من أعلام المحققين والمصححين المعاصرين شيخ المحققين عبدالسلام محمد هارون (1326 - 1408هـ)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-06-15 18:35:15

د. علي بن محمد العطيف

أستاذ الحديث والدراسات العليا بجامعة الملك خالد

لم يخطّ أحد في التراث العربي سطرًا إلا وللعالم الجليل عبدالسلام هارون منّة عليه، ويندر أن يتعامل أحد مع المصادر العربية دون أن يستعين بمصدر من تحقيقات الشيخ الجليل؛ فقد قدم للمكتبة العربية عيون التراث مجلّوة في صورة بهية وحلّة قشيبة، وزينها بتعليقات وفهارس دقيقة.

مولده ونشأته:

ولد عبدالسلام هارون في مدينة الإسكندرية في (25 من ذي الحجة 1326هـ= 18 من يناير 1909م) ونشأ في بيت كريم من بيوت العلم، فجده لأبيه هو الشيخ هارون بن عبدالرازق عضو جماعة كبار العلماء، وأبوه هو الشيخ محمد بن هارون كان يتولى عند وفاته منصب رئيس التفتيش الشرعي في وزارة الحقانية (العدل)، وعمه هو الشيخ أحمد بن هارون الذي يرجع إليه الفضل في إصلاح المحاكم الشرعية ووضع لوائحها، أما جده لأمه فهو الشيخ محمود بن رضوان الجزيري عضو المحكمة العليا.

وقد عني أبوه بتربيته وتعليمه، فحفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، والتحق بالأزهر سنة (1340هـ=1921م) حيث درس العلوم الدينية والعربية، ثم التحق في سنة (1343هـ= 1924م) بتجهيزية دار العلوم بعد اجتيازه مسابقة للالتحاق بها، وكانت هذه التجهيزية تعد الطلبة للالتحاق بمدرسة دار العلوم، وحصل منها على شهادة البكالوريوس سنة (1347هـ= 1928م) ثم أتم دراسته بدار العلوم العليا، وتخرج فيها سنة (1351هـ= 1945م).

وكان لنَشأَةِ المحقق الجليل عبدالسلام هارون في بيت علمٍ وفضلٍ وسبقٍ في التأليف والتحقيق - أكبرُ الأثَرِ في شغفه بالعلم والأدب؛ ممَّا أعان على سرعة نُضجِه، وتعلُّقه بالتُّراث تعلُّقًا أخَذ بمجامع نفسه، وساقَها سوقًا حَثِيثًا في هذا التيَّار، ولنترُك لأستاذنا العلامة يُحدِّثنا عن نشأته وتعليمه وثقافته، حيث سأَلَه الأستاذ يوسف نوفل المحرِّر بمجلة "الفيصل" في مقابلة وحوار معه، نُشِر تحت عنوان: "حضارتنا وإحياء التراث"، في العدد 54 من المجلة، بتاريخ ذي الحجة سنة 1401هـ أكتوبر سنة 1981م - قائلاً: هناك مكونات بعيدة تُؤتِي ثمارَها في المحقِّق، ما المكوِّنات البعيدة في حياتكم الأدبيَّة؟

فأجاب قائلاً: «عن المؤثِّرات في نشاطي الثقافي والتأليفي - أستَطِيع أنْ أسجِّل للتاريخ أنَّ الفضل الأوَّل فيه يَرجِع إلى عامل الوراثة، وإلى شقيقي الأكبر الأستاذ محمد أبو الفضل محمد هارون - مَدَّ اللهُ في عمره - فقد وُلِدتُ في بيتٍ كلُّ أهله مُؤلِّفون: جدِّي - المغفور له - الشيخ هارون عبدالرازق شيخ رواق الصعايدة بالأزهر، خرَجتُ إلى الدنيا ووجَدتُ اسمه مقرونًا بكتابٍ كان مشهورًا جدًّا في ذلك الوقت، وما زال إلى الآن معروفًا مُتداوَلاً، وهو كتاب: "عنوان الظَّرف في علم الصَّرف"، ومقرونًا بكتابٍ آخر هو كتاب: "المبادئ النافعة في تصحيح المطالعة"، وهو كتابٌ نحوي موجز أتمنَّى أنْ يُعاد طبعُه لطلاب المدارس، وكتابٍ آخَر يُدعَى: "عنوان النجابة في قواعد الكتابة"، وآخَر يُدعَى: "حسن الصياغة في علوم البلاغة"، وممَّا هو مُسجَّل معروفٌ أنَّه قامَ بالإشراف على التحرير الكامل لكتاب: "الخطط التوفيقية"؛ للعالم المؤرِّخ علي باشا مبارك.

ووالدي - المغفور له بإذن الله - الشيخ محمد هارون الذي كان قاضيًا لقُضاة السُّودان، أُقِر أنَّ مؤلفاته "تلخيص الدروس الأولية في السيرة المحمدية"، في جزأين كان مُقرَّرًا علينا في السنتين الأولى والثانية الأُوليَيْن في جميع المعاهد الدينيَّة، وكنتُ أحفظهما عن ظهْر قلب، وله أيضًا كتاب: "دروس في آداب اللغة العربية".

وربما استَرعَى نظري بعدما شدَوْت أني وجدتُ له تحقيقًا سابقًا لأوان التحقيق، وهو تحقيق كتاب: "تيسير الوصول إلى جامع الأصول"؛ لابن أبي الديبع الشيباني.

أمَّا أخي الأكبر محمد أبو الفضل، فقد قام بصُنع حاشية لكتاب جدي: "عنوان الظَّرف".

هذا هو الفضل الرُّوحي الذي أوحى إلَيَّ أنْ أقتَدِي بهؤلاء القوم.

أمَّا الفضل العلمي في انغِماسي في هذا التيَّار، فهو فضلُ أخي "محمد أبو الفضل" الذي كانت له مكتبةٌ في المنزل جمَع فيها مختارات جيِّدة من الكتب الأصيلة التي كانت تَظهَر في ذلك الوقت، وكان يُشجِّعني على قراءتها، ويَحمِلني على حضور مجلسه للمُذاكَرة مع إخوانه، وأذكُر أنَّه كان قد رصَد لي مكافأة (ساعة جيب) أحصُل عليها إذا أتمَمْتُ حفظَ المعلقات، وفي تلك السن المبكِّرة حفظت المعلقات السبع، مع شيءٍ من شروحها في نحو ثلاثة أشهر فقط حفظًا جيِّدًا، وهذا فتَح أمامي بابَ الوُلُوع بالأدب وباللغة، وباب التفكير في التأليف».

وكان هذا دأبَ مُعاصِريه، وشأن التعليم الذي درَج فيه آنَذاك؛ يقول: «ولقد كان التُّراث العربي بمختَلف فروعه في جيلنا الذي عِشنَا فيه موضع اهتمام؛ يتمثَّل في التُّراث الديني الذي كانت كتبه مُيسَّرة لنا، وكذلك التُّراث الأدبي واللغوي، الذي كان لكلٍّ منَّا قدرٌ كبيرٌ من الاطِّلاع عليه، وتمثله حفظًا أو قراءة أو رواية، وكذلك التراث التاريخي الذي كنَّا نملأ به المجالس مُذاكَرةً ومُساجَلةً، والتُّراث القصصي متمثِّلاً في "قَصص عنترة بن شداد"، و"سيف بن ذي يزن"، و"ألف ليلة وليلة"، و"إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس"؛ للإتليدي، ونحوها، هذا مُضافًا إليه دواوين فُحُول الشعراء: كأبي تمام، والبحتري، والمتنبي، وأبي العلاء، ولم يكن في جيلنا مَن لا يحفظ للحريري أكثر من مقامة، وكانت الكتب المدرسيَّة حافلة بعيون التُّراث الأصيل نستَظهِر منه جِياد القصص، وحِسان الخُطَب».

ويُشِيد دائمًا بهذا الدَّور الرائد لجيلِه مُعتَزًّا به، ناعيًا تَفِريطَ الجيل اللاحِق بما عُنِي به جيلُه وكَلِفُوه؛ إذ يقول: «وإذا ذهبت في المقابلة بين جيلنا الذي نشَأنا فيه، وبين هذا الجيل الذي يَعِيشه أبناؤنا، وجَدنا الفرق شاسعًا بين شعورنا بكياننا العزيز الوثيق، وكيان بعض أبنائنا الذين انفصَلُوا عن المُتعة بالتُّراث العربي، مُتمثِّلاً في ضروبه المختلفة».

ثم تتَلمَذ - رحمه الله - على الأستاذ محب الدين الخطيب، وهو من كِبار المحقِّقين في عصره، واشتَرَك معه في تحقيق كتاب "أدب الكاتب"؛ لابن قتيبة، فيقول: «وقد اشتَركتُ معه في إخراجه وتتَلمَذتُ عليه في ذلك الوقت، حينما كنتُ طالبًا في تجهيزيَّة دار العلوم، فهو كان أستاذي الأوَّل في ذلك - مَدَّ الله في حياته».

إلى أنْ قال: «ونشَر كذلك كتاب "الملاحن"؛ لابن دريد، والثُّلث الأوَّل من كتاب "خزانة الأدب"، وظهَر هذا الثلث في أربعة أجزاء، بتحقيق وإضافة تعليقات لأحمد تيمور باشا، وعبدالعزيز الميمني الراجكوتي، وكنت ما أزال إذ ذاك طالبًا في دار العلوم».

فلم يكن الجوُّ الخارجي المحيط بـ"هارون" بمعزلٍ عن جوِّ المحضن الأول (الأسرة)، بل نشَأ وتَرعرَع وكبر في عَصرٍ قال عنه: «كان عصرًا ذهبيًّا ذلك الذي عِشناه في مَجالاتٍ تتَّسِم بالأصالة والدقَّة والأمانة، والحِفاظ على الخلق العلمي الجليل، والذَّوق الأدبي الرفيع».

هذا عن العَصر إجمالاً بكلِّ ما حوَى من إبداعٍ أدبي، وأصالة، وتمسُّك بما ينبغي أنْ يكون عليه الأديبُ والعالِمُ من خُلُقٍ وذوقٍ.

لذلك أخَذ إحياء التُّراث العربي في هذا العصر الذهبي مَأخَذه، وسعَى هؤلاء الأُدَباء: «نحو التُّراث الأدبي في مكانٍ يستَثِير الدُّرَّة إثر الدُّرَّة، واللؤلؤة النادِرة في عقب أختِها النادرة».

وقد تأثَّر ناشر نصوص التُّراث بهذا العصر الذهبي، وأحسَّ بِجَسامة المسؤوليَّة المُلقاة على عاتقه، فلم يكن النَّشر بالنسبة له تجاريًّا في المقام الأوَّل، بل كان يَسعَى "إلى جمهرة القرَّاء والأُدَباء والنقَّاد؛ ليُعِينوه على ما هو بسبيله من الإسهام في إخراج كنوز التُّراث في أروَعِ صُوَرِها، وأوضَحِ معالمها".

وكان من عناية الله به وتوفيقه له أنْ عايَش في صِباه عَمالِقة نشر التُّراث أمثال: السيد محمد أمين الخانجي، الذي يقول عنه: «وممَّن لهم يَدٌ طولى في إذاعة التُّراث السيد محمد أمين الخانجي«.

إلى أنْ يقول: «وقد رأيتُ هذا الرجل في صِباي، وعرَفتُ فيه الإخلاصَ للعلمِ وحدَه؛ إذ لم يكن المالُ عنده إلاَّ في المرتبة الثانية، كما لمست فيه التفانيَ في نشر التُّراث العربي، لا يَكاد يعترف بغيره، وقد قدَّم إلى قارِئ العربيَّة مجموعةً ضخمةً من كتب التُّراث».

وكان من أوضَحِ ما تفرَّد به هذا العصر: مَجال النقد الذي كان على أروَعِ ما يكون؛ خدمةً للعلم، ووصولاً إلى المُبتَغى، خاليًا في الكثير الغالب من حبِّ الظهور، وحسَد الأقران.

وفي ذلك يقول هارون: «كان النقد نقدًا حيًّا لا يستَثِير حفيظةً، ولا يُوغِر قلبًا».

ولم يكن هذا الوصف لعصر هارون مقصورًا على مَوطِنه الأصلي (مصر) وحدَها، بل يقول: «كان هذا العصر الذهبي الذي عِشناه في غبطةٍ بين الثقافة العربيَّة المتحرِّرة من الإصار، يُطرِّز جنباتها الأدب الأصيل، والشعر الأصيل، والإنتاج القصصي الأصيل، وكان ما فيه من ذلك أقوى عناصر الرَّبط بيننا وبين أشقَّائنا الأخيار في هذا الوطن العربي».

وكان من أبرز مُميِّزات هذا العصر: الصُّحف الذائعة، التي يَصِفُها بأنَّها كانت «مَفخَرة من مَفاخِر جِيلِنا، ولها السُّلطان الأعظم على المتعلِّمين وتَوجِيههم نحو القصص، بدعايتها المستمرَّة، وقدوتها الصالِحة، وقد خصَّص بعضًا منها صفحات مُحتَرَمة للانتِقادات اللغويَّة».

ولقد أحسَنَتِ المجلاَّت العلميَّة في هذا العصر الذهبي المشحون بالمُساجَلات العلميَّة والمعارِك الأدبيَّة اقتناصَ هذه الفُرَص، فكانت "تتجاذب أقلامَ الأُدَباء والنُّقَّاد؛ لتصهر معالم التُّراث العربي، وتضعها في القالب اللائق بها، وفي الصورة التي تُمَكِّن الباحث من حُسنِ الانتِفاع بها".

وكان لا يَنسَى جهود الإذاعة الكبيرة في عصره في الحِفاظ على لغة الضاد والنُّهوض بها، فيُثنِي عليها وعلى رِجالها قائلاً: «ولسنا نَنسَى الأحاديثَ الأسبوعيَّة التي كانت الإذاعة تَحرِص عليها، وتَدعُو كبارَ رجال المجمع القُدامَى، من أمثال: طه حسين، والعقاد، والمازني، وأحمد أمين، ومنصور فهمي، وعبدالوهاب خلاف، وعبدالعزيز البشري، وغيرهم وغيرهم، كما لا يَزال في أسماعنا صدَى صوت الأستاذ علي الجارم في جهوده اللغويَّة التي كان يبغي من ورائها تنقية الفصحى من أوضار العاميَّة، واللغة الدخيلة».

إلى أنْ قال: «كما نصغي إلى برنامج (صفحات التُّراث العربي) مرَّة في كل أسبوع... وكذلك إلى برنامج (دراسات عربية)».

في هذا العصر الخصيب المُفعَم بحبِّ التُّراث، نَمَتْ مواهب هارون وترَعرَعتْ، ولم يمضِ قليلُ وقتٍ حتى أبدَعَ وحقَّق وألَّف وأنتج إنتاجًا علميًّا غزيرًا متميِّزًا، حتى بلَغ هذا العدد الهائل من التأليف والتحقيق والبحوث العلمية والمقالات الأدبية، التي قلَّما اجتَمعتْ لرجل.

ويعتزُّ بنبوغه المبكر؛ فيقول: «أوَّل كتاب أخرجَتْه المطبعة مقرونًا باسم عبدالسلام هارون هو كتاب "متن الغاية والتقريب"؛ للقاضي أبي شجاع أحمد بن الحسين بن أحمد الأصفهاني، وذلك في سنة 1345هـ، 1925م.

وكُتِب عليه ما نصُّه: "ضبط وتصحيح ومراجعة الشيخ عبدالسلام محمد هارون"، وذلك عندما كنتُ طالبًا صغيرًا بالأزهر، بالسنة الثالثة الأوليَّة، في سنِّ السادسة عشرة، وذلك قبل أنْ أتوجَّه بدراستي إلى (دار العلوم)».

كلُّ هذا جعَل أستاذَنا سريعَ النُّضج، حيث بدأ التحقيقَ وهو ما زال في ميعة الشباب؛ فكانت هذه البداية المُوفَّقة نتيجةً حتميَّةً لتعليمه وثقافته، واقتناصه مَزايا عصره الذهبي الذي عاشَه.

وظائفه العلمية:

وبعد تخرجه عمل مدرسًا بالتعليم الابتدائي، ثم عُيّن في سنة (1365هـ=1945م) مدرسًا بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، وهذه هي المرة الوحيدة في تاريخ الجامعات التي ينتقل فيها مدرس من التعليم الابتدائي إلى السلك الجامعي، بعد أن ذاعت شهرته في تحقيق التراث، ثم عُيّن في سنة (1370هـ=1950م) أستاذًا مساعدًا بكلية دار العلوم، ثم أصبح أستاذًا ورئيسًا لقسم النحو بها سنة (1379هـ= 1959م) ثم دعي مع نخبة من الأساتذة المصريين في سنة (1386هـ=1966م) لإنشاء جامعة الكويت، وتولى هو رئاسة قسم اللغة العربية وقسم الدراسات العليا حتى سنة (1394هـ= 1975م)، وفي أثناء ذلك اختير عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة (1389هـ= 1969م).

نشاطه العلمي:

بدأ عبدالسلام هارون نشاطه العلمي منذ وقت مبكر، فحقق وهو في السادسة عشرة من عمره كتاب "متن أبي شجاع" بضبطه وتصحيحه ومراجعته في سنة (1344هـ=1925م)، ثم حقق الجزء الأول من كتاب "خزانة الأدب" للبغدادي سنة (1346هـ= 1927م)، ثم أكمل أربعة أجزاء من الخزانة وهو طالب بدار العلوم.

كانت هذه البدايات تشير إلى الاتجاه الذي سيسلكه هذا الرجل المتميز، وتظهر تعلقه بنشر التراث، وصبره وجلده على تحمل مشاق المراجعة والتحقيق، وبعد تخرجه في دار العلوم اتجه إلى النشر المنظم، فلا تكاد تخلو سنة من كتاب جديد يحققه أو دراسة ينشرها.

ولنبوغه في هذا الفن اختاره الدكتور طه حسين (1363هـ=1943م) ليكون عضوًا بلجنة إحياء تراث أبي العلاء المعري مع الأساتذة: مصطفى السقا، وعبد الرحيم محمود، وإبراهيم الإبياري، وحامد عبد المجيد، وقد أخرجت هذه اللجنة في أول عهدها مجلدًا ضخمًا بعنوان: "تعريف القدماء بأبي العلاء"، أعقبته بخمسة مجلدات من شروح ديوان "سقط الزند".

وتدور آثاره العلمية في التحقيق حول العناية بنشر كتب الجاحظ، وإخراج المعاجم اللغوية، والكتب النحوية، وكتب الأدب، والمختارات الشعرية.

أما كتب الجاحظ: فقد عني بها عبدالسلام هارون عناية فائقة، فأخرج كتاب "الحيوان" في ثمانية مجلدات، ونال عن تحقيقه جائزة مجمع اللغة العربية سنة (1370هـ=1950م)، وكتاب البيان والتبيين في أربعة أجزاء، وكتاب "البرصان والعرجان والعميان والحولان" و"رسائل الجاحظ" في أربعة أجزاء، وكتاب "العثمانية".

وأخرج من المعاجم اللغوية: معجم "مقاييس اللغة" لابن فارس في ستة أجزاء، واشترك مع أحمد عبد الغفور العطّار في تحقيق "صحاح العربية" للجوهري في ستة مجلدات، و"تهذيب الصحاح" للزنجاني في ثلاثة مجلدات، وحقق جزأين من معجم "تهذيب اللغة" للأزهري، وأسند إليه مجمع اللغة العربية الإشراف على طبع "المعجم الوسيط".

وحقق من كتب النحو واللغة كتاب سيبويه في خمسة أجزاء، وخزانة الأدب للبغدادي في ثلاثة عشر مجلدًا، ومجالس ثعلب في جزأين، وأمالي الزجاجي، ومجالس العلماء للزجاجي أيضًا، والاشتقاق لابن دريد. وحقق من كتب الأدب والمختارات الشعرية: الأجمعيات، والمفضليات بالاشتراك مع العلامة أحمد شاكر، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي مع الأستاذ أحمد أمين، وشرح القصائد السبع الطوال لابن الأنباري، والمجلد الخامس عشر من كتاب الأغاني لأبي فرج الأصبهاني.

وحقق من كتب التاريخ: جمهرة أنساب العرب لابن حزم، ووقعة صفين لنصر بن مزاحم، وكان من نتيجة تجاربه في التعامل مع النصوص المخطوطة ونشرها أن نشر كتابًا في فن التحقيق بعنوان: "تحقيق النصوص ونشرها" سنة (1374هـ= 1954م)، فكان أول كتاب عربي في هذا الفن يوضح مناهجه ويعالج مشكلاته، ثم تتابعت بعد ذلك الكتب التي تعالج هذا الموضوع، مثل كتاب: مقدمة في المنهج للدكتورة بنت الشاطئ، ومنهج تحقيق النصوص ونشرها لنوري حمودي القيسي وسامي مكي العاني، وتحقيق التراث العربي لعبد المجيد دياب.

أما عن مؤلفاته فهي كثيرة، منها: الأساليب الإنشائية في النحو العربي، والميسر والأزلام، والتراث العربي، وحول ديوان البحتري، وتحقيقات وتنبيهات في معجم لسان العرب، وقواعد الإملاء، وكناشة النوادر، ومعجم شواهد العربية، ومعجم مقيدات ابن خلكان.

وعمد إلى بعض الكتب الأصول فهذّبها ويسرها، من ذلك: تهذيب سيرة ابن هشام، وتهذيب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، والألف المختارة من صحيح البخاري، كما صنع فهارس لمعجم تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري في مجلد ضخم.

وعمومًا فإن ما أخرجه للناس من آثار سواء أكانت من تحقيقه أو من تأليفه تجاوزت 115 كتابًا.

وقد نال جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي سنة (1402هـ= 1981م)، وانتخبه مجلس مجمع اللغة العربية أمينًا عامًا له في (3 من ربيع الآخر 1404هـ= 7 من يناير 1984م)، واختاره مجمع اللغة العربية الأردني عضو شرف به.

ظل الشيخ يعمل في خدمة التراث في صبر وجلد ينجز بهما الأعمال العلمية المضنية على اختلاف مناحيها وكثرة تشعبها، تمده ثقافة عربية واسعة، وبصر بالتراث، ونفس وثابة، وروح إسلامية عارمة تستهدف إذاعة النصوص الدالة على عظمة التراث العربي، وتكشف عن نواحي الجلال فيه.

وإلى جانب هذا النشاط في عالم التحقيق كان الأستاذ عبدالسلام هارون أستاذًا جامعيًا متمكنًا، تعرفه الجامعات العربية أستاذًا محاضرًا ومشرفًا ومناقشًا لكثير من الرسائل العلمية التي تزيد عن 80 رسالة للماجستير والدكتوراه.

سبب إعداد الشيخ عبدالسلام هارون لسفره الجليل "قطوف أدبية":

فقد كان لإعداده -رحمه الله- هذا الكتاب للنشر سَببان، هما:

السبب الأول: أنَّه تلبيةٌ لرغبة أحد الناشرين الفُضَلاء، وهو الأستاذ (شرف حجازي)، الذي رأَى في هذه البحوث والمقالات عِقدًا من اللآلئ منفرطًا، بحاجةٍ إلى أن يُجمَع بين دفتَيْن؛ حِفاظًا عليه من الضَّياع، وحِفظًا لهذا الجهد حتى تستَفِيد منه الأجيال؛ وفي ذلك يَقول الأستاذ هارون - رحمه الله -: «والناظر في كتابي هذا الذي أعدَدتُه بِناءً على اقتِراح الناشر الفاضل (شرف حجازي) الذي خشي أنْ يضيع الجهد الأدبي، أو أنْ يندثر، وفي ظنِّه وفي يقينه أنَّه تاريخٌ عزيز».

والسبب الثاني: سَدُّ الفراغ الذي نشَأ عن توقُّف المجلاَّت عن نشرها مقالات وبحوثًا في نقد المنشور من كتب التُّراث؛ ولذلك يقول: «وعسى أنْ يكون في نشْر هذه المقالات والبحوث ما يسدُّ فراغًا نَجَم من خمول وسائل النَّشر والإعلام من الصحف والمجلاَّت، وتوقُّفها عن تشجيع النقد في محيط التُّراث، وهو ما أرجو أنْ يكون خمولاً مؤقَّتًا، وتوقُّفًا مُؤقَّتًا كذلك».

بعض أعمال وتحقيقات الشيخ عبدالسلام محمد هارون رحمه الله تعالى:

- صفة الصفوة/لجمال الدين أبي الفرح عبدالرحمن بن علي الجوزي، صنع فهرسه عبدالسلام محمد هارون.

- فهارس المخصص للإمام ابن سيده اللغوي/تأليف عبدالسلام محمد هارون .

 - تحقيق النصوص ونشرها: أول كتاب عربي في هذا الفن يوضح مناهجه ويعالج مشكلاته/عبدالسلام محمد هارون.

- قطوف أدبية: دراسات نقدية في التراث العربي حول تحقيق التراث/عبدالسلام محمد هارون.

-  بحوث في اللغة والأدب/عبد السلام هارون؛ إعداد وإشراف سهام الفريح.

- تحقيقات وتنبيهات في معجم لسان العرب/تأليف عبدالسلام محمد هارون .

- تهذيب سيرة ابن هشام/عبد السلام محمد هارون.

- معجم مقيدات ابن خلكان/عبدالسلام محمد هارون.

 -خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب/تأليف عبد القادر بن عمر البغدادي؛ تحقيق وشرح عبدالسلام محمد هارون.

-كناشة النوادر/عبد السلام محمد هارون.

- البيان و التبيين/تأليف أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ؛ تحقيق وشرح عبدالسلام محمد هارون. 

- مجالس العلماء/لأبي القاسم عبدالرحمن بن إسحاق الزجاجي؛ تحقيق عبدالسلام محمد هارون.

- المصون في الأدب/تأليف أبي أحمد الحسن بن عبدالله العسكري؛ تحقيق عبدالسلام محمد هارون.

- المفضليات/المفضل بن محمد، المعروف بالمفضل الضبي؛ تحقيق و شرح أحمد محمد شاكر، عبدالسلام محمد هارون.

- تهذيب كتاب الحيوان/عبدالسلام محمد هارون.

- كتاب سيبويه/تحقيق وشرح عبدالسلام هارون.

- البرصان والعرجان والعميان والحولان/لأبى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ؛ تحقيق وشرح عبدالسلام محمد هارون.

- نهج البلاغة: دراسة لغوية توثيقية معجمية نحوية صرفية/إعداد صبري ابراهيم السيد محمد؛ إشراف عبدالعزيز مطر، عبدالسلام هارون.

- جمهرة أنساب العرب/لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، تحقيق وتعليق عبدالسلام محمد هارون.

- الأساليب الإنشائية في النحو العربي/عبدالسلام محمد هارون.

- وقعة صفين/لنصر بن مزاحم المنقري؛ تحقيق وشرح عبدالسلام محمد هارون.

- معجم مقاييس اللغة/لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا؛ بتحقيق وضبط عبدالسلام محمد هارون.

- همع الهوامع في شرح جمع الجوامع/لجلال الدين السيوطي؛ تحقيق وشرح عبدالسلام محمد هارون، عبد العال سالم مكرم.

- تحقيقات وتنبيهات في معجم لسان العرب/تأليف عبد السلام محمد هارون.

- الألف المختارة من صحيح البخاري/اختيار و شرح عبدالسلام محمد هارون.

- التراث العربي/عبدالسلام هارون.

- الكتاب: كتاب سيبويه أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر/تحقيق وشرح عبدالسلام محمد هارون.

- الأصمعيات/اختيار الأصمعي؛ تحقيق و شرح أحمد محمد شاكر، عبدالسلام هارون.

- قواعد الاملاء/تأليف عبد السلام محمد هارون.

- نوادر المخطوطات/بتحقيق عبد السلام هارون.

- أبو علي الشلوبين وأثره في الدراسات النحوية/نصر الدين أحمد منوفي؛ إشراف عبدالسلام هارون.

- معجم شواهد العربية/تأليف عبد السلام محمد هارون.

- أبو البقاء العكبري وأثره في الدراسات النحوية : بحث في النحو/محمد فؤاد علي الدين؛ إشراف عبدالسلام هارون.

- العدد في اللغة العربية/إعداد مصطفى النحاس محمد عبدالمطلب زهران؛ إشراف عبدالسلام محمد هارون.

- ابن معطي وآراؤه النحوية مع تحقيق كتابه: "الفصول الخمسون"/إعداد محمود محمد علي الطناحي؛ إشراف عبدالسلام محمد هارون.

- الأساليب المعاصرة في ضوء النحو والصرف/إعداد أحمد محمود الهرميل؛ إشراف عبدالسلام هارون.

- المقرب في النحو/لابن عصفور الاشبيلي؛ دراسة وتحقيق يعقوب يوسف الغنيم؛ بإشراف عبد السلام محمد هارون.

- الحيوان/عمرو بن بحر الجاحظ؛ تحقيق وشرح عبدالسلام هارون.

- شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات/لأبي بكر محمد بن القاسم الانباري؛ تحقيق وتعليق عبدالسلام محمد هارون.

- الميسر و الازلام: دراسة تاريخية اجتماعية أدبية ودعوة إلى إصلاح اجتماعي/عبدالسلام محمد هارون.

- جار الله الزمخشري وأثره في الدراسات النحوية/عبدالرحمن محمد شاهين؛ بإشراف عبدالسلام محمد هارون.

 - ظاهرة التنوين في اللغة العربية/عوض المرسي جهاوي؛ إشراف عبدالسلام محمد هارون.

- شرح ديوان الحماسة/لأبي علي أحمد بن محمد المرزوقي؛ نشره أحمد أمين، عبدالسلام هارون.

- الفعل في كتاب سيبويه في ضوء النحو/عفاف محمد محمد حسانين، إشراف عبدالسلام هارون.

 - ابن الحاجب وأثره في الدراسات الصرفية/عبدالقادر عبد السيد سيد أحمد أبو سليم؛ بإشراف عبدالسلام هارون.

وفاته:

توفي عبدالسلام هارون في (28 من شعبان 1408هـ= 16 من إبريل 1988م) بعد حياة علمية حافلة، وخدمة للتراث جليلة، وبعد وفاته أصدرت جامعة الكويت كتابًا عنه بعنوان: "الأستاذ عبدالسلام هارون معلمًا ومؤلفًا ومحققًا".

رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً، وجزاه الله خير ما جزى عالمًا عن أمته، وبما قدَّم من خيرٍ عميمٍ ازدانَتْ به المكتبةُ العربيَّة والإسلاميَّة.

 

من مصادر الدراسة:

- محمد مهدي علام: المجمعيون في خمسين عامًا ـ مطبوعات مجمع اللغة العربية، القاهرة (1406هـ= 1986م).

- محمود محمد الطناحي: مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي ـ مكتبة الخانجي ـ القاهرة ـ (1405هـ = 1984م).

- محمد خير رمضان يوسف: تتمة الإعلام للزركلي- دار ابن حزم ـ (1418هـ= 1998م).

- محمد محيي الدين عبد الحميد: كلمة في استقبال عبد السلام هارون ـ مجلة مجمع اللغة العربية ـ العدد (25) ـ القاهرة ـ (1389هـ= 1969م).

- السيد الجميلي: الجيل الثاني أو الطبقة الثانية من المحققين الأعلام ـ مجلة الأزهر ـ الجزء العاشر ـ السنة الثامنة والستون ـ (1416هـ= 1996م).

- ترجمة شيخ المحققين الأستاذ عبد السلام هارون: موقع الألوكة: قراءة في كتاب عبدالسلام هارون: قطوف أدبية لعراقي محمود حامد: http://www.alukah.net/culture/0/75581/

- عبدالسلام هارون: الموسوعة الحرة: https://ar.wikipedia.org/wiki

- عبدالسلام هارون: موسوعة المعرفة: https://marefa.org

- البروفيسور عبدالسلام محمد هارون: موقع جائزة الملك فيصل:

http://kfip.org/ar/profesor-abd-al-salam-harun/

- عبدالسلام هارون: موقع إي كتاب: http://www.ektab.com

- عبدالسلام هارون.. في صحبة الجاحظ والمعري: https://www.alaraby.co.uk/culture

 - شيخ المحققين الدكتور عبدالسلام هارون: موقع بوليتين: http://www.forsanhaq.com


عدد القراء: 2558

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-