العدد الحاليالعدد رقم 46ثقافات

الهوية الثقافية لمليبار بين التأثير العربي والإسلامي

الملخص:

لعب العرب دورًا مهمًا في صياغة الهوية الثقافية لمليبار منذ العصور الإسلامية الأولى، حيث أسهمت الروابط التجارية والثقافية التي نشأت مع التجار العرب في رسم ملامح المجتمع هناك. فقد كانت سواحل مليبار مقصدًا رئيسيًا لهؤلاء التجار، الذين جلبوا معهم اللغة العربية، إلى جانب العادات والتقاليد التي اندمجت تدريجيًا مع الممارسات المحلية. هذا التفاعل أنتج مزيجًا حضاريًا مميزًا، تجسد في مختلف نواحي الحياة.

انتشار الإسلام في المنطقة يُعد من أبرز مظاهر التأثير العربي، حيث تبنى السكان الأسماء العربية، واندمجت بعض العادات الاجتماعية مثل الزواج من النساء المحليات، مما أدى إلى نشوء مجتمع المهابلية الذي جمع بين الأصل العربي والجذور المحلية، مع المحافظة على الهوية الإسلامية الواضحة. كما برزت انعكاسات هذا التأثير في المظهر الخارجي، إذ ارتبط المسلمون في مليبار بالملابس البيضاء التقليدية، وفي المجال اللغوي حيث اكتسبت اللغة العربية مكانة رفيعة بين المسلمين، فكانت لغة الدين والعلم.

أما الجانب الإسلامي فقد تجسد في المعمار والمساجد ذات الطابع العربي، التي شكّلت مراكز للعبادة والتجمع. كما ارتبطت المناسبات الدينية والاجتماعية بتلاوة القرآن الكريم، الأمر الذي عمّق حضور الثقافة الإسلامية في الحياة اليومية. ومن جهة أخرى، لعبت الفنون الإسلامية دورًا بارزًا مثل الأناشيد الدينية والمسرح الإسلامي، اللذين شكلا وسيلة للتعبير الروحي والثقافي. ولم يكن التعليم الديني بعيدًا عن هذا التأثير، بل كان محورًا أساسيًا في التنشئة الاجتماعية، حيث اعتُمد في تكوين الأجيال على المبادئ الإسلامية وقيمها، مما عزز دور الإسلام والعرب في بناء شخصية مجتمع مليبار الثقافية.

ومع مرور الزمن، استمرت هذه التأثيرات في ترسيخ هوية ثقافية خاصة بمسلمي مليبار، تجمع بين تراثهم المحلي والعربي والإسلامي في مزيج فريد يعكس عمق الروابط التاريخية بين المنطقتين.

العلاقة بين مليبار والجزيرة العربية والتأثيرات الحضارية

تتميز العلاقة بين منطقة مليبار في الهند والجزيرة العربية بروابط قوية تعود إلى العصور القديمة، مدفوعة بالتجارة البحرية المزدهرة والزيارات المتكررة والتبادلات الثقافية المتواصلة. ويرى المؤرخون أن هذا الارتباط ليس حديثًا، بل يمتد إلى حقب تاريخية بعيدة، ربما منذ زمن النبي سليمان عليه السلام أو حتى قبل ذلك . وقد عرفت المنطقة بتوافد حضارات عديدة، مثل البابليين والفينيقيين والإسرائيليين والإغريق والرومان والصينيين، الذين سعوا جميعًا للسيطرة على طرقها التجارية نظرًا لأهميتها الاستراتيجية. ونتيجة لهذا الانفتاح التجاري، تركت هذه الحضارات بصماتها العميقة في مليبار، سواء من حيث العادات والتقاليد أو التأثيرات الدينية، حيث دخلت إليها ديانات متعددة، مثل اليهودية والمسيحية والإسلام، وغيرها من المعتقدات التي شكلت جزءًا من نسيجها الاجتماعي والثقافي.

الموقع الجغرافي لمليبار وأهميته

تقع الهند في جنوب آسيا وتعد واحدة من أكبر الدول في العالم، حيث تتميز بتنوع ثقافي وديني وحضاري فريد. شهدت هذه البلاد نشوء الحضارات القديمة، واحتضنت المستوطنات البشرية المبكرة التي ازدهرت بفضل التجارة البحرية المزدهرة التي يعود تاريخها إلى ما قبل 3000 سنة قبل الميلاد.

وفي أقصى جنوب الهند، تقع منطقة ساحلية مميزة تُعرف اليوم باسم “كيرالا”، وقد أطلق عليها الشعراء التامليون في العصور القديمة اسم “كيرالم”، والذي يُعتقد أنه مشتق من “كيرالا بوترا” أو “أرض جوز الهند”. كما توجد إشارات تاريخية لهذه المنطقة في النقوش الحجرية للملك أشوكا (273-232 ق.م). وعُرفت أيضًا باسم “ملناد”، أي “بلاد الجبال”، في القرن السادس عشر، حتى أصبحت تُعرف باسم “كيرالا” بعد أن تشكلت الولاية رسميًا عام 1956. ويعود سبب التسمية إلى اللغة المحلية لسكانها الذين يتحدثون “المليبارية”، وهي لغة مشتقة من “مليالم”، والتي تعني “بلدة بين الجبال والمياه”.

أصل تسمية “مليبار” ودلالاتها

أما بالنسبة للتسمية العربية “ملبار” أو “مليبار”، فهي مصطلح قديم استخدمه العرب لوصف هذه المنطقة. ويُعتقد أن الكلمة تتألف من “ملا” وتعني “الجبل”، و”نادو” وتعني “البلاد” في اللغة المليبارية، مما يعني “بلاد الجبل”. وقد تبنى الجغرافيون العرب هذا المصطلح، مثل البيروني (973-1048م)، الذي أشار إلى أن التسمية مستوحاة من الفارسية، حيث تعني “ملي” الجبل و”بار” البلاد، مما يترجم إلى “بلاد الجبل”. وكذلك أورد ياقوت الحموي في كتابه “معجم البلدان” أن مليبار “إقليم كبير يحتوي على مدن عديدة، ويجلب منه الفلفل إلى جميع أنحاء العالم “.

كما استخدم الجغرافي الشريف الإدريسي والمستكشف الشهير ماركو بولو وغيرهما من الرحالة والمؤرخين مصطلح “ملبار” في كتاباتهم لوصف هذه المنطقة الحيوية التي كانت مركزًا تجاريًا مهمًا منذ قرون.

التأثيرات الثقافية والتجارية

بفضل موقعها الجغرافي المميز، كانت مليبار محاطة بمياه بحر العرب من الغرب وسلسلة الجبال الشرقية من الشرق، مما جعلها نقطة التقاء بين الثقافات المختلفة. وقد لعب البحر دورًا رئيسيًا في جذب التأثيرات الخارجية إلى المنطقة، مما أدى إلى تطور ثقافة مليبار عبر الزمن، سواء على الصعيد الاجتماعي أو الفني أو الفكري أو الديني .

وبفضل هذه الروابط البحرية، دخلت الأديان السماوية إلى مليبار واستقرت فيها، حيث أصبحت جزءًا من نسيج المجتمع المحلي، ليس فقط لأغراض دينية، بل أيضًا كنتيجة طبيعية للتفاعل التجاري والثقافي بين شعوب المنطقة. وهكذا، ظلت مليبار نقطة تلاقٍ للحضارات والثقافات المتنوعة التي أثرت في تطورها على مدى العصور.

تشكيل الثقافة العربية والإسلامية في مليبار

شهدت منطقة مليبار تطورًا ثقافيًا مميزًا نتيجة للتفاعل المستمر بين سكانها الأصليين والتأثيرات الخارجية المتعددة، خاصة من العالم العربي والإسلامي. وتُظهر الأدلة الأثرية والتاريخية أن هذه العلاقات تعود إلى آلاف السنين، حيث وجدت في مليبار آثار حضارات مختلفة مثل حضارة موهنجدارو وهارابا، وكذلك دلائل على وجود روابط تجارية ودينية قديمة مع بلاد الرافدين، والإغريق، والرومان. وكانت المنطقة نقطة التقاء للثقافات المختلفة، مما أدى إلى اندماج الشعوب والعقائد وتشكيل نسيج اجتماعي مترابط.

الأدلة الأثرية على العلاقات الخارجية

يؤكد علماء الآثار أن مليبار كانت على صلة تجارية وثيقة مع الحضارات القديمة، حيث عُثر على آثار تدل على تبادل البضائع بين مليبار وبلاد الرافدين، ومصر، والإمبراطورية الفارسية، والإغريق. ومن الشواهد البارزة أن أخشاب الساج والصندل، التي لا توجد إلا في مليبار، كانت تُستخدم في بناء القصور والمعابد في بلاد بابل. كما ذُكر في التوراة أن الإسرائيليين كانوا يجلبون القرنفل والتوابل من هذه المنطقة لاستخدامها في طقوسهم الدينية.

وتشير السجلات التاريخية إلى أن ملكة سبأ، التي زارت النبي سليمان عليه السلام في القرن العاشر قبل الميلاد، جلبت معها روائح عطرية وتوابل من مليبار. كما استخدمت أخشاب الساج في تشييد المعابد والقصور في عهد الملك نبوخذ نصر (562-605 ق.م).  وقد تم العثور على منتجات مليبارية في مواقع حضارية مثل موهنجدارو وهارابا، مما يدل على وجود علاقات تجارية راسخة منذ فجر التاريخ.

التجارة ودورها في نشر الثقافة العربية والإسلامية

مع بداية العصر الميلادي، توسعت العلاقات التجارية بين مليبار والحضارات الكبرى، حيث كانت سلع المنطقة مثل الفلفل الأسود، والساج، والعنبر، والعاج، تصدَّر إلى الإغريق عبر مصر.  وبعد سقوط مصر في قبضة الإمبراطورية الرومانية، انتقلت السيطرة على التجارة إلى الرومان، الذين أنشأوا مراكز تجارية في المنطقة.

وبحلول القرن السابع الميلادي، برز العرب كوسطاء رئيسيين في التجارة البحرية، حيث سيطروا على تجارة المحيط الهندي وربطوا مليبار بالعالم الإسلامي.  وقد ساعدت هذه التجارة في نشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية بين سكان المنطقة، مما أدى إلى تقوية الروابط الثقافية والدينية بين العرب والمليباريين.

انتشار الإسلام في مليبار

مع ظهور الإسلام في الجزيرة العربية، انتقلت مبادئه إلى مليبار عبر التجار المسلمين. وتشير المصادر إلى أن الإسلام دخل مليبار في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أرسل رسائل إلى الملوك المجاورين، بما في ذلك ملك مليبار، تشيرمان فرمال، الذي يُقال إنه اعتنق الإسلام بعد سماعه عن معجزة انشقاق القمر.

توضح الروايات التاريخية أن تشيرمان فرمال سافر إلى مكة للقاء النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك أسلم وتوفي أثناء رحلته عائدًا إلى مليبار. وعندما وصل الصحابة والتجار العرب المسلمون إلى مليبار لاحقًا، حملوا معهم رسالة الملك التي تثبت دعمه للإسلام، مما ساعد في انتشار الدين بين السكان المحليين.

وقد أنشأ المسلمون الأوائل العديد من المساجد في مليبار، منها مسجد كدنغلور الذي يُعد أحد أقدم المساجد في الهند. كما قاموا بتأسيس المدارس الدينية لتعليم القرآن الكريم والحديث الشريف، مما أسهم في ترسيخ الهوية الإسلامية بين السكان.

التأثيرات الثقافية العربية في مليبار

أدت العلاقات الوثيقة بين العرب والمليباريين إلى تأثيرات ثقافية عميقة انعكست في مختلف جوانب الحياة. فقد تأثرت اللغة المحلية، المليالم، باللغة العربية، حيث دخلت العديد من الكلمات والتعابير العربية في الاستخدام اليومي. كما تبنّى سكان مليبار بعض العادات والتقاليد العربية، مثل ارتداء العمامة والقُبَّعة، واستخدام الحزام، والاعتماد على الأطعمة التي تتميز بالنكهات الشرقية.

وتظهر التأثيرات العربية أيضًا في الأنماط المعمارية للمنازل والمساجد، حيث بُنيت المنازل بشكل يشبه البيوت العربية التقليدية، مع أفنية داخلية وأروقة واسعة. أما المساجد، فقد زُينت بالزخارف الإسلامية التقليدية، واستخدمت الخط العربي في نقوشها.

الاحتفالات والتقاليد الاجتماعية

احتفظ المسلمون في مليبار بالعديد من العادات والاحتفالات التي تعكس التقاليد الإسلامية والعربية. ومن أبرز هذه المناسبات الاحتفال بعيدي الفطر والأضحى، والمولد النبوي، وشهر رمضان وليلة البراءة. كما اهتموا بالمناسبات الاجتماعية مثل الختان، والاحتفالات الخاصة بالمولود الجديد، والزواج، التي تُقام وفق الطقوس الإسلامية التقليدية.

وكان للمسلمين في مليبار تقاليد خاصة في الأعراس، حيث يتم تحضير العروس بملابس مزخرفة، وتُستخدم الحناء لتزيين يديها. وكان يُقام احتفال خاص يعرف باسم “مانيارا”، وهو تجهيز غرفة العروس بأثاث مزخرف يعكس الطابع الإسلامي. كما انتشرت عادة تقديم المهر وتوثيقه، وهي من العادات التي تأثرت بالعادات العربية الإسلامية.

الفنون والآداب الإسلامية في مليبار

ساهم المسلمون العرب في إثراء الحياة الأدبية والفنية في مليبار، حيث ازدهرت الكتابة والتأليف باللغة العربية والمليالم. وقد أُلِّفت العديد من الكتب الدينية والأدبية التي تشرح تعاليم الإسلام، والتاريخ الإسلامي، والفقه، والتفسير.

