العدد الحاليالعدد رقم 46ترجمات

أطروحة نيتشه: لماذا لا نهتمّ بالحقيقة؟

في أواخر حياته، كتب هرمان ملفيل (مؤلف موبي ديك) رواية بعنوان المحتال: تنكّره (The Confidence-Man: His Masquerade). تدور أحداث الرواية على متن باخرة نهرية، وتتكوّن من سلسلة مشاهد قصيرة عن محتالين، ومخادعين، وسُذّج. وفي عالم ملفيل، ينقسم الناس إلى ثلاثة أصناف: سذّج يثقون بالآخرين، وساخرين مرتابين، ومحتالين محترفين. ولا حاجة إلى قراءة المحتال لمعرفة كيف تنتهي القصة: السذّج دائمًا في المؤخرة. يُلتهمون ثم يُلفظون. وأيّ ساذج يملك المال – يمكنك أن تثق بهذا -سينتهي به الأمر فقيرًا.

البشر يكذبون طوال الوقت. وعلى الأرجح أنك كذبتَ أنت نفسك في وقت قريب، إذ تشير التقديرات إلى أن معظمنا يكذب نحو ثلاثين مرة في اليوم. الكذب أحد أهم الحيل التي نستخدمها للحصول على أفضلية على بعضنا البعض. ولهذا، فإن التواصل الإنساني كثيرًا ما يشبه سباق تسلّح: يحاول الناس خداعك، فتطوّر أدوات لكشف خداعهم. يحاولون بيعك شيئًا، فتتعلم كيف «تشمّ رائحة الفأر».

وقد دفع هذا بعض الفلاسفة وعلماء النفس إلى صياغة مفهوم «اليقظة المعرفية» (epistemic vigilance). وتقوم هذه الفكرة على أن لدينا ترسانة من الأدوات التي تمكّننا من اكتشاف الأكاذيب وفضحها. ففي دراسة محورية حول الموضوع، يجادل سبيربر وزملاؤه بأن «البشر يمتلكون مجموعة من الآليات الإدراكية الخاصة باليقظة المعرفية، موجّهة لمواجهة خطر التعرّض للتضليل من قبل الآخرين». بعبارة أخرى: لدينا كاشف كذب مدمج.

لكن، بحسب ورقة بحثية حديثة، آن الأوان لأن نشكّك في كواشف الكذب لدينا.

الحجة المؤيدة لليقظة المعرفية

تستند حجة اليقظة المعرفية إلى مسارين رئيسيين.

الأول هو أن البالغين يعايرون باستمرار مدى موثوقية الآخرين. فنحن، بوصفنا نوعًا بشريًا، نميل إلى ما يُعرف بـ«الافتراض الافتراضي للصدق»؛ أي أننا نفترض أن معظم الناس يبدأون على الأقل وهم صادقون. ومع مرور الوقت، إذا كذب شخص ما أو أخطأ مرارًا، نعدّل درجة يقظتنا المعرفية تجاهه. فنقول مثلًا: «حسنًا، يبدو أن أليكس لا يعرف شيئًا عن كرة القدم، لذا لن أسأله مجددًا».

أما المسار الثاني فيتمثل في ملاحظة أن الأطفال يتعلّمون منذ سن مبكرة جدًا من يمكن الوثوق به ومن لا يمكن. فقد لاحظ عالم النفس باسكال بوييه أن الرضّع «يبدون حسّاسين للتمييز بين الوكلاء الخبراء والمبتدئين. ولاحقًا، يستخدم الأطفال الصغار مؤشرات الكفاءة للحكم على أقوال الأفراد المختلفين، ويبدون عدم ثقة بمن أخطأ سابقًا، أو بمن يبدو مصمّمًا على استغلال الآخرين».

ومن هنا، تخلص هذه الحجة إلى أن البشر يولدون وهم يمتلكون مهارة أو يقظة فطرية للبحث عن الحقيقة وتفضيلها على الزيف. أي إن لدينا يقظة معرفية.

زلّة منطقية

غير أن الفيلسوف جوزيف شيبر يرى أن في هذا الطرح خللًا ما. فهو لا ينكر أننا يقِظون — فالأدلة تميل إلى هذا الاتجاه – لكنه يعترض على وصف هذه اليقظة بأنها «معرفية».

تكمن المشكلة في أن البشر ثبت، مرارًا وتكرارًا، أنهم سيئون للغاية في التمييز بين الصدق والكذب. وكما يقول شيبر: «على الرغم من عقود طويلة من البحث، فإن النتائج متسقة على نحو لافت في إظهار أن البشر ضعفاء جدًا في كشف الخداع». وإذا كان لدينا كاشف كذب فطري، فهو شديد عدم الدقة، وغالبًا ما يكون معطّلًا، وفي معظم الأحيان مشتّتًا بأمور أخرى.

كما أننا لسنا بارعين في الحكم على كفاءة الآخرين. فقد أظهرت دراستان — إحداهما عام 1996 والأخرى عام 2005 – أن الناس يعتمدون على عوامل غير معرفية لتحديد ما إذا كان شخص ما جيدًا في عمله. فنحن نخطئ حين نظن أن ملامح الوجه المناسبة تدل على الكفاءة، أو أن طريقة المشي والكلام والجلوس تكشف عن القدرة الحقيقية. في الواقع، لا يُثبت أيّ من هذه العوامل، بشكل موثوق، الكفاءة أو الجدارة بالثقة.

أطروحة نيتشه

إذًا، نحن أمام حقيقتين:

نحن يقِظون تجاه ما يقوله الآخرون، لكن هذه اليقظة لا تقوم على أسس معرفية. فما نوع هذه اليقظة إذن؟

هنا يصوغ شيبر ما يسميه «أطروحة نيتشه». إذ يجادل بأن «هدفنا في المحادثة ليس، في المقام الأول، اكتساب معلومات صادقة… بل تقديم ذواتنا». وبعبارة أخرى، نحن نقبل الأقوال أو نرفضها وفق أهداف نفعية، لا بناءً على صدقها. وبلغة نيتشه، لا نبحث عن الحقيقة ولا نقبلها إلا عندما تكون لها «نتائج مبهجة، حافظة للحياة». وعلى العكس من ذلك، نتوجّس من «الحقائق التي قد تكون ضارّة أو مدمّرة». نحن لا نمتلك يقظة معرفية، بل يقظة ميكافيلية.

وهنا تبرز ملاحظة مهمّة عن المجتمع الحديث تدعم طرح شيبر: الانتشار الواسع لنظريات المؤامرة وترّهات غرف الصدى. فلو كانت اليقظة المعرفية صحيحة، لكنا جميعًا ندقّق في الوقائع باستمرار، ونسارع إلى رفض أصحاب المؤامرات. لكننا لا نفعل ذلك. فعندما يقدّم متحدّث جذّاب أو مؤثّر تصريحًا ما، فإننا نقبله في الغالب على أسس ميكافيلية: أومئ بالموافقة إذا أومأ الآخرون. أقبل القول إذا كان يحافظ على مكاني الاجتماعي.

تثير أطروحة شيبر أسئلة ضخمة، لا للفلسفة وحدها بل للقانون أيضًا: إذا لم يكن البشر مهيّئين فطريًا للحقيقة، فإلى أيّ حدّ يمكن الوثوق بالشهادة؟ وهي أيضًا نقطة جوهرية يجب تذكّرها في تفاعلاتنا اليومية، وفيما نقرأه أو نسمعه أو نراه على الإنترنت. من المفيد أن نتذكّر أننا، في آنٍ واحد، سيئون جدًا في الوصول إلى الحقيقة، وقليلوا الاكتراث بها. ففي أغلب الأحيان، ما يشغلنا ليس المعرفة، بل أشياء أخرى… غير معرفية تمامًا.

 

bigthink

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

المحرر الثقافي

مجلة فكر الثقافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى