
أبو شامة المقدسي وكتاب «الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية»
هو أبو القاسم شهاب الدين عبدالرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة، وأبو شامة لقبه، لشامة كبيرة كانت فوق حاجبه الأيسر ومولده في دمشق، وبها منشؤه ووفاته؛ فهو من مواطني دمشق، بها ولد وشبَّ واكتهل وأقام، حتى وافاه أجله، ولم يبرحها إلا في رحلات أربع قصيرة؛ اثنتان منها لحج بيت الله، وثالثة لزيارة بيت المقدس زيارة عابرة، ورابعة لزيارة مصر زيارة علمية دراسية.
ويكتنف حياةَ أبي شامة شيءٌ من الغموض في جميع مراحلها، فنحن لا نجد عنها إلا إشاراتٍ موجزةً مختصرة يذكرها أبو شامة بين حين وآخر، فتلقي قليلًا من الضوء على حياته في هذه الأزمنة القصيرة، فهو يشير إلى إقامته في المدرسة العزيزية سنة 615هـ، وفي المدرسة العادلية بدمشق سنة 654هـ، ويشير إلى انتقاله إلى المدرسة الركنية حيث عيِّن مدرسًا لها سنة 660هـ.
ثقافة أبي شامة
قدم المترجمون أبا شامة للقراء مستهلين حديثهم بأنه العلاّمة ذو الفنون، وأنه أخذ من كل علم نصيبًا. وأنّ ثقافته متنوعة واسعة؛ ختم القرآن حفظا في سن العاشرة، وأتقن الفقه، وبرع في العربية، وكان يكتب الخط الجميل المليح المتقن وسمع الحديث، وكتب الكثير من العلوم، ودرّس، وأفتى، ووليً مشيخة الإقراء، ومشيخة دار الحديث.
وتدلنا كتبه التي ألفها على هذه الثقافة الواسعة المتنوعة، ويمدنا أبو شامة نفسه بقائمة الكتب التي ألَّفها، وهي طويلة تؤيد ما ذهب إليه كُتَّابُ التراجم في وصفهم لنشاطه العلمي في فنون العربية، والقراءات والحديث، والفقه والتفسير، واللغة، والعروض ومن هذه المؤلفات:
كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، ونور المسرى في تفسير آية الإسراء، وضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري، ومفردات القرَّاء، ومقدمة في النحو، والألفاظ المعربة، وإبراز المعاني في شرح حرز المعاني (في شرح الشاطبية)، والواضح الجلي في الرد على الحنبلي، وتهذيب تاريخ دمشق، وكشف حال بني عبيد (الفاطميين)، وعيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، و كتاب الروضتين في أخبار الدولتين: الصلاحية والنورية، والذيل على الروضتين الذي سماه ناشره: تراجم رجال القرنين السادس والسابع .، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر (خمس مجلدات، وعشرة مجلدات)، والمرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، والباعث على إنكار البدع والحوادث، والوصول في الأصول، ونزهة المقلتين في أخبار الدولتين: دولة علاء الدين السلجوقي، ودولة ابنه جلال الدين خوارزمشاه، وشرح البردة، وكتاب البسملة.
شيوخه
صحب أبو شامة عَلَمَ الدين السخاوي ما يقرب من ثلاثين سنة، وتتلمذ على عز الدين بن عبدالسلام، ولعل ذلك هو سبب عزوفه عن المناصب الحكومية، وترفُّعِه عن التكالب على أموال الأوقاف، وانصرافه إلى بساتينه الخاصة يفلحها بنفسه، ويعتمد عليها وحدها في حياته وصان بها وجهه عن الناس، يقول ناصحًا طالب العلم، ومنددًا بتكالب العلماء على التزلُّف إلى ذوي السلطان:
اتخذْ حرفةً تعيش بها
يا طالبَ العلم ، إنَّ للعلم ذكرا
لا تُهنه بالاتكال على الو
قف ، فيمضي الزمان ذلًا وعُسرا
وأثنى مؤلفو التراجم على الصفات الخُلُقية الطيبةِ التي كانت تزين أبا شامة، وقالوا فيه كلامًا طيبًا يوضِّح مكانته وسِعَة علمه إلا قطب الدين اليونيني الذي ذكر أنَّ أبا شامة كان كثير الغض من العلماء، والطعن عليهم، وأنَّ الناس قدحوا فيه وتكلموا في حقِّه، ولعل الاختلاف المذهبي يوضح سبب هذا القول؛ فهو شافعي واليونيني حنبلي.
التتار وأبو شامة
كان أبو شامة في دمشق عندما دخلها التتار سنة658هـ، فهو يذكر أن نائب التتار بدمشق استدعاه وأهانه، وهدَّدَه بضرب رقبته، فاضطر أبو شامة أن يوقِّع له بمبلغ كبيرٍ حتى يُطلق سراحه، وقد هُزم التتارُ بعد هذه الحادثة بعشرةِ أيامٍ في موقعة عين جالوت، وعدَّ أهلُ دمشق الهزيمةَ كرامةً لأبي شامة، وقيل في ذلك:
تفرق جَمْعُ الكفرِ لمَّا تَعرَّضوا أبا شامـةَ ظُلْـمًا وكُـدِّرَ وِرْدُه
أرادوا به كيدًا وما هِيْبَ علمُه فغارَ له الرَّحمن إذ هو عبدُه
ومع أنَّ أبا شامة له ميلٌ إلى ابن حزم ومؤلفاته إلا أنَّه كان شافعي المذهب، بل بلغ فيه رتبة الاجتهاد فقد تولى مشيخةَ الإقراء ومشيخة الحديث في دمشق.
موت أبي شامة
تعرَّض أبو شامةَ لهجوم اثنين عليه، لعلهما من الفرق الباطنية، وهو في منزله سنة 665هـ وضرباه ضربًا مُبْرِحَا وقد توفي بعد شهرين ونصف من هذا الحادث في التاسع عشر من رمضان سنة 665هـ.
كتاب الروضتين
وصف كتاب الروضتين
يبدأ الكتابُ في تكوينه العام بمقدمةٍ قصيرة وضَّح أبو شامة فيها الحوافز التي دفعته إلى تأليف الكتاب بعد أن صرف بعض عنايته إلى دراسة التاريخ. وذكر في هذه المقدمة المصادر الرئيسة التي اعتمد عليها عند تدوينه. ثم عقد فصلًا خاصًا جعل موضوعَه الدولةَ النورية؛ لكنه لم يتحدث في هذا الفصل إلا عن قضايا عامةٍ لها صلةٌ مباشرةٌ بنورِ الدين محمود وبصفاته الشخصية التي جعلت منه حاكمًا محبوبًا جديرًا بالتقدير، ومن هذه الصفات: عدله، ورحمته، وجهاده وشجاعته وحزمه، وسياسته، وفي الحديث عن هذه الصفات يُوردُ الأمثلةَ الكثيرةَ التي تؤكدُ امتيازَ نور الدين بها، ثم يُتبع أبو شامة هذا الفصل بآخرَ يجمع فيه كثيرًا من المدائح الشعرية التي أنشدها شعراءُ عصره؛ محمد بن نصر بن صغير القيسراني، وأحمد بن منير الطرابلسي، والمسلم بن الخضر بن قسيم الحموي، وبانتهاء هذا الفصل ينتهي الحديث عن العام المُجْمَلِ عن الدولة النورية، وهو حديثٌ يصطبغُ في مجموعه بصبغةٍ عاطفيةٍ تميلُ إلى تمجيدِ نور الدين وإبرازِ مميزاته الخلقية.
ويفصل أبو الشامة الحديث عن الحوادث التي وقعت في عهد نور الدين، ويوضِّحُها ويؤرخها. ولعله رأى أن من تمام الحديث الحديثُ عن أصل بيت نور الدين ونشأته، فأفرد له ثلاثةَ فصولٍ قصارٍ، وأتْبَعَها بالحديثِ عن عماد الدين زنكي، والدِ نورالدين، وعن عصره وجهاده الذي امتد عشرين عامًا من سنة 521هـ إلى 541ه ـوانتهى باستشهاده عند قلعة جعبر، ثم بتقسيم دولته بين ولديه سيف غازي الذي استقر بالموصل، ونور الدين محمود الذي استقر بحلب. وبهذا التقسيم نجد أنَّ عبء جهادِ الفرنج وتوحيدِ كلمة الشامِ وقع على نور الدين الذي أثبت أنه كفؤ لتحمل هذه المسؤولية، مُقدِّرٌ لتبعاتِها، فأخلص في جهاده، وأبلى في دفاعه حتى أصبح يُعدُّ من أبطال الإسلام.
وبولاية نور الدين محمود لحلب سنة 541هـ تزايد اهتمام أبي شامة به، فقد كان من أهداف تأليف كتاب الروضتين تمجيدُ هذه الشخصية الفذة؛ وقد فصَّل أبو شامة الحديث عنه معتمدًا على المصادر المعاصرة، ومؤيدًا حديثه بما استطاع الوصول إليه من الوثائق الحكومية، أو من الأشعار والقصائد التي سجلت مراحل جهاده، وتتبعت معاركه بالتفصيل والتقريظ.
ويلتزم أبو شامة في هذا الحديث نظامَ الحوليات الذي اتبعه كثيرٌ من المؤرخين في عصره مبتدئًا بسنة 542هـ وهي السنةُ التاليةُ لتاريخِ استشهاد والده عماد الدين، لكن أبا شامة لا ينسى أن يُفْرِدَ فصولًا خاصةً طويلةً أو قصيرةً لبعضِ الأحداثِ التي تستحق، من وجهة نظره، هذا التخصيص، وذلك داخل نطاق النظام الحولي؛ بمعنى أن الحديث عن سنة بعينها قد يجيء في فصول متتابعة، يختص كلٌ منها بحادثةٍ أو بعدةِ حوادث، غير أنّه لا يتجاوزُ هذه السنةَ إلى السنةِ التي تليها، ويستَمِر أبو شامة في حديثه، بهذه الطريقة، عن عصر نور الدين محمود، ثم عن عصر خليفته في حمل رسالة التوحيد الإسلامي وراية الدفاع عن الإسلام في وجه الغزو الصليبي السلطان صلاح الدين يوسف أيوب، الذي تلقى وأهلَه دروسَ الجهاد في بلاط نور الدين، ثم حملَ راية الجهاد بعده ليكملَ رسالتَه طيلةَ حياتِه، حتى لبى نداء ربه سنة 589ه بعد انتهاء معركته مع جموع الصليبين في حملتهم الثالثة بشهور قليلة.
ويعامل أبو شامة بطلَه الثَّاني صلاحَ الدِّين بالطريقة نفسها التي عامل بها نورَ الدين في أوَّل الكتاب؛ فهو يعقد له فصلًا خاصًا يتحدث فيه عن صفات صلاح الدين التي تميز بها، فوضعته في صفوف أبطال المسلمين المجاهدين، والحكَّام المشهود لهم بِحُسْنِ السيرة وصدق العزيمة ونُبلِ القصد، ثم يتابع حديثه عن معارك صلاح الدين في سنوات حكمه سنة سنة.
ويختم أبو شامة كتابه بفصول قصار متتابعة يتحدث فيها عن تطورات الأمور في الدولة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين، وبخاصة في فترة النزاع بين أبنائه وعمهم العادل سيف الدين، ولا يتقيد أبو شامة في هذا الحديث بالتسلسل التاريخي إلا فيما يقتبسه عن العماد الأصفهاني؛ إذ يعود إلى اتِّباع طريقة الحوليات في اختصارٍ شديد.
وينهي أبو شامة بهذا الاقتباسِ كتابَ الروضتين بعد أن سَجَّل تاريخًا مُفَصَّلًا لدولتي نور الدين محمود زنكي، وصلاح الدين يوسف أيوب، تَتَبَّع فيه نشاطَهما ومجهودَهُما الذي جعل منهما في المتأخرين مَثَلًا يُحْتَذى، والذي رفع مكانهما حتى صارا كالعمرين، كما أشار، في عصرهما؛ عدلًا وديانةً وجهادًا.
موضوعات في كتاب الروضتين
حكم نور الدين محمود في المدة بين سنتي 541 – 569هـ ، واتخذ مدينة حلب عاصمةً لملكه حتى سنةِ 549، ثم شاركتْها دمشقُ فأصبحتْ عاصمةً أخرى له حتى توفي سنة 569هـ، وكان صلاح الدين قد استقر في مصرَ منذ فُتِحَتْ سنة 564هـ فلم يلبثْ أن ضمَّ دمشق إلى ممتلكاته بعد وفاة نور الدين، وترك حلب العاصمةَ الثانيةَ لنورالدين وما تبعها، تحت سيطرة الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين، لكن صلاح الدين أخذ يَحُدُّ من نفوذ الملك الصغير تدريجيًا حتى حصره في حلب، ثم لم يلبث، بعد وفاة الصالح، أن مدَّ سلطانه إلى حلب نفسِها في سنة 577هـ.
وعندما ظهر نور الدين كانت البلاد الشامية قد قطعت مرحلة كبيرة في طريق التكتل والوحدة بفضل الجهود التي بذلها عماد الدين زنكي منذ ولي إمارة الموصل. والمدةُ التي حكم فيها هؤلاء الأبطال المجاهدون الثلاثة هي المجال الزمني، الذي يتعرض له كتاب الروضتين بالحديث والوصف، وإنَّ الحوادث التي يذكرها أبو شامة تبدأ بالمجال المكاني الذي شهد نشاط زنكي في مراحله الأولى، ثم تدرَّج في الشمول والاتساع مع امتداد سلطانه، وسلطان خليفته من بعده حتى تنتهي في أوسع مدى لها عند حدود الجزيرة، والعراق، وآسيا الصغرى، والحجاز، واليمن، والنوبة، وأفريقية المؤمنية، أي عند حدود الدولة الواسعة الضخمة التي رفرف عليها لواء صلاح الدين.
ولعل نظرة فاحصة في الموضوعات التي يتحدث عنها كتاب الروضتين داخل هذين المجالين الزماني والمكاني ستدلنا على أنها تتعلق بتنقلات الجيوش، وتفصيلات المعارك، وأوصاف الأسلحةِ والحصونِ والسفن الحربية، وتطورات القتال، وغيرِ ذلك من الموضوعات التي تتعلق بالحروب، سواء منها ما كان بين الأمراء المحليين في سبيل توحيد الجبهة الداخلية، أم ما دار بينهم وبين الفرنجة المقيمين أو الوافدين.
وكان لمآثر البطلين وعدلهما بين الناس، وتخفيفهما الأعباءَ الماليةَ الثقيلةَ عن كاهلِ المواطنين؛ كان لهذه المآثرِ نصيبٌ في حديث أبي شامة في كتاب الروضتين، وإنْ اقتصرَ على ضربِ الأمثلةِ الموضحةِ، كإنشاء دار العدل (الكشف) للنظر في مظالم الرعية من الأمراء والقادة، وكالمنشورات التي تقرأ على المنابر وفي الأسواق معلنةً تخفيف الضرائب، وإزالة المكوس، كالمدارس والزوايا.
ولا يفوت أبا شامة أنْ يُسجِّلَ قراراتِ توليةِ الأمراءِ والنُّواب والحكام في الولايات المختلفة، مؤيدًا بمنشور حكومي أو مرسوم سلطاني.
ولعل الباحث لا يبالغ إذا قال إن كتاب الروضتين سِجِلٌ مُفَصَّلٌ لتاريخ الدولتين النورية والصلاحية من الناحية الحكومية حربًا وسياسة وإدارة، وهذه الناحية هي الغالبةُ على الكتاب، أما الجانبُ الشعبيُّ فلا مجال له في الكتاب إلا ما يتعلق بمقدار تأييد الشعب والعلماء للخطوات الحربية التي اتخذها السلطان.
عنوانات للموضوعات في كتاب الروضتين:
– سببُ كتابة أبي شامة لكتاب الروضتين، ومصادر الكتاب وأهمية علم التاريخ.
– البيتُ النوري: أصله، وأخبار زنكي، وصفاته وأخباره.
– أخلاقُ نور الدين وصفاته وجهاده.
– إصلاحاتُ نور الدين الاجتماعية، والسياسية، والعسكرية.
– أخبارُ الأيوبيين.
– أخبارُ صلاح الدين وصفاتُه وأخلاقه وأثره في الجهاد جهاده.
– إصلاحاتُ صلاح الدين العسكريةُ والاجتماعية.
– أخبار الدولةِ الفاطمية.
– من أخبار السلاطين والأمراء السلاجقة.
– من أخبار آل منقذ أمراء شيزر.
– أخبار الجهاد: الرسائل المحرِّضَةُ على الجهاد، والمناشير، والخطب والأشعار والقصائد الجهادية، أخبار العدو الصليبي وذكر أحواله وهزائمه
– البيت النوري وأثره في الجهاد، والمعارك التي خاضها هذا البيت؛ حارم والرها ودمشق فامية وعزاز وبانياس والمنيطرة.
– معارك صلاح الدين مع الصليبيين: دمياط، والرملة، وحصن الأحزان، ومرج عيون، وحطين، ونابلس، وتبنين وصيدا وصور، وعسقلان، وغزة. اللاذقية، وأنطاكية، والكرك، وصفد وشقيف أرنون، وعكا.
– فتح بيت المقدس، صفة يوم الفتح، وعجيبة الإخبار بفتح بيت المقدس، من شهد الفتح من العلماء الصالحين، وتحصين أسوار القدس، والصلح بين صلاح الدين والصليبيين.
– مرض السلطان صلاح الدين ونذره إن عافاه الله ليوجهن جهوده إلى فتح بيت المقدس.
– صفة إقامة الجمعة في الأقصى، ونصُّ خطبة القاضي ابن الزكي الأولى، ونقلُ المنبر الذي صنعه نور الدين من حلب إلى بيت المقدس، وتطهيرُ الصخرة المشرفة.
– العقيدة والعلماء والصلة بالله والأخلاق والصفات.
– الشعر والأدب: شعر الجهاد، والوعظ، والرثاء، والتشفي، والتحسر، والمدح، ورسائل الجهاد ورسائل تثبيت القاضي الفاضل صلاح الدين والمناشير السلطانية أيام نور الدين وصلاح الدين وهي رسائل أدبية.
سجل كتاب الروضتين بالصوت والصورة والحركة المعارك التي خاضها الزنكيون والأيوبيون، وتحدث فيه أبو شامة عن كل معركة: قادتها وأبطالها وشهدائها وقتلى العدو وأسراه وسلاح المعركة وقصائدها ورسائلها، ونتائجها، وحركة جيوشها، والإعداد لها، وغنائمها.
فكرة تأليف الكتاب
لم يهتمْ أبو شامة بالتاريخ إلا في مراحل متأخرة من مراحل ثقافته، وذلك بعد أنْ برع في الدراسات الشرعية والأدبية، وهو يصرِّحُ بأنَّه لم يُقْدِم على هذه الدراسة إلا اقتداءً بسيرة من مضى من كل عالمٍ مرتضى، يقول: فقلَّ إمام من الأئمة إلا ويُحْكَى عنه من أخبار من سلف فوائدُ جمةٌ. منهم إمامُنا أبو عبدالله الشافعي، رضي الله عنه، قال مصعب الزبيري «ما رأيت أحدًا أعلمَ بأيام الناس من الشافعي» ويروى عنه أنه أقام على تعلم أيام الناس والأدب عشرين سنة، وقال: «ما أردتُ بذلك إلا الاستعانةَ على الفقه». قلت: وذلك عظيمُ الفائدة، جليلُ العائدة. وفي كتاب الله تعالى وسنَّةِ رسوله، صلى الله عليه وسلم، من أخبار الأمم السالفة، وأنباء القرون الخالفةِ ما فيه عِبَرٌ لذوي البصائر، واستعدادٌ ليومِ تُبْلَى السَّرائرُ.. يبرِّرُ أبو شامة اهتمامه بالتاريخ تبريرًا دينيًا؛ فهو يبحث في التاريخ لأنَّ فيه فائدةً عظيمةً، وعظةً واعتبارًا، واستعانةً على الفقه، يقول: «وقد اختار الله سبحانه لنا أن نكون آخر الأمم، وأطلعنا على أنباء من تقدم، لنَّتعظ بما جرى على القرون الخالية، وتَعِيَها أذنٌ واعِيَة، فَهَل تَرَى لَهُمْ من بَاقِيَةٍ، ولنقتدي بمن تَقَدَّمَنا من الأنبياء، والأئمة الصُّلحَاء…».
ولعل للجو الذي نشأ فيه أبو شامة دورًا في خروج هذا الكتاب إلى الوجود، فقد نشأ أبو شامة في جو مشبعٍ بالقلاقل والانقسامات التي اصطلى بنارها الإخوة والأقربون، وشاهدَ الاقتتال الشرسَ على كرسي الحكم.
وقد استرعى عاطفةَ أبي شامةَ تلك الجهودُ العظيمة التي بذلها نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي لتوحيدِ الأُمَّة وتخليصِ البلاد من الذِّلَّةِ التي شملتها، والفوضى التي عمَّتها، فأطربه ما قرأ، وأمتعه ما سمع، فقد كان للعدالة التي أشاعها نور الدين وصلاح الدين، والمكوسِ الظالمة التي أزالاها، والمدارسِ التي نشرا بها العلمَ بين المواطنين نصيبٌ في تكوين الصورة الجميلة التي كانا عليها، تلك التي انتزعت إعجاب أبي شامة فقارن ذلك الذي كانت عليه حال الأمة في عهدهما بحالها وحال البلاد في عصره بعد موت الناصر صلاح الدين، فعزمَ على إفراد ذكر دولتيهما بتصنيف يتضمن التقريظَ لهما، والتعريفَ بهما؛ لعل الملوك تنتفع بما في الكتاب، أو يقف عليه من الملوك من يسلك في ولايته ذلك السلوك.
منهج المؤلف وأسلوبه
ويبدأ أبو شامة حديثه بقوله: قال ويذكر الاسم، أو قال، أو قلت، سمعت ويذكر الاسم، أو حدثني فلان، وحكى لي من أثق به، فهو يعتمد على الكتب المخطوطة، والدواوين المدونة والرواية الشفوية.
ولا يكتفي أبو شامة بنقل الخبر وإنما يستخلص الأسباب، والعبر ويصف الأحوال كما يراها.
وبرع أبو شامة في استخلاص الحقائق التاريخية التي يريدها من أسلوب العماد الأصفهاني المنمق المزوَّق، وفي عرضها في أقل عددٍ من الكلمات، فهو لمَّا رأى أن العماد في كتابيه طويلُ النفس في السَّجعِ والوصف، يمل الناظر فيه، ويذهل طالبُ معرفةِ الوقائع عما سبق من القول ويُنسيه. حذفَ تلك الأسجاعَ إلا قليلاُ منها، استحسنها في مواضِعها، ولم تك خارجة عن الغرض المقصود من التعريف بالحوادث والوقائع، نحو ما فعله في أخبار فتح بيت المقدس، شرفه الله تعالى، فقد انتزع المقصود من الأخبار، من بين تلك الرسائل الطوال، والأسجاعِ المُفضية إلى الملال، وأراد أن يُفهم الكلامُ الخاصُ والعام. واختار من تلك الأشعار الكثيرة قليلًا مما يتعلق بالقصص وشرح الحال، وما فيه نكتة غريبة، وفائدة لطيفة.
ويُورد أبو شامة الحدثَ مكررًا مرتين غالبا؛ مرة برواية مسجوعة، وهي رواية العماد، ومرة برواية خالية من السجع وهي رواية ابن شداد أو رواية ابن أبي طيء أو غيرهما من الكُتَّاب.
ولم يتحدث أبو شامة عن الحوادث التي ظهرت في جهات أخرى من العالم الإسلامي إلا في فيما يتعلق بوفاة خليفة أو ارتقاء غيره؛ ذلك أن الخلافة هي رمز الوحدة الإسلامية التي جاهد هؤلاء الأبطال الثلاثة في سبيل تحقيقها، لكنه تحدث عن بعض الحوادث التي لها صلةٌ بموضوع الكتاب ومحوره من خارج النطاق المكاني، فقد تحدث عن وفاة بعض العلماء المبرزين خارج هذا المجال المكاني لكتاب الروضتين.
أهمية كتاب الروضتين
يحظى كتابُ الرَّوضتين في الحياة العلمية الحديثة بمكانة عظيمة تضعه في مقدمة المصادر التي يرجع إليها الباحثون في مرحلة مثيرة مليئة بالأحداث مرحلةِ الحروب الصليبية، التي أهمت منطقتنا العربية في القرون الوسطى، ويعتبر الكتاب مصدرًا مهمًا لرسائل القاضي الفاضل، بل إنه من أهم المصادر التي يُعتمد عليها لدراسة تلك الرسائل.
والكتاب سِجِلٌّ حربيٌّ إداري سياسي أدبي، فقد استعان أبو شامة بالوثائق الحكومية، وبالأشعار المؤرخة في كثير من الأحوال، تلك الأشعار التي تسجل المعارك، أو تهنئ السلطان بنصرٍ، وتصف الغنائم والأسرى، وتبشِّرُ بالنصر فيما يَجدُّ من حروب واشتباكات.
واعتمد أبو شامة على المصادر المحلية المعاصرة في تفصيل الحوادث التي يتعرض لها؛ فابن الأثير مواطن موصلي من الجزيرة معاصر لكثير من حوادثها، وأبو يعلى مواطن دمشقي وابن أبي طيء من أهل حلب.
وفي الكتاب إحاطةٌ في سرد الأحداث التاريخية، وذِكْر دقائقَ في مواقفَ يحتاج إلى الوقوف عليها المتعظ المعتبِر. وفيه توسُّعٌ في مناقب البطلين الليثين، وهذا من الأهمية بمكان؛ إذ في سيرتهما أخبار النصر وعلاماته ودلائله وطرقه.
وفي الكتاب عشراتٌ من قصص البطولات العظيمة التي تذكي الحماسة وتبعثُ في نفوس المؤمنين الأمل. وفيه سيرٌ لعلماء ووزراء وأمراء مضافة لسيرتي نور الدين وصلاح الدين.
طبعات الكتاب
القسم الأول من الجزء الأول: لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1956 تحقيق محمد حلمي محمد أحمد.
القسم الثاني من الجزء الأول: طبعة المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر،1962 تحقيق محمد حلمي محمد احمد وراجعه محمد مصطفى زيادة.
كتاب الروضتين كاملًا: طبعة مؤسسة الرسالة، تحقيق إبراهيم الزيبق، 1997.
كتاب الروضتين كاملًا: طبعة دار الكتب العلمية تحقيق إبراهيم شمس الدين 2002.
وأحب أن أنبه على سرقة المحقق الأخير لجهد محمد حلمي أحمد في تحقيق الكتاب؛ فهو يسرق مقدمته، ويستعين بشرحه وترجماته، وطريقة قراءته للنص المخطوط.
وظهرت في القاهرة نشرة كاملة للكتاب في جزأين، مأخوذة من مخطوطة القاهرة دون تحقيق سنة 1288هـ. نشرته دار الجليل كاملًا دون تحقيق ودون ذكر تاريخ الطبع.
العناية بكتاب الروضتين
اهتم الباحثون بكتاب الروضتين، فهو دليل لطلبة التاريخ إلى العصور الوسطى، وهو معين طلبة الأدب لما فيه من شعرٍ ونثرٍ قيل في تلك المراحلِ الزمنيةِ المثيرةِ المليئةِ بالأحداثِ الخطيرةِ؛ فقد حُقِّقَ الكتابُ أكثرَ من مرةٍ، واختُصر، ووضعت له الفهارس والكشافات، وأذكر من الأعمال التي عُنِيَتْ بهذا الكتاب:
– كشافات كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، إعداد صابر إدريس، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، 1999م.
– مختصر كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، اختصار وتعليق محمد بن حسن بن عقيل موسى، دار الأندلس الخضراء للنشر والتوزيع، 1997م.
– عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، أبو شامة المقدسي، تحقيق أحمد البيسومي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق،1991م.
– المؤرخ أو شامة وكتابه الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، إعداد حسين عاصي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1994. وهو كتاب مبني على غيره، ففيه معظم مقدمة محمد حلمي، وجزء من مقدمة مختصر الروضتين.
– الشعر في كتاب الروضتين لمحمد مصطفى أحمد يوسف، وزارة الثقافة، المركز القومي للفنون التشكيلية، 1996.
– منهج أبي شامة المقدسي في كتابه الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية وذيله، 599-665هـ، طنيجي، سالم محمد بسيس مركز الدراسات والوثائق،2010.
مصادر الكتاب
أحصى الباحثون في كتاب الروضتين تسعمائة وإحدى وستين قطعة مقتبسة أخذت عن اثنين وعشرين مصدرًا، وقد ذكر أبو شامة في مقدمة كتابه القصيرةِ أسماءَ بعضٍ منها، وبعضُ هذه المصادر ضائع:
تاريخ دمشق لابن عساكر، وذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي، والبرق الشامي للعماد الكاتب، والفتح القدسي للعماد الكاتب، والنوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية للقاضي بهاء الدين ابن شداد (سيرة صلاح الدين)، ومجلدات الرسائل الفاضلية (مفقودة)، تاريخ الأتابكة أو تاريخ أتابكة الموصل لابن الأثير، وبعض الأشعار من دواوين الشعراء، وما سمعه من أفواه العلماء والرواة.
ولم يشر أبو شامة إلى بعض المصادر في مقدمته ولا عندما انتهى من تسجيل حوادث كتابه، واكتفى بالقول: وانضاف إلى ذلك قطعة كبيرة من عدة مصنفاتٍ ودواوينَ ومراسلاتٍ، لكنه يشير إليها عند الأخذ عنها في مواضعها، ومن تلك المصادر التي أغفل أبو شامة ذكرَها وهي من المصادر المهمة التي اعتمد عليها كُتُ ابن أبي طيء.
والتزم أبو شامة في حديثه نظام الحوليات مُبتدئًا بسنة 542هـ ولكنه لا ينسى أن يُفْرِدَ فصولًا خاصةً طويلةً، أو قصيرةً لبعض الحوادث التي تستحق هذا الإفرادَ وذلك داخلَ النظام الحولي؛ بمعنى أن الحديث عن سنةٍ بعينها قد يجيء في فصولٍ متتابعة يختص كلٌّ منها بحادثةٍ أو بعدةِ حوادثَ، غير أنه لا يتجاوز هذه السنة إلى السنة التالية لها، وهو يتتبعُ الحادثة المُعيَّنة بجميع تطوراتِها داخلَ نطاقِ السَّنَةِ الواحِدَةِ، ويجمعُ هذه التطورات بعضَها إلى بعض في تقريرٍ مُتَّصِلٍ فإذا انتهى من الحادثةِ المعينة بدأ غيرها، وعامَلَها بِمِثْلِ هذه المعاملةِ، حتى يقف عند بدايةِ سنةٍ جديدة.
ولم يتقيدْ أبو شامة بالتسلسل التاريخي في حديثه عن النِّزاعِ بين أبناء صلاح الدين وعمِّهم العادل إلا بما يقتبسه من كتاب العماد الأصفهاني.
ولم يتقيد أبو شامة دائمًا بترتيب الحوادث كما جاءت في المصدر الأصلي وإنما يرتبها وفقا لتقديره الخاص.
وتدرَّج أبو شامة في الشمول والاتساع المكاني مع امتداد الدولة. وامتلك أبو شامة قدرة عجيبة على السرد، فهو في حديثه ينتقل من حدثٍ إلى حدث بهدوء باحث، ورؤية فنان، ومهارة صانع ماهر خبير بما بين يديه عارفٍ بما يصنع؛ فهو يعرف كيف يبتدئ حديثه، وكيف يُنْهيه وينتقلُ إلى حديث آخر، ويتقنُ التعاملِ مع النصوص والاستعانة بها وتوظيفها في توضيح هدفه وتأييد فكرته.
كلام على الكتاب
لم يعط أبو شامة الجانب الشعبي حقه فإن كتابه في معظمه كتاب عن الرجال الأبطال والقادة الأبطال، أما غيرهم فلا ذكر لهم. وهذا يعني أنَّ الباحث لم يتحدث عن طبيعة الحياة المدنية في زمن البطلين مع أن هذا الجانب هو الأكثرُ تأثرًا بالحربِ والمعارك واعتداءات الصليبيين. وتحدث أبو شامة عن الجانب المشرق من حياة البطلين. ولم يشر أبو شامة بجد إلى المرأة، ولم يحدثنا عن طبيعة دورها في تلك المرحلة ولو كان من جانب نور الدين وصلاح الدين.
واختار أبو شامة جزءًا من الأشعار التي قيلت في الحوادث التي يذكرها وأغفل جزءًا لا ندري قيمته الأدبية، فهو يذكر الشعرَ الذي يرافق الحدث، ويذكره ويفصل القول فيه.
وبعد؛ فقد عاش أبو شامة بعد عصر صلاح الدين، ورأى ما كان من اختلاف واقتتال على الحكم بين من جاء بعد صلاح الدين؛ فأراد أن يقدم لملوك عصره نموذجين قريبين من عصرهم في الجهاد والعدل؛ فقد رأى في دولتي نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي روضتين في صحراء هذه الفوضى المترامية التي كانت عليها دولة صلاح الدين بعده.
لم يكتب أبو شامة تاريخه ليقدمه إلى السلطان طمعًا في نوال أو ثناء، بل كتبه منهجًا في الإدارة العملية من خلال حكم ملكين عادلين، ومن ثم جاء كتابه بهذا الاتساق الرائع والبناء المحكم وبلغة يفهمها الخاص والعام وبمنهج واضح، وحسن استخدام للموارد، ساق فيه مقتبساته بانسجام بديع جعلها تبدو وكأنها قطعة واحدة من أسلوبه.
عدد التحميلات: 0



