الأدب والنقدالعدد الحاليالعدد رقم 46

السرديات الثقافية: المنهج وثغراته

مقدمة:

نشأت السرديات الثقافية باعتبارها امتدادًا للنقد الثقافي كما صاغه «عبد الله الغذامي» في كتابه الرائد عربيًا، وإن كانت التسمية الشائعة لهذا الحقل المعرفي المتشعب هي الدراسات الثقافية Cultural Studies وقد نشأت، كما يقول «كريستيان روبي» Christian Ruby بتأثير من منظِّريْها الأبْرزيْن «ريموند ويليامز»Raymond Williams 1921 -1988 و«ستيوارت هال» Stuart Hall 1932 -2019 وكانت هذه النشأة بدافع من الحاجة إلى بدائل لمناهج وموضوعات العلوم الاجتماعية. ومن الآفاق الجديدة للنقد الاجتماعي، والتشكيلات الثقافية، وأساليب التحرر، والموضوعات التي لم يُنظر لها بعين الاعتبار لأنها تُحيل إلى نخبوية ثقافية élitisme culturel: ثقافة البوب، السينما، الموضة، أساليب العيش، الحيوات العادية، دراسات المشجعين Fun Studies، الروايات الشعبية…. هذا الاشتغال المفهومي أنتج، حسب «كريستيان روبي» معرفة متجددة بالعالم الثقافي، بأسئلة المقاومة، الهيمنات، الهويات، الشفرات الثقافية… ودراساتٍ تنصب على مشكلة تقبل الطبقات الشعبية للهيمنة الثقافية عليها.

من الواضح هنا أن الثقافة لا تُدرس لذاتها، فالدراسات الثقافية كما لاحظت «آن شالار فيودو» Anne Chalard-Fillaudeau «لا تهتم إلا بشكل ثانوي بفك شفرة الحقائق الاجتماعية أو سبْر الثقافات الوطنية. إنها تهتم خاصةً بفهم وإظهار كيف أن حيواتنا اليومية متجذرة في الثقافي، كيف تُبْنى داخل وبواسطة أية ثقافة، وكيف نمنحها نحن أنفسنا معنىً من خلال ممارساتنا الثقافية. إنها تعرض، وهي تفعل ذلك، بُنى السُّلطة (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية) التي تكرِّس وتُدير حيواتنا اليومية. وهي أخيرًا – وهذا فعلاً هدفها- تستكشف الطريقة التي نرضخ بها أمام هذه البُنى أو نقاومها، والطريقة التي ندعمها بها أو نغيّرها».

إن تعدد وتباين الحقول التي جابهتها الدراسات الثقافية برهاناتها وأسئلتها، قد أدى إلى تضخم يثير الصداع والحيرة، ورغم أن النسخة الفرنسية من الدراسات الثقافية قد ولدت متأخرةً -قياسًا إلى النسخة البريطانية الأصلية والنسختين الأمريكية والألمانية- فإننا حين نتأمل موضوعاتها من خلال الملف الذي خصصته لها مجلة «ديوجين» Diogène الفرنسية، في عددٍ صدر سنة 2017 نندهش لتباين موضوعاتها وتعددها حيث نقرأ فيها عن النوع الجنسي والهوية الجنسية، والنوع والتاريخ الثقافي للرقص، والنظريات العرقية وعلاقتها بالتَّجذُّر الاجتماعي للاختلافات الثقافية، ودراسات سود البشرة Black Studies، والتاريخ الثقافي لنزع الاستعمار في فرنسا في سياق الجدل داخل الدراسات ما بعد الكولونيالية، ونحو تاريخ آخر للسينما الفرنسية: أن تكون فرنسيا أبيض أو مغاربيًا، ودراسات مهرجانات الأفلام  Film   Festival Studies  بوصفها حقلًا معرفيًا جديدًا، ودراسات المسرح في علاقتها بدراسات الصوت Sound Studies …الخ

لقد اتسع الدرس الثقافي إذن، وعلَّمَتْ مساره انحناءات أو منعرجات، يهيمن من خلالها نمط معين من الدراسات، كأن اللاحقة «ستاديز» Studies ترتحل، بمزاجيةٍ، من حقلٍ معرفيٍ لآخر يَتَسَيَّدُ مزحزحًا سلفه إلى الظلال. وهذا ما لاحظه فعلاً كلٌّ من «ماكسيم سرفول» Maxime Cervulle و«نيللي كيمنر» Nelly Quemener فهناك حسبهما دائما «منعرج Tournant يطرد منعرجًا آخر، في رقصة فالس نظريةٍ لا نهاية لها، فالمنعرج اللساني يحل محلّه المنعرج الصوري الذي تجاوزه بدوره المنعرج العاطفي (أو الانفعالي أي الدراسات العاطفية Affect Studies)».

في مثل هذا السياق العالمي تم استنبات النقد الثقافي في المجال العربي، وفي حقل الدراسة الأدبية تحديدًا، على يد الناقد «عبد الله الغذامي» الذي بدا كتابه (النقد الثقافي) بمثابة «بيان» يفتتحه بنقد صريح للنقد الأدبي السائد عربيًّا، لأن وقوفه على «الجميل النصوصي» وحده أوقعه حسب «الغذامي» «وأوقعنا معه في حالة من العمى الثقافي التام عن العيوب النسقية المختبئة من تحت عباءة الجمالي».

وبتأثير واضح من قراءاته للدراسات الثقافية الأمريكية ينتقد الغذامي الثقافة النقدية العربية التي أعْلت من شان الأدبية والجمالية، وأغفلت ما لا يندرج تحت تصنيف الجمالي، بينما نرى كما يقول: «أن الفعل الجماهيري والثقافي يقع تحت تأثير ما هو غير رسمي، فالأغنية الشبابية والنكتة والإشاعات واللغة الرياضية والإعلامية، والدراما التلفزيونية، وما إلى ذلك، هو ما يؤثر فعلاً أكثر من قصيدة لأدونيس أو غيره من الشعراء الذين سخر النقد جهده كله فيهم».

لكن الغذامي يعود إلى تبني الأدبية أو الجمالية حيث يقترح إجراءً نقديًا ثقافيًا يحتفظ بالوظائف الست للغة التي صاغها «جاكوبسون» (وهي الوظائف الذاتية، الإخبارية، المرجعية، المعجمية، التنبيهية، الشاعرية) ويضيف إليها وظيفة سابعة وهي التي يسميها الوظيفة «النسقية».

ولا يسعنا الوقوف مطولاً مع مشروع «الغذامي» لأنه لم يمس السرديات، ولم يعلن تصريحًا أو تلميحًا عن مشروع بديل للسرديات البنيوية بقدر ما انحاز لدراسة المدونات الشعرية.

لكن النقاد العرب سرعان ما تلقفوا دعوته، بعضهم بكثير من التسرع وبعضهم بوعي ناضج، وتوجه كثير منهم إلى دراسة «الأنساق الثقافية» المضمرة في عدد من الروايات العربية، مما تولد عنه -بطريقة عفوية- ما سُمِّي بالسرديات الثقافية.

والأسئلة التي تفرض نفسها في مثل هذا السياق هي: ما هي حدود الوعي النقدي بإمكانات المنهج وثغراته عند هؤلاء النقاد؟ وهل تمكنوا فعلا من اقتراح رؤية نقدية بديلةٍ للسرديات الكلاسيكية؟

للإجابة عن هذه الأسئلة نتناول بالتحليل إحدى أبرز المدونات العربية التي سعت إلى التبشير بهذا الحقل النقدي الوليد ونعني بها كتاب: (سرديات ثقافية، من سياسات الهوية إلى سياسات الاختلاف) للناقد المغربي محمد بوعزة.

السرديات الثقافية في الحقل النقدي العربي، «محمد بوعزة» عيِّنةً:

يفتتح الناقد طرحه بنقد للمناهج البنيوية لأن «طموحها إلى بناء نحو للسرد على غرار نحو اللغة، جعلها تسقط في ميتافيزيقا النسق، حيث تحدد موضوعها في بناء نموذج افتراضي كلي للسرد».

ولهذا، فالناقد يسعى، كما يقول، إلى تجاوز الأفق البنيوي للسرديات أو، بالأحرى، توسيعه لينفتح على الأسئلة المعرفية والمرجعيات الثقافية لطبيعة السرد، وذلك في إطار اهتمامه بصياغة تصوُّرٍ للسرديات الثقافية لا يلغي المنجز النظري للدراسات البنيوية.

إن الممارسة الاختزالية المحايثة لواقع السرديات، هي ما دفعت النظرية الثقافية، حسب الباحث، «إلى البحث عن آفاق جديدةٍ تتجاوز المستوى اللساني البنيوي لمفهوم السرد. فما يميز السرد ليس هو كونه صيغة للتلفظ، ولكن بالأساس، طبيعته غير اللسانية. إنه يمثل خطاب الذات للعالم».  ويتكئ بوعزة على مقولة «ريكور»: «..فالعالم الذي يفترعه أي عمل سردي هو عالم زماني…إن الزمن يصير زمنًا إنسانيًا ما دام ينتظم وفقًا لانتظام نمط السرد، وأن السرد بدوره، يكون ذا معنى ما دام يصور ملامح التجربة الزمانية». ليستخلص منه أن ما يحدد طبيعة السرد «هو وظيفته عبر اللسانية، فهو من حيث الجينيالوجيا عبر تاريخي يمتد أفقيًا في الماضي وفي كل الأشكال القديمة، في الأسطورة والخرافة والملحمة والتاريخ والمرويات الشعبية، الشفاهية والمدونة، وهو من حيث الأنثروبولوجيا عبر ثقافي، يمتد عموديًّا في كل الثقافات والمجتمعات والجماعات. هذا العمق الرمزي الضارب في جينيالوجيا المتخيل، هو ما يجعل السرد أكثر من مجرد لعبة لغوية. إنه تمثيل تجربةٍ وبناء استراتيجياتٍ بتوسل وساطاتٍ استيطيقية».

ويُقحم الباحث، «تودوروف»-متكئًا على كتاب (الرد بالكتابة: لبيل أشكروفت وآخرين)- في مسار الدراسات الثقافية، فبعد تعرفه على «إدوارد سعيد» سينخرط «تودوروف» حسب الباحث «في الأفق الثقافي التاريخي الجديد حيث سينتقل إلى الاهتمام بقضايا التمثيل والغيرية الثقافية وصور الآخر، وسيدشن هذا المنعطف التاريخي الجديد بكتابه «فتح أمريكا» الذي (يعد عملاً رئيسيًّا في مجال تحليل الخطاب، ويتناول بشكل مباشر وظيفة وقوة الكتابة في الوضع الكولونيالي)….».

في درسه التطبيقي يتناول الناقد بعض الروايات العربية ومنها رواية «دمية النار» لبشير مفتي، حيث يمعن عبرها في التأويل الثقافي انطلاقًا من ثنائية السلطة القمعية وسردها الأحادي الذي يُجابهُ بـ«سردٍ انبثاقي انتهاكي» يفكك خطاب السلطة، ويكشف المسكوت عنه الذي حوَّلَ  الثورة إلى سلطة كلِّيانية، ورغم ذلك فالرواية، حسبه، ليست سياسية لأن بؤرتها وجودية ميتافيزيقية مفتوحة على «الاستيطيقا السلبية» بمفهوم «أدورنو»، استيطيقا العدم والنفي الذاتي للبطل «رضا الشاوش» الذي تتدحرج ذاته خارج المركز نحو المجهول، منشطرةً بين ما كانت عليه (الماضي) وما هي عليه (الحاضر) وما ترغب أن تكون عليه (الدزاين بمفهوم هايدغر).

والمتن الحكائي للرواية يتلخص في سيرة البطل «رضا الشاوش» الذي بدأ حياته مراهقًا شغوفًا بالعلم بفضل معلمته، يعيش علاقةً متوترةً مع والده ضابط السجن، القاسي في بيته، والذي يحترف تعذيب السجناء، وقد انتهت حياته بانتحاره الغامض.

أحب البطل رانيا التي لم تكن تبادله الشعور، ثم التحق بتنظيم سري تابع للسلطة مهمته تنفيذ التصفيات، والمهام القذرة…وفي خضم ذلك يغتصب محبوبته رانيا التي ستنجب منه ابنًا غير شرعي سيلتحق مستقبلًا بالجماعات الإرهابية، وتكون نهايته على يده. وتقوم الرواية على سيرتين، على السيرة الافتراضية، للكاتب/ الراوي «بشير مفتي» و«رضا الشاوش» بطل القصة الذي يسلم الراوي مخطوط سيرته الذاتية.

يصعد البطل في مراتب الجهاز السلطوي، ولكن صعوده يواكبه، كما يقول الناقد، سقوط في الروح، وإذا كان محكي البطل في بنيته العميقة يحاكي على نحو سافر نموذج البحث فإن مغامرته لا تنتهي بعودة ظافرة في المنظور السيميائي الذي يحدد أنماط الوجود التي لا تتمكن الذات (البطل) في نهاية برنامجها السردي من نقش وجودها كذات مُحَقَّقَةِ، حيث أن ارتقاءها في الجهاز لا ينقلها إلى حالة الاتصال مع موضوع القيمة، ففي النهاية تنتصر منظومة الفساد ويفقد (البطل) قيمه. ما تجسده الرواية هو سرد دائري فقد عاش «رضا الشاوش» هاربًا من صورة أبيه السجان، ويخوض تجربة الخلاص من عقدة الأب، لكن مغامرته ستنتهي بالسقوط في دائرة أبيه، يتحول إلى شخص مثله يقتل الناس لفائدة النظام.

يتحدث الناقد في موضع لاحقٍ عما يسميه  «التشعب الحكائي» فرغم أن النص يتبنى النموذج البنيوي الفردي (سيرة فرد) فإنه يقوم على بنية منفتحة تشتمل على مَحْكِيَّاتٍ أخرى (مَحْكِيّ العربي بن داود الذي يرمز لكل قيم الخير والعطاء، ومحكي الأب، نموذج الأب المتسلط والركن الأساس في بنية النظام، ومحكي الجماعة اليسارية التي كانت تنشط ضد النظام في الخفاء، ومحكي سعيد عزوز محقق الشرطة وزميل «رضا الشاوش» ومحكي عدنان أستاذ الجامعة الماركسي والصديق الوحيد لرضا الشاوش وهو النموذج النقيض للشرطي سعيد عزوز، ومحكي رانية مسعودي التي أحبها البطل ثم اغتصبها لاحقًا، ومحكي معلمة العربية، ومحكي الجهاز).

ويسعى الناقد إلى نمْذجة هذه الشخصيات: فعزوز نموذج الوصولي والانتهازية، والبطل نموذج الارتداد عن المثل العليا، وسي العربي نموذج لتحدي نظام القمع. والصوت الأنثوي في سياق النسق الذكوري السلطوي يمارس انتهاكًا لهذه السلطة.

ويستخلص الكاتب من تحليله أن الحكاية بدل أن تشكل نسقًا متجانسًا تمثل صيرورةً منفتحةً على التشعب والتغاير، رغم قيامها على حكاية حياة فرد، فمقابل النموذج الشيطاني (البطل، الجهاز، الأب، عزوز) ينهض النموذج التنويري (سي العربي، الجماعة اليسارية، عدنان).

ويختم الناقد تحليله للرواية بما سماه: «سياسات السرد/ انتهاك المحظور» ويتم هذا الانتهاك عير هيمنة مجازات الخيال الشيطاني (الظلام، الدهاليز، البشاعة، المسخ) على المتخيل السردي. ففي مواجهة الرواية الرسمية، الأحادية للسلطة، يتحدد الرهان الاستراتيجي للتخييل في تقديم سردياتٍ بديلةٍ، ومنظوراتٍ مغايرة للتاريخ. وكما بينت جينيالوجيا «نيتشه» تشكل عملية كتابة التاريخ إحدى مرتكزات السلطة في تأسيس شرعيتها، حيث تقوم بترسيم الخطوط الحمراء لما يُقال وما لا يُقال، ما يُكْتب وما لا يُكتب، مستشهدا بقول الروائي: «..للأسف نعم، أنا أنصحك، لا تقترب من الآن فصاعدًا من سعيد، لا أدري ما هي نواياه، ولكني حذرته وهو فهم الإشارة جيدًا، ليس بإمكان أحد النبش في الماضي السري لبلدنا».

نقد وتقويم:

ما يمكن أن نلاحظه في المقام الأول حول دراسة «بوعزة» أنها لم تفِ بالتزام معلنٍ في بداية الدراسة، وهو عدم إهمال المنجز البنيوي، ففي ارتحالها من التنظير إلى الإجراء طمرت وعدها في النسيان، إذ لا نكاد نعثر في دراسة الناقد لرواية «بشير مفتي» إلا على بضعة أسطر تومئ إلى فشل البرنامج السردي للذات البطلة وعجزها عن الاتصال بموضوع القيمة أيْ تَحقُّق ذاتها. ما عدا ذلك فالنقد كله يدور في فلك التأويل الثقافي، مع استعارات مفهومية من الفلسفة تغدو أحيانًا مجرد استعارات لفظية في غير محلها، فإن كانت مفاهيم مثل «الخرائطي» عند «دولوز»، أو «الاستيطيقا السلبية» عند «أدورنو» أو «الهوية السردية» عند «ريكور» مثمرةً ودالةً في سياق النقد المقدم، فمصطلح «الدزاينDasein » عند «هايدغر» أو «الموجود-هناك» يحيل على مفهومٍ أنطولوجيٍ شديد التجريد، ومتعال على كل شروط الزمانية والمكانية التي ترسم تخوم السرد، ومصطلح «الجنيالوجيا» عند «نيتشه» لم يكن نقدًا لخطاب السلطة السياسية وسردياتها، بقدر ما كان نقدًا لتشكل العقل الأخلاقي المسيحي اليهودي.

ولعل إقحام «تودوروف» في سياق النقد الثقافي لا يمكن هضمه، لأن المعروف أن «الدراسات الثقافية» ظلت مجهولةً أو مُتَجاهلةً في فرنسا حتى وقت قريب، وكتاب «تودوروف» عن فتح أمريكا، لا علاقة له بالدراسات الثقافية، فهو يدرس مذكرات«كولومبس» وغيرها من الوثائق التاريخية، لا بوصفها رواياتٍ أو سرودًا  أدبية بل بوصفها كما يقول علاماتٍ، ويتجلى ذلك بشكل خاص في الفصل المُعنون بـ«كورتيس والعلامات Cortés et les signes»، فبينما كان الجنود يحاولون الحصول على أكبر قدر من الذهب في أقصر مدة ممكنة، كان طموح كورتيس أكبر، كان يسعى إلى الغزو والإخضاع، والطريق إلى ذلك هو فهم الآخر الهندي، فهم علاماته، يقول تودوروف: «ما كان  «كورتيس» يريده أولاً ليس الاستيلاء بل الفهم، كانت العلامات هي التي تهمه في المقام الأول، لا مرجعياتها. لقد بدأ حملته بالبحث عن المعلومة، لا عن الذهب، والعمل الأول الهام الذي قام به.. هو البحث عن مترجم.  ويصرح «تودوروف» أن ما يشغله في كامل بحثه هو كيف يتقاطع موضوع إدراك الغير وموضوع السلوك الرمزي أو السيميائي على حد عبارته.

إن كتاب «تودوروف» هو -في الوقت نفسه-كما يقول في الغلاف الخلفي لكتابه: «بحث أخلاقي، وتفكير حول العلامات، التأويل والتواصل: لأن السيميائي لا يمكن أن يُفَكَّر فيه خارج العلاقة مع الآخر».

لم يتنكر «تودوروف» إذن للتراث البنيوي- السيميائي بقدر ما سعى إلى توسيع «المدونة» المدروسة فيما بدا تقاطعًا عارضًا مع الدراسات الثقافية التي تمثل حقلاً معرفيا مغايرًا تمامًا لاشتغاله السيميائي، فلا يمكن الاتكاء عليه في أية محاولة لنقض أو تفكيك التراث البنيوي.

الخاتمة:

لقد بدأت الدراسات الثقافية تتلقى سهام النقد والتجريح في محضنها الأنجلو سكسوني والأمريكي نفسه، لأن هذه الدراسات، بوصفها مُعَلَّمةً بوسم «ما بعد البنيوية» قد تحولت إلى اختصاص للنخبة. فهذا التيار -على حد عبارة كل من «ديفيس. س. ميال» Davis s. Mial و«دون كويكن» Don Kuiken رفض المنهج البنيوي الشكلاني (النخبوي) ليُحلَّ محله شكلا نخبويا آخر. فهذا التيار الجديد يُهْمِل القارئ «الذي يواصل القراءة، خارج هذه الثقافة المؤسساتية، من أجل متعة فهم النص، لا من أجل تطوير منظور تفكيكي أو تاريخاني».

ومن ممثلي هذا النقد «النخبوي» حسب الباحثيْن، الناقدان «ديورانت وفاب» Durant and Fabb اللذان يخصصان معظم كتابهما “Literary studies in action- 1990)” ذي الفصول التسعة، لقضايا تاريخية «فالطلاب يدرسون «ليفيس ولاكان» Leavis and Lacan قبل أن تتم دعوتهم لقراءة نص أدبي واحد بعمق. النصوص الأدبية كما يبدو أن هذا الكتاب يوحي به، ماثلة في قفص الاتهام أمام محكمة النظرية، حيث البنائيون constructivists والتفكيكيون والمؤرخون الجدد هم القضاة والمحامون في الوقت نفسه، والنص الأدبي، إمَّا يُتَّهم بجريمة الطبقية أو البطريركية (الأبوية) أو العرقية، أو يُتَّهم بإهماله للانشغالات الإنسانية بوصفه مقيما في عالم لغوي».

ولعل دراسة «بوعزة» لا تخرج كثيرا عن مثل هذا التقليد حيث تلح على استدعاء المفاهيم والمصطلحات الفلسفية من سياقاتها الفكرية والبرهانية لإقحامها في سياق جمالي تخييلي، مضحية في سبيل ذلك بأهم رهان للنقد الأدبي وهو استكشاف تخوم الأدبية أي ما يمنع تداخل النص الأدبي بغيره من مظاهر الفعل الثقافي.

إن أهم نقد يمكن توجيهه للنقد الثقافي أنه مشروع شمولي، لا يُعنى بالنص الأدبي السردي إلا بوصفه وثيقة أو دِعامة لبسط مقولاته وافتراضاته، أي كلّ ما يصحُّ استنْباته على أديم الحياة الثقافية بكل تجلياتها الشعبوية من حكايات شفوية وأمثال ونكت وأغان وعادات وطقوس… أو النخبوية من مدونات «راقية» في الفلسفة والفكر والسياسةـ، أو الفنية من غناء وموسيقى وسينما ومسرح.. فالدراسات الثقافية تدرس جميع تجليات الفعل الثقافي أيا كانت، وما السرد الأدبي إلا جزء بسيط منها، كما أنها، حين تلتفت إلى الرواية تهمل المُحدِّد الأدبي، باعتبار منهجها حفرا في الأنساق المضمرة خلف البناء النصي (الخادع)!

كل ذلك يجعل من السرد الأدبي -في هذا السياق- عاريا من خصوصيته النوعية، أي من السردية بما تشتمل عليه من شخصيات وحبكة وبرامج سردية ومفارقات زمنية ومنظورات تتباين حسب زاوية الرؤية… والأدبية بوصفها بناء استعاريا بلاغيا للواقع يقوم على المفارقة الزمنية وعلى غياب المرجعية التاريخية والجغرافية الواقعية مقابل الإيهام بالواقع عبر المحاكاة، وكذلك على مبدأ التوتر السردي المخالف لرتابة الحدث في السرد التاريخي مثلًا.

يستحيل إذن أن تحل السرديات الثقافية محل السرديات الأدبية من الناحية الإجرائية، لكنها قد تكون مدخلًا تأويليًا ممتازًا للنص إذا أحسن الناقد قنْص مضمراته النسقية عبر التأويل الثقافي البعيد عن كل إسقاط إيديولوجي أو هوسٍ إحصائي يرصد ما قد يتناثر في النص من إشارات سطحية، مع حتمية ترميم تأويله الثقافي بما يعضده على الصعيد الإجرائي الجمالي، وهذا ما حاوله «الغذامي» في مقاربته الثقافية للشعر فكان ناقدا أدبيا تأويليا بامتياز.

 

الهوامش:

1 – Christian Ruby, Abécédaires des arts et de la culture, éditions de l’Attribut, Toulouse, Juin 2015, P 62. بإيجاز وتصرف

 

2 – Anne Chalard-Fillaudeau, Les études culturelles, Presses universitaires de Vincennes, Paris, 2015, PP 13- 14.

3 – يمكن تصفح فهرس المجلة المفصل عبر الرابط الآتي:

https://shs.cairn.info/revue-diogene-2017-2?lang=fr

تمت الزيارة بتاريخ 25/10/2025 سا 10:30

4- Maxime Cervulle et Nelly Quemener, Cltural Studies, Théories et méthodes, deuxième édition, Armand Colin, Paris, 2018, P 69. (وما بين قوسين أضفناه للتوضيح)

5 – عبد الله الغذامي، النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط 3، 2005، ص ص 7-8.

6 – المرجع نفسه، ص ص 14-15.

7 – م.ن. ص ص 64-66.

8 – محمد بوعزة، سرديات ثقافية، من سياسات الهوية إلى سياسات الاختلاف، دار الأمان، الرباط، منشورات الاختلاف، الجزائر، منشورات ضفاف، الرياض، بيروت، ط1، 1435ه- 2014م، ص 15.

9 – المرجع نفسه، الصفحة نفسها..

10 – م. ن. ص، 33.

11 – م. ن. ص 34.

12 – م .ن. ص 35.

13 – م. ن.  ص ص 63-64

14 – لم يستخدم الناقد هذا المصطلح المعروف، بل استعملته لأدل به على تجميع عناصر الرواية التي لم يسبق لي قراءتها، وثمة للأسف في أغلب الدراسات تجاهل لعرض المتن الحكائي حتى يضع الناقد القارئ في صورة العمل المدروس، وهو ثلمٌ لا يمكن سده، ولا شك أنه من غير المعقول – والمتون السردية تصدر بالآلاف سنويا- أن يفترض الناقد اطلاع قارئه على مدونته المدروسة، أو يطالبه بذلك!

15 – محمد بوعزة، المرجع السابق، ص ص 66-67.

16 – م. ن. ص ص 73-77.

17 – م. ن. ص 77.

18 – م. ن. ص 78.

19- Tzvetan todorov, La conquête de l’Amérique, La question de l’autre, Éditions du Seuil, 1982, P 105.

20  – Ibid, P 163.

21 – Ibid, quatrième de couverture.

22- David S. Mial and Don Kuiken, The form of reading: Empirical studies of literariness, Poetics, 25, 1998, P 328.

23- Ibid, P 328.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

أ.د. رياض بن يوسف

كلية الآداب واللغات - جامعة قسنطينة 1 - الجزائر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى