العدد الحاليالعدد رقم 46ثقافات

المفاجأة؛ تحقيق فلسفي – أنثروبولوجي

مفاجآت نحبها أو نكرهها؛ قد تكون صغيرة أو كبيرة، سارة أو مفزعة، وحتى روحانية في بعض الأحيان… ترسم المفاجآت حياتنا وتزعجها باستمرار. ومع ذلك، ووفقًا للفيلسوفة وعالمة الظواهر ناتالي ديبراز Natalie Depraz، تميل الفلسفة إلى إهمالها، إما لأنها تبدو قصصية للغاية، أو لأنها تفلت من النهج العقلاني والواقعي.

«تضع المفاجأة (تمثلاتي في أزمة): ما يحدث لا يتوافق مع ما أعرفه وأتوقعه تجاه موقف أو شخص ما. فجأة، يربكني حدث ما، شخص آخر بسلوك غير منتظر، مشكلًا مصدرًا لسوء الفهم، الذي قد يكون أحيانًا كوميديًا، وأحيانًا أخرى مأساويًا. إن هذا التأثير المفاجئ «الذي يخلق تحولًا» هو أساس المفاجأة ومتعتها». بهذا المقطع تفتتح ناتالي ديبراز كتابها (المفاجأة La Surprise) الصادر سنة 2024 عن دار النشر Seuil. تنخرط ديبراز في اعتبارات تقنية للغاية، وفي مجالات معرفية متنوعة مثل: علم النفس المرضي، وعلم الأعصاب، واللاهوت… ولكنها أيضًا توازن بين هذه العروض النظرية بقصص شخصية مكتوبة بضمير المتكلم؛ كما هو الحال عندما تتحدث عن الاختفاء المفاجئ لصديق عزيز، وهي صدمة تذكرها بشكل مؤلم بفقدان زوجها السابق. تعد الباحثة هذا المزيج ضروريًا لفهم هذه الظاهرة، ذلك أن المفاجأة – كما تصر المؤلفة – هي تجربة حميمة تزعج الجسد والروح، وفي الوقت نفسه هي بالأساس جسدية وعاطفية وروحية. تعطي الباحثة أولوية معينة لـ(المفاجآت المتجاوزة)، المرتبطة بتلك الاكتشافات التي تثير في مجرى الحياة مشاعر الجمال والعدل أو حتى الروحانية. ومن هذه اللحظات التنويرية، تستخلص الباحثة أخلاقًا؛ فبدلًا من الرغبة في السيطرة على كل شيء والتحكم فيه، فإن الأمر يتعلق بالانفتاح على قوى (الجديد) الذي لا يمكن التنبؤ به، والتي لا تتركنا كما نحن عليه. من هذا المنطلق، فإن هذا (الترحيب اليقظ) لم يعد يجعل المفاجأة (عدوًا يجب القضاء عليه)، بل (ضيفًا على كياني)؛ إنه ضيف يغيرني ويغير مظهري.

تفحص ناتالي ديبراز العديد من العبارات التي نرددها في علاقاتنا اليومية، على سبيل المثال: «لقد أعددت لك مفاجأة»، «لدي مفاجأة لك!»… عبارات تثير الدهشة والخوف في الآن نفسه، تستفز العقل وتجعله يشرع في التفكير. تقول المؤلفة: «نحن لا نتوقع دائمًا مفاجآت، وحين تقع يبدو الأمر بشكل غير معتاد، وكأنه قادم من الخارج، حيث يجد المرء نفسه فجأة مضطربًا، كما لو كان ذلك بسبب اقتحام قد يعرضنا لسوء الفهم والإخفاقات وخيبات الأمل. نعتقد أن الآخر يمكن التنبؤ بما تحمله المفاجأة، ونجد أنفسنا… نتفاجأ بإساءة فهمها». تشكل المفاجأة إذن – في مواجهة أفكارنا وعواطفنا مع الآخر- صدمةً، قد تكون أكثر عنفًا أو أقل، وبالتالي لزم التفكير في إيجاد تفسير لها وحلها واستعادة سلسلة المعنى التي كانت مفككة مؤقتًا.

المفاجأة، هذا (المجهول) في نظر الفلاسفة، هذه اللحظة غير القابلة للاستيعاب، المنطقة المعتمة في العقل، تلك القفزة في الجسد، تحملها الباحثة إلى أرض المفاهيم، إلى حضن الفلسفة، ليتم اختبارها وإعادة اكتشافها. ولتحقيق ذلك، نجدها تعود إلى أعمال عدد من الفلاسفة: أفلاطون Platon، وأرسطو Aristote، وديكارت Descartes، وهايدجر Heidegger، وليفيناس Levinas لمقاربة الموضوع فلسفيًا، حيث تريد الفلسفة أن تطرح الأسئلة بهدوء ومن مسافة بعيدة، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى ظهور قصة أخرى تكشف عن تاريخ تأويل المعنى، وما تحدثه المفاجأة من تطلع إلى المستقبل وخلق للتوقعات.

تتساءل الباحثة عن عدم اهتمام الفلاسفة بالمفاجأة أو بالأحرى عدم رغبتهم في تقييم كل ما هو على المحك في هذا الاضطراب المتعدد الأوجه، تقول: «لن نجد سوى القليل حول هذا الموضوع، فهل هذا دليل على إهمالها وعدم إدراجها ضمن المباحث الفلسفية. فمنذ الإغريق، دافع المفكر عن نفسه من كل ما هو مفاجئ؛ لقد حمى الفكر اليوناني نفسه إلى الأبد ضد أي استدعاء مفاجئ تمامًا» (دريدا Derrida في الكتابة والاختلاف). ومع ذلك، تلعب المفاجأة دورًا يتجدد باستمرار في حياة كل فرد. فلماذا هذا الصمت؟ هل يمكن أن يكون ذلك بسبب العقلانية التي تسعى إلى التوحيد والفهم؟ أو هي السيطرة التي تعمل على إبعاد كل ما هو غير متوقع ومزعج؟». تعد هذه الأسئلة نقطة بداية التحقيق المثير للاهتمام الذي أجرته الباحثة، فقد بلورت سلسلة من الاختلافات لتوضح أولًا ما هي المفاجأة، ثم لتبين كيف أن غرابتها تثير العديد من التأكيدات التي تدعم تاريخ الفكر، وهكذا يقدم كتابها تاريخًا للفلسفة ليس بشكل جدلي ولا نخبوي، وإنما تاريخ لبدايات المعنى وشكوك الذات. مبرزة أن المفاجأة تُسائل الموضوعَ، وتنقله إلى ما هو أبعد، في انفتاحه السياسي واللاهوتي والبيئي، ومشيرة كذلك إلى «أن المفاجأة هي الوعد بآفاق غير متوقعة، لكنها موجودة بالفعل. إن تفسير هذا الوعد هو بمثابة سرد مستقبلٍ حاضرٍ أمام أعيننا، لأولئك الذين يعرفون كيف يرون».

تنطلق رحلة الباحثة من حالة أرسطو الذي يجعل الفلسفة تبدأ بالدهشة، فإذا تحققت المعرفة بقدر ما يستطيع الإنسان يجعلها تنتهي بدهشة مناقضة، ذات طبيعة مختلفة عن الأول. ومن ناحية أخرى، إذا كان هايدجر لا يمنح المفاجأة وظيفة القلق في الكشف عن الفرق بين الكينونة والوجود، فذلك لأنه يضعها محصورة في سياق (التوقع) المضاف إلى كل (منعطف). في هذه الصفحات التي تستعرض تاريخ الفلسفة، من الضروري أن نشير إلى ما أثاره هوسرل Husserl، والتي تعد ناتالي ديبراز متخصصة ومترجمة لنصوصه، والتي تؤكد، على ملاحظة هامة تتمثل في ضرورة «استيعاب المفاجأة في ديناميكيات الإدراك».

توسع ناتالي ديبراز تساؤلاتها بشكل أكبر باحثةً في تاريخ الفلسفة من أجل فهم سبب تآمر كل شيء – وفي أغلب الأحيان – لتحييد المفاجأة، مُحاوِلةً تحديد – بشكل أكثر دقة – الأماكن النصية التي كادت فيها الفلسفة أن تُفَوِّت الظاهرة الأصيلة بتعتيمها تحت الأنواع، على سبيل المثال؛ (الحدث غير المتوقع)، وإعادة النظر في جميع التجارب الممتدّة في الحياة البشرية، مشيرة في هذا السياق إلى أن المفاجأة قد تكون وسيلة لإعادة تشكيل أنثروبولوجيا جديدة وفلسفة أقل انغماسا في الثنائيات الضدية (الجسد/الروح، المحايثة/التعالي، النشاط/السلبية، وما إلى ذلك).

تحيل الباحثة القارئ إلى مجال الأدب؛ خصوصًا رواية (أوقات عصيبة) لديكنز Dickens حيث ارتقى السيد جرادغرايند Mr Gradgrind إلى مرتبة النوع العالمي والحصري! ذلك أن البطل يعيش في عالم بلا مفاجآت لإنسانية لم تتفاجأ أبدًا. تدرس ديبراز الظاهرة باعتبارها فارماكون pharmakon  (هو الدواء الذي يمكن أن يكون علاجًا كما قد يكون سما)، لاسيما في عصر الذكاء الاصطناعي، والروبوتات المعممة، والتقاطع بين علوم اللغة وعلوم الأعصاب وعلوم الحاسوب في العلوم المعرفية، وهذا بالضبط ما يرعب الباحثة بالمعنى الدقيق للكلمة، تقول:  «أتمنى أن يكون النصر نابعا من سوء تفسير قائم على التقليل من التحدي المتمثل في الفهم المناسب لظاهرة المفاجأة، تلك الظاهرة المجمدة في (تقنية الالتقاط)، وهي أنثروبولوجيا مستوحاة من الآلات، تهدف إلى تحقيق مثالية التنظيم التلقائي، بعيدًا عن نموذج التلقائية الذاتية للكائن الحي». ولهذا السبب بدأت الباحثة منذ فترة طويلة في خوض معركة، تذكرنا بصراع جيلبرت سيموندون Gilbert Simondon، ضد مفهوم الآلة باعتبارها أتمتة، أي «درجة منخفضة إلى حد ما من الكمال التقني»، وهو تفسير خاطئ لجوهر الآلة كما تؤكد الباحثة.

تقوم ناتالي ديبراز بتطوير ما تسميه (النموذج) الخاص بها، وذلك من أجل تمييز المفاجأة عما ليس بمفاجأة، ولاسيما عن الحدث، لإطلاق إمكاناتها. إن ما يخلق المفاجأة هو حالة ظهور الشيء أو الحدث، أي سياق الحدوث وليس مجرد طابع المفاجأة المتمثل في الجديد أو غير المعتاد، إنها (علاقة الفجوة) بين توقعات المفاجأة وأفقها، والسياق الذي أفرزها. إن الذات وموضوع المفاجأة هما جزء من زمن (الأزمة)، مثل (عملية) تتكشف وفق مراحل ثلاثية مكونة من ثنائيات: أولًا «الانتظار – المفتوح»، ثم «الصدمة – القطيعة»، وأخيرًا «الرنين – ما بعد الصدمة»، تعمل هذه المراحل الثلاث وفقًا لثلاثة مستويات متشابكة: الزمنية والمعرفية والعاطفية، بمعنى آخر؛ لا يمكن أن تكون هناك مفاجأة دون نوع من الترقب لما قد يأتي، والترقب شعور داخلي موضوعه متعدد الأبعاد (العاطفي، الجسدي، الفكري) يُحدثه شيء ما أو شخص ما، حيث سيتعين على الشخص المُفاجَئ بعد تعرضه للصدمة مواجهة الأمر، وأن (يتصور) نفسه في وضع جديد.

تشير الباحثة إلى اقتراح نهائي ترغب في تقديمه للنقاش العام: اقتراح أنثروبولوجيا (متناقضة وأكسيومورية). إن تجربة الجمال والتجربة الدينية تحملان ديناميكية أنثروبولوجية تتجاوز التركيب الجدلي، إنهما يضمنان «التوتر التحويلي»، بعيدًا عن كونها مآزق لـ(تناقضات لا يمكن تجاوزها)، مثل التناقضات عند كانط، أو التناقضات التي تجعل الواقع الذي تشير إليه مستحيلًا (الأوكسيمور)، وفي الانفتاح على واقع آخر يسمح بـالجمع بين الاهتمام المفرط التركيز والمفاجأة المتبادلة في شكل ترحيب يقظ. وهكذا، فإن منظور المفاجأة لا يسمح فقط بـ (تاريخ آخر للفلسفة)، ولكنه يكشف بلا شك، ضمن تقليد ظاهراتي لا يريد أن يتخلى عن تعزيز لـ «تحالف من نوع جديد بين التجريبي والمتعالي»، اتجاه جديد لأنثروبولوجيا من وجهة نظر عملية. تشير ناتالي ديبراز إلى أن المفاجأة، ومن المفارقة، تحرر أنثروبولوجيا (التخلي)، لأنها تُظهر استحالة سيطرة الذات على زمانيتها الإسقاطية، لكن هذا التخلي ليس عكس السيطرة ولا يتحول إلى سلبية بسيطة، وإنما سلبية نشطة قادرة على إعادة إطلاق زمن الذات لفتح معرفتها وعاطفتها. يجب أن تكون أنثروبولوجيا المفاجأة هذه قادرةً على مساعدتنا في التفكير من جديد في الأسئلة الأكثر إلحاحًا في شؤوننا الحالية، مثل قضية النوع الاجتماعي، وكرامة الموت، وقضايا بيئتنا.

يعد كتاب الباحثة ناتالي ديبراز فتحًا جديدا لمقاربة ظاهرة لم تحظ بالعناية الكافية من قبل الباحثين، إذ تجعل من المفاجأة، التي لم تثر اهتمام الفلاسفة كثيرًا، موضوع تفكير قائم بذاته، كاشفة عن فضائلها المتناقضة في تحويل الذات، مما يفسح المجال لبروز أنثروبولوجيا جديدة تحلل متغيرات المفاجأة وتنفتح على مجلات معرفية متعددة ومتداخلة كعلم النفس والأدب والفلسفة والأنثروبولوجيا واللاهوت والسياسة… لقد سعت الباحثة في هذا التحقيق إلى ضرورة توقع المفاجأة وتقبلها، ليس فقط من الناحية العاطفية أو جعل الذات أسيرة لما تخلفه من صدمة، بل الانطلاق أبعد من ذلك من خلال تحويلها إلى «ترحيب يقظ».

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

د. عبدالرحمن إكيدر

أستاذ باحث في النقد الأدبي والبلاغة - جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى