العدد الحاليالعدد رقم 46علوم وتكنولوجيا

غروكيبيديا أم ويكيبيديا؟ صدام الذكاء الاصطناعي والمعرفة

تَعِد «غروكيبيديا» بإجابات فورية، بينما بنت ويكيبيديا سمعتها على التوافق التحريري المتأنّي. وهنا يحتدم الصراع بين السرعة والدقة.

يستهدف مشروع إيلون ماسك الأحدث، «غروكيبيديا»، بصورة مباشرة هيمنة ويكيبيديا التي امتدت لأكثر من عشرين عامًا في مجال المعرفة على الإنترنت.

ففي 27 أكتوبر 2025، أُطلقت غروكيبيديا بما يقارب 800 ألف مدخل مولَّد بالذكاء الاصطناعي، في مواجهة ما يقرب من 7 ملايين مقالة محرَّرة بشريًا في ويكيبيديا. ويجسّد هذا التباين صدامًا فريدًا بين نموذج التعاون المفتوح القائم على العمل التطوعي، ونموذج الذكاء الاصطناعي الاحتكاري القائم على الأتمتة.

وترتفع اليوم رهانات السيطرة على «الحقائق» في سوق المعلومات الرقمية، الذي بات يتشكل على نحو متزايد بفعل الذكاء الاصطناعي. ففي هذا الفضاء، تتنافس ويكيبيديا وغروكيبيديا على الجمهور نفسه، غير أن كلتيهما تستندان إلى فلسفتين معرفيتين متعارضتين تقريبًا.

تُموَّل ويكيبيديا أساسًا من خلال التبرعات، من دون إعلانات. وتستضيف المنصة ملايين المقالات التي يكتبها ويُشرف عليها محررون متطوعون. ورغم أن نموذج التحرير المفتوح هذا قد يجعله بطيئًا ومشحونًا بالخلافات، فإنه أكثر خضوعًا للمساءلة الإجرائية والشفافية.

في المقابل، بُنيت غروكيبيديا على اعتماد مكثف على الذكاء الاصطناعي. فوفق نموذج «غروك»، تُنشأ المقالات وتُراجع بواسطة النموذج اللغوي الكبير نفسه، ولا يُسمح للمستخدمين بتحرير المحتوى مباشرة، بل يقتصر دورهم على الإبلاغ عن الأخطاء عبر نموذج إلكتروني. وتشير تقارير إلى أن عددًا من مقالات غروكيبيديا يستند جزئيًا إلى محتوى سابق من ويكيبيديا.

وقد دعا ماسك مرارًا إلى إنشاء منافس قوي لويكيبيديا. ففي أواخر ديسمبر 2024، حثّ متابعيه على منصة «إكس» على «التوقف عن التبرع لويكيبيديا إلى أن تعيد التوازن إلى سلطتها التحريرية»، كما انتقد تخصيص المؤسسة أكثر من 50 مليون دولار لتوسيع برامج التنوع والإنصاف والشمول.

مقارنة مباشرة: ويكيبيديا مقابل غروكيبيديا

مع عمل الطرفين في سوق معرفية واحدة، وإن بأساليب متباينة بوضوح، يرى الخبراء أن الصراع بينهما يمكن قراءته من خلال خمسة محاور رئيسة.

الثقة عبر التوافق، والسرعة عبر الذكاء الاصطناعي

يرى باحثون أن أفضل الخوارزميات هي تلك المتجذّرة في التحقق المجتمعي، بما يسمح بتحقيق توازن بين السرعة والدقة – وهي معادلة بات المستخدمون يتوقعونها على نحو متزايد. وتسعى كل من ويكيبيديا وغروكيبيديا إلى تلبية هذه التوقعات، ولكن عبر مسارات مختلفة.

يقول كارلو فان دي فايجر، زميل الذكاء الاصطناعي في جامعة سينغيولاريتي: «على المدى الطويل، لن يختار المستخدمون بين السرعة أو الدقة، بل سيفضلون الأنظمة التي تجمع بينهما. تكمن قوة ويكيبيديا في إبستمولوجيتها الاجتماعية، أي في إضفاء الشرعية على المعرفة من خلال التداول الشفاف والتحقق متعدد الزوايا. أما منصات الذكاء الاصطناعي، فرغم قدرتها على تقديم السرعة، تظل من دون رقابة مجتمعية عرضة للأخطاء والهلاوس».

مخاطر أخطاء الذكاء الاصطناعي وضمان استمرارية ويكيبيديا

إذا حققت غروكيبيديا انتشارًا واسعًا، فلن ينهار نموذج التبرعات الذي تقوم عليه ويكيبيديا، بل سيتحوّل. يقول سانتياغو نيستاريس، الشريك المؤسس لشركة Dual Entry المتخصصة في أنظمة تخطيط الموارد المدعومة بالذكاء الاصطناعي: «ستظل المعرفة مجانية، لكن تنظيمها لن يكون كذلك. ستنتقل الكلفة من المحررين البشر إلى الحوسبة والحوكمة. وستتحول الحقيقة المفتوحة المصدر إلى سياق تجاري».

ويرى نيستاريس أن الخطر الأكبر في المعرفة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي يتمثل في «التعلم الدائري»، إذ

«يتدرّب الذكاء الاصطناعي على ويكيبيديا، ثم يعيد إنتاجها، ثم يستشهد بنفسه. وما لم تُفرض قواعد صارمة لإثبات المصدر والمراجعة البشرية، سننتهي إلى منظومة مغلقة من معلومات سريعة وواثقة، لكنها خاطئة».

أفضلية التفاعل البشري

لا يُتوقع أن تقضي غروكيبيديا على البحث، لكنها قد تعيد تشكيله.

يقول نيستاريس: «سيتحوّل البحث إلى واجهة لا إلى محرّك. سيقدّم الذكاء الاصطناعي إجابات بدل صفحات، لكن تلك الإجابات لا تزال تعتمد على شبكة معلومات يصونها البشر».

ومع الإجابات الفورية، تتغير دوافع المشاركة في إنتاج المعرفة.

«لم يعد الأمر متعلقًا بكتابة المقالات، بل بتشكيل النماذج. يصبح المحررون أوصياء على المعرفة لا مجرد متطوعين للتحقق من الوقائع. ويمكن للذكاء الاصطناعي توسيع الوصول إلى المعلومات، بشرط الإبقاء على البشر داخل حلقة التغذية الراجعة».

إيلون ماسك ومشكلة المصداقية

يرى مختصون في المعرفة الرقمية أن مصداقية «غروك» قد تعتمد في النهاية على صورة إيلون ماسك العامة، وهو ما يشكل عائقًا جوهريًا.

يقول كافيه فهدات، مؤسس شركة RiseAngle: «لا تنجح أنظمة المعرفة إلا عندما يُنظر إليها بوصفها محايدة وساعية إلى الحقيقة. وقد اكتسبت ويكيبيديا هذه المكانة ببطء عبر التوافق والشفافية وقاعدة واسعة من المساهمين. أما غروكيبيديا، فهي ترث تصورات الجمهور عن ماسك، الذي يُنظر إليه من قبل كثيرين بوصفه شخصية منحازة، ما يصعّب تحولها إلى مصدر موثوق بالطريقة نفسها».

وعند المقارنة بين دقة التحقق المجتمعي وسرعة الخوارزميات، يميل المستخدمون إلى ما يثقون به.

«حتى لو كانت غروكيبيديا سريعة، يتردد الناس حين ترتبط أحكام النظام بشخص واحد تتقلب مصداقيته. قد تكون ويكيبيديا بطيئة وفوضوية، لكنها غير مرتبطة برؤية فردية واحدة، وهذا يمنحها قدرة أكبر على الاستمرار».

هل تقود غروكيبيديا إلى تآكل الفروق الدقيقة؟

تحذّر تحليلات من دخول منصات المعلومات الرقمية حلقة تكرارية مغلقة، تبتلع فيها التقنية محتوى ويكيبيديا ثم تعيد إنتاجه بوصفه بيانات “أصلية”، بما يؤدي تدريجيًا إلى طمس المصدر البشري.

يقول كارل هيوز، مختص التسويق بالمحتوى في شركة Exposure Ninja البريطانية: «المخرج الوحيد هو الإبقاء على جدران تحريرية يكون الإنسان جزءًا أساسيًا منها، بما يشمل طبقات تحقق، واستشهادات دقيقة، وخبراء يذكّرون النظام بأصول معرفته».

ويرى هيوز أن غروكيبيديا لا تمثل نهاية البحث، بل تهديدًا للفروق الدقيقة في المعرفة.

«ستجذب جمهورًا يخلط بين النزعة الجدلية والذكاء، بينما سيظل كثيرون بحاجة إلى مصادر تشرح كيف نعرف، لا مجرد ما تقوله الخوارزمية».

وتشير دراسة حديثة من جامعة كورنيل إلى أن غروكيبيديا تستشهد بانتظام بمواقع يمينية متطرفة مثل Stormfront وInfowars وVDare، في حين تتجنب ويكيبيديا إلى حد كبير الاستشهاد بمثل هذه المصادر، معتبرة إياها غير صالحة للنشر.

كما تبرز مشكلة «الفورية» في الوصول إلى المعرفة.

«حين تُقدَّم الإجابات فورًا، يتوقف الناس عن التساؤل»، يقول هيوز. «وهذا لا يوسّع ديمقراطية المعرفة، بل يركّزها. فالديمقراطية المعرفية الحقيقية تتطلب احتكاكًا، وتعاونًا، وإمكانية الخطأ العلني».

الخلاصة: معركة غير متكافئة

يرى الخبراء أن غروكيبيديا قد تهيمن على طبقة السرعة في الإنترنت، في حين تواصل ويكيبيديا السيطرة على طبقة الثقة.

يقول نيستاريس: «بنت ويكيبيديا الأساس الذي تتعلم منه النماذج كافة. وإذا حققت غروكيبيديا انتشارًا، فلن ينهار نموذج التبرعات، بل سيتحوّل. ستظل المعرفة مجانية، لكن تنظيمها سينتقل من الجهد البشري إلى الحوسبة والحوكمة».

وعند سؤاله عن الفائز، يمنح نيستاريس الأفضلية لويكيبيديا: «هي التي وفّرت المادة الخام التي تتغذى عليها غروكيبيديا. قد يمتلك الذكاء الاصطناعي الواجهة، لكن الحقيقة لا تزال تعتمد على بشر يهتمون بالتحقق منها».

«إذا استطاع الذكاء الاصطناعي توليد إجابات مصقولة وذات سلطة ظاهرية، فقد يتراجع دافع الناس للتحقق والمساهمة. وبدل توسيع المعرفة، قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مركز تفسير واحد».

ويختم قائلًا:

«ما زالت ويكيبيديا تتفوق من حيث الثقة والبنية والحياد. قد تكون غروكيبيديا أسرع، لكن السرعة وحدها لا تحل مشكلة المصداقية».

 

المصدر:

QUARTIZ

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

المحرر الثقافي

مجلة فكر الثقافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى