
حين ترى العين ما لا يراه الآخرون
كيف شكّلت اضطرابات البصر أعمال رسّامين عظام؟
لا يولد العمل التشكيلي من الخيال وحده؛ فالعين شريك أساسي في عملية الإبداع. بها يستطلع الرسّام المشهد، ويقود يده فوق سطح اللوحة، ويختبر الألوان والأشكال في كل ضربة فرشاة. غير أن هذه الأداة الدقيقة قد تخون صاحبها أحيانًا، حين يتسلل المرض أو الاضطراب إلى الرؤية، فيعيد تشكيل العالم على نحو مغاير.
منذ عقود، يتجادل علماء وأطباء حول ما إذا كانت بعض الأساليب الفنية الشهيرة انعكاسًا لاختيارات جمالية واعية، أم نتيجة مباشرة لخلل بصري أصاب أصحابها. فهل كانت ضربات الانطباعيين العريضة، على سبيل المثال، ثمرة رؤية ضبابية لقصر نظر غير مصحح؟ أم أنها ببساطة ثورة فنية مقصودة؟
المشكلة أن معظم هذه الفرضيات تظل في نطاق التخمين، في ظل غياب السجلات الطبية، وصعوبة الفصل بين ما تفرضه العين وما يختاره الفنان بحرية. ومع ذلك، ثمة حالات تبدو فيها العلاقة بين اضطراب البصر والعمل الفني أكثر إقناعًا.
إل غريكو: تشوّه الرؤية أم سموّ الأسلوب؟
اشتهر إل غريكو (1541–1614)، أحد أعلام النهضة الإسبانية، بشخصياته النحيلة الممدودة عموديًا، وكأنها تتطلع إلى السماء. وفي مطلع القرن العشرين، اقترح طبيب العيون غيرمان بيريتنس تفسيرًا طبيًا لهذا الأسلوب، مرجعه إصابة الفنان بالاستجماتيزم (اللابؤرية).
هذا الاضطراب، الناتج عن عدم انتظام سطح القرنية، يؤدي إلى انكسار الضوء بشكل غير متساوٍ، فتغدو بعض الخطوط أقل وضوحًا من غيرها. وذهب بيريتنس إلى أن هذا الخلل البصري هو ما دفع إل غريكو إلى إطالة شخوصه.
غير أن هذه الفرضية سرعان ما واجهت اعتراضات جدية. فالتشوّه البصري، إن وُجد، كان سيؤثر في رؤية الفنان للموضوع واللوحة معًا، ما يؤدي إلى تعويض تلقائي للتشوه. ثم إن الاستجماتيزم يسبب تشوشًا في الرؤية أكثر مما يغيّر أبعاد الصورة. والأهم أن أعمال إل غريكو نفسها تقدّم قرائن على أن الإطالة كانت خيارًا جماليًا واعيًا؛ ففي لوحة «القديس جيروم بوصفه عالمًا» (1610)، نرى حتى الأجزاء الأفقية، كاليد، وقد نالها التمديد ذاته، في انسجام فني يصعب عزوه إلى خلل عَرَضي في البصر.
كلود مونيه: حين أطفأ المرض الضوء
على النقيض، تبدو قصة كلود مونيه مثالًا أوضح على تدخل المرض في تشكيل الرؤية الفنية. فقد شُخِّص رائد الانطباعية عام 1912 بإصابته بالساد (المياه البيضاء)، وهو تعتيم تدريجي في عدسة العين يحجب الضوء ويشوّه الألوان، ولا تنفع معه النظارات.
رفض مونيه الجراحة سنوات طويلة، وخلال تلك الفترة أخذ عالمه البصري يبهت. لم تعد التفاصيل الدقيقة كما كانت، وبدأت الألوان تخذله، حتى إن الأحمر صار يبدو له موحلًا، واضطر لاحقًا إلى اختيار الأصباغ اعتمادًا على أسماء الألوان المكتوبة على أنابيب الطلاء.
تتجلى آثار هذا التدهور بوضوح في لوحتين لمشهد واحد: الجسر الياباني فوق بركة زنابق الماء في حديقته. الأولى، المرسومة قبل المرض، نابضة بالتفاصيل وتدرجات اللون. أما الثانية، المنجزة قبيل خضوعه للجراحة، فتغرق في عتمة لونية، مع غياب شبه كامل للأزرق وتراجع لافت في التفاصيل.
لم يكن ذلك تحولًا أسلوبيًا مقصودًا. ففي رسالة مؤثرة كتبها عام 1922، اعترف مونيه بأن ضعف بصره كان يفسد لوحاته، وأن العمى كان يجبره على التوقف عن الرسم رغم تمتعه بصحة جيدة. وبعد الجراحة، احتاج عامين كاملين ليستعيد توازنه اللوني، في تجربة تؤكد أن العين – مثل الفن – تحتاج إلى وقت لتتعافى.
وقد أكدت دراسات تجريبية أن إدراك الألوان يتغير بشكل ملحوظ لعدة أشهر بعد جراحة الساد، مع تكيف العين والدماغ مع زيادة الضوء الأزرق الذي كان محجوبًا سابقًا.
كليفتون بو: فن يتجاوز عمى الألوان
لا تقتصر اضطرابات الرؤية على أمراض العين المكتسبة؛ فثمة نواقص وراثية في تمييز الألوان تصيب نسبة غير قليلة من البشر. وفي أشد أشكالها، يعجز المصابون عن التمييز بين الأحمر والأخضر، ويرون العالم في طيف محدود من الأزرق والأصفر.
لطالما ساد الاعتقاد أن «الفنان العظيم» لا يمكن أن يعاني من مثل هذه الاضطرابات، لكن حالة الفنان الأسترالي كليفتون بو تدحض هذا الزعم. فقد كان فنانًا مرموقًا بكل المقاييس: فاز بجائزة أرتشيبالد ثلاث مرات، ومُثّلت أعماله في كبرى المعارض، بل نال ميدالية أولمبية في الرسم.
تشير سيرته إلى أنه كان يعاني من نقص حاد في رؤية الألوان، وهو ما دعمه الباحثون عبر فحص أفراد من عائلته. ومع ذلك، لم يكشف تحليل لوحاته عن أي سمات لونية تفضح هذا الخلل. ويعزز ذلك خلاصة مهمة: لا يمكن دائمًا قراءة العين من خلال اللوحة، فالفن قادر على تجاوز قيود الجسد، وتعويض ما تنقصه الحواس بالخبرة والخيال.
لكن تحليل الألوان المستخدمة في لوحاته لم يكشف عن سمات واضحة تدل على هذا الاضطراب. ويتسق ذلك مع أبحاث سابقة أثبتت أنه لا يمكن تشخيص اضطرابات رؤية الألوان على نحو موثوق اعتمادًا على أعمال الفنان وحدها.
خلاصة
بين العين واللوحة علاقة معقدة، تتداخل فيها البيولوجيا بالاختيار الفني. فبعض الأساليب قد تولد من خلل بصري، وأخرى من قرار جمالي واعٍ، وثالثة من تفاعل الاثنين معًا. وفي كل الأحوال، تذكّرنا هذه القصص بأن الفن ليس مجرد ما تراه العين، بل ما ينجح الفنان في جعله مرئيًا لنا جميعًا.
المصدر:
عدد التحميلات: 0



