
صورة المرأة عند المعري بين رسالة الغفران واللزوميات
تبدو صورة المرأة في (رسالة الغفران) مغرية بالدرس، إذ تشف عن موقف المعري (363 ـ 449ه) (973 – 1057م) من المرأة، كما يبدو مغريًا بالدرس أيضًا صورة المرأة في اللزوميات، للوقوف على ما بينهما من تشابه أو اختلاف، فما هي صورة المرأة عند المعري؟ كيف ظهرت في (رسالة الغفران)؟ وكيف ظهرت في اللزوميات؟ وهل بين الصورتين اختلاف؟ أم هل بينهما اتفاق؟ وما سر الاتفاق أو الاختلاف؟
أولًا ـ مقدمة
كان المعري قد كتب (رسالة الغفران) جوابًا عن رسالة من ابن القارح، وهو أحد علماء عصره، يسأله فيها عن قضايا في الأدب
والفقه والدين والمذاهب، كما يسأله إن كان الله سيغفر له ما ارتكب من فواحش في عهد الصبا، إبَّان تلقيه العلم في مصر، ويجيبه المعري برسالة غير عادية في بنيتها وطبيعتها، وهي (رسالة الغفران)، وتتألف من قسمين، قد يبدو القسم الثاني عاديًا، لأنه يتضمن إجابات واضحة عن تلك الأسئلة، ولكن القسم الأول هو غير العادي، وفيه يبدأ المعري بالرد على ابن القارح، فيثني على بيانه، ويسأل الله أن يجعل له جزاء كلماته الطيبة أشجارًا في الجنة، ويمضي فيصف أشجارها وأنهارها وما فيها من نعيم، ثم يصور ابن القارح في الجنة، وهو يلتقي الأدباء والشعراء واللغويين، ويدعو الجواري والقيان ليقمن الموائد ويعقدن مجالس اللهو والغناء، «إذ استحق تلك الرتبة بيقين التوبة، واصطفى له ندامى من أدباء الفردوس .. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين»1 ولأجل هذه المغفرة من الله تعالى أسمى المعري رسالته الجوابية «رسالة الغفران».
ثانيًا ـ نساء الدنيا
والمرأة في الغفران على نوعين، نوع من نساء الدنيا دخلن الجنة بعفو الله ورحمته، ونوع من الحور العين في الجنة، خلقهن الله فيها ابتداءً، أو انقلبن من طير أو نبات إلى جوار وقيان، ونساء الدنيا على أنواع، فمنهن نساء من الواقع، عشن في عصر المعري، أو عشن في عصور سابقة، ومنهن نساء ذُكِرْنَ في الأدب، ولاسيما الشعر، وابن القارح يلتقيهن في الجنة، ويحاورهن، وبعضهن يذكرهن ذِكْرًا ولا يظهرن، وهن كثيرات كثرة واضحة، ويحملن دلالات مختلفة.
فاطمة الزهراء رضي الله عنها ابنة محمد صلى الله عليه وسلم
في هول الحشر يلتقي ابن القارح عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ويسأله أن يعينه، فيعتذر إليه، فيلتقي العترة المنتَجَبين من آل فاطمة، فيرجوهم أن يسألوها في أمره، إذ إنها تخرج من الجنة بين حين وآخر لتسلِّم على أبيها، وهو قائم لشهادة القضاء، فيحدثها الرجال عن أمر ابن القارح أول خروجها، يرجونها أن تعجِّل في دخوله الجنة، فتشير إلى أخيها إبراهيم، وهو ابن محمد محمد صلى الله عليه وسلم من ماري القبطية، تطلب منه أن يعين ابن القارح على دخول الجنة، فيتعلَّق ابن القارح بركابه، حتى يبلغ رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فيسأل ابنته فاطمة عنه، فتخبره أن جماعة من الأئمة الطاهرين قد سألوا فيه، فينظر في أعماله، فيجدها قد ختمت بالتوبة، فيشفع له2.
ويدل الموقف على أن المعري كان فاطميَّ الهوى، ويؤكد ذلك أنه كان يقدِّر الوزير المغربي، وزير الفاطميين، وكان يمدحه بشعره، وقد حقد المعري على ابن القارح لِمَا نُمِيَ إليه من هجائه الوزير، وقد اعتذر ابن القارح في رسالته إلى المعري، وأكّد له أنه بريء مما نُمِيَ إليه، ولذلك يجعل المعري شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لابن القارح بوساطة من السيدة فاطمة رضي الله عنها، ليدلَّ على ابن القارح، ويمنّ عليه، وحين كتب المعري رسالته كانت المعرة تحت حكم بني مرداس، وقد حكموها بدءًا من عام 415 هـ، وكانت تابعة للفاطميين الذين امتد نفوذهم إلى بلاد الشام بدءًا من عام 351هـ.
خديجة بنت خويلد
وتظهر«مع فاطمة عليها السلام امرأة أخرى تجري مجراها في الشرف والجلالة وهي أمها خديجة بنت خُوَيْلِد ومعها شباب على أفراس من نور هم عبدالله والقاسم والطيِّب والطاهر وإبراهيم بنو محمد محمد صلى الله عليه وسلم»3، وليس ثمة دور في (رسالة الغفران) لخديجة رضي الله عنها غير ظهورها إلى جوار ابنتها فاطمة، وهو ما يؤكد ثانية تشيُّعَ المعري لفاطمة رضي الله عنها، وإن كان للسيدة خديجة رضي الله عنها دور كبير في حياة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن المعري لا يلتفت إلى هذا الجانب، ولا يلتفت إلى مكانة السيدة عائشة، وقد أخذ المسلمون عنها نصف دينهم.
جارية تحمل ابن القارح زَقَفـُونه
ويجد ابن القارح صعوبة في العبور على السراط، فتأمر السيدة فاطمة الزهراء إحدى جواريها أن تساعده، فيطلب منها أن تحمله «زَقَفُونَه» (بفتح الزاي والقاف)، وإذ تسأله الجارية كيف يكون ذلك يجيبها: «أن يطرح الإنسان يديه على كَتِفَي الآخر، ويمسك الحامل بيديه ويحمله، وبطنه إلى ظهره»، ثم تهبه السيدة فاطمة تلك الجارية لتخدمه في الجنة4، ومثل هذا الحمل من الجارية لابن القارح معروف، وقد استشهد عليه المعري ببيتين من الشعر، وهو نوع من الحمل يعرفه المرضى والعجائز، ولعل المعري خَبِرَه وهو العجوز الأعمى، فلم يجد في يوم الحشر غيره وسيلة لعبور ابن القارح على السراط.
وهذا الحمل يدل على أن المرأة هي السبيل إلى تحقيق الخلاص، وهو خلاص لا يمكن أن يُوصف بغير النقاء والبراءة، ولا يمكن أن يدل على شيء من رغبة جسدية، فالجارية تحمل ابن القارح على ظهرها، وقد ألصق بطنه بظهرها، وما أشبه الجارية بالأم وهي تحمل ابنها على ظهرها، وإلى اليوم ما تزال المرأة القروية تحمل وليدها على ظهرها وتمضي به إلى الحقل لتعمل فيه.
الخنساء
ويلتقي ابن القارح في أقصى الجنة الخنساءَ، وهي في المُطَّلَع، تُطِلُّ على جهنم لترى أخاها صخرًا «كالجبل الشامخ، والنار تضطرم في رأسه»، مصداقًا لقولها في رثائه في الدنيا5:
وإن صخرًا لتأتم الهداة به
كأنه علم في رأسه نار
وفي هذا الموقف ما يدل على قناعة المعري بأن الشعر نبوءة في الدنيا تتحقق في الآخرة، ولذلك دخل صخر النار، وهو الذي قُتِلَ في الجاهلية، ولم يشفع له فرط بكاء أخته، وقد جعل المعري الخنساء في بيت من خوص، في أقصى الجنة، وهذا الموقف من المرأة ليس عدائيًا، إنما هو موقف لا شعوري يدل على كُرْهِ المعري البكاء، واليقين بعدم جدواه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو القائل6:
غيرُ مُجْدٍ في مِلَّتي واعتقادي
نَوْحُ باكٍ ولا تَرَنُّمُ شادِي
مغنيات من العصر العباسي
ويرى ابن القارح «أسراب قيان قد حَضَرْنَ، مثل: بصبص ودنانير وعَنَان»7، ثم يعلم أن «الجرادتين»، وهو اسم على مغنيتين اثنتين، في أقصى الجنة، فيطلب حضورهما، «فيركب بعض الخدم ناقة من نوق الجنة، ويذهب إليهما على بُعْدِ مكانهما، فتُقْبِلان على نجيبين أسرع من البرق اللامع، فإذا حصلتا في المجلس حياهما وبشَّ بهما، وقال: كيف خلصتما إلى دار الرحمة بعدما خبطتما في الضلال؟ فتقولان: قُدِرَتْ لنا التوبة ومتنا على دين الأنبياء المرسلين»8، وهؤلاء القيان جيعًا عشن في العصر العباسي، وفي دخولهن الجنة تقدير من المعري للمرأة المغنية، وميلِهِ إلى الطرب وحسن السماع، وتأكيد لقبول التوبة.
امرأتان قبيحتان من حلب
ويخلو ابن القارح في الجنة بحوريَّتين، يرتشف رضابهما، ويتغنى بطيبِه، ويذكر أبياتًا في الرضاب لامرئ القيس، حيث يقول:
كأن المدامَ وصوبَ الغمامِ
وريحَ الخُزامى ونشرَ القُطُر
يُـعَـلُّ بــه بَـرْدُ أنـيـابِـها
إذا غـرَّدَ الطائرُ المستحِـر
وهو يشفق على امرئ القيس لأنه لم يذق مثل رضابهما، ثم تخبره إحداهما أنها تدعى حمدونة، وكانت تسكن في باب العراق بحلب، وكان أبوها صاحب رحى، وقد تزوجها رجل يبيع السَّقَط، فطلقها لرائحة كرهها في فمها، وكانت من أقبح نساء حلب، على نحو ما تعترف هي نفسها، وقد عرفت ذلك، فزهدت في الدنيا، وتوفَّرَت على العبادة، وأكلت من مِغزلها ومِردنها، فصيَّرها الله إلى ما هي عليه في الجنة9.
فالمعري ينتصف للمرأة القبيحة الكريهة الفم الفقيرة، كما ينتصف للمرأة الزاهدة العابدة العاملة التي تأكل من تعب يمينها، فيجعلها تدخل الجنة، فتصبح واحدة من الحور العين، وتحظى برجل مثقف يقدِّر جمالها مثل ابن القارح، والمعري بذلك يقدِّر المرأة لتقواها ولعملها، ولا يخفض من شأنها عنده فقرُها أو ضعةُ مكانتها الاجتماعية أو قبحها، بل ذلك كله مما يشفع لها عنده.
أما المرأة الثانية فتُدعى «توفيق السوداء» وكانت تخدم في دار العلم ببغداد على زمان أبي منصور محمد بن علي خازن دار العلم، وكانت تُخْرِج الكتب إلى النُّسَّاخ10، والمعري بذلك يمجد أيضًا عمل المرأة ولا سيما في مجال العلم، وهو يقدِّرها على الرغم من قبحها الذي يدل عليه اسمها وصفتها السوداء. وكان المعري قد اختلف إلى دار العلم ببغداد لدى زيارته لها (398-400هـ و1007-1009م) واطلع على كتبها ومن المرجح أن تكون «توفيق السوداء» جارية تعمل في مناولة الكتب للنساخ، ولعلها ناولته كتابًا، وسأل عنها وعن اسمها، وظل يذكرها ثم رأى أن يجعلها في الجنة، وجعل الأديب ابن القارح يلتقيها.
نساء من عالم الأدب
وتظهر في الجنة نسوة جرى ذكرهن في الشعر، ومنهن قَيْنَةٌ تغنِّي أبياتًا للشاعر جِرَان العَوْدِ، فتُجيد، وإذ يعجب القوم لغنائها تلتفت لتخبرهم أنها «أم عمرو» التي ذُكِرت في معلقة عمرو بن كلثوم، حيث يقول:
تصد عنا الكاس أم عمرو
وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شر الثلاثة أم عمرو
بصاحبك الذي لا تصبحينا
ويسألها القوم لمن البيتان؟ فتذكر أنها كانت تسقي مالكًا وعقيلًا ندمانى جذيمة الأبرش، ولقيهما عمرو بن عدي وهو ابن أخت جذيمة، فصدَّت عنه ولم تصب له، فقال البيتين، والمعري يصدِّق كلام القينة وينكر أن يكون البيتان لعمرو بن كلثوم على الرغم من ورودهما في معلقته، ممَّا يدل على احتكامه إلى العقل وعدم اطمئنانه إلى المنقول والمتوارث، ومما يدل أيضًا على صدق المرأة عنده، وتقديره لرأيها إذ تقول: «ولعل عمرو بن كلثوم حسَّن بهما كلامه واستزادهما في أبياته»11.
والمعري يتلطف هنا في حكم الجارية على وجود البيتين في قصيدة عمرو بن كلثوم، إذ تعدُّه ضربًا من الاستزادة وتحسين الكلام، ولا ترى فيه ضربًا من السرقة أو خطأ الرواة، مما يدلّ على إنطاق المعري المرأة بحكم نقدي لطيف، يدل على ثقته بذوق المرأة.
نساء يُذْكَرْنَ ولا يَظْهَرْنَ
ويرد في (رسالة الغفران) ذِكْرُ عدد من النسوة، هن من الحياة الدنيا، ولكن لا يظهرن في الجنة، وهن كثيرات، ويجري ذكرهن في تحاور ابن القارح مع بعض الرجال، فابن القارح يُطِلُّ على الجحيم فيرى عَدِيَّ بن ربيعة المهلهل، فيشفق عليه لدخوله النار، ويؤكد له أنه كلما أنشد أبياته في ابنته اغرورقت من الحزن عيناه بالدموع، وكان المهلهل قد زوج ابنته لرجل من حي جَنَب، وهو حي وضيع من أحياء بني مُذحج، وهذا الموقف يؤكد إشفاق المعري على المرأة وإنكار زواجها ممن هو ليس بكفء لها، وكأن المعري يجد في دخول عدي بن المهلهل النار عقوبة له على ظلمه ابنته12.
ويلتقي ابن القارح في الجنة النابغةَ الذبيانيَّ، فيسأله: كيف حسَّن لك لبُّك أن تقول للنعمان بن المنذر:
زعَمَ الهمامُ بأن فاها باردٌ
عَذْبٌ إذا ما ذُقْتَه قلتَ: ازددِ
زعم الهمام ولم أذُقْه بأنه
يُشْفَى ببرْدِ لثاتِها العَطِشُ الصَّدي
فيجيبه النابغة: «ذلك أن النعمان كان مُسْتَهْتَرًا بتلك المرأة، فأمرني أن أذكرها في شعري، والأبيات داخلة في وصف الهمام، فمن تأمل المعنى وجده غير مختل»13، فالمعري يرى أن بعض الوصف قد لا يكون على الرؤية والتجريب والمعاينة، وإنما قد يكون على التصور والسماع، وهو لا ينكره، بل يستجيده، ولعل هذا الرأي يتفق وعاهة العمى لدى المعري، ولعل فيه دفاعًا غير مباشر عن نفسه.
ويشير المعري إلى «أم حصن» التي ذكرها النَّمِر بن تَوْلَب في شعره، حيث قال:
ألمَّ بصحبتي وهم هجوع
خيال طارق من أم حصن
لها ما تشتهي: عسلًا مصفى
إذا شاءت وحوَّارى بسمن
ثم يبدل اسمها مرات كثيرة من أم حصن إلى أم حفص إلى أم جزء إلى أم حرب إلى أم صمت إلى أم شث إلى أم شح وهكذا حتى يستعرض الألفباء كلها حتى الياء، وفي كل مرة يأتي في البيت الثاني بروي جديد حتى يتم الألفباء كلها، مظهرًا مقدرة لغوية عجيبة، وكأنه يجد متعة في التغني باسمها14.
وهكذا يستثير اسم المرأة لدى المعري ذاكرة لغوية فذة، فكأن المعري يتعامل مع الكون كله من خلال اللغة، وليس هذا بغريب، فاللغة هي الوسيلة إلى معرفة العالم والتعامل ومعه، لدى الأعمى والمبصر، وكثير من الخبرات والتجارب والمعارف يكتسبها المرء بوساطة اللغة، ثم يتعرّفها عيانًا في الواقع، وتكفي الإشارة هنا إلى التاريخ القديم، فنحن نعرف معظم الحروب والقادة والفاتحين باللغة وحدها.
ويذكر ابن القارح أبياتًا للنابغة الجعدي، يصف فيها الرضاب، ويعلق عليها المعري، فيقول: «أين طِيبُ هذه الموصوفة من طيب مَن تشاهده من الأتراب العُرُب؟ كلا والله، أين الأهل من الغُرُب؟ إنها لتفضُلُ على تلك، فضلَ الدُّرَّة المختزنة على الحصاة الملقاة، والخيرات الملتمسة على الأعراض المنتقاة»15.
وواضح تفضيل المعري فم المرأة في الجنة على فم المرأة في الدنيا، وكأنه يعرِّض هنا بالمتع التي نالها ابن القارح في الدنيا، أو لعله يمجِّد عزوفه هو نفسه عن المتع في الدنيا طمعًا في متع أخرى في الجنة أرقى منها وأرفع، ويلاحظ إلحاح المعري في رسالة الغفران على الرضاب والفم، وعدم ذكره أي شيء آخر مما يتعلق بالمرأة كالجيد أو النهد أو الردف، ولعل في هذا ما يدل على عفته، وبعده عن الفواحش، وقد يظن أن هذا راجع إلى عماه، فهو لا يجيد غيره، ولكن هذا وحده غير كاف، فلقد أفحش كثيرًا غيره من الشعراء العميان وتمادوا في ذكر لذات الجسد أمثال بشار بن يرد.
ويؤكد ذلك مشهد يغضب فيه النابغة الجعدي من الأعشى وينكر عليه دخوله الجنة، لأنه أفحش في أبيات يذكر فيها دخوله على امرأة ومداعبته لها، ومنها قوله16:
فدخلت إذ نام الرقيـ ـب فبت دون ثيابها
فثنيت جـيد غـريرة ولمست بطن حقابها
والمعري يجعل صاحبه ابن القارح يمتِّع نفسه بذِكْرِ الغواني والغزل، وهي متعة لغوية بريئة، قوامها الكلام والخيال، كما يجعله يمتِّع نفسه بسماع الغناء، ورشف الرضاب، ولا يسوقه إلى شيء آخر من المتع الجسدية، ولا ينسى المرء أن المتع في الجنة حلال وهي مما هو مُبَاح، وحتى الإيغال فيها لا يُعَدُّ فحشًا، وإن تَجنُّبَ المعري الإيغال في تصوير المتع الحسية في الجنة لدليلُ عفةٍ ووَرَعٍ وتَرَفُّعٍ عن ذكر ما هو مباح حتى لو كان في الجنة.
ثالثًا ـ الحُور العِين في الجنة:
والحور العين في الجنة على أنواع أيضًا، فمنهن مَن يخرجن مِن ثمر في شجر، ومنهن مَنْ ينقلبْن عن طير، ومنهن من هن نسوة ابتداء، وابن القارح يلتقي الجميع.
حُوْرٌ ينقلبن عن إِوَزٍّ
وبينما ابن القارح في روضة من رياض الجنة «يمر رِفٌّ من إوز الجنة، فلا يلبث أن ينزل على تلك الروضة …فينتفضْنَ فيصرن جواري كواعب يرفُلْنَ في وَشْيِ الجنة، وبأيديهن المزاهر وأنواعُ ما يُلْتَمَسُ به الملاهي»، ثم يطلب من إحداهن أن تغني بيتًا للنابغة الذبياني فتغنيه على ألحان مختلفة، وهي في كل لحن تجيد، فتثير دهشة ابن القارح17، ويعرض ابن القارح على نابغة بني جعدة أن يختار واحدة من الحور العين اللواتي انقلبن عن الإوز، فيعترض على ذلك لبيد بن ربيعة، حتى لا يقال عنهم أزواج الإوز18.
والمعري هنا متعلق بالصوت والغناء، والإوز يهبط إليه من السماء كالحلم، وهو عطاء من الله، ويعلق على ذلك فيقول: «فتبارك الله القُدُّوس، نَقَلَ هؤلاء المُسْمِعَاتِ مِن زيِّ ربَّات الأجنحة إلى زي رباتِ الأكفال المترجِّحة، ثم ألهمهن بالحِكْمَة حِفْظَ أشعارٍ لم تمْرُرْ قبْلُ بمسامِعِهن، فجِئْنَ بها مُتْقَنَةً محمولةً على الطرائق ملحنةً، مصيبةً في لحن الغناء، منزَّهة عن لحن الهُجناء…فسبحان القادر على كل عزيز»19.
وإنكار لبيد على النابغة الجعدي فكرة الزواج من امرأة تخرج من إوز إنما يدل على دعابة جميلة، لا تقدح في دين المعري، وهي محض ممازحة بريئة، ولعل المعري لم يرد لصاحبه ابن القارح الزواج من امرأة منقلبة عن إوز ليظل منسجمًا مع مذهبه في الكف عن لحم الحيوان، ويؤكد ذلك أنه يخبئ لابن القارح زوجة تخرج له من نبات.
حور يخرجن من ثمر العفز أو من سفرجل
ويذكر ابن القارح وهو في الجنة أبياتًا للخليل ابن أحمد الفراهيدي تصلح للغناء، «فينشئ الله القادر بلطف حكمته شجرة من عفز، والعفز الجوز، (كما يشرحه المعري نفسه)، فتُونِعُ لِوَقتها، ثم تنفض عددًا لا يحصيه إلا الله سبحانه، وتنشق كل واحدة منه عن أربع جوار يَرُقْنَ الرائين مِمَّنْ قَرُبَ والنائين، يرقُصْنَ على الأبيات المنسوبة إلى الخليل»20، وخروج الجواري من النبات هو دليل براءة ونقاء وطهر، ودليل بعد عن الحيوانية والغرائز الدنيا، وهو ما يتفق وتحريم المعري لحم الحيوان على نفسه، وهو أيضًا دليل خيال حر خصب مبدع.
ويمر مَلَكٌ فيسأله ابن القارح عن الحور العين، فيخبره أنهن «على ضربين، ضربٍ خلقه الله في الجنة لم يعرف غيرها، وضربٍ نقله من الدار العاجلة لمَّا عَمِلَ الأعمال الصالحة»، ثم يسأله عن الضرب الأول، فيطلب منه أن يتبعه، فيتبعه، فيجيء به إلى حدائق لا يعرف كُنْهَهَا إلا الله، فيقول المَلَك: خُذْ ثمرة من هذا الثمر فاكسرها، فإن هذا الشجر يعرف بشجر الحُوْر، فيأخذ سفرجلة أو رمانة أو تفاحة أو ما شاء الله من الثمار، فيكسرها، فتخرج منها جارية حوراء عيناء، تبرَق لحُسْنها حوريات الجنان، فتقول: مَنْ أنتَ يا عبدالله؟ فيقول: أنا فلان ابن فلان، فتقول: إني أُمَنَّى بلقائِك قبل أن يخلق الله الدنيا بأربعة آلاف سنة، فعند ذلك يسجد إعظامًا لله القدير…ويخطِر في نفسه وهو ساجد، أن تلك الجارية على حسنها ضاوية (نحيلة) فيرفع رأسه من السجود وقد صار من ورائها رِدْفٌ يضاهي كثبان عالج وأنقاء الدهناء.. «فيسأل الله تعالى أن تقصر قليلًا» فيقال له: «أنت مُخَيَّر في تكوين هذه الجارية كما تشاء، فيقتصر من ذلك على الإرادة»21.
وهذا المشهد يدل على ذكاء المعري وخياله الخصب في تصوير المرأة تخرج من ثمرة، ويتفق ذلك وموقفه من الحيوان المتمثل في امتناعه عن تناوله واكتفائه بالنبات، كما يدل على اعتقاده بأن الله تعالى قد خلق الجنة والنار وقدَّر أقدار الناس قبل أن يخلق الدنيا، فهم محكومون بأقدارهم، والمعري بذلك جبري، ولكنه مع ذلك يقول بحرية الإنسان الجزئية داخل القَدَرِ الإلهي الأكبر والأشمل، فابن القارح محكوم بالزواج من هذه الحورية التي تنتظره قبل أن يخلق الله الدنيا بأربعة آلاف سنة، ولكنه حر في تكوينها كما يشاء، كما يحمل هذا المشهد أول مرة في الرسالة شيئًا بسيطًا من الإدراك الحسي لجسد المرأة ولكن من غير إفحاش.
وفي انقلاب الإوز إلى نساء، وخروج نساء من ثمار، ما يدل على خيال خصب مبدع، فقد ورد في الشعر العربي تشبيه المرأة بالغزالة، وتشبيه عينيها بعيني بقر الوحش، وورد أيضًا تشبيه المرأة بشجرة، على نحو ما جاء في شعر حميد بن ثور الهلالي، ولكن لم يَرِدْ في الشعر العربي تشبيه المرأة بالتفاح أو السفرجل أو الرمان أو الإوز، ولم يسبق أحد إلى القول بخروجها من ثمر أو انقلابها عن طير.
وقد ورد في الأساطير اليونانية تحوُّل الفتى نرسيس إلى زهرة، فقد أدام النظر إلى صورته في صفحة بركة إلى أن سقط في الماء ونبت في موضعه زهرة حملت اسمه، كما ورد فيها أيضًا تحوُّل زيوس إلى طائر البجع ليزور بعض نساء الأرض وهن نائمات، أو تحوله إلى ثور ليخطف أوربة بنت قدموس ويعبر بها المتوسط إلى القارة التي حملت اسمها وقد تركت مواطئ قدميه في البحر جزر قبرص وكريت وصقلية.
حية يمكن أن تنقلب إلى واحدة من حور الجنة
ويدخل ابن القارح روضة مُونقة فيلتقي حيَّةً تخبره أنها عاشت في دار الحَسَنِ البَصْري، ثم انتقلت إلى دار أبي عمرو بن العلاء، ثم إلى دار حمزة بن حبيب في الكوفة، وقد سمعت عنهم القراءات وهي تحفظها وترويها، ثم تعرض على ابن القارح أن تخلع إهابها لتصبح أحسن غواني الجنة، وتُغريه برضابها وتدعوه إلى اللذة، وتَعِدُه بالود والوفاء، ولكنه يُذْعر منها ويذهب مهرولًا في الجنة22.
ويلاحظ هنا دخول الأفعى الجنة في (رسالة الغفران)، وما هي بالأفعى الوحيدة التي تدخل الجنة عند المعري، إذ ثمة أفعى أخرى وهي الأفعى التي ذكرها النابغة في شعره وقد أمَّنها أحد الرعاة على حياتها فكانت تعطيه كل يوم قطعة ذهبية، ثم غدر بها ولده فقطع ذيلها ولدغته فمات، ولما دعاها الراعي إلى ما كانا عليه من عهد اعتذرت23.
وهكذا تدخل الأفعى عند المعري الجنة، تدخلها لوفائها تارة ولعِلْمِها تارة أخرى، ولا يشير المعري إلى ما ورد في الإصحاح الثالث من سفر التكوين من إغواء الأفعى لحواء كي تأكل من ثمر الشجرة المحرمة ثم ما كان من إغواء حواء لآدم، بل إن المعري يناقض ما تذهب إليه التوراة من تحميل الأفعى وِزْرَ خروج آدم من الجنة، وما تذكره أيضًا من عداء الإنسان، وبغض المرأة لها، بل إن المعري يمجِّد الأفعى ويجعلها في الجنة كما يجعلها مُرّشَّحة للانقلاب إلى واحدة من الحُور، وقد يستدل من هذا على عدم اطلاع المعري على التوراة، أو قد يستدل منه على عدم أخذه بما ورد في التوراة.
عودة إلى المرأة الخارجة من سفرجل
وما إن يغادر ابن القارح الأفعى حتى يلتقي الجارية التي خرجت من تلك الثمرة، فتقول: «إني لأنتظرك منذ حين» ثم تعتب عليه لبعده عنها، فيعتذر إليها ويدعوها إلى كثبان الجنة وهي من عنبر، فتسأله إن كان بنفسه أن يفعل ما فعل امرؤ القيس مع صاحباته في دارة جلجل، فيعجب كيف عرفت ما يدور في خَلَدِه، وسرعان ما ينشئ الله حورًا عِيْنًا يسْبَحْنَ في نهر من أنهار الجنة، فيعقر لهنَّ ناقته، فيأكل ويأكلن24.
