
أخي الأصغر بيتريتشيك
أخي الأصغر بيتريتشيك1
قصة قصيرة بقلم: يلينا دانتشينكو2
ترجمها عن الروسية: أ. د. تحسين رزاق عزيز
عندما كنت صغيرة، ذهبنا أنا وأمي لزيارة خالتي كل يوم أحد تقريبًا. عائلة خالتي تسكن في شارع كييف القديم المرصوف بالحصى في مدينة كيشيناو، حيث لا تزال المنازل الأنيقة ذات البناء الروماني قائمةً. طريقنا، أنا وأمي، يمر من جانب منزل بطابق سكني شبه سفلي، وهو ما يسميه الفرنسيون «القبو». نوافذ هذه الطابق ترتفع فوق الأسفلت إلى النصف فقط، وعندما نظرتُ ذات مرة إلى تلك النوافذ، ذُهِلْتُ – إذ ثمة حكاية تعيش هنا. فقد رأيتُ خلف الزجاج قفصًا كبيرًا للطيور مليئًا بجميع أنواع الطيور. بدت ألوانها المتعددة في العتمة كالأحجار الكريمة، ولكن الأحجار هامدة، أما هذه الطيور فتغرد وتزعق وتزقزق وتصفر وترفرف بأجنحتها… في الغرفة السحرية سنادين مزروع فيها نباتات استوائية، ودوالي المتسلقات ملتوية على طول جدرانها، ومن السقف تتدلى حلقات ملونة.
منذ حين طفولتي ذلك، ظل إعجابي بالببغاوات طوال حياتي. ومع تقدمي في السن، عندما درستُ في المدرسة المتوسطة، قررتُ بحزم أنني أرغب في الحصول على ببغاوات. كانت شقتنا صغيرة، فطلبتُ من والدي (كان من غير المجدي أن أطلب من أمي) أن يهبَني اثنتين أو واحدة على الأقل في عيد ميلادي – حتى لو كانت أصغر ببغاء! غمز أبي بمكرٍ وفي اليوم المحدد انتصبَ على حافة نافذة غرفتي قفص به اثنين من عصافير الحب (الغَنُّوج) اشتراهما سرًا عن والدتي في سوق الطيور. ابتهجتُ بشدة، أما عصفورا الحب فوقفا – كتلتين خضراء وزرقاء – منزعجين، كئيبين، ينتصب الريش على صدريهما. هلتُ العلفَ للطيرَين وسكبتُ الماء في وعاء الشرب، لكنهما لم تلمسا الطعام حتى مجرد لمس، بل شربا قليلًا من الماء فقط. وبعد يومين مات الطيْران.
فيما بعد عرفتُ سبب موت طَيْرَيّ. فقد أُصيبا بنزلة برد. لم نكن، أنا وأبي، نعرف آنذاك كيفية اختيار عصافير الحب عند الشراء، وكيفية التمييز بين المُعافى والسقيم منها. في عصافير الحب المتعافية، يتناسب الريش تناسبًا محكمًا مع الجسم، والعيون حيوية ولامعة، والأجنحة لا تتدلى بل تضغط على الجسم، ولا يوجد بثور على شمع المنقار.
أو ربما كان للقفص تأثير سيء على طَيْرَيَّ؟ أتذكره جيدًا – القفص أنيق ومصنوع من قضبان النحاس. ليتني علمتُ حينها أنَّ القفص النحاسي يشكل خطورة قاتلة على الطيور!
وثمة احتمال آخر: كان من المرجَّح أنَّ الطَّيْرَيْن أُصيبا بنزلة برد. لم يحدث ذلك في الربيع الأدفأ، وكانت الرياح الباردة تهب، وأبي حمَلَ عصفورا الحب عبر المدينة حتى من دون أن يلف القفص ببطانية أو منشفة… يا ترى، لماذا أتذكر هذا الآن؟ …
قبل خمس سنوات، ذات صباح صافٍ من شهر مايو، عندما جلست عائلتنا إلى المائدة لتناول وجبة الإفطار، طار ضيف صغير عبر كوّة النافذة… كلا، لم يطِر حتى، بل خُيِّلَ لي أنَّ الضيف الصغير قد انزلق من التل على زلاجة وتوقف في وسط طاولة الطعام. لقد كان عصفورَ حُبٍّ ذا صدر أصفر وذيل أزرق. ومض بعينه الصغيرة التي تشبه الخرزة، وقدم نفسه:
– بيتريتشيك.
ثم أضاف على الفور:
– أريد أن آكل!
يا للعجب! تجمدنا في دهشة: لم يكتَفِ الضيف ذو الريش بذكر اسمه بلسان روسي فصيح فحسب، بل طلب الطعام أيضًا. وكيف ظهر في الوقت المحدد – في وقت الإفطار تمامًا.
قدمت أمي عصيدة الحليب لبيتريتشيك على طبق، ثم وِضِعَت الأطباق أمام أبي وأمامي. نقر طائر الحب من العصيدة، ثم رفرف وبدأ يستكشف منزلنا: تجول حول الطاولة، وداس بقدميه حول الموقد، وانتقل إلى الممر، وحلّق في الشقة. شُغِلتُ به عن تناول الإفطار. أغلقتُ جميع كوّات نوافذ المنزل، وطلبتُ من أهلي عدم فتحها الآن، وبعد أن أخذتُ نقودًا من والدي، أسرعتُ إلى متجر الحيوانات الأليفة. هناك، بعد التشاور مع البائع، اشتريتُ قفصًا مطليًا بالنيكل بصينية قابلة للسحب ومِعلَف. واشتريتُ أيضًا خليطًا من الحبوب والغذاء المدعوم بالمعادن (الطباشير المسحوق ورمل النهر المغسول). عدتُ إلى المنزل وتركتً مشترياتي هناك وأسرعت إلى المكتبة العامة التي كانت تحتوي على كتاب «الببغاوات» من تأليف ألكسندر إيفانوفيتش راخمانوف. جاء هذا الكتاب في الوقت المناسب.
جلستُ في قاعة القراءة، وبدأت أغترف من المعرفة. تعلمتُ أنَّ الببغاوات الصغيرة تمرض إذا أُطعِمَت على نحو غير صحيح. أساس نظامها الغذائي يقتصر على الحبوب، في المقام الأول الدخن، ثم الشوفان، والحبوب يجب أن تُنَقَّع قليلًا. حبوب القمح والشعير مناسبة أيضًا. وينبغي إعطاء القليل من المكسرات وبذور عباد الشمس. والعصيدة التي أطعمناها لبيتريتشيك في الصباح يجب أن تُعرَض أمام منقاره ليس كل يوم، بل، على سبيل المثال، مرة واحدة كل يومين أو ثلاثة أيام. ولا ينبغي إعطاء الطائر صفار البيض المسلوق والجبن والخبز الأبيض والبسكويت في كثير من الأحيان. وعرفتُ أنَّ طيور الحب تفضّل الفواكه والأعشاب والخضروات – كل هذا يمكن تقديمه لها بكميات غير محدودة. ويجب أن يكون الطعام المدعم بالمعادن في القفص.
واتضح أنَّ طير الحب قليل الأكل – فهو يأكل ملعقة صغيرة ونصف فقط من الطعام يوميًا. لكن يجب وضع الأعلاف (الرئيسة والمعدنية والتكميلية والنباتية) على نحو منفصل ودائمًا في نفس الوقت.
ويجب أن يكون الماء في وعاء الشرب نظيفًا دائمًا وفي درجة حرارة الغرفة، ويجب تغييره يوميًا والتأكد من عدم تراكم النخامة في وعاء الشرب.
انظروا، كم اكتسبتُ من المعرفة في جلسة واحدة! ليس من السهل تربية بببغاء صغير، فهذا علم كامل. لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو الرسالة التي مفادها أنّ صغار الببغاوات لا تقبل التدريب جيدًا، وفي أحسن الأحوال، يمكنها نطق كلمتين أو ثلاث كلمات. ولكن تبيّن أنّ الطائر الذي طار لزيارتنا طائر عبقري! كان يعرف كيفية إعداد العديد من العبارات المفيدة دائمًا. وعندما كنا نأكل، سأل: «أريد أن آكل!» أو: «أعطوني عصيدة!».
عندما قرأ أبي الصحيفة، جلس بيتريتشيك على كتفه وسأل: «قل، ماذا هناك أيضًا؟» وكان هذا الببغاء الصغير يلقي كلمات التحية والوداع. ثم علمناه لاحقًا العبارة: «ما بك؟» لقد تبين أنه طائر ثرثار نادر من نوعه!
موقف بيتريتشيك تجاه أفراد عائلتنا مختلف. إنه يحترم والدي، لكنه يحب والدتي أكثر من أيّ فرد آخر. وأمي… آه ماذا أقول: منذ استقر الطير عندنا فقدتُ مكانتي بصفتي الطفل الوحيد في العائلة. أصبح بيتريتشيك – المحبوب و«الوحيد». لا أعرف طبيعته أكثر – هل هو المدلَّل أم المشاكس. بدا الأمر كما لو ظهر لي أخ صغير، مسحور في شكل طائر. وبالمناسبة، هو يعاملني كأخته الكبرى: فهو لا يطيعني جيدًا (على الأرجح، يتظاهر)، ويحاول أن يمارس المقالب ضدي – تارة يجلس على الكتاب عندما أقرأ، وتارة يبدأ بالطيران أمام المرآة بمجرد أن أنظر إليها. بيتريتشيك الشقي لا يفعل هذا مع أمي أو أبي.
طفلنا لديه ألعابه الخاصة، من بينها حاوية حليب فارغة وجرّة سعة ثلاثة لترات تنتصبان على حافة النافذة. إنه ينتقل من زجاجة إلى زجاجة، ويغوص في الجرة، ثم، بعد أن يتخبط قليلًا، يزحف منها، منزعجًا.
طيور الحب تحبّ السباحة، وطيرنا ليس استثناءً. كل صباح أُثّبِّت له آنية الاغتسال المليئة بالماء النظيف في فتحة خاصة في القفص. الماء، بطبيعة الحال، بدرجة حرارة الغرفة. بالإضافة إلى ذلك طائرنا يحب أن تحَمِّمَه أمي تحت الصنبور. يجلس على يدها، ويتحرك على راحة كفها، وعندما يُصَب تيار الماء على أصابعها، ويرتد الرذاذ على بيتريتشيك، فإنه يستمتع به، ويتحول تارة إلى جانب وتارة إلى جانب آخر. بعد هذا الإجراء المائي، يثقل من قطرات الماء الشبيهة بالخُرَز، يجلس في الحمام على المنشفة ويجف نفسه.
الآن، وأنا أكتب هذه السطور، يطير بيتريتشيك بجانبي ويحاول الجلوس على الورقة.
– لم ينقصني إلا هذا! ابتعد من هنا، لا تزعجني!
ينظر الببغاء إلى الورقة، ويقول فجأة:
– بيتريتشيك، ولد طيب.
فأضحكُ، وأوافق على كلامه.
الهوامش:
1 – نُشِرَت القصة في مجلة «غوستينايا»، العدد 123، الخريف من عام 2024.
2 – يلينا دانتشينكو، شاعرة، ناثرة، مترجمة، ناقدة، صحفية. تخرجت في كلية الصحافة بجامعة كيشنيف (مولدوفا) ودرست في المدرسة العليا للمترجمين في مدينة أوترخت (هولندا). نشَرَت ست مجاميع شعرية، وعدة كُتُب مُتَرجَمَة. حائزة على العديد من الجوائز من بينها: أولغا بيشنكوفسكايا (ألمانيا)، دوق ريشيليو (ألمانيا وأوديسا)، المهرجان الأدبي الدولي (براغ)، «موسيقى الترجمة» (موسكو)، «أفضل كتاب في العام» (ألمانيا)، جائزة يغور تساريف، القائمة الطويلة لجائزة بونين، مسابقة فولوشين، جائزة «بيلا» وغيرها. نشَرَت الكثير من القصائد والترجمات والقصص والمقالات النقدية في أهم المجلات الأدبية في روسيا: «دروجبا نورودوف»، «نوفايا يونَست»، «زناميا»، «سمينا»، «موسكو»، «الأدب الأجنبي»، «دِين إي نوتش»، «أورال»… وغيرها كثير.
https://magazines.gorky.media/library/gostinaya
عدد التحميلات: 0



