العدد الحاليالعدد رقم 46ترجمات

لاسلو كراسناهوركاي يفوز بجائزة نوبل للآداب 2025

تقرير: نيكولا ويل1

ترجمة: د. فيصل أبو الطُّفَيْل

الكاتب المجري البالغ من العمر 71 عامًا، والمعروف بـ«سيد الرؤيا الأبوكاليبسية» أو (كاتب نهاية العالم)، يحصل على الجائزة بعد 23 عامًا من حصول ابن بلده إيمري كيرتيس عليها.

إذا كانت أعمالُ الكاتب المجري لاسلو كراسناهوركاي، الحائز على جائزة نوبل للآداب لعام 2025، تُشكّل في حد ذاتها إحدى أهم الأعمال الأدبية المعاصرة، فإن هذه الجائزة، بعد منحها للكاتبة البولندية أولغا توكارشوك عام (2019)، تشهد أيضًا على دينامية أدب أوروبا الشرقية.

ومع أنّ لاسلو كرازناهوركاي قد حصل في عام 2015 على جائزة بوكر الدولية المرموقة؛ والمشهورةِ جدًا في العالم الأنجلوسكسوني، والتي تعدّ بمثابة مقدمة لجائزة نوبل، فإن مجموع أعماله لم يحظ في فرنسا إلا بتلقٍّ متأخِّر ومُجَزَّأ. وهكذا، فإن أول كتاب أثبت به كرازناهوركاي مكانته في الساحة الأدبية في بلده هنغاريا في عام 1985، وهو «تانغو الخراب»2  Le Tango de Satan، لم يُترجم إلى الفرنسية إلا في عام 2000 (عن دار غاليمار). ويعود الفضل في استمرار تلقّيه في فرنسا إلى إصرار الناشرين الصِّغَار وحماسهم، ولا سيما دار النشر Cambourakis التي نَشرتْ، من بين أعمال الكاتب أخرى، النسخة الفرنسية من «سيوبو نزل إلى الأرض» (2018)، و«عودة البارون وينكهايم» (2023)، و«أعمال صغيرة لقصر» (2024)، في ترجمات ممتازة لجويل دوفوي3.

وُلِدَ لاسلو كراسناهوركاي عام 1954 في غيولا Gyula، بالقرب من الحدود الرومانية، في ترانسيلفانيا، في عائلة من المحامين مصنفة ضمن طبقة «برجوازية» ومن ثمّ كانت السلطات تنظر إليها باستهجان. ولم يغادر كراسناهوركاي المجر إلا عام 1987، متوجهًا إلى برلين. وقد مكّنهُ سقوط الستار الحديدي من السفر إلى جميع أنحاء العالم. وهكذا أمضى فترات طويلة في آسيا في التسعينيات، مما ضاعف مصادر اهتمامه وإلهامه.

وبعد أن جرّبَ حياة الترحال لفترة طويلة، وعاش مثل ابن بلده وصديقه الحائز على جائزة نوبل (2002) إيمري كيرتيس (1929-2016)، في العاصمة الألمانية، استقرَّ لفترة في تريست (بإيطاليا) هربًا من الأجواء التي خلقها نظام الزعيم المجري فيكتور أوربان.

ومع ذلك، سيكون من السذاجة اختزالُ الكَوْن السردي للاسلو كراسناهوركاي في مجرد الصدى الذي خلَّفَهُ التاريخ المعاصر مثلما حدث في شرق القارة العجوز. فهذا المُعارض للمجتمع الشيوعي بقدر ما هو معارض لـ«عالم الما بعد»، والذي نُشرت كتاباتُه الأولى في المطبوعات السرية4، لا يريد بأي حال من الأحوال أن يُنسَب لما يسميه بسخرية «الروح المجرية» أو حزن بوزتا la mélancolie de la puszta (السهل المجري الشاسع). وتشير التأثيرات، أو الروافد، التي تكشف عنها كتاباته بالأحرى إلى الأدب العالمي. كافكا أولًا، الذي كان يقرأه بشغف منذ طفولته، ولكن أيضًا غوغول وبيكيت وخاصة ميلفيل، الذي قارنته المفكرة الأمريكية سوزان سونتاغ (1933-2004) به، وهي التي يعود إليها الفضل في اكتشاف الكاتب المجري في وقت مبكِّر، مُطْلِقَةً عليه «سيد الرؤيا الأبوكاليبسية»، في تعبير كثيرًا ما يَرِدُ في سياق الحديث عنه.

ربما اختار كراسناهوركاي هذا التشابه بوصفه إشارة خفية، كموضوع لكتابه «أعمال صغيرة لقصر». فهذه الرواية القصيرة تروي قصة شخصية مهووسة بمؤلِّف رواية «موبي ديك»5، تبحث عن كل آثار هيرمان ميلفيل في مانهاتن. وبالمناسبة فقد كتب كراسناهوركاي روايته «حرب وحرب» Guerre et Guerre ، عام 2019 (صدرتْ ترجمتها للفرنسية عام 2013 عن دار نشر Cambourakis) في مانهاتن، في شقة صديقه الشاعر الأمريكي ألن غينسبرغ (1926-1997). ويؤكد كراسناهوركاي أن محتوى كتبه ينبع بشكل صارم من عمقه الداخلي؛ فهو يصوغ جمله في رأسه قبل أن يكتبها على الورق.

«تدفق بطيء للحمم البركانية»

تتميز روايات كراسناهوركاي قبل كل شيء بطابعها المظلم. ويتنافس الشعور فيها بنهاية وشيكة مع انعدام الأمل والانتروبيا6 وعبثية المسيحية اللاهوتية أو العلمانية. فـ«الإنسان وحش»، وفقًا لما يعتقد، حيث يتبنّى بشكل مقصود نقيض ما جاء في بيت الشعر الشهير لسوفوكليس في أنتيجون: «ليس هناك أعظمُ من [الإنسان]». ومع ذلك، لطالما رفض كراسناهوركاي ما يسميه «الكتابة التعليمية»، تاركًا للقارئ أن يجد بنفسه خيط أريان7 في «تدفق الحمم البركانية البطيء» الذي يميّز نثره. وعلى الرغم من عمله المستمر على النص وعلى بنية السرد، بهدف كسر ما يعتبره مركزيّة الإنسان anthropocentrisme وفقًا له، لرواية غربية تركز بشكل مفرط على الراوي وأنا الشخصيات، فإن كراسناهوركاي ليس كاتبًا شكليًا يتّبع المدرسة الشكلانية في الأدب. فقد تمتد جُمَلُه وحواراتُه الداخلية أحيانًا إلى مئات الصفحات، كما في روايته «كآبة المقاومة»8  (1989؛ غاليمار، 2006)، إلا أنها تنجح دائمًا في إثارة إعجاب القارئ وجذبه بإيقاعها المتقن مثل معزوفة لباخ، الموسيقى المفضلة للروائي المجري الذي، على الرغم من حبه لموسيقى الجاز والروك، يرى أن هذا الفن في حالة تراجع منذ عصر الباروك.

إنّ تنوُّع التعبيرات الفنية التي يضعها كراسناهوركاي في خدمة المسعى الوحيد الذي يُهُمُّه، وهو البحث الدائم عن نوع من الجمال السري، هو ما يشكِّلُ جوهر مسيرته. ألم يكن شريكًا وكاتب سيناريو للمخرج المجَري بيلا تار لمدة خمسة وعشرين عامًا؟ وبالمثل، أراد أن تؤدي إحدى رواياته، حرب وحرب، إلى واقع خارج الأدب، ويتعلق الأمر في هذه الحالة بكوخ الإسكيمو الذي كان من المقرر أن يبنيه النحات الإيطالي ماريو ميرز (1925-2003)، مصمَّمًا ليكون قبر الشخصية الرئيسة؛ أمين المحفوظات كوريم. وعلى الرغم من أن كراسناهوركاي يحمي بدافع من الغيرة، حياتَه الخاصة وسيرته الذاتية بعيدا من خياله الروائي، إلا أن هاتين الحياتين تسلطان الضوء على وفرة المجالات التي تتناولها نصوصه التي أصبحت أبعادُها «الميتافيزيقية» الآن مَوْضِعَ ترحيب وتقدير.

 

الهوامش:

1 – Nicolas Well: صحافي ومترجم فرنسي ينشر مقالاته بمجموعة من الصحف والمجلات الفرنسية. المترجم.

2 – ترجمها إلى اللغة العربية: الحارث النبهان، دار التنوير، 2016. المترجم. –

3 – Joëlle Dufeuilly: هي مترجمة فرنسية متخصصة في اللغة الهنغارية، وإليها يعود الفضل في ترجمة مجموع أعمال الروائي الهنغاري لاسلو كراسناهوركاي في فرنسا. المترجم.

4 – كان هذا النوع من الكتابات الأدبية (ويسمى samizdat) محظورًا بسبب انتقاده السلطة في البلدان الشيوعية آنذاك. المترجم.

5 -رواية ألفها الروائي الأمريكي هرمان ميلفيل عام 1851، وتروي حكاية حوت منتقم يصب جام غضبه على سفينة حوّاتة. المترجم.

6 – L’entropie: وتسمى أيضًا: القصور الحراري. يُشير هذا المصطلح العلمي إلى مقدار الفوضى أو العشوائية في نظام ما، وهو مفهوم أساسي في الديناميكا الحرارية. المترجم.

7 – fil d’Ariane: «خيط أريان» هو تعبير مستمد من الأساطير اليونانية، ويشير إلى وسيلة لتوجيه الذات أو العمل على إخراجها من موقف معقد. المترجم.

8 – ترجمها إلى اللغة العربية: الحارث النبهان، دار التنوير، 2020. المترجم.

مصدر الترجمة:

Le Monde ; SAMEDI 11  OCTOBRE 2025 ; pp 23.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

د. فيصل أبو الطُّفَيْل

أستاذ مشارك. الدراسات العربية - الكلية المتعددة التخصصات خريبكة - المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى