شمس الأئمة أحمد محمد شاكر إمام أهل الحديث في عصره (1309هـ/1892م-1377هـ/1958م)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-10-11 18:44:35

د. علي بن محمد العطيف

أستاذ الحديث والدراسات العليا بجامعة الملك خالد

أبو الأشبال، من أئمة «علم الحديث النبوي» في العصر الحديث من أرض الكنانة، درس العلوم الإسلامية وبرع في كثير منها، فهو فقيه ومحقق وأديب وناقد، لكنه برز في علم الحديث حتى انتهت إليه رئاسة أهل الحديث في عصره، كما اشتغل بالقضاء الشرعي حتى نال عضوية محكمته العليا.

نشأة الإمام المحقق أحمد محمد شاكر:

ولد في 29 جمادى الآخرة سنة (1309هـ) الموافق 29 يناير (1892م) بعد فجر يوم الجمعة، وهي السنة نفسها التي ولد فيها الشيخ: محمد حامد الفقي مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر، وكان مولده بدرب الإنسية ¬قسم الدرب الأحمر بالقاهرة، وسماه أبوه «أحمد شمس الأئمة، أبو الأشبال».

 ووالده هو الشيخ (محمد شاكر) من علماء الأزهر النابغين الذين برزوا في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وهو ينتمي إلى أسرة «أبي علياء» بجرجا من صعيد مصر، وهي أسرة شريفة، ينتهي نسبها إلى الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما-.

تلقى والده (محمد شاكر) تعليمه بالأزهر، واتصل بكبار علمائه، وتتلمذ على أيديهم. بعد تخرجه عمل أمينًا للفتوى بالأزهر، ثم عين في سنة (1332هـ=1905م) شيخًا لعلماء الإسكندرية، وشيخًا لمعهدها الديني، ثم اختير وكيلاً لمشيخة الجامع الأزهر في 9من ربيع الآخر (1327هـ) الموافق 29 من إبريل (1909م)، ثم استقال من الوكالة بعد أن اختير عضوًا في الجمعية التشريعية سنة (1331هـ = 1913م)، وتفرغ للعمل العام، والإدلاء برأيه في القضايا العامة والكتابة في الصحف، وكان من زعماء الأزهر في ثورة (1919م).

وقد أنجب الشيخ «محمد شاكر» عددًا من الأبناء، نبغ منهم اثنان: أما أحدهما فهو العلامة المحدث «أحمد محمد شاكر»، وقد انتهت إليه رئاسة الحديث في مصر، والآخر فهو الأديب الكبير «محمود محمد شاكر» صاحب كتب: «أباطيل وأسمار» «القوس العذراء» «المتنبي».. وغيرها.

اصطحب الوالد ابنه أحمد شاكر إبان سفره إلى السودان، حيث ولي منصب قاضي القضاة، وعمره حينها ثماني سنوات، فألحقه بكلية «جوردون» واستمر بها حتى عودته إلى الإسكندرية بمصر في 26 أبريل سنة (1904م) فألحقه الوالد بمعهد الإسكندرية (وكان الوالد شيخ المعهد)، وفي 29 أبريل (1909م) عاد والده للقاهرة ليلي وكالة مشيخة الأزهر، فالتحق أحمد شاكر بالأزهر حتى نال شهادة العالمية سنة (1917م).

وقد حضر في ذلك الوقت إلى القاهرة الشيخ (عبدالله بن إدريس السنوسي) عالم المغرب ومحدثها، فتلقى عنه أحمد شاكر طائفة كبيرة من «صحيح البخاري»، فأجازه هو وأخاه برواية البخاري.

 كما أخذ عن الشيخ (محمد بن الأمين الشنقيطي) كتاب «بلوغ المرام».

 وكان من شيوخه أيضًا الشيخ (أحمد بن الشمس الشنقيطي) عالم القبائل الملثمة، وتلقى أيضًا عن الشيخ (شاكر العراقي) فأجازه، وأجاز أخاه عليًّا بجميع كتب السنة.

 كما التقى بالقاهرة من علماء السنة الشيخ (طاهر الجزائري) من كبار علماء الشام، والأستاذ (محمد رشيد رضا) صاحب تفسير «المنار».

طلب الإمام المحقق أحمد محمد شاكر العلم:

درس أحمد شاكر أصول الفقه على الشيخ (محمود أبو دقيقة)، أحد علماء معهد الإسكندرية، وعضو هيئة كبار العلماء.

 ودرس على والده الشيخ (محمد شاكر) تفسير البغوي، وصحيح مسلم، وسنن الترمذي، وشمائل الرسول، وبعضًا من صحيح البخاري، وجمع الجوامع وشرح الأسنوي على المنهاج في الأصول، وشرح الخبيصي، وشرح القطب على الشمسية في المنطق، والرسالة البيانية في البيان، وفقه الهداية في الفقه الحنفي.

وأخذ العلم -كما تقدم آنفًا-عن الشيخ عبدالله بن إدريس السنوسي، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ أحمد بن الشمس الشنقيطي، والشيخ شاكر العراقي، والشيخ طاهر الجزائري، والأستاذ محمد رشيد رضا، والشيخ سليم البشري، والشيخ حبيب الله الشنقيطي، وغيرهم كثير من أئمة الحديث حتى برع فيه.

ودرس الشيخ أحمد شاكر بالأزهر على المذهب الحنفي، وبه كان يقضي في القضاء الشرعي، لكنه كان بعيدًا عن التعصب لمذهب معين، مؤثرًا الرجوع إلى أقوال السلف وأدلتهم.

 يقول (أحمد شاكر) بما يوضح مذهبه العلمي، في معرض تحقيقه لكتاب (الرسالة) للشافعي، بعد أن أكثر من الثناء عليه وبيان منزلته:

«وقد يفهم بعض الناس من كلامي عن الشافعي أني أقول ما أقول عن تقليد وعصبية، لما نشأ عليه أكثر أهل العلم من قرون كثيرة، من تفرقهم أحزابًا وشيعًا علمية، مبنية على العصبية المذهبية، مما أضر بالمسلمين وأخرهم عن سائر الأمم، وكان السبب في زوال حكم الإسلام عن بلاد المسلمين، حتى صاروا يحكمون بقوانين تخالف دين الإسلام، خنعوا لها واستكانوا، في حين كان كثير من علمائهم يأبون الحكم بغير المذهب الذي يتعصبون له ويتعصب له الحكام في البلاد. ومعاذ الله أن أرضى لنفسي خلة أنكرها على الناس، بل أبحث وأجد، وأتبع الدليل حيثما وجد. وقد نشأت في طلب العلم وتفقهت على مذهب أبي حنيفة، ونلت شهادة العالمية من الأزهر الشريف حنفيا، ووليت القضاء منذ عشرين سنة أحكم كما يحكم إخواني بما أذن لنا بالحكم به من مذهب الحنفية. ولكني بجوار هذا بدأت دراسة السُّنة النبوية أثناء طلب العلم، من نحو ثلاثين سنة، فسمعت كثيرًا وقرأت كثيرًا، ودرست أخبار العلماء والأئمة، ونظرت في أقوالهم وأدلتهم، لم أتعصب لواحد منهم، ولم أحد عن سنن الحق فيما بدا لي، فإن أخطأت فكما يخطئ الرجل، وإن أصبت فكما يصيب الرجل. أحترم رأيي ورأي غيري، وأحترم ما أعتقده حقًّا قبل كل شيء وفوق كل شيء. فمن هذا قلت ما قلت واعتقدت ما اعتقدت في الشافعي، رحمه الله ورضي عنه»(2).

 مكانته العلمية:

كان والده الشيخ (محمد شاكر) هو صاحب الأثر الكبير في توجيه الشيخ أحمد شاكر إلى معرفة كتب الحديث منذ عام (1909م)، فلما كانت سنة (1911م) اهتم بقراءة «مسند أحمد بن حنبل» رحمه الله، وظل منذ ذلك التاريخ مشغولًا بدراسته حتى بدأ في طبع شرحه على «المسند» سنة (1365هـ) الموافق (1946م)، وقد بذل في تحقيقه أقصى ما يستطيع عالِم من جهد في الضبط والتحقيق والتنظيم.

 ولقد كان الشيخ أحمد شاكر كما يقول عنه المحقق الأستاذ (عبد السلام محمد هارون): «إمامًا يَعْسر التعريف بفضله كل العُسْر، ويقصر الصنع عن الوفاء له كل الوفاء».

وقال عنه الشيخ (محمود محمد شاكر): «وهو أحد الأفذاذ القلائل الذين درسوا الحديث النبوي في زماننا دراسة وافية، قائمة على الأصول التي اشتهر بها أئمة هذا العلم في القرون الأولى، وكان له اجتهاد عُرف به في جرح الرجال وتعديلهم، أفضى به إلى مخالفة القدماء والمحدثين، ونصر رأيه بالأدلة البينة، فصار له مذهب معروف بين المشتغلين بهذا العلم على قلتهم».

وإذا كان الشيخ (محمد حامد الفقي) صاحب باع كبير في تفسير القرآن الكريم وتحقيق كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، فإن رفيقه في محبة شيخ الإسلام ابن تيمية هو الشيخ أحمد شاكر، فقد كان صاحب اليد الطولى في تحقيق كتب السنة النبوية وغيرها، فأصبح بذلك العالم المحدث المفسر الفقيه اللغوي الأديب القاضي والصحفي، وقد قاما معًا بـإخراج «تهذيب سنن أبي داود».

نتاجه العلمي:

تدور أعمال أحمد شاكر وجهوده العلمية حول محورين أساسين هما:

• بعث التراث العربي ونشره نشرًا دقيقًا.

• كتابة البحوث والرسائل العلمية.

 وقد استأثر الجانب الأول بجهود الشيخ، وإفراغ طاقته الجبارة في العمل والبحث، وكان تحقيق كتاب «الرسالة» للإمام الشافعي هو أول كتاب ينشره بين الناس، وكان تحقيقًا له على غير ما اعتاد الناس أن يقفوا عليه من تحقيقات المستشرقين، وجاء عمله نموذجًا لفن تحقيق التراث، فقد اعتمد على أصل قديم بخط الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي، كتبه في حياة إمامه، ووضع مقدمة إضافية للكتاب بلغت (100) صفحة، وخرّج أحاديث الكتاب تخريجًا علميًا دقيقًا، مع فهارس شاملة، وتعليقات وشروح تدل على سعة العلم والتمكن من فن الحديث.

 ثم اتجه إلى أصول كتب السنة يحقق بعضها، فحقق جزأين من سنن الترمذي، وأخرج الجزء الأول من صحيح ابن حبان، واشترك مع الشيخ محمد حامد الفقي في إخراج وتحقيق تهذيب سنن أبي داود.

وتعليقات الشيخ أحمد شاكر على جامع الترمذي لا يستغني عنها طالب علم، وهي أيضًا منهج لتحقيق الكتب. وهي في مجلدين جامع الترمذي بتحقيق الشيخ أحمد شاكر، يستفيد منها طالب العلم في التصحيح، كما يستفيد منها أيضاً منهجية التحقيق..

جهود الشيخ أحمد شاكر لتحقيق مسند الإمام أحمد بن حنبل، وهو أضخم دواوين السنة، وكان التعامل مع المسند يحتاج إلى معرفة واسعة ورسوخ في العلم، وقد أتم منه خمسة عشر جزءًا فقط وتوفي قبل إتمامه.

والكتاب يقوم على جعل أحاديث كل صحابي على حدة، فمسند ابن مسعود رضي الله عنه مثلاً يضم الأحاديث التي رواها دون ترتيب، وهكذا، وكانت صعوبة التعامل مع المسند مصدر شكوى من كبار المحدثين وأعلامهم، وهو ما جعل الحافظ الذهبي يتمنى أن يقيض الله لهذا الديوان الكبير من يخدمه ويبوبه، ويرتب هيئته.

وكان عمل الشيخ «شاكر» في تحقيق المسند عظيمًا فأخرج منه خمسة عشر جزءًا على أحسن ما يكون التحقيق؛ فقد رقم أحاديث الكتاب، وعلّق عليها وخرّجها، وحكم عليها صحة وضعفًا، وضبط أعلامها، وشرح غريبها، وجعل لكل جزء فهارس فنية دقيقة.

 إلا أن المنية عاجلته دون أن يتمكن من إتمامه، فلم ينته من تخريج كامل أحاديث المسند بل وصل إلى ثلث الكتاب تقريباً، وعدد الأحاديث التي حققها (8099) وقدم للكتاب بنقل كتابين جعلهما كالمقدمة بالنسبة للمسند هما: «خصائص المسند» للحافظ أبي موسى المديني، و«المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد» لابن الجزري.

 ولم يقدر أحد أن يكمله على النمط الذي خطه الشيخ أحمد شاكر، وأذكر ونحن في السنة المنهجية لمرحلة الماجستير كان شيخنا المبارك سماحة الشيخ الدكتور أحمد معبد عبدالكريم – حفظه الله – يقول: ومن أكمل المسند لم يستطع أن يأتي به على نَفَسِ المحقق ولا قريبًا منه.

 كما ألف الشيخ أحمد شاكر كتبًا عدة، ومن أشهر مؤلفاته:

• كتاب «نظام الطلاق في الإسلام»، اجتهد فيه اجتهادًا حرًّا ولم يتعصب لمذهب من المذاهب.

 • كتاب «الكتاب والسنة» وهو دعوة إلى أخذ القوانين من الكتاب والسنة.

 • كتاب «كلمة الحق» في شئون المسلمين وحرب الوثنية والشرك والدفاع عن القرآن والسنة، وهي مجموعة مقالات كتبها في مجلة «الهدي النبوي» جمعت في كتاب بعد وفاته.

 • كتاب «كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر» وفيه يستحث ملوك المسلمين ضد الخمور وتجارها ومدنيها.

 • «الشرع واللغة».. رسالة في الرد على (عبد العزيز فهمي باشا) الذي اقترح كتابة اللغة العربية بحروف لاتينية.

 وكما ذكرنا آنفًا فلقد حقق أحمد شاكر الكثير من كتب التراث الإسلامي، في مجالات كثيرة، نذكرها مرتبة، وهي كالآتي:

• «الرسالة» للإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي عن أصل بخط الربيع بن سليمان كتبه في حياة الشافعي، وهو أول كتاب حققه، وقد بذل فيه عناية بالغة فكان على درجة عالية من الدقة والتحقيق.

• الجزء الأول من «مسند ابن حبان».

• جزءين من «الجامع الصحيح» للترمذي.

• تحقيق مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري، ومعه معالم السنن للخطابي، وتهذيب ابن قيِّم الجوزية، بالاشتراك مع الشيخ محمد حامد الفقي، وطبع الكتاب في ثمانية مجلدات.

 • شرح كتاب «اختصار علوم الحديث» للحافظ ابن كثير.

 • شرح «ألفية السيوطي» في علم الحديث، وطبع الكتاب في مجلدين.

 • «عمدة التفسير» عن تفسير الحافظ ابن كثير، اختصره وحذف منه الأسانيد، والروايات الإسرائيلية والأحاديث الضعيفة، وتفاصيل المسائل الكلامية، وهو أفضل المختصرات التي طبعت لتفسير ابن كثير، أتم منه خمسة أجزاء (ظل الجزء الأخير منه مفقودًا لسنوات حتى عثر عليه وتم طبع الكتاب كاملاً).

• تخريج أحاديث من تفسير الطبري: شارك أخاه محمود شاكر في تخريج أحاديث بعض الأجزاء من هذا التفسير، وعلق على بعض الأحاديث إلى الجزء الثالث عشر.

• كتاب «الإحكام» لابن حزم الظاهري في أصول الفقه، وجزءين من كتاب «المحلى».

• كتاب «العمدة في الأحكام» للحافظ عبد الغني المقدسي.

• كتاب «جماع العلم» للشافعي.

• تحقيق كتاب «شرح العقيدة الطحاوية».

• شارك مع الأستاذ عبدالسلام هارون في تحقيق وإخراج «المفضّليات» للمفضل الضبي، «الأصمعيات» للأصمعي، «إصلاح المنطق» لابن السكيت.

• كتاب «الشعر والشعراء» لابن قتيبة.

• كتاب «لباب الأدب» للأمير أسامة بن منقذ المتوفى سنة 584هـ.

• كتاب «المعرب» للجواليقي في اللغة.

وقد بلغ مجموع ما نشره سواء ما كان من تأليفه أو من تحقيقه 34 عملاً، وتنوعت أعماله فشملت السُّنة والفقه والأصول والتفسير والتوحيد واللغة، وسعة هذه الميادين تدل على ما كان يتمتع به الشيخ من غزارة العلم ورحابة الأفق والتمكن والفهم.

ومما أخذ على الشيخ شاكر – رحمه الله- أن معظم الكتب الهامة التي قام بتحقيقها أو شرحها لم يكد يتممها، وكأنه كان يشتغل بأكثر من كتاب في وقت واحد، فالترمذي والمسند وصحيح ابن حبان وتفسير ابن كثير وتفسير الطبري...وغيرها، لم تكتمل، ولو أكملها لكانت الفائدة أوسع وأكثر، فلا تكاد تجد من يسد هذا الفراغ الذي تركه الشيخ، فمنهجه وأسلوبه يختلف عمن جاء من بعده.

 منهجه في تصحيح الأسانيد:

غلب على الشيخ في مجال البحث العلمي الاهتمام بتخريج الأحاديث ودراسة أسانيدها خاصة في تخريجه لأحاديث «المسند». وعند تتبع الأسانيد التي حكم عليها بالصحة، يلاحظ أن أهم القواعد التي يسير عليها في تصحيح إسناد حديث ما هي كالآتي:

1 - إذا ذكر البخاري الراوي في «تاريخه الكبير» وسكت عنه، ولم يذكره في الضعفاء، فإن الشيخ يعتبر سكوته توثيقًا للراوي.

2 - إذا ذكر ابن أبي حاتم الراوي في «الجرح والتعديل» وسكت عنه أيضًا، فإن الشيخ يعتبر سكوته عن الراوي توثيقًا له.

3 - كان يعتمد على توثيق ابن حبان، فالرواة الذين ذكرهم ابن حبان في كتاب «الثقات» ثقات عند الشيخ أحمد شاكر(3).

4 - توثيقه لـ (عبدالله بن لهيعة) بإطلاق.

5 - توثيقه للمجهول من التابعين قياساً لحالهم على حال الصحابة.

الوظائف التي شغلها ووفاته:

بعد حصوله على شهادة العالمية سنة (1917م) عين بمعهد عثمان ماهر لمدة أربعة أشهر، ثم انتقل إلى القضاء الشرعي وتدرج في مناصبه حتى صار قاضيًا بالمحاكم الشرعية ثم عضوًا بالمحكمة العليا، وأحيل إلى التقاعد في (1952م) ببلوغه سن الستين. وتفرغ بعدها لأعماله العلمية حتى وفاته.

عمل مشرفًا على التحرير بمجلة «الهدي النبوي» سنة (1370هـ)، وكان يكتب بها مقالاً ثابتًا بعنوان: «اصدع بما تؤمر»، وقد جمعت بعض هذه المقالات ونشرت في كتاب بعنوان «كلمة الحق». طبعته دار الكتب السلفية(4).

 وتوفي يوم السبت 26 ذي القعدة سنة (1377هـ) الموافق 14يونيو سنة (1958م).

من مقالاته:

• يقول - رحمه الله- في مقال له بعنوان «تصحيح الكتب»:

تصحيح الكتب، وتحقيقها من أشق الأعمال وأكبرها تبعة، ولقد صوَّر أبو عمرو الجاحظ ذلك أقوى تصوير، في كتاب «الحيوان» فقال (ج1، ص79 من طبعة أولاد السيد مصطفى الحلبي بمصر): «ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفًا، أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حرِّ اللفظ، وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص؛ حتى يرده إلى موضعه من أمثلة الكلام؛ فكيف يطيق ذلك المعارض المستأجر، والحكيم نفسه قد أعجزه هذا الباب؟ وأعجب من ذلك أنه يأخذ بأمرين: قد أصلح الفاسد، وزاد الصالح صلاحًا، ثم يصير هذا الكتاب بعد ذلك نسخة لإنسان آخر، فيسير فيه الورَّاق الثاني سيرة الورَّاق الأول.

ولا يزال الكتاب تتداوله الأيدي الجانية، والأعراض المفسدة، حتى يصير غلطًا صرفًا وكذباً مصمتاً؛ فما ظنكم بكتاب تتعاقبه المترجمون بالإفساد، وتتعاوره الخطاط بشرٍّ من ذلك أو بمثله، كتاب متقادم الميلاد، دهريُّ الصنعة».

وقال الأخفش: «لو نُسخ الكتاب، ولم يعارض، ثم نُسخ ولم يعارض خرج أعجميًّا!».

وصدق الجاحظ والأخفش، وقد كان الخطر قديمًا في الكتب المخطوطة، وهو خطر محصور؛ لقلة تداول الأيدي إياها، مهما كثرت وذاعت؛ فماذا كانا قائلَينِ لو رأيا ما رأينا من المطابع، وما تجترحه من جرائم تسميها كتبًا!!

ألوف من النسخ من كل كتاب، تنشر في الأسواق والمكاتب، تتناولها أيدي الناس، ليس فيها صحيح إلا قليلاً؛ يقرؤها العالم المتمكن، والمتعلم المستفيد، والعامي الجاهل، وفيها أغلاط واضحة، وأغلاط مشكلة، ونقص وتحريف؛ فيضطرب العالم المتثبِّت إذا هو وقع في خطأ في موضع نظر وتأمل ويظن بما علم الظنون، ويخشى أن يكون هو المخطئ، فيراجع ويراجع، حتى يستبين له وجه الصواب؛ فإذا به أضاع وقتًا نفيسًا وبذل جهداً هو إليه أحوج؛ ضحيَّة لعب من مصحح في مطبعة، أو عمد من ناشر أمِّيٍّ، يأبى إلا أن يوسد الأمر إلى غير أهله، ويأبى إلا أن يركب رأسه؛ فلا يكون مع رأيه رأي.

ويشتبه الأمر على المتعلم الناشئ، في الواضح والمشكل، وقد يثق بالكتاب بين يديه، فيحفظ بالخطأ، ويطمئن إليه، ثم يكون إقناعه بغيره عسيراً، وتصوَّر أنت حال العامي بعد ذلك!!.

وأيُّ كتب تبتلى هذا البلاء؟ كتب هي ثروة ضخمة من مجد الإسلام، ومفخرة للمسلمين، كتب الدين والعلم: التفسير والحديث، والأدب والتاريخ، وما إلى ذلك من علوم أُخر.

وفي غمرة هذا العبث تضيء قلةٌ من الكتب طبعت في مطبعة بولاق قديمًا عندما كان فيها أساطين المصححين، أمثال الشيخ محمد قطة العدوي، والشيخ نصر الهوريني، وفي بعض المطابع الأهلية كمطبعة الحلبي والخانجي.

وشيء نادر عنى به بعض المستشرقين في أوروبا وغيرها من أقطار الأرض يمتاز عن كل ما طبع في مصر بالمحافظة الدقيقة -غالبًا- على ما في الأصول المخطوطة التي يطبع عنها مهما اختلفت، ويذكرون ما فيها من خطأ وصواب، يضعونه تحت أنظار القارئين، فَرُبَّ خطأ في نظر مصحح الكتاب هو الصواب الموافق لما قال المؤلف، وقد يَتَبَيَّنُهُ شخص آخر عن فهم ثاقب، أو دليل ثابت.

وتمتاز طباعتهم - أيضًا - بوصف الأصول التي يطبعون عنها وصفًا جيدًا، يظهر القارئ على مبلغ الثقة بها، أو الشك في صحتها؛ ليكون على صحة من أمره.

وهذه ميزة لن تجدها في شيء مما طبع في مصر قديماً بلغ ما بلغ من الصحة والإتقان؛ فها هي الطبعات الصحيحة المتقنة من نفائس الكتب المطبوعة في بولاق، أمثال: الكشاف، والفخر، والطبري، وأبي السعود، وحاشية زاده على البيضاوي، وغيرها من كتب التفسير، وأمثال البخاري، ومسلم، والترمذي، والقسطلاني، والنووي على مسلم، والأم للإمام الشافعي، وغير ذلك من كتب الحديث والفقه؛ وأمثال لسان العرب، والقاموس، والصحاح، وسيبويه، والأغاني، والمزهر، والخزانة الكبرى، والعقد الفريد، وغيرها من كتب اللغة والأدب؛ وأمثال تاريخ ابن الأثير، وخطط المقريزي، ونفح الطيب، وابن خلكان، وذيله، والجبرتي، وغيرها من كتب التاريخ والتراجم، إلى غير ذلك مما طبع من الدواوين الكبار ومصادر العلوم والفنون.

أتجد في شيء من هذا دليلاً أو إشارة إلى الأصل الذي أخذ؟!

وأقرب مثل لذلك كتاب سيبوبه طبع في باريس سنة 1881م (توافق سنتي 1298، 1299هـ) ثم طبع في بولاق في سني (1316 - 1318هـ ) وتجد في الأولى اختلاف النسخ تفصيلاً بالحاشية، ومقدمة باللغة الفرنساوية فيها بيان الأصول التي طبع عنها، ونصَّ ما كتب عليها من تواريخ وسماعات واصطلاحات وغير ذلك حرفيَّاً باللغة العربية؛ ثم لا تجد في طبعة بولاق حرفًا واحدًا من ذلك كله، ولا إشارة إلى أنها أخذت من طبعة باريس.

لم يكن هؤلاء الأجانب مبتكري قواعد التصحيح، وإنما سبقهم إليها علماء الإسلام المتقدمون، وكتبوا فيها فصولاً نفيسة، نذكر بعضها هنا، على أن يذكر القارئ أنهم ابتكروا هذه القواعد؛ لتصحيح الكتب المحفوظة، إذ لم تكن المطابع وُجدت، ولو كانت لديهم لأتوا من ذلك بالعجب العجاب، ونحن وارثو مجدهم وعزِّهم، وإلينا انتهت علومهم؛ فلعلنا نحفز هممنا لإتمام ما بدؤوا به.

نبني كما كانت أوائلنا              تبني ونفعل مثل ما فعلوا(5)

 

المراجع:

  1 - مصادر الترجمة:

- الموسوعة الحرة: ويكيبيديا

 https://ar.wikipedia.org

- الموسوعة الذهبية للعلوم الإسلامية - فاطمة محجوب، نشر دار الغد العربي، ص 687.

- من العلماء الرواد في رحاب الأزهر - المستشار محمد عزت الطهطاوي. ص 576 - 580

- الأعلام للزركلي، الجزء الأول، ص 253

- أحمد محمد شاكر.. إمام أهل الحديث في عصره د. خالد النجار – الألوكة.

 http://www.alukah.net/culture

- الشيخ المحدث أحمد شاكر.. حياته.. ومؤلفاته: إسلام ويب

 http://fatwa.islam.net

- ترجمة إمام أهل الحديث في عصره فضيلة الشيخ أحمد محمد شاكر - رحمه الله: لفتحي أمين عثمان

 http://www.ansaralsonna.com

- الرسالة للشافعي، تحقيق أحمد محمد شاكر، ص 8.

• الشيخ أحمد محمد شاكر، لحكمت الحريري.

2 - الرسالة للشافعي، تحقيق أحمد محمد شاكر، ص8.

3 - مقدمة كتاب الثقات.

4 - جمهرة مقالات الشيخ أحمد شاكر، جمع الأستاذ عبدالرحمن العقل، 598-591/2.

5 - مجلة الهدي النبوي، العدد17، ص 21- 26، شعبان 1357هـ.


عدد القراء: 2960

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-