
شعـرية العـصـر الأموي بين الرّدة الثقافية، والالتزام بمقتضيات التحول
أولًا: تجليات الصوت الجاهلي من خلال بعض التجارب الشعرية الأموية:
بانتهاء فترة الخلافة الراشدة ألقى التحول السياسي من نظام شورى إلى طابع ملكي بظلاله على جميع مناحي الحياة، بما فيها النتاج الأدبي، والشعر خصوصًا، ذلك أن مسار الحكم ابتعد عن النهج القويم الذي أسس له الرسول – صلى الله عليه وسلم- ووطد دعائمه الخلفاء الراشدون من بعده.
وإذا كانت الردة العَقَدية قد قُطع دابرها في المهد أيام أبي بكر، فإنه ليصح القول أن شعرية العصر الأموي لتفترّ عن مَنازع جاهلية، تعود إلى قالب شعر ما قبل الإسلام شكلًا، بل وفي بعض المضامين التي تكشف عنها الأنساق الثقافية المُضمَرة في شعر العديد من الشعراء البارزين الذين سنقتصر على البعض منهم للتمثيل والاستدلال على مظاهر هذا التراجع.
ومع خلافة معاوية طويلة الفترة التي اصطبغت بالدهاء السياسي، واصطناع الولاءات، ومجاملة الأعداء، والأمر ذاته بالنسبة لعبدالملك من بعده أضحى الشعر انعكاسًا لمقتضيات التعاطي مع منظومة الحكم الجديدة، ولاء أو عِداء، أو نأيا بالنفس عن ذا وذاك، وفيما يلي نورد كبرى تجليات الخطاب الشعري آنذاك:
أ/ المدح:
توسّع الشعراء في مدح الخلفاء والقادة طلبًا للتكسب، وقد حدا بهم نيل الجوائز السنية إلى إضفاء العديد من الصفات المثالية على ممدوحيهم، ولعل من أبرزهم جرير الذي يغالي في مدحه الحّجّاج إلى حد تشبيهه برسول من أولي العزم:
دعا الحجّاج مثل دعاء نوح
فأَسْمعَ ذا المعارج فاستجابا *1
ثم ينتهي به الحال إلى مدح عبدالملك بن مروان، فيقول فيه أفضل بيت في المديح باتفاق النقاد القدامى*2
ألستم خير من ركب المطايا
وأندى العالمين بطون راحْ؟
ولئن كان لمناوئي بني أمية من علويين وزبيريين مادحون، إلا أن ذلك الشعر لم يُكتَب له ذيوع الصيت والخلود بالنظر إلى مدح حلفاء بني أمية، نتيجة عوامل لعل من أبرزها أفول تلك الأحزاب، وتلوّن هؤلاء الشعراء إلى حد الانقلاب مثلما حصل مع الكميت بن زيد الذي بدأ علويا وانتهى أمويًا، من ذلك قصيدته الشهيرة التي مدح بها الهاشميين أول الأمر، والتي مطلعها:
طربتُ وما شوقًا إلى البِيض أطربُ
ولا لعِبا مني، وذو الشيب يلعبُ؟*3
ثم انتهى به الحال إلى مدح مسلمة بن عبد الملك بن مروان، من ذلك قوله فيه:
بلوناك في أهل الندى ففضلتهم
وباعَك في الأبواع قِدْما فطالَها *4
ب/ التهاجي (النقائض):
عاد شعر الهجاء شديد اللهجة بعد أن خمدت جذوته في صدر الإسلام، متخذًا من النقائض التي دامت حوالي أربعين عامًا بين جرير والفرزدق. ورغم أنها أثرت سجل الشعر العربي بثروة لغوية هائلة، ومعان مبتكرة، وأخيلة باذخة في مجال الاقذاع والمفاخرة فقد عادت بالعرب في الهجاء إلى شر مما كانوا عليه في الجاهلية من فحش في القول، وطعن في الأنساب، وتنابز بالألقاب، ونحو ذلك مما نهى عنه الإسلام.
وما من شك في أن هذه المعركة حامية الوطيس ما كان لها أن تستغرق كل تلك المدة وأن تلقى احتفالًا من العامة عمومًا والرواة خصوصًا، لولا أنها كانت من أبرز وسائل تحويل أنظار الناس عن معارضة نظام الحكم، بمعنى أنها ازدهرت بإرادة سياسية، وفيما يلي نورد هذه الفقرة حول قيمة النقائض لعمر فرّوخ: «كانت النقائض تمثل جانبًا من العصر الأموي، ذلك الجانب المضطرب بالتنازع على الخلافة مع ما يستتبعه ذلك التنازع من الأحوال: لقد دلت على أن الحميّة الجاهلية ظلت ذات أثر في النفوس بعد أن انتشر الإسلام».*5
حتى إن الفرزدق يفاخر بأجداده الجاهليين من تميم:
بيتا زرارةُ مُحتبٍ بفنائه
ومجاشع وأبو الفوارس نهشلُ *6
ثم يسترسل في ذكر أوجه النقائض حيث يراها تتمثل في الوجه السياسي والاجتماعي والفكري واللغوي والأدبي، غير أننا سنقتصر على أهم ما ذكره في الوجهين الأخيرين اللغوي والأدبي.
فللنقائض قيمة كبيرة إذ إنها حفظت اللغة العربية صافية كما لو كانت في الجاهلية، وبأكبر عدد من الألفاظ، مع جزالتها، بل إن فيها ما هو أكثر غرابة من ألفاظ المعلقات.
أما الوجه الأدبي فقد كانت النقائض تقليدا واضحا للمعلقات خاصة في كثرة أغراضها، وطول نفسها، وفي كثير من خصائصها الأخرى كالفخر والهجاء القبلي والنسيب في مطالع القصد وكالغزل البدوي عفيفًا وصريحًا.
ج/ الغزل الماجن:
ولا نكاد نعثر على نموذج له بلغ فيه حد التخصص ليقف دونه من عُرِف شعرُه مجونًا في الجاهلية كامري القيس، ونعني بذلك عمر بن أبي ربيعة الذي لم يتورع حتى عن التعرض للحاجات، ونسبة إرادتهن إياه من وراء الزيارة، رغم أن هذا يتنافى وطبيعة المرأة، بل ويتنافى حتى مع فطرة أي مسلم قصد البقاع المقدسة، وفي ذلك يقول:
أَوْمتْ بعينيها من الهودجِ
لولاك في ذا العام لم أحجُجِ *7
أنتَ إلى مكـة أخرجْتني
ولو تركتَ الحجّ لم أخرُجِ
هذا فضلا عن العديد من القصائد التي تُعد ّ الرائية من أبرزها تصويرا للمغامرة في هذا السياق، ومطلعها:
أمن آل نُعْم أنت غاد فمُبكِر
غداة غدٍ، أم رائح فمُهَجِّرُ؟*8
د/شعر الغناء في الحجاز:
شجع الأمويون فُشُوّ الغناء في كُبريات حواضر الحجاز (مكة –المدينة) لإبعاد أبناء المهاجرين والأنصار عن السياسة، وهيؤوا لهم أسباب الترف بما أغدقوا عليهم من الصلات والأعطيات، فظهر مُغَنّون أمثال الأحوص وابن سريج ودنانير وغيرهم، ولا شك أن هؤلاء كانوا يغنون شعرا يتماشى مع الغناء مما يتخيرونه من شعر الشعراء، أو مما يُنظَم لهم خِصيصًا من أجل الغناء.
هـ / شعرية التخييل في الشعر الأموي:
لم يختلف الشعراء الأمويون في تشبيهاتهم واستعاراتهم وكناياتهم ومجازاتهم عن مشاكلة الجاهليين في انتزاع الوصف من المحسوسات مما يحيط بهم من بيئة مازالت بدوية غالبا، من رمال وجبال وإبل وكلأ ورعي ونحو ذلك. وفيما نورد نموذجا لكل ضري من ضروب التخييل:
التشبيه: ومنه البليغ في قول جرير:
أنا البازي المُدِلُّ على نُمير
أُتِحتُ من السماء لها انصبابا *9
الاستعارة، كما في قول الفرزدق:
وعضُّ زمان يا ابن مروانَ لم يدعْ
من المال إلا مسحتا أو مُجلّفُ*10
الكناية: كما ورد في بيت جميل بن معمر*11
وإني لأرضى من بثينة بالذي
لوَ ابْصَره ُ الواشي لقرّتْ بلابلهْ
يقصد أنه يرضى منها بالمعاملة السيئة التي لو أبصرها عدوه لفرح بما ناله منه تشفّيا.
ثانيًا: الانعكاسات الثقافية للدين الجديد على الخطاب الشعري الأموي:
ا- التزم الشعر في العصر الأموي عمومًا بالخطوط الحمر التي سطرها الإسلام، من ذلك القول في الخمر التي كانت غرضا من أغراض القصيدة الجاهلية، ثم غابت أو كادت خلال فترة صدر الإسلام، فلم يكن الحديث عن الخمر في العصر الأموي متسعًا إلا ما ندر لدى الأخطل الذي لا يقاس عليه بصفته نصرانيًا.
ب – كما أثارت مسألة الأحقية بالخلافة نشأة فرق فكرية، لها شعراؤها الذين ينافحون عن توجهاتها مثلما كان للأمويين شعراؤهم فقد كان للخوارج شعراؤهم مثل قطري بن الفجاءة والطرماح، ومثلما يحسب كُثيّر عزة على التشيع، حيث يقول مخاطبا عمر بن عبد العزيز على إثر إبطاله لعن عليّ بن أبي طالب على المنابر:
ولِيت فلم تشتم عليّا ولم تُخِف
بريًّا، ولم تقبـل إشــارة مُجـــرِمِ*12
وصدّقتَ بالفعل المُقال مع الذي
أتيتَ، فأضحى راضيا كل مسلمِ
اغتراف الشعراء من معين القرآن الكريم لمعانيه وألفاظه الكثير، ثقة منهم بأنه من أسباب تجويد شاعريتهم، ومحاكاتهم أساليبه في البيان من تشبيه وتمثيل ومجاز ونحو ذلك.
يقول قطري بن الفجاءة مخاطبًا نفسه في ساح الوغى متمثلا فكرة ارتباط الموت بأجل لا يتقدم ولا يتأخر:
فإنكِ لو سألتِ بقاء يوم
على الأجل الذي لك لم تُطاعي*13
– ومن الشعر الذي يشير إلى أمور من عقيدة الكيسانية وهي فرع من التشيع قول كُثيّر:
ألا إن الأئمة من قريش ولاة الحق أربعة سواءُ*14
– ومن الشعر الذي يشير إلى أمور من عقيدة الكيسانية وهي فرع من التشيع قول كُثيّر:
ألا إن الأئمة من قريش ولاة الحق أربعة سواءُ*15
ومن جميل المعاني المبتكرة، والمستوحاة من الثقافة الإسلامية، مدح الفرزدق لعلي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بالسخاء وإتباعها بمدح يشبه الذم لاتصاله بالصلاة:
ما قال: لا، قط إلا في تشهده
لولا التشهد كانت لاؤه نَعَمُ *16
كذلك من المعاني المتشبعة بالعقيدة الإسلامية التي تتخذ شكل الثقافة المعيشية ما عبر عنه عروة بن أُذينة:
لقد علمتُ–وما الإسراف من خلقي
أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى لـــــه فيُعَنّيــني تَطَلُّبُـه
ولو جلستُ أتــاني لا يُعَنّيـــني *17
الهوامش:
1 – عمر فروخ، تاريخ الأدب العربي، دار العلم للملايين، بيروت ط3 ،1978م،ج 1ص665
2 – المصدر السابق، ص667
3 – المصدر السابق، ص 701
4 – المصدر السابق، ص 699
5 – المصدر السابق، ص363
6 – المصدر السابق، ص 658
7 – المصدر السابق، ص 365 – 366
8 – محمد محي الدين عبد الحميد، شرح ديوان عمر بن أبي ربيعة، مطبعة السعادة بمصر، ط1،1952م، ص 479
9 – عمر فروخ، تاريخ الأدب العربي، دار العلم للملايين، بيروت ط3 ،1978م، ج 1ص 535
10 – المصدر السابق ص 72
11 – المصدر السابق، ص655
12 – المصدر السابق، ص 481
13 – المصدر السابق، ص620
14 – المصدر السابق، ص 459
15 – المصدر السابق، ص 620
16 – المصدر السابق، ص 662
17 – المصدر السابق، ص 715
عدد التحميلات: 0



