
المكانة الاجتماعية ودورها في التنمية الحضارية
كل علم يهدف إلى غاية يحققها، وغاية علم الاجتماع هو أن يرسم خريطة تنموية حضارية شاملة لمجتمعه، تساهم في تنميته والنهوض به إلى مصاف التحضر والرقي؛ فيركن إليها السياسي والاقتصادي وكل فاعل في ذاك المجتمع. إلا أنه حتى يبلغ ذلك المقام، لابد له من معرفة مجتمعه، معرفة علمية شاملة لكل ما يحتويه من دساتير، وقوانين، وثقافة، وعادات وتقاليد، ومعتقدات، وتحليل كل ما يطرأ عليه من ظواهر ومشكلات وأزمات مختلفة، والتمكن من تفسيرها والتنبؤ بمآلاتها. ولقد رصد علماء الاجتماع وفلاسفته جملة من المحاور والأسس الرئيسة التي ينبني عليها المجتمع، والتي يمكن من خلالها مقاربة المجتمع ودراسته دراسة علمية دقيقة، تمكننا من معرفته معرفة صحيحة ودقيقة، وإصدار أحكام أكثر دقة وأقرب إلى الصواب؛ ويمكن حصرها في أربع محاور، هي: البنية، النظام، الثقافة، والظواهر الاجتماعية.
وقبل الخوض في موضعنا المدرج في العنوان أعلاه، لابد لنا من ادراج السياق المنهجي التي تتموضع فيه المكانة كمصطلح في علم الاجتماع أو كمفهوم فلسفي اجتماعي، والتي تعد بدورها آلية من الآليات المساعدة على فهم بنية المجتمع وطبيعتها ونوعها، وما إن كانت تقف على أسس سليمة صحيحة أم غير ذلك. إلى جانب آليات أخرى تتداخل فيما بينها لتساعد على فهم البنية الاجتماعية، وهي: الدور والعقلانية. أي الدور الذي تلعبه هذه المكانة داخل النسق الاجتماعي، ومدى عقلانية وموضعية السير والتسيير داخل السياق التنفيذي الاجتماعي.
وبعيدًا عن التعريفات الأكاديمية الثقيلة، والقوالب الشكلية الجاهزة، فإن المكانة كما يدل عليها النسق اللغوي، فهي مشتقة من المكان، أي المكان الذي يحتل أو يتموقع فيه الفرد داخل البنية الاجتماعية، فالمكانة تندرج ضمن المحور الأول، ألا وهو البنية الاجتماعية، حيث مثّل العلماء الاجتماعيون البناء الاجتماعي بهرم افتراضي يتشكل من ثلاثة طبقات: طبقة عليا تترأس البناء الهرمي للمجتمع، تتربع فيها الطبقة الحاكمة، والقادة العسكريون والملاك الكبار، أو أصحاب رؤوس الأموال الضخمة، ثم تأتي الطبقة الوسطى والتي تحتلها طبقة الإطارات المتعلمة والتجار وأصحاب الأموال الذين يتمتعون بسلطات وأموال أقل من الطبقة الرئيسة، ثم تأتي الطبقة السفلى أو العريضة وتضم بداخلها بقية الفئات الشعبية من الدهماء : موظفين بسطاء وعمال وفلاحين وبطالين وغيرهم.
وبالتالي فإن المكانة التي يحتلها الفرد ضمن البنية الاجتماعية أو داخل الهرم الاجتماعي هي التي تحدد مدى أهمية القرارات التي يتخذها والدور الذي يؤديه ومدى تأثيره في المجتمع. فالذي يقف ضمن الطبقة المترأسة أو القيادية داخل تلك البنية ليس كمن يقف في الطبقة الوسطى أو السفلى. فالمكانة التي يحتلها وزير التربية والتعليم مثلًا وما يمتلكه من صلاحيات وما يتخذه من قرارات داخل المجتمع له أثر أكبر وبليغ من تلك القرارات والصلاحيات التي يتخذها حارس واقف عند باب مدرسة ـ إن جاز أن نسميها كذلك ـ إن هذا التمثيل نضربه من باب التوضيح لا أكثر؛ لكن الاشكال الحقيقي والانشغال الاجتماعي المقصود يكمن في طريقة اكتساب هذه المكانة والمعايير التي تستند عليها في ذلك. لأن معرفة طبيعة تلك الطرق والمعايير هو الذي سوف يحدد مدى سلامة وصحة تلك القرارات ومدى تأثيرها على نوعية المخرجات الحضارية، وترتيب ذلك المجتمع في السلم الحضاري، ومعرفة أسباب تقدمه أو تخلفه.
فبينما في الدول المتقدمة المكانة تكتسب فيها بحسب الكفاءات والمهارات والقدرات العلمية والفنية، فإنها في الدول المتخلفة تكتسب بموجب العرف السائد أو الثقافة السائدة في ذلك المجتمع أو كما يسميه المفكر الاجتماعي جاسم سلطان «الإرث الاجتماعي». فمنهم من يكتسبها بطريق العصبية القبلية أو العرف الاجتماعي مثل العائلة أو العشيرة، ومنهم من يكتسبها عن طريق الفساد الاجتماعي مثل الرشوة، أو يكتسبها بطريق الفساد السياسي مثل الموالاة أو بما يسمونه بلغة الأحزاب (الكوطة)، أو يكتسبها عن طريق الفساد الأخلاقي كالصاحبة والعشيقة وما يليه. وفي المقابل تهمش الكفاءات والقدرات والمهارات والتي تصبح عرضة لاستيلاب والهجرة أو الفساد.
وعليه وبناء على القاعدة العلمية والمنطقية، فإن طبيعة المخرجات تحدد بحسب طبيعة ونوعية المدخلات، فالمدخلات الصحيحة تعطينا مخرجات ناجحة، والعكس صحيح، المدخلات الفاسدة تعطي مخرجات فاسدة. وهذا ما يفسر الوضعيات اللامنطقية التي تعاني منها المجتمعات النامية أو المتخلفة رغم ما يمتلكه الكثير منها من ثروات طبيعية وحيوية وما تتوفر عليه من طاقات بشرية ومادية.
ويمكننا هنا أن نسوق أمثلة واقعية حتى نقرب المفهوم أكثر ويتضح المقال، تعيين مدير شركة أو مؤسسة بطريق الإرث الاجتماعي دون النظر إلى الكفاءة أو المهارات والقدرات الفكرية والعلمية والفنية فإن ذلك سوف ينتج عنه مخرجات فاسدة وغير صالحة مما يتسبب في تراجع مردود المؤسسة وانهيارها. وللتوضيح أكثر، تعيين مدير مؤسسة بطريق الرشوة سوف يؤدي إلى إفلاس هذه المؤسسة أو تراجع أرباحها في أحسن الأحوال.
أو تعيين على رأس نادي رياضي رئيسًا بطريق الرشوة أو الموالاة دون النظر إلى الكفاءة أو المهارات الفنية المطلوبة سوف يؤدي إلى انهيار هذا النادي، لأن كيفية تسيير النادي واختيار اللاعبين فيه أو المدرب أو الطاقم الفني لم يكن على أسس علمية وموضوعية بل جاء عن طريق الموالاة أو المنفعة والرشوة. أيضًا تعيين مسؤول على رأس وزارة التربية والتعليمة أو لجنة تربوية لتحضير برنامج دراسي أو إعداد كتاب وما إلى ذلك من متطلبات تربوية، فإن لم يتم على أسس علمية وموضوعية تراعى فيها كل الشروط والمعطيات الذاتية والموضوعية، وتسند المهام وتكتسب المكانة فيها عن طريق الموالاة الحزبية أو السياسية أو غيرها من مظاهر الإرث الاجتماعي فإنها حتما سوف تعطي مخرجات فاسدة بل خطيرة لأن التربية والتعليم مسألة سيادية وخطيرة في الدولة والمجتمع وهي التي تحدد مستقبل ذلك المجتمع وتلك الدولة، لأن التعليم هو الذي سوف يحدد نوعية الذهنيات وطبيعة الأفكار التي سوف تسود المجتمع، وكذلك تحدد نوعية النخبة الاجتماعية. وقس على ذلك في كل المناصب أو المكانات الممكن في المجتمع سواء أكانت في المناصب السياسية أو الاقتصادية أو التعليمية أو الدينية وغيرها.
إلا أنه يبقى هناك توضيح مهم وخطير على المستوى المعرفي والفكري يتعلق بالعلاقة التناظرية المحققة بين الدور والمكانة؛ حيث أنه غالبًا ما تحدد وتقاس أهمية الدور بمدى أهمية المكانة، أي كلما كانت المكانة في مرتبة عالية أو تنتمي إلى طبقية عالية كلما كان الدور أكبر وأخطر، والعكس بالعكس، كلما كانت المكانة متدنية أو تنتمي إلى طبقة دنيا كلما كانت أثر الدور ضئيلًا، إلا أن هذا الاعتقاد ليس بالصحيح دومًا، إذ يجانبه الصواب في أحايين كثيرة. وقد نسمح لأنفسنا بالاختلاف معه لنقول: بأنه لا يجب أن نهمل المكانة مهما قلّ أو حقر حجمها أو نوعها أو شأنها، لأن لكل شيء مهما صغر حجمه، نقطة قوة ومجال حيوي، ومتى وقعت في مجاله أدركتك عواقبه، فبذرة حبة الزيتون متى ابتلعتها ودخلت مجال تنفسك خنقتك، أو دست عليها وأنت بدرج السلم أسقطتك وأهلكتك. فقد يخرج من صلب فلاح بسيط عالم فقيه أو وزير مرموق؛ لأن النتائج أو المخرجات تنتج وفق نسيج من الأنساق والمعطيات والأحداث المتفاعلة والمترابطة والتي لا نستطيع التحكم فيها لاسيما في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية.
وهنا أجدني مبهورًا بتلك القصيدة التي كتبها الشاعر الفيلسوف إليا أبو ماضي بعنوان «الحجر الصغير» والتي تترجم هذه النظرة الفلسفية بجميع أبعادها الفكرية والاجتماعية، أين احتقر الحجر الصغير مكانته داخل السّدّ الكبير، الذي تسنده الصخور الكبيرة والحجارة الضخمة، فقرر الانتحار والسقوط من على السد، بعد أن رأى بأن لا جدوى من بقائه، فرمى بنفسه من على السّدّ، فأحدث شرخًا صغيرًا فيه، ثم راح ذلك الشق يكبر ويكبر مع ضغط المياه، فكانت النتيجة أن انهار السّدّ بالكامل وأغرق المدينة بكاملها.
أما القصدية فيقول في مطلعها:
سَـمِـعَ اللَـيلُ ذو الـنُـجـومِ أَنيـناً
وَهوَ يَغشى المَدينَةَ البَيضاءَ
كانَ ذاكَ الأَنينُ مِن حَجَرٍ في الـــ
ـسَدِّ يَشكـو المَقادِرَ العَمياءَ
أَيُّ شَـأنٍ يَقولُ في الكَـونِ شَـأني
لَستُ شَيئاً فيهِ وَلَستُ هَباءَ
حَـجَـرٌ أَغـبَـرٌ أَنـا وَحَــقـيـرٌ
لا جَمالاً لا حِكمَةً لا مَضاءَ
فَلأُغادِر هَـذا الوُجودَ وَأَمضي
بِسَلامٍ إِنّي كَرِهـتُ البَقاءَ
وَهَوى مِن مَكانِهِ وَهوَ يَشكو الأ
رضَ وَالشُهبَ وَالدُجى وَالسَماءَ
فَتَحَ الـفَـجـرُ جَـفـنَهُ فَإِذا الطــو
فانُ يَغشى المَدينَةَ البَيضاءَ
عدد التحميلات: 0



