواج وتنتقل مع الدوامة البلاستيكية وأسرع قليلًا مما يعني أنها سوف توجه النفايات الطافية نحو نقطة تجميع مركزية خلال مسارها.

تقوم باخرة متخصصة بالوصول إلى تلك النقطة وتقوم بجمع البلاستيك المتراكم وتحمله إلى اليابسة لإعادة تدويره.

جذبت شركة سلات الناشئة والتي لا تسعى للربح في روتردام والمسماة مؤسسة تنظيف المحيط مئات الملايين الدولارات على شكل تبرعات بما في ذلك اسهامات مشاهير وادي السيليكون من أمثال مارك بينيوف وبيتر ثيل. ويعتقد أن أول جهاز جمع نفايات سيكون جاهزًا للعمل في أيلول 2018 والثاني في عام 2019.

لن تلتقط هذه الأنابيب البلاستيك الميكروي ولكنها على الأقل تلتقط القطع الأكبر التي ستتحطم إلى قطع أصغر وتنتج تلك الحبيبات.

تقدر مؤسسة تنظيف المحيط أنها ستتمكن من التقاط نصف البلاستيك الموجود في البقعة العملاقة في المحيط الهادي مرة كل خمس سنوات.

تولي سلات أهمية أيضًا للدوامات البلاستيكية الأصغر حجمًا في المحيط الهندي والأطلسي وجنوب المحيط الهادي. وتقول متفائلة «سوف تسهم عوائد إعادة تدوير وبيع البلاستيك المستخرج من بقعة شمال المحيط الهادي في تمويل توسع الشركة».

ولكن هذا التفاؤل لا يحظى بإجماع مطلق. إذ نال هذا المشروع الرصين حظه من الانتقادات كالخوف من التقاط الأنابيب للأسماك إلى الجدل المتعلق بالمكان حيث يصر البعض أن الأماكن المثلى لالتقاط البلاستيك الميكروي البحري تقع قرب السواحل الصينية وفي الأرخبيل الإندونيسي.

ساعد هذا النوع من النقد على تطوير المشروع وفق سلات ولكن ثمة انتقادات أخرى لا تزال في الصميم.

يقول كريس ويلكوكس وهو باحث في البلاستيك البحري لدى مؤسسة سيسرو وهي المؤسسة العلمية الأسترالية الحكومية الأساسية «يجب أن تحل مشكلة التلوث في بداية الأنبوب.  كما أن زيادة إنتاج البلاستيك بشكل متسارع تقتضي تسريع جهود التنظيف على نحو مماثل. وخلال 11 سنة سنرمي في المحيط ما يوازي ما رميناه سابقًا لغاية اليوم».

حلول جديدة للبلاستيك القديم

قد توفر التقنيات الجديدة لإعادة تدوير البلاستيك رفع قيمة المخلفات البلاستيكية وترفع المحفزات الاقتصادية لإعادة التدوير. ومن بين الأسباب التي حجمت آمال إعادة التدوير الخيارات المحدودة للنتائج ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة. يؤدي تذويب البلاستيك عادة إلى تخفيض النوعية وبذلك تتحول قوارير المياه الشفافة إلى حاويات معتمة أو تضغط في مواد البناء.

وتكون في كثير من الأحيان زهيدة الثمن وتقارب البلاستيك الجديد من حيث القيمة.

يمتلك سانكار باهاتاشاريا وهو مهندس كيميائي في جامعة موناش في ملبورن خطة لتحويل نفايات البلاستيك إلى منتج مرتفع القيمة: وقود الديزل.

قام بتجهيز مصنع اختباري صغير ليثبت مصداقية عملية تعمل بالحرارة المرتفعة تدعى التحول الحراري لتحطيم البوليمرات في البولي أثيلين والبولي بروبلين وإعادة تجميع الجزيئات المكونة لهما. «المبدأ العلمي بسيط للغاية».

وقدم محفظة عمل لمعمل يستخدم 30000 طن من البلاستيك سنويًا لإنتاج 15000 طن من الوقود. وتبعًا لأسعار الوقود يعتقد أن المصنع سيسترجع تكاليفه الانشائية خلال ثلاثة إلى خمسة سنوات ويبحث الآن عن مستثمرين لتمويل مشروعه.

وثمة فكرة جديدة أخرى توجد في شارع رايفيلد في شمال ملبورن وشريحة من الطريق السريع جنوب سيدني. تمت إعادة تأهيل الشوارع في كلا الحالتين بنوع محسن من الأسفلت يدعى الأسفلت البلاستيكي.

يستخدم هذا الأسفلت البلاستيكي الذي استنبطته شركة داونر وشركة كلوز ذا لوب لإعادة التدوير لصنع أسفلت يدوم أكثر بنسبة 65% من النوع التقليدي.

يستخدم كيلومتر وحيد بمسربين ما يوازي 530000 كيس من البلاستيك و168000 قنينة زجاجية و12500علبة من علب أحبار الطابعات المستهلكة وفق تصريح المدير العام للشركة نيريدا مورتلوك.

ظهر أول طريقين اختباريين في سيدني وملبورن وستليها تجارب أخرى في بريسبن وأديليد.

ويضيف مورتلوك «نحاول تعميم هذا المنتج للاستخدام في كل مكان».

يستخدم النهج الأكثر تطورًا لإعادة تدوير البلاستيك تفاعل الطبيعة معه ولكنه لا يزال قيد الدراسة. اكتشف العلماء بكتيريا في عام 2016 في معمل إعادة تدوير ياباني ذات قدرة على التهام البولي اثيلين تيرافالات (البت) الشائع في البلاستيك العادي.

يحاول جريج بيكهام من المركز القومي الأمريكي للطاقة الحيوية تعزيز قدرة البكتيريا على تفتيت البت إلى مركباتها الأحادية (المونوميرات) أي حمض التير فاليك والجلي كول مونوا ثيلين. يمكن استخدام هذه الجزيئات لاحقًا لبناء المواد المركبة التي تستخدم في العنفات الرياحية أو الدراجات الهوائية الفارهة. ويقول «نحاول هندسة جرثومة كبرى».

ستكون الحلقة المقدسة بلاستيك قابل للتحلل الحيوي بشكل تام: بلاستيك يتحلل بشكل طبيعي في البيئة بذات الطريقة التي تتحلل فيها المادة النباتية أو الحيوانية. ويجب ألا نخلط بين هذا وبين البلاستيك الأكثر شيوعًا والذي يتفتت إلى بلاستيك ميكروي يقلق خبراء الصحة البشرية وعلماء الإيكولوجيا.

هناك مرشح رائد ليحل محل بلاستيك التغليف الذي يشكل قسمًا كبيرًا من النفايات البحرية ألا وهو حمض البولي لاكتيك. وهو بوليمر يصنع غالبًا من نشاء الذرة ويشبه كثيرًا البت. يمكن إعادة تدوير البوليلاكتيك والذي يسمى أحيانًا البلاستيك الحيوي إلى نوعية تماثل تقريبًا النوعية الجديدة وحتى تخميره للتحلل.

سيواجه أي بديل للبلاستيك عقبات المنافسة ضد صناعة ناضجة تستطيع انتاج البلاستيك الجديد بشكل رخيص بحيث تكاد كلفة الكيس أو القارورة تقترب من الصفر.

التحور السلوكي

إذا كان سحب النفايات البلاستيكية من البيئة مسلك غبي واقتصاديات إعادة التدوير واهية والبلاستيك القابل للتحلل الحيوي لا يزال قيد الدراسة ما هي الحلول العلمية المتبقية لدينا؟

السلوك البشري

يختبر كيم بورج في جامعة موناش في ملبورن استراتيجيات عديدة لتحوير السلوك والهدف بالطبع هو تغيير أنماط السلوك.

خذ على سبيل المثال أفعال بسيطة مثل الطلب من الفعاليات التجارية الاحجام عن تقديم الماصات البلاستيكية للزبائن إلا بعد الطلب مما قد يحدث أثرًا كبيرًا على السلوك. ويضيف «يبدو لي حدوث تغير اجتماعي وعندما يمنح الأفراد الفرصة لتخفيض كمية البلاستيك المستخدم يوافق الكثير منهم على ذلك».

ولكن هل تشكل اختيارات المستهلكين أساس المشكلة؟

يبدو أن تغيير عادات المستهلكين هي حل نهاية الأنبوب: وعندما أقرر الاختيار بين استخدام ماصة أو جلب كيس من المنزل إلى المتجر يكون جل العمل قد انقضى بالفعل.

يوافق الاقتصادي البيئي ايان مكنزي على ذلك. ويقول إن أفضل طريقة لتغيير السلوك على طول الخط من المنتجين إلى المستهلكين إلى إدارة النفايات هي فرض ضريبة على منتجي البلاستيك.

ويقول «فكر علماء الاقتصاد البيئي بمثل تلك الحلول على مدار مئات السنين. السياسات موجودة مسبقًا ولكننا بحاجة لزعامة سياسية تقودنا في ذلك المنحى».

تجليات من شاطئ شيلي

بعد عودتي من شاطئ شيلي استقليت القطار في رحلة امتدت لساعات ثلاث لأعود إلى محطة فليندر في ملبورن ويحييني نحت عملاق لموجة في ميدان قريب صنع من طن ونصف من الزجاجات البلاستيكية المستهلكة.

يظهر هذا الإعلان المنشور عام 1946 الآمال العريضة التي صاحبت مولد عصر البلاستيك. وبعد سبعة عقود يصارع العالم الآثار البيئية الجانبية للمادة الرخيصة المتينة والمتوفرة بكثرة.

وتقول:

«شهدنا تغيرات جذرية في مجتمعنا منذ تلك الاندلاقة وحدث كل ذلك خلال الأشهر الستة الماضية ويبدو لي أنها تصادفت مع ما حدث في بقية دول العالم».

 

 

الهوامش:

نشر هذا المقال في مجلة كوزموس العدد 80-ربيع عام 2018.

المصدر:

https://connectsci.au/news/pages/cosmos-archive

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

إبراهيم عبدالله العلو

مترجم سوري مقيم بمدينة يوما – ولاية أريزونا - الولايات المتحدة الأمريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى