العظماء حقًّا هم فقط الخيِّرون حقًّاالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-05-18 23:16:21

محمد بن عبدالله الفريح

كاتب ومفكر

لم يتغير، كما الذهب تزيده وطأة الطقس العام بريقًا وألقًا، فلا يزال يستقبل مريضه عند عتبة باب العيادة، ويفتح له الباب بنفسه، وبعد التشخيص وصرف الدواء يرافقه إلى عتبة الباب نفسها، ليستقبل مريضًا آخر هاشًّا، باشًّا، مرددًا: كيف أنتِ خالتي؟ ما حالكِ عمتي؟، ما أخباركَ يا أخي؟، كيف صحتكَ يا ولدي؟ ابنتي، كيف صحتك هذا النهار؟، هكذا لغته، ترحاب بمرضاه، لا يكلّ، ولا يملّ، ولا يتجهم، ولا يبدي ضيقًا ولا ضجرًا بالزحام، وابتسامته دومًا تسبق كلمات الترحاب!

لم يتغير، ولا يزال تشخيص الداء عنده (بلا مقابل)، وكذلك صرف الدواء، ولا يكتفي بهذا وذاك، بل كثيرًا ما يرسم في كراسة المريض (نجمة) أو (نجمتين)، فهما الشفرتان اللتان لا يفهمهما إلا العامل المهذب في استقبال عيادته، فالنجمة تعني أن المريض من ذوي الأسر العفيفة، وفي حاجة إلى (دواء مجاني)، أما النجمتان فتعنيان أن المريض من ذوي الأسر الأكثر عفةً، وفي حاجة إلى دواء مجاني وكذلك إلى (المقابل الخاص بالمواصلات!!).

وعلى الرغم من ارتفاع ميزانية مواصلات مرضاه إلى ألف وسبع مئة جنيه أسبوعيًّا، فلا يزال يدفعها عن طيب خاطر، ويودعهم منبهًا: «أخي، لا تنسَ أخذ الدواء في موعده، وأذكرك بموعد المقابلة»! وعلى الرغم من ارتفاع ميزانية أدوية مرضاه إلى عشرين ألف جنيه أسبوعيًّا، فلا يزال حريصًا على توفيرها، يذهب فجرًا إلى المستشفى العام، ثم يعود عصرًا إلى عيادته الخاصة بالموردة، ثم يوم الجمعة من كل أسبوع - من الثالثة عصرًا حتى موعد أذان فجر السبت - يهبه فقراء بلدته بعيادة بانت بأم درمان بالسودان، ويكون عائد عيادة الموردة الخاصة هذه عائدًا لهؤلاء الفقراء (تشخيصًا وأدوية وتوصيلًا).

لم يتغير، هنا – في عيادته ببانت - للحياة معانٍ سامية، وللسهر حتى الفجر (طعم الشهد) يدخلها بعد صلاة الجمعة، ويغادرها مع أذان فجر السبت، ويكون قد استقبل مع كادره الطبي - 5 إخصائيين، و7 نواب، و6 طلاب طب - أكثر من (200 مريض) بسطاء كما السواد الأعظم من أهل السودان، عندما تصيبهم أمراض المخ والأعصاب، يأتون من كل ولايات السودان، يشخص مرضهم لوجه الله، ويصرف لهم أدويتهم لوجه الله، ثم لوجه الله يصرف للسواد الأعظم من المرضى (حق التاكسي والأمجاد)، بحسب الحالة الاقتصادية الموثقة في (كراساتهم): عفوًا، ليس بالدواء وجنيهات المواصلات، بل يخرج مريضه أيضًا بإرشادات طبية، ورقم هاتفه الشخصي  مطبوعًا في مغلف التعريف بالمريض، لا ينسى تنبيه المريض: «لو أحسست بأي شيء هذا رقم هاتفي، وإذا لم يكن لديك رصيد للمحادثة فأرسل لي رسالة قل فيها: «اللهم، صلِّ وسلم على سيدنا محمد»، فأنا سوف أعاود الاتصال بك مباشرة، ويلتفت إليَّ ضاحكًا: «أنت لا تزعجني»، ثم ينتبه إلى الوقت، فإذا هو الثالثة فجرًا، يسألني قبل جلوس مريضه باللهجة السودانية الممتعة: «يا زول، المقعدك شنو؟ نحن أصلًا ناس سهر!!» لم تتغير هذه الأيقونة الملهمة، بل إنه غرس خيره  وحبه للخير في نفوس الآخرين ومن يعمل معه.

