
جينيسيس: الذكاء الاصطناعي والأمل والروح الإنسانية
الكتاب: جينيسيس: الذكاء الاصطناعي والأمل والروح الإنسانية
المؤلف: هنري كيسنجر، إيريك شميت وكريغ مَندي
الناشر: Little, Brown and Company
عدد الصفحات: 186 صفحة
سنة النشر: 2024
كتاب (جينيسيس: الذكاء الاصطناعي والأمل والروح الإنسانية) هو آخر ما كتبه هنري كيسنجر، مهندس السياسة الخارجية للولايات الأمريكية المتحدة على مدار سبعين سنة، بالتعاون مع إيريك شميت وكريغ مَندي. يتحدث الكتاب عن طريقة تغيير الذكاء الاصطناعي من طبيعتنا البشرية، أي طريقة تفكيرنا، واكتشافنا الحقيقة، وعيشنا في المستقبل. يحمل الكتاب نظرة أمل وتحذير في الوقت نفسه؛ فالتكنولوجيا يمكنها أن تجعل حياتنا أفضل بكثير، ولكنها أيضًا قد تشكل خطرًا كبيرًا إذا ما خرجت عن سيطرتنا.
يرى المؤلفون أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة جديدة مثل الكهرباء أو الإنترنت، بل هو شكل جديد من الذكاء قادر على التفكير والتعلم واتخاذ القرارات بطرق قد لا يفهمها البشر. وهذا يجعله نوعًا من «الحياة الجديدة» التي يمكن أن تتعاون مع الإنسان أو تتفوق عليه. ففي المقدمة، يذكر المؤرخ نيل فيرغسون كيف كان كيسنجر طوال حياته مهتمًا بالتقنية وتأثيرها في السياسة. ففي الخمسينيات من القرن المنصرم كتب كيسنجر عن الأسلحة النووية وحذر من خطرها على البشرية. واليوم، يرى أن الذكاء الاصطناعي يشبهها من حيث القوة والخطر. حاول كيسنجر إقناع أمريكا والصين بالبدء في محادثات للحد من «سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي» حتى في آخر سنوات حياته. ويؤكد المؤلفون في مقدمة الكتاب أن الذكاء الاصطناعي سيغيّر كل مجالات الحياة: السياسة والاقتصاد والتعليم، وحتى مفهومنا للحقيقة. فحين تصبح الآلات قادرة على التفكير أسرع من البشر، قد تبدأ في تحديد أهدافها الخاصة واتخاذ قرارات لا نفهمها نحن. لذلك، يقول المؤلفون إن قضية الذكاء الاصطناعي ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي قضية بقاء الإنسان نفسه.
يشبّه المؤلفون ثورة الذكاء الاصطناعي بعصور الاكتشاف الكبرى في التاريخ، حين غامر المستكشفون من أمثال ماجلان وشاكلتون بحياتهم من أجل استكشاف العالم، وكانوا يتحركون بدافع الشجاعة والفضول. لكن الذكاء الاصطناعي غيّر طريقة الاكتشاف؛ فالآلات الآن تستطيع الاستكشاف دون خوف أو تعب، سواء في الفضاء أو في أعماق البحار أو حتى داخل جسم الإنسان! يرى المؤلفون أنّ الاكتشاف دائمًا يحتاج إلى شجاعة ورؤية، إلا أن السياسة والخوف أوقفتا التقدم باتجاه زيادة الاكتشافات، تمامًا كما حدث في الصين عندما أوقف الحكام رحلات القائد البحري «تشنغ خه» في القرن الخامس عشر ودمروا سفنه خوفًا من المغامرات الجديدة. ويحذر الكتاب من حدوث الشيء نفسه مع الذكاء الاصطناعي؛ أي أنّ الحروب أو الخوف قد تدمّره قبل أن نستخدمه لفائدتنا. ومع ذلك فإنّ الذكاء الاصطناعي يفتح نوعًا جديدًا من الاكتشاف ألا وهو الاكتشاف العقلي والمعرفي. فبدلًا من البحث في الأرض والبحار، أصبح بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يربط بين العلوم والمعارف المختلفة، كالفيزياء والطب والفن، ويولّد أفكارًا جديدة كانت في الماضي حكرًا على العباقرة متعددي المواهب مثل ليوناردو دافنشي أو ابن الهيثم. أما الآن، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح «العالِم الشامل» الذي يجمع بين كل هذه القدرات. ويشبّه الكتاب المعرفة البشرية بجزرٍ صغيرة وسط محيط كبير تمثّل كل جزيرة عِلمًا من العلوم أو مجالًا من مجالات المعارف الإنسانية. والذكاء الاصطناعي يشبه غواصًا موهوبًا، يستطيع أن يرى ما تحت سطح الماء ويربط بين الجزر، أي بين العلوم والمعارف. وهذا قد يساعدنا على فهم العالم كوحدة مترابطة، لكنه قد يمثل خطرًا حقيقيًا إذا ما بدأ الذكاء الاصطناعي في اكتشاف أمور لا نفهمها نحن البشر.
يتحدث الكتاب أيضًا عن التشابه والاختلاف بين الدماغ البشري والذكاء الاصطناع؛ فكلاهما يتعلّم من التجربة، لكن الآلة تتعلم بسرعة هائلة، وتستطيع معالجة كميات ضخمة من المعلومات في وقت قصير جدًا. والإنسان يحتاج إلى راحة ونوم، بينما الآلة لا تتعب ولا تنام. والفرق الكبير هو أن الإنسان يفهم المعنى ويربط المعرفة بالمشاعر والقيم، بينما الآلة لا تملك فهمًا أو وعيًا؛ لذلك قد تتخذ قرارات صحيحة منطقيًا، لكن هذه القرارات خالية من البعد الإنساني. ويحذر المؤلفون من أن الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز فهم صانعيه. فقد تعلم برنامج الذكاء الاصطناعي AlphaGo لعب لعبة «غو» وابتكر حركات لم يفكر فيها أي إنسان خلال أربعة آلاف سنة. وهكذا، قد تبدأ الآلات في إيجاد حلول لا نعرف كيف توصلت إليها. وعندها سيواجه البشر السؤال الصعب: هل نثق في نتائج لا نفهمها؟
ثم ينتقل الكتاب للحديث عن دور الذكاء الاصطناعي في عالم السياسة والأم؛ فكل تقدم تقني في التاريخ، مثل البارود أو السلاح النووي، غيّر شكل القوة بين الدول. إلا أن الذكاء الاصطناعي سيفعل ذلك على مستوى أعمق؛ حيث يمكنه أن يدير الجيوش، ويجمع المعلومات، ويتوقع الأحداث قبل وقوعها. لكن هذا سيؤدي إلى ما يسميه كيسنجر «معضلة الأمن في الذكاء الاصطناعي».
فإذا حاولت كل دولة أن تطور أقوى ذكاء اصطناعي، فسوف يبدأ سباق خطر يشبه سباق التسلح النووي، وقد ينتهي بكارثة كبيرة للبشرية. والأسوأ من هكذا أمر أن الذكاء الاصطناعي ليس محصورًا في أيدي الحكومات فقط، بل يمكن للشركات أو حتى الأفراد استخدامه لأغراض هدّامة ومهلكة. وفي هذا السياق يعرض الكتاب بعض السيناريوهات المحتملة لمستقبل الذكاء الاصطناعي، ومعظمها مقلق: فقد تسيطر عليه دول قليلة أو شركات ضخمة، أو ينتشر بلا رقابة، أو تظهر عدة عقول صناعية قوية تتنافس مع البشر وربما ضدهم. ولمنع هذه السيناريوهات من الحدوث، يدعو المؤلفون إلى تعاون عالمي لإنشاء قوانين واتفاقيات تضمن استخدامًا آمنًا للذكاء الاصطناعي، خصوصًا بين أمريكا والصين.
وعلى الرغم من كل التحذيرات، إلا أن الكتاب يحمل نظرة متفائلة؛ فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح عصرًا جديدًا من الازدهار، ويساعد في علاج الأمراض، وحل مشكلات الغذاء، وتقليل الفقر، وجعل التعليم متاحًا للجميع. ويمكن أن يؤدي إلى ظهور نوع جديد من البشر تعيش في شراكة مع الآلات، نوع يسميه المؤلفون «الإنسان التقني» (Homo technicus). لكن هذه الشراكة تطرح أسئلة أخلاقية: إذا أصبحت الآلات أكثر ذكاءً وإبداعًا منا، فهل سيبقى للإنسان معنى إنسانيًا؟ وما هو دورنا في عالم تصنعه العقول الصناعية؟ وفي هذا السياق، يرى المؤلفون أنّ الكرامة الإنسانية يجب أن تبقى في قلب هذه الثورة.
فالتكنولوجيا يجب أن تخدم الإنسان، لا أن تستعبده. ويجب أن ترافق التقدم العلمي حكمة أخلاقية حتى لا نفقد هويتنا الإنسانية. ويؤكد كيسنجر أن العقل البشري وحده لا يكفي، وأن العقل يجب أن يُكمَّل بالحكمة؛ فالعلم بدون أخلاق قد يقودنا إلى الهلاك.
ويصف المؤلفان شميت ومَندي في الجزء الأخير من الكتاب الأيام الأخيرة من حياة كيسنجر؛ حيث كان، وهو في المئة من عمره، لا يزال يكتب ويفكر ويسافر؛ فقد قام برحلته الأخيرة إلى بكين لمناقشة مخاطر الذكاء الاصطناعي مع القادة الصينيين. وكان يؤمن أن هذه التكنولوجيا قد تنقذ البشرية أو تدمرها، وأن علينا أن نختار الطريق الصحيح. وقد جمع كيسنجر بين الواقعية والأمل طوال حياته، وكان يعرف حدود القوة البشرية، لكنه آمن بقدرة الإنسان على الاختيار الأخلاقي. ويرى أن الذكاء الاصطناعي لن يختبر ذكاءنا فقط، بل روحنا الإنسانية أيضًا؛ فهل سنستخدمه بحكمة أم بغرور؟
وفي خاتمة الكتاب، يقول المؤلفون إن البشرية تقف الآن على مفترق طرق: طريق يقود إلى قمة التقدم الإنساني حيث يعمل الإنسان والآلة معًا من أجل الخير، وطريق آخر يقود إلى الهاوية حيث تفقد الإنسانية السيطرة. والاختيار في نهاية المطاف ليس بيد الآلات، بل بيدنا نحن البشر.
وخلاصة القول إنّ كتاب «جينيسيس» ليس مجرد كتاب عن التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي فحسب، بل هو تأمل في معنى الإنسانية في عصر الآلات الذكية يجمع بين العلم والتاريخ والفلسفة ليقول لنا إن المستقبل يعتمد على قراراتنا نحن البشر وليست قرارات الذكاء الاصطناعي؛ فكل تقدم عظيم في التاريخ ابتداءً من النار، ثم الكتابة، فالطاقة النووية، جلب للبشرية الخير والشر معًا.
وكذلك الأمر مع الذكاء الاصطناعي؛ إذ يمكنه أن ينقذ العالم والبشرية أو يدمّرهما. وفي النهاية يتركنا المؤلفون مع سؤال بسيط لكنه عميق: هل سيصبح الذكاء الاصطناعي أكثر إنسانية منا؟ أم سنصبح نحن البشر أكثر آلية منه؟
عدد التحميلات: 1