ويلاحظ أن المعري عندما أراد أن يعبِّر عن شيء من المتع في الجنة قد استعان بشيء من المتع في الدنيا مما ثَقِفَه هو من الشعر، وليس مما عاشه، فقد استعان بقصة دارة جلجل ونَحْرِ امرئ القيس ناقتَه لصويحباته، وهذا ما يؤكد عفَّة المعري في الحياة الدنيا، وسُمُوَّه فوق المتع، ولكنه أطلق العنان لخياله ولحواسه في الجنان مستفيدًا من ثقافته بعد طول عهد من الحرمان، ولكنه وهو في الجنان يكتفي بالإشارة والتلميح، ولا يأتي بشيء مما هو مُخجل أو صريح، ولا ينسى المرء ثانية أن الذي يأتي المتع في الجنة إنما هو ابن القارح، وليس المعري نفسه، مما يؤكد أنه ما يزال محافظًا على عفته وورعه، ولكنه يريد أن يعبر عن رغبة خفية، تتحقق من خلال بطل الغفران: ابن القارح.
ثم إنه «يذكر ما يكون من فتور في الجسد من المُدَام، مِن غير أن يُنْزَفَ له لُبٌّ، فإذا هو يخال في العظام الناعمة دبيبَ نمل، ويتكئ على مفرش من السندس، ويأمر الحور العين أن يحملن ذلك المفرش فيضعنه على سرير من سرر أهل الجنة، ثم يحمل على تلك الحال إلى محله المشيد بدار الخلود»25.
وبذلك ينهي المعري رحلة ابن القارح بلقاء زوجته المقدَّرة له، وهي تخرج له من ثمار الجنة، كما ينهيها بشرب الخمر وتناول اللحم، ولا ينسى المرء أن هذه المتع هي مما هو مباح، وهي من متع الجنة، وليست من متع الدنيا.
وهنا يظهر الفرق بين متع الدنيا المُسِفَّة التي يؤخذ بعضها بالحرام، وهي التي تُورث الندامة والألم، وهي آيلة في الحالات كلها إلى زوال، ومتع الجنة التي لا حرمة فيها ولا تورث ندمًا ولا سقمًا، وهي متجددة على الدوام، ولا تُشبه متع الدنيا في شيء، ولئن استعار المعري بعض متع الدنيا فلتقريب متع الجنة إلى الأذهان.
ولا يعاب على المعري في شيء إلحاحه على ذكر المتع في الجنة، وأَكْثَرُها متع سماع ورقص وغناء، ومتع طعام وارتشاف رضاب، ولا إفحاش في تصويره لتلك المتع، إنما هي مصورة من خلال اللغة والأشعار، ولا يقدح هذا في دين المعري في شيء، ولا يدل على سخريته من الجنة، وقد وصف المولى تعالى في كتابه العزيز الجنة، فذكر الحور العين والولدان المخلدين وأنهر اللبن والعسل وكؤوس الخمر والأباريق، وهي جميعًا متع حسية، تختلف عن متع الدنيا، ولكنها تظل متعًا حسية، مما يعني أن الحس لا يضير الإنسان في شيء، لأنه من جِبِلَّتِه، وشرط المتع الحسية أن تكون مما أباح الله في الدنيا وجعله حلالًا وفق شريعته، أما في الجنة فهو حلال مباح، لأنه أسمى وأرقى ولأنه مختلف الاختلاف كله عما في الدنيا من متع.
وبذلك لا يخرج المعري في جنة الغفران عما صوَّر الله تعالى في جنته، بل يؤكّد رحمة الله ومغفرته، ويدل على تسامح من المعري، ورحابة أفق، وهو إذ يلح على تلك المتع في الجنة، فكأنه يذكِّر ابن القارح بغفران الله له، وليؤكد له أن المتع التي سينالها في الجنة أرقى من المتع التي قد نالها في الدنيا، وأسمى منها وأبقى، ليثير في نفسه حس الندم ويرسخ شعور التوبة، بل ليذكر الناس جميعًا بأن الله قد أعد لهم في الجنة أجمل مما أعد لهم في الدنيا، وما عليهم إلا أن يرعووا قليلًا، وهو إذ يلح على تلك المتع أيضًا إنما يشبع نفسه مما قد حرمها منه، ويمنيها به في جنة الخلد.
وفي هذا ما يؤكد صدق إيمان المعري، وقوة هذا الإيمان، وينفي عنه تهمة الشك والسخرية من الجنة وما يقال عن حشده ضروب المتع الحسية، وهل من المطلوب أن تكون الجنة خلاف ما صورها الله تعالى نفسه في كتابه العزيز؟ والمعري يستعير من القرآن الكريم نفسه معظم صور جنة الغفران ويستشهد عليها بكثير من آيات الذكر الحكيم.
القصيدة والبنت
وليس غريبًا بعد ذلك كله أن يفضل المعري في أحد المواقف الشعرَ على الولد، وبالأحرى القصيدة على البنت، لأن هواه مع الأدب، ففي أحد المواقف يلتقي ابنُ القارح الشمَّاخ بنَ ضرار، ويستنشده قصيدتين من شعره، فيعتذر إليه إذ نسيهما، فيقول له ابن القارح: «أما علمتَ أن كلمتيك (أي قصيدتيك) أنفع لك من ابنتيك؟ ذُكِرْتَ بهما في المواطن، وشُهِرْتَ عند راكب السفر والقاطن، وإن القصيدة من قصائد النابغة لأنفَعُ له من ابنته عقرب، ولعل تلك شانَتْه وما زانَتْهُ، وأصابها في الجاهلية سباء، وما وَفَرَ لها الحِبَاء»26.
والمعري في هذا الموقف لا يناقض مواقفه السابقة من المرأة، بل يتكامل معها، فهذا الموقف الوحيد من المرأة في «رسالة الغفران»، وفيه يفضل القصيدة على الابنة، وهذا التفضيل للقصيدة على البنت في الدنيا، لا في الجنة، فقصيدتا الشماخ بن ضرار خلدتا ذكره في الدنيا، في حين لم تفعل ابنتاه ذلك، ويؤكد ذلك أن قصيدة النابغة خلدته، في حين أن ابنته عقرب قد شانته في الدنيا، وهذا الموقف تأكيد لموقفه الذي اتخذه لنفسه في الحياة، وأسقطه هنا على ابن القارح، وهو تفضيل الشعر على الولد.
وابن القارح لا يدخل النار، ولا يمر بها، بل يدخل الجنة فورًا بعد شفاعة السيدة فاطمة له لدى أبيها، وفي هذا تأكيد لقبول توبة ابن القارح وغفران الله تعالى له، ولعل الرسالة سميت (رسالة الغفران) تأكيدًا لذلك، وهذا يعني إيمان المعري بأن النار محرمة على المسلمين، ممن تابوا إلى الله توبة نصوحًا، وفيه دلالة على يقينه بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان ابن القارح لا يدخل النار فإنه يطل عليها من مكان عالٍ يسميه المعري «المُطَّلَع» ويرى بعض الشعراء من فوقهم، وهم غير كثير، إذ لا يزيد عددهم على ستة عشر شاعرًا، وليس فيهم شاعرة، وابن القارح يكلمهم من بعيد، ولا يطيل في الحديث أو الوقوف، وسرعان ما يرجع إلى الجنة، وفي هذا ما يدل على أن المعري كان شفوقًا بابن القارح وبالشعراء، وهو لا يريد تصوير مشاهد العذاب أو الإيغال فيها حتى لا يؤلم القارئ، ولعله هو نفسه لا يحب الألم والتعذيب، إنما يريد أن يمتع نفسه والقارئ ببعض نعيم الجنة تأكيدًا لمعنى الغفران.
وإذا كان في النار بعض النسوة فهن من نساء الملوك، وابن القارح لا يراهن، ولا يرى ما يلقين من عذاب، كأن المعري لا يريد أن يصف عذاب المرأة، أو كأنه لا يتصور العذاب لا حقًا بالمرأة، ولكن الشاعر ابنَ أبي مُقْبِل هو الذي يذكر بإيجاز شديد ما شاهده من عذاب بعض النسوة في الحشر، حيث يقول: «والنسوة ذوات التيجان يُصَرْنَ بألسنة من الوقود، فتأخذ في فروعهن وأجسادهن»27، وهؤلاء النساء اللواتي يعذبن هن، إذن، ذوات التيجان، والمعري لا يوضح المقصود بهن، هل هن زوجات الأكاسرة والقياصرة؟ أم هل هن زوجات الولاة والأمراء؟ ومهما يكن فالمعري لا يصور المرأة وهي في النار، حسبه هذا تكريمًا لها.
رابعًا – موقف المعري من المرأة في اللزوميات
يختلف موقف المعري من المرأة في اللزوميات الاختلاف كلَّه، فهو يدعو إلى اكتفاء المرأة بحفظ بعض السور القصار من القرآن الكريم، ولزوم البيت، والعمل في الغَزْلِ، وترتيب الحاجات، ولعل أكثر أبياته توضيحًا لموقفه من المرأة قوله28:
علموهن الغَزْل والنسج والرَّدْ
نَ وخَلُّوا كتابةً وقراءه
فصلاةُ الفتاةِ بالحَمْدِ والإخلا
صِ تُجْزِي عن يُونُسَ وَبَراءَه
وما رأيُ المعري في المرأة في أشعاره إلا نتاج ما تناهى إلى سمعه من فساد الناس في عصره، لذلك كان يخشى على المرأة ذلك الفساد، فيدعوها إلى لزوم بيتها، وكان المعري يسمع عن فساد عصره، وهو الذي لا يرى، والسمع يثير الخيال، ويصوِّر للمرء الأمور على أسوأ مما هي عليه في الواقع، وإن كانت هي سيئة في الحقيقة، ولذلك كان المعري يشكو زمانه، ويكثر من سوء الظن، ليس في النساء فحسب، بل في الحياة نفسها، بل يذهب إلى الشكوى من غياب العلماء، وسيطرة العوام الجهلة، حتى عم الظلام، مثلما يعم الصحراء القاحلة، فيغيب عنها الوضوح، ويعبِّر عن ذلك فيقول29:
فُقِدَتْ في أيامك العُلَماءُ
وادلهمَّتْ عليهمُ الظَّـلْماءُ
وتغَشَّى دهماءَنا الغَيُّ لمَّا
عُطِّلَتْ مِنْ وضوحها الدَّهماءُ
حتى إن المعري كان يشك في الأدباء أنفسهم، فيرى أنهم يدعون إلى الكذب والضلال، وهو يعبر عن ذلك فيقول في قصيدة أخرى30:
وما أَدَبَ الأقوامَ في كلِّ بلدة
إلى المَيْنِ إلا مَعْشَرٌ أُدَبَاءُ
ويرى المصيبة قد عمت البلاد كلَّها، ولم تقف عند بلد واحد، وكأنها وباء منشر، فيقول31:
ما خصَّ مِصْرًا وَبَأٌ وحدَها
بل كائنٌ في كلِّ أرضٍ وَبَأْ
وبعض مواقف المعري من المرأة مبني على قيم أخلاقية أو دينية، وبعضها الآخر مبني على طموحه نحو المجد ورغبته في عدم الانشغال بالولد ومسؤوليات الحياة، ومن المواقف الأولى دعوته إلى غض الطرف عن النساء الذاهبات إلى الحمام، لأن النظر إليهن لا يجلب غير الفاحشة، وهذا مما يتفق والخلق القويم ومما يدل على عفة المعري واستقامته، يقول32:
ولا ترمُــقْ بعـينك رائحاتٍ
إلى حمَّامِـهِـنَّ مكـمَّمَاتِ
فكم حلَّتْ عقودُ النَّظْمِ وهنًا
عـقـودًا للرَّشادِ مُنَظَّمَاتِ
وكمْ جَنَتِ المَعَاصِمُ مِنْ مَعَاصٍ
تعود بها المعاضِد مُعْصَمَاتِ
ومن المواقف الأخرى خشيته من الانشغال بالمرأة وما تجر من تبعات ومسؤوليات تثقل كاهل المرء، فالنساء ينجبن البنين والبنات، ويظهر فيهم العقوق، وقد تأتيهم من جرَّائهم المصائب، ويعبر عن ذلك بالتفصيل في قصيدة مطولة، ومنها قوله33:
ولكـنَّ الأوانــسَ باعــثـاتٌ
ركابَك في مهالِكَ مُقْتِمَاتِ
صَحِبْنَكَ فاستفدْتَ بهنَّ وُلْدًا
أصابَكَ مِنْ أذاتِكَ بالسِّمَاتِ
ومَنْ رُزِقَ البنينَ فغيرُ ناءٍ
بذلكَ عن نوائبَ مُسْقِـمَات
فمِنْ ثُكْلٍ يُهابُ وَمِنْ عُقُوقٍ
وأرزاءٍ يَجِـئْنَ مُصَمِّـماتِ
وليس غريبًا أن يخشى المعري من مسؤوليات البيت والزوج والولد وهو الذي لا يستطيع أن يكفي نفسه مؤونتها، ومن الطبيعي وهو المشغول بالعلم ألا يشغل نفسه بالأسرة، وكثير هم الأدباء الذين شغلتهم هموم الأدب عن هموم الأسرة، ولم يكن المعري وحيد عصره، ويكفي الإشارة هنا إلى الجاحظ وأبي حيان التوحيدي.
وفي الواقع لم يكن المعري في شعره متحاملًا على المرأة كما قد يتبادر إلى الذهن، إنما اختار لنفسه العفة، وهو مذهب في
الحياة، لا يُلام عليه، وهو نتاج ظرف عاشه، وثقافة تلقاها، أما الظرف فهو الفقر والعمى والقبح، فقد كان المعري بالإضافة إلى عماه مجدور الوجه نحيلًا قصير القامة عريض الجبهة دميمًا، ومن الطبيعي أن تنفر منه النساء، ومن الطبيعي وهو الذكي أن يدرك ذلك فيبتعد عن المرأة، أما الثقافة فهي واسعة متنوعة، تجمع أشتاتًا من الأديان والفلسفات والمذاهب، ومن كان العلم مقصده فمن الطبيعي أن يسمو فوق شهوات الجسد.
لقد عاش المعري عف الإزار، مكتفيًا من الطعام بالعدس، منصرفًا إلى العلم والتعليم، لا يتقاضى من أجر، كما عاش رهين محابسه الثلاثة، العمى والبيت والجسد، إذ لم يغادر مسكنه في النصف الثاني من حياته، كما كان يحس بروحه حبيسة الجسد يريد لها الانطلاق في ملكوت المعرفة والرحمة الإلهية، ولم يكن عنده جارية ولا زوجة ولا ولد، ولم يعرف من المرأة سوى حنان أمه وعطفها وإشفاقها عليه، وغالبًا ما يكون المعاق ذا نفس أبية، فلا يقبل العون من أحد، ولا العطف، ولا الإشفاق، كما لا يريد أن يثقل بنفسه على أحد، ولذلك عف عن النسوة، وأعفاهن من المشقة.
ويبدو موقف المعري من المرأة منسجمًا مع آراء المعري ومواقفه من الحياة، وهل يتوقع من أعمى عاش نحوًا من خمسين عامًا لا يغادر بيته منصرفًا إلى العلم والتعليم زاهدًا في العيش لا يأكل سوى العدس أن يريد للمرأة غير ما أراد لها أو ما أراده هو لنفسه؟ وحَسْبُ المعري فخرًا أنه لا يناقض نفسه، وأن آراءه تنسجم مع حياته، ولا تناقض بين حياته وآرائه، ولذلك كله يبدو موقفه من المرأة متسقًا مع موقفه من المجتمع، والأدباء، والناس جميعًا، وهو جزء من موقفه العام من الحياة.
فالمعري كان يرى الحياة مجرد شقاء ومكابدة، وكأنه أقرب إلى العبث واللاجدوى، ولذلك نجده يجعل أحشاء الأم تشفق على الجنين وترجوه ألّا يخرج إلى الحياة، ذكرا كان أم أنثى، لأنه لن يلقى سوى الشقاء، والعلل والأمراض، ويعبّر عن ذلك فيقول34:
نادى حشا الأمِّ بالطفل الذي اشتملتْ
عليه، ويحَكَ لا تظهرْ ومُتْ كَمَدا
فإنْ خرجتَ إلى الدنيا لقيتَ أذًى
مِنَ الحوادثِ بَلْهَ القيظَ والجَمَدَا
وما تَخَلَّصُ يومًا مِن مكارهها
وأنتَ لا بــدَّ فيها بالِــغٌ أَمَـــدا
وربَّ مثلِكَ وافاها على صِغَرٍ
حتى أَسَـنَّ فلمْ يُحْمَدْ ولا حَـمِدَا
لا تأمَنُ الكَفُّ مِنْ أيامِها شَلَلًا
ولا النواظــرُ كفًّا عَنَّ أو رَمَـدَا
وكان المعري في الحقيقية منذ صباه يذم الحياة، ويعبر عن سخطه على الناس، وقد عبَّر عن هذا في ديوانه سِقط الزَّند، وهو نتاج أيام الشباب، فقال35:
إذا الفتى ذمَّ عيشًا في شبيبتِه
فما يقول إذا عصر الشباب مضى
جرّبْتُ دهري وأهليه فما ترَكَتْ
لِيَ التجارِبُ في وُدِّ امرئ غرضا
لقد عاش المعري في معرة النعمان، وهي قرية صغيرة، مجتمعها مجتمع زراعي، معظم الرجال فيها أميون، والنساء لا عمل لهن سوى مساعدة الرجل في الزراعة والغزل، وفي هذا المجتمع كانت رحلة أبي العلاء المعري إلى الجنان، وفي مثل ذلك المناخ كان موقفه من المرأة في (رسالة الغفران)، وهو موقف مختلف عن موقفه منها في شعره، أيًا كان ذلك الموقف، وفي موقفه من المرأة في (رسالة الغفران) قدر كبير من الشغف بالمرأة، والتقدير لها والإعلاء من شأنها، وتلك هي ميزة المعري في (رسالة الغفران).
والمرجو بعد ذلك كله ألا ينظر إلى موقف المعري من المرأة من منظور القرن الحادي والعشرين ومشكلات المرأة المعاصرة وقضايا تحررها وعملها، وألا ينظر إلى موقفه من منظور الإنسان المعاصر الطامع في المال والراكض وراء التجارة والغارق في أشكال لا حصر لها من متع التلفاز والمحطات الفضائية وعروض الأزياء وأفلام الجنس والإباحة وصخب المدن والعواصم الكبيرة.
خامسًا – سبب الاختلاف بين اللزوميات ورسالة الغفران في الموقف من المرأة
ولكن ما سر اختلاف موقفه من المرأة في (رسالة الغفران) عن موقفه منها في اللزوميات؟ هل جاءت رسالة الغفران بعد اللزوميات، أي بعد أن تقدم به العمر، فقد كتب الرسالة نحو عام 422 هـ 1031م، وهو يشرف على الستين، في حين كان قد نظم معظم اللزوميات، على الأرجح، وهو في الأربعين، ولعل ما يدل على ذلك قوله36:
خَبِرَ الحياةَ شرورَها وسرورَها
مَنْ عاشَ عدَّةَ أوَّلِ المتقاربِ
وافى بذلك أربعـينَ فما لــه
عُذْرٌ إذا أمسى قليلَ التجارِبِ
فهو يذكر أنه خَبِرَ الحياة، شرَّها وخيرَها، وعاش عدد حروف البحر المتقارب، وتفعيلة المتقارب فعولن، وعددها خمسة أحرف، وتتكرر في البيت ثماني مرات، وبذلك يصبح المجموع أربعين، وقد صرح عن ذلك في البيت الثاني، إذ أكد أنه بلغ الأربعين.
وفي الحقيقة من الصعب الجزم بأسبقية اللزوميات، فلعله كتب بعضها بعد الأربعين، ولا يمكن تفسير اختلاف موقفه بالتقدم في العمر، لأنه صاحب مبدأ وقناعة، ولا يمكن للتقدم في العمر أن يغير قناعة رجل مثل المعري، ويبدو اختلاف موقفه راجعًا إلى الاختلاف بين موقفه من الحياة الدنيا، وتصوُّره عن الحياة في جنة النعيم، فموقفه من المرأة في اللزوميات هو موقفه من المرأة في الحياة الدنيا، وهو لا يرى في الحياة الدنيا غير السوء بمختلف أشكاله، وموقفه منها في (رسالة الغفران) هو نتاج تصوره للحياة في جنة النعيم، والحياة في الجنة قائمة على الخير المطلق، فلا شر ولا إثم ولا عدوان، ولا بغي ولا ظلم، بل هي الحياة الحق، أو هي الحيوان، كما وصفها المولى عز وجل في محكم التنزيل، ولذلك كان موقفه في (رسالة الغفران) من المرأة موقف العادل المنصف الذي يرى في المرأة الخير والعدل، بل يرى فيها الخلاص.
ويمكن أن نفسر موقف المعري من المرأة في (رسالة الغفران) على أنه تعبير عن حلم ورغبة داخلية مقموعة أو مكبوتة أو مقهورة، وهو موقف في الجنة، كان محرومًا منه في الحياة الدنيا، وقد أشبعه المعري في نفسه من خلال ابن القارح، الذي اتخذ منه بطل (رسالة الغفران).
وبذلك تتكامل المواقف، ويؤكد بعضها بعضه الآخر، فما كان من لقاء بالمرأة في الجنة وحديث معها أو عنها هو إشباع لرغبة مكبوتة، وهو الأكثر، وما كان من كلام على تفضيل الشعر عليها هو تعبير عن موقف في الحياة الدنيا لم يَحِدْ عنه المعري، وما كان من رأيه في ألّا تغادر المرأة بيتها، وأن تنصرف إلى شؤونه، ويكفيها حفظ قصار السور، كان تأكيدًا لموقفه من الحياة والمجتمع، ورغبة في صون المرأة.
وهل المطلوب منه بعد ذلك أن يحرم نفسه من المرأة في الجنة كما حرم نفسه منها في الدنيا؟ أليس من الطبيعي أن يطلق لخياله العنان في الجنان؟ ويبدو أنه كان ما يزال يحافظ على ورعه وتقواه، بل على خجله والحياء، فقد جعل ابن القارح هو الذي يلتقي النساء، ولم يجعل نفسه هو من يلتقي النساء، حتى في الجنان.
سادسًا ـ خاتمة:
ما يميز الجنة في (رسالة الغفران) أنه ليس فيها شيء من شر أو قبح، بل هي الخير كل الخير، وهي الجمال كل الجمال، ولعل هذه هي الصورة التي كان يمني المعري نفسه بها، ولم يجدها في الدنيا، وأنى له أن يجدها، ولذلك زهد في الدنيا.
ولقاء ابن القارح بالنسوة يتدرج في خط صاعد من لقاء نساء الدنيا إلى لقاء الحور العين الخارجات من ثمر أو المنقلبات عن إوز، ويعترضه للتشويق لقاء أفعى عالمة تعد ابن القارح باللذة والوفاء، ولكنه يفر منها ليلتقي صاحبته الموعودة به والخارجة من سفرجل، وفي هذا ما يدل على بناء سردي فيه تشويق وإدراك لعناصر القص والتنوع في المواقف والشخصيات وما قد يعترض ذلك من مصاعب ثم ما يكون من حلول، وللبعد عن المبالغة لا نصف المعري بالروائي والقاص، لكن يمكن وصفه بالسارد المتقن لفنه والمدرك لعناصره.
يؤكد ذلك اتخاذ المعري من ابن القارح بطلًا يدخل الجنة ويلتقي الأدباء والشعراء واللغويين فيها وهو ما ساعده على التعامل مع موضوعه بحرية، كما وفر له إمكان تحميل ابن القارح الأفكار التي يرغب، ووضعه في المواقف التي يريد ليعبر عن الأفكار التي يشاء من غير أن يتحمل المعري تبعة ذلك كله، ومن غير أن يقع في المباشرة والتقرير.
ولا بد من الإشارة إلى أن (رسالة الغفران) مثقلة جدًّا بالشروح اللغوية والنحوية والتعليقات والوقوف عند الألفاظ، وأشبه ما تكون بالحشو والاستطراد، مما لا يجعل قراءتها مثل قراءة النص السردي، وليست في الواقع غريبة على المعري، وهو العالم اللغوي.
ومهما يكن، فإن (رسالة الغفران) تتيح دراسة موقف المعري من المرأة ما لا تتيحه أشعاره، لأنه في أشعاره يعبر عن آرائه ومواقفه صراحة، وبصيغة تقريرية، في حين لا يعبر بهذه الطريقة عن موقفه من المرأة في (رسالة الغفران)، إنما يعبر من خلال المواقف والأفعال، ليشف عن رؤيته بصورة غير مباشرة، ولاسيما في قسمها الأول، لأنه في هذا القسم يصور دخول ابن القارح إلى الجنة وتطوافَه في أرجائها ولقاءَه الشعراء واللغويين وإقامتَه المآدبَ ومجالسَ الأنس والطرب والغناء، وإذا ابن القارح في (رسالة الغفران) بطل الغفران، ينطقه المعري بما يريد إنطاقه، من غير أن يتحمل هو مسؤولية ما يقول، وبذلك يطلق المعري لرغباته من خلال ابن القارح قدرًا غير قليل من حرية القول والفعل، ويمارس من خلال شخصه معظم ما لم يكن يريد هو أن يمارسه في حياته، وكأن المعري لم يطلق لخياله العنان فحسب، بل أطلق للاشعوره حرية التخيل والاستمتاع بالحضور الراقي للمرأة في جنة النعيم.
المصادر المشار إليها في حواشي البحث:
حسين، طه، الأبياري، إبراهيم، شرح لزوم ما لا يلزم، سلسلة التراث، رقم 13، دار المعارف بمصر، القاهرة، لاتا، ج1.
المعري، لزوم ما لا يلزم، ط. أمين عبدالعزيز الخانجي، دار الهلال، بيروت، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط. ثانية، 1923.
المعري، سقط الزند، دار بيروت، بيروت، دار صادر، بيروت، 1957، ص 7
المعري، أبو العلاء، رسالة الغفران، تح. الدكتورة عائشة عبدالرحمن، دار المعارف بمصر، القاهرة، ط. خامسة، 1969.
النابغة الذبياني، ديوان النابغة الذبياني، تح. د. شكري فيصل، دار الفكر، بيروت، 1968.
الهوامش:
1 – المعري، أبو العلاء، رسالة الغفران، تح. الدكتورة عائشة عبدالرحمن، دار المعارف بمصر، القاهرة، ط. خامسة، 1969، ص 168 – 169.
2 – المصدر السابق، ص 256ـ 261.
3 – المصدر السابق، ص 259
4 – المصدر السابق، ص 256ـ 261
5 – المصدر السابق، ص 308
6 – المعري، سِقْطُ الزَّند، دار بيروت، بيروت، دار صادر، بيروت، 1957، ص 7
7 – المعري، رسالة الغفران، ص 273
8 – المصدر السابق، ص 273ـ 274
9 – المصدر السابق، ص 286 ـ 287
10 – المصدر السابق، ص 287
11 – المصدر السابق، ص 278
12 – المصدر السابق، ص 353
13 – المصدر السابق، ص 204 – 205
14 – المصدر السابق، ص 154 ـ 164
15 – المصدر السابق، ص 234ـ 235
16 – المصدر السابق، ص 230
17 – المصدر السابق، ص 212 – 214
18 – المصدر السابق، ص 234
19 – المصدر السابق، ص 226
20 – المصدر السابق، ص 279
21 – المصدر السابق، ص 287 – 289
22 – المصدر السابق، ص 367 – 372
23 – ينظر: النابغة الذبياني، ديوان النابغة الذبياني، تح. د. شكري فيصل، دار الفكر، بيروت، 1968، ص 208
24 – المعري، رسالة الغفران، ص 372ـ 373.
25 – المصدر السابق، ص 377ـ 378
26 – المصدر السابق، ص 238.
27 – المصدر السابق، ص 247
28 – حسين، طه، الأبياري، إبراهيم، شرح لزوم ما لا يلزم، سلسلة التراث، دار المعارف بمصر، القاهرة، لاتا، ج1، ص 148
29 – المصدر السابق، ج1، ص 119
30 – المصدر السابق، ج1، ص 63
31 – المصدر السابق، ج1، ص 179
32 – المعري، لزوم ما لا يلزم، ط. أمين عبد العزيز الخانجي، دار الهلال، بيروت، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط ثانية، 1923، ج1، ص 180
33 – المصدر السابق، ج1، ص 178
34 – المصدر السابق، ج1، ص 259
35 – المعري، سِقْطُ الزَّنْد، ص 208
36 – المعري، لزوم مالا يلزم، ط. الخانجي، ج1، ص 135
عدد التحميلات: 0