هذا أبو القاسم، أحد جيران عيادته، شعر بتعب مرضاه وإرهاقهم، وهم في انتظار دورهم، فاشترى 10 أسِرَّة بمراتبها وملاءاتها ومخداتها، وجلبها إلى حوش العيادة؛ ليرتاح عليها كبار السن، أو لينام عليها القادم من المسافات البعيدة لحين ضياء الفجر، وهذا الفاضل الجار الآخر، ينتظر مساء الجمعة من كل أسبوع بصبر جميل؛ ليجلب الطعام والشراب للمرضى والمرافقين بكل حب، هكذا وبكل تلقائية وعفوية يغرس بذور الخير في النفوس، حيث صار جيران العيادة يشكلون معه فريق العمل.

نسأله: «يا دكتور، بأي شيء نساعدك؟»، فيردّ مبتسمًا: «بصالح الدعوات» ونضحك، ثم نكرر السؤال، فيردّ مشيرًا إلى زحام المرضى: «ساعدوني في أن نمشي لهؤلاء الناس في ولاياتهم»، ثم يسترسل: «والله ظروفهم صعبة، نحن ليس لدينا مانع نكون كل جمعة في ولاية، بدل تكبدهم عناء السفر، ويأتون إلى هنا، فكّروا معي كيف ننفذ هذه الفكرة، كلموا الولاة والمسؤولين يتصلون، وينسقون معنا، لا نريد منهم شيئًا غير الترحيل ومكانًا للعمل وإعلان يوم عملنا، بهذا نكون وفرنا لهم (قريشاتهم) وخففنا تعبهم، المسألة هذه  في غاية الصعوبة؟».

بقي أن تعرف عزيزي القارئ، أن هذه الأيقونة هو البروفيسور أبشر حسين محمد أحمد، استشاري المخ والأعصاب الذي يُعدّ من أفضل أطباء الباطنة والمخ والأعصاب في السودان والحاصل على التريتب 37 في التصنيف العالمي في التخصص المذكور، وقد أشرف على 84 رسالة دكتوراه، وله ما لا يقل عن 113 بحثًا ومقالًا وورقة علمية متخصصة في مجال الصرع والشلل الرعاش والأمراض المرتبطة بهما، وله مؤلفات منها (الجمع بين الطب والفقه)، فلا يراودني الشك أبدًا في أن أمثلة الدكتور أبشر كثيرة في أمتنا وأمم أخرى، ونحن ذكرناه هنا، ونشدّ على يديه وعلى أيدي أمثاله ليكون نبراسًا ودرسًا ملهمًا للأجيال، في زمن عزّ فيه المثل والقدوة إلا من رحم الله.  شكراً لك يا دكتور، وقبلة على جبينك وعلى جبين كل الخيرين في عيادة بانت الخيرية، وهم يعضون بالنواجذ على قيم هذا الدين العظيم، في زمن توحشت فيه سطوة المال، وتوغلت الأنانية وحب الذات، والبخل بالمعلومة إلا بمقابل لها، بل تعدى ذلك للكذب والتدليس وخيانة الأمانة للمهنة العلمية الشريفة مقابل لعاعة من الدنيا.

 تذكرت، وأنا أسرد هذه القصة قول الله جل في علاه: (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)  الإسراء: 20.

 وأتذكر أيضًا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ». أخرجه الطبراني (8/233، رقم 7911). أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.

وتمرّ في خاطري المقولة الشهيرة للكاتب والمسرحي والشاعر الإنجليزي جورج شابمان: «العظماء حقًّا هم فقط الخيِّرون حقًّا».

 

المصادر:

http://www.eqtibas.com

https://mobile.facebook.com/110598645625295/photos/a.1007438995941251.1073741947.110598645625295/1007443759274108/?type=1


عدد القراء: 2201

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 1

  • بواسطة رمز ٲزهر عمر من اليمن
    بتاريخ 2016-07-20 01:36:10

    في الحقيقة وانا اقراء السطور وكٲنني اقراء عن شخصية اسطورية ؟! هو معقول لسه في ناس كذا ؟! مهنة الطب هي المهنة الوحيدة الإنسانية ولكن للأسف الكثير من الاطباء في وقتنا الراهن قد خلعوا عباءة الإنسانية .. اتمنى ان يقراء كل طالب في كلية الطب عن سيرة هذا البرفيسور حتى تعود لهم انسانيتهم ويعرفوا قيمة مهنتهم الحقيقية .

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-