
الواقعية الكونية: المكوّن السري للكتب العظيمة
قد يكون البشر قساة، وقد يكون العالم مليئًا بالمآسي.
هذه أمور تكاد تكون صحيحة بلا شك، لكنها – في الوقت نفسه – فارغة إلى حدٍّ كبير. إنها عبارات فظة، تقريرية، لا تقول الكثير. فقولك مثلًا: «البشر يمكن أن يقعوا في الحب» لن يفوز بأي جائزة شعرية. وجائزة بوكر لا تُمنح للتصريحات الكبرى الشاملة حول أفكار فلسفية مبتذلة.
كتب الروائي وكاتب السيناريو الأمريكي ريتشارد برايس ذات مرة: «كلما كانت القضية أكبر، وجب أن تكتب عنها بشكل أصغر. تذكّر ذلك. لا تكتب عن أهوال الحرب. لا. اكتب عن جوارب طفل محترقة ملقاة على الطريق. اختر أصغر جزء يمكن التحكم فيه من الشيء الكبير، واعمل على ما يخلّفه من صدى».
أفضل أنواع الكتابة هي تلك التي تعثر على رؤى كبرى كامنة في لحظات صغيرة، يومية، عادية. كتابة تجعلك تقترب من أدقّ زهرة، ومن أصغر حركة في العين، وهناك – في المتناهي في الصغر – تجد الكون بأكمله. في «الفلسفة المصغّرة» تحدّثتُ مع الروائي الفائز بجائزة بوكر بول لينش عن هذه الفكرة، وهي فكرة يسمّيها لينش: «الواقعية الكونية».
الواقعية الكونية
يستخدم لينش مصطلح «الواقعية الكونية» لوصف أولئك الكتّاب الاستثنائيين الذين يمتلكون قدرة فريدة على التعبير عن حقيقة إنسانية شاملة من داخل دراما حياة واحدة، أو مدينة واحدة، أو حقبة زمنية بعينها. يقول:
«إنها ليست واقعية اجتماعية. إنها أعمق من ذلك. إنها دائمًا مجازية. فالوضع الموصوف يرمز إلى شيء أكبر مما هو عليه فعليًا. الرواية بأكملها تجسيد لشيء أعظم. إنها استعارة».
وخلال حديثنا، عدّد لينش أسماء كتّاب يراهم سادةً لهذا النوع من «الواقعية الكونية»: هرمان ملفيل، فيودور دوستويفسكي، وليم فوكنر، جوزيف كونراد، وكورماك مكارثي. كتّاب كلاسيكيون، كتبوا أعمالًا كلاسيكية، ويتّحدون جميعًا في قدرتهم على جعل الأشياء الصغيرة تبدو هائلة على نحو يكاد يكون غير قابل للاستيعاب. إنهم يكتبون بقدرة على «التكبير الكوني»، ساعين إلى «صور تحمل المعنى الكامل للحياة».
وخلال المقابلة، يستحضر لينش مشهدًا من رواية إعصار لجوزيف كونراد: «هناك لحظة عظيمة حين تكون السفينة وسط العاصفة، وفي ظلام عنبر الشحن الدامس، يبدأ العمّال الصينيون بقتل بعضهم بعضًا من أجل دولاراتهم الفضية. فوق هذا المحيط السحيق، داخل هذا الفراغ الهائل، يتقاتلون من أجل المال. هذه صورة عن الشرط الإنساني: دمية ماتريوشكا مذهلة من التعقيد».
لا شعر ولا عبقرية ولا صدى في قولك: «الناس يفعلون أشياء فظيعة من أجل المال». الواقعية الكونية، على العكس من ذلك، تتعلّق برؤية كيف يتشابك اللانهائي مع الحميمي. إنها ميتافيزيقية من دون أن تكون غيبية، ومأساوية من دون أن تكون مجرّدة. إنها تصرّ على أن ما يحدث في مطبخ، أو في ممرّ مستشفى، قد يحمل الثقل نفسه الذي يحمله ما يحدث في ساحة معركة. إنها واقعية مُقاسة على حجم الكون.
الكون الكامن في داخلك
كتبت إليف شافاق، وهي بدورها كاتبة بارعة في الواقعية الكونية، ذات مرة: «الكون بأكمله محتوى داخل إنسان واحد – أنت. كل ما تراه من حولك، بما في ذلك الأشياء التي لا تحبها، وحتى الأشخاص الذين تمقتهم أو تحتقرهم، حاضرون داخلك بدرجات متفاوتة».
في دموع حياتك وضحكاتها، تجد حزن الإنسانية وفرحها. أمّ ترضع طفلها الوليد تنتمي إلى سلسلة من مليارات البشر تمتدّ إلى دهور تطورية سحيقة. وشاب يلتقط سلاحًا في نوبة غضب ليس مجرد شاب غاضب؛ إنه إله الحرب ذاته.
رواية لينش «نشيد النبي» تمثّل، بطبيعة الحال، مثالًا مثاليًا على الواقعية الكونية. تتركّز الرواية على أمّ لثلاثة أطفال، إيليش، المنشغلة بإطعام صغارها وإلباسهم، إلى حدٍّ لا يترك لها وقتًا للانتباه إلى الكارثة المتعاظمة خلف باب بيتها. العالم يحترق، وهي مشغولة بالعناية بوالدها الآخذ في التلاشي، وبإعداد قائمة التسوّق. في شخصية إيليش، نرى في آنٍ واحد مأساة الشرط الإنساني وسخريته. فحتى مع اندفاع فرسان نهاية العالم الأربعة إلى المدينة، يبقى معظم الناس منشغلين فقط بمحاولة الاستمرار.
الفلسفة، بحكم طبيعتها ربما، مجرّدة. إنها تُقطّر الأفكار كي يتمكن الفلاسفة من فحصها ونقدها. أمّا الأدب العظيم، فينفخ الروح في تلك الأفكار. يمنح المثالية، والعدمية، والتشاؤم، والإيمان، والحقيقة، والعدالة، والقسوة، والأمل جسدًا نابضًا. وحين تنتهي من قراءة هذه السطور وتمضي في حياتك، فأنت تمثيلٌ لحقيقة كونية ما. أنت استعارة. أنت كلُّ شيء في شخصٍ ما.
المصدر:
عدد التحميلات: 0