أما في مجال الفنون، فقد تطورت الموسيقى والأداء المسرحي ليعكس العناصر الثقافية الإسلامية، حيث أُدخلت الأناشيد الدينية والمسرحيات التي تتناول القصص الإسلامية. وكان لهذه الفنون دور مهم في نشر المعرفة وتعزيز القيم الدينية بين السكان.

استمرار التأثيرات العربية حتى اليوم

ظل تأثير الثقافة العربية والإسلامية واضحًا في مليبار حتى العصر الحديث، حيث لا تزال اللغة العربية تُدرَّس في المدارس الإسلامية، ويستخدمها علماء الدين في الخطب والوعظ. كما أن المسلمين في مليبار ما زالوا يحافظون على تقاليدهم الإسلامية والعربية في اللباس، والأطعمة، والاحتفالات.

وتُظهر المعالم الأثرية في مليبار، مثل المساجد القديمة والنقوش العربية، عمق الترابط بين هذه المنطقة والعالم العربي. ويُنظر إلى كيرالا اليوم باعتبارها واحدة من أهم المراكز الإسلامية في الهند، حيث تزدهر فيها المؤسسات الإسلامية، والجامعات، والمكتبات التي تحافظ على التراث الإسلامي وتعمل على نشره بين الأجيال الجديدة.

تأثير الثقافة العربية والإسلامية في مليبار

حافظ المليباريون المسلمون، وخاصة المهابلا، على تراثهم العربي والإسلامي من خلال عدة جوانب، إذ لم يتأثروا بشكل كبير بالحضارات الفارسية أو التركية. ومن أبرز المظاهر التي عكست هذا التأثير:

  1. **اعتماد الأسماء العربية والإسلامية**: شاعت في مليبار أسماء مثل محمد، وأحمد، وأكبر، بينما تجنبوا تسمية الأبناء بأسماء تحمل دلالات الاحترام مثل “صاحب” و”شيخ” و”سيد”.
  2. **ممارسة نكاح المتعة**: تبنى بعض مسلمي مهابلا هذا النوع من الزواج، على غرار آبائهم العرب، خاصة عند إقامتهم المؤقتة في مناطق تجارية.
  3. **التزام النساء بالحجاب والخمار**: اعتادت النساء المليباريات المسلمات على ارتداء الخمار وستر العورة، تأسيًا بنساء العرب.
  4. **الاهتمام بالفنون والآداب الإسلامية**: انتشرت الاحتفالات التي تضمنت فنونًا تحاكي الوقائع التاريخية والإسلامية، كما برزت الأناشيد الدينية مثل “نشيد الطيور” (Pakshippattu) التي كانت تحظى بشعبية كبيرة.
  5. **قراءة القرآن في المناسبات المهمة**: كان يُستأجر قارئو القرآن للتبرك خلال حفلات المواليد والختان، إضافةً إلى تلاوة القرآن في العزاء وزيارة القبور.
  6. **تعزيز اللغة العربية**: أولى المسلمون في مليبار أهميةً كبيرةً لتعلم اللغة العربية باعتبارها ضرورية لفهم الدين الإسلامي، وكانوا يشجعون أبناءهم على استخدامها.
  7. **استعمال الروائح العطرية**: درج المسلمون في مليبار على استخدام العطور عند الذهاب إلى المساجد والمناسبات الدينية.
  8. **ارتداء الملابس البيضاء**: كان اللون الأبيض مفضلًا لدى المسلمين عند الذهاب إلى المساجد أو حضور المناسبات الدينية، كما كانت النساء المتزوجات حديثًا أو الأرامل يرتدين الملابس البيضاء.
  9. **اتباع السنن النبوية**: حافظ المليباريون المسلمون على بعض السنن النبوية مثل تمشيط الشعر والبسملة عند بدء الأمور اليومية، واستخدام السواك.
  10. **انتشار القهوة والشاي**: أصبحت القهوة والشاي جزءًا أساسيًا من الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية، كما استخدموا أسماءً عربية لبعض الأطعمة مثل “الخبوز” و”الشواية” و”المعدي”.
  11. **بناء المساجد ذات المنارات العالية**: فضّل المسلمون أن تكون للمساجد منارات مرتفعة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة.
  12. **إحياء القصص الإسلامية**: كانت القصص المتعلقة بالغزوات الإسلامية مثل غزوة بدر تُروى في المناسبات الدينية بهدف إلهام الأجيال الجديدة وحثهم على حماية الدين، كما فعل مؤلف كتاب “تحفة المجاهدين” الذي حرّض المسلمين على مقاومة الاستعمار البرتغالي.
  13. **تقدير الفنون الإسلامية**: كان المسلمون في مليبار يتزينون بصور الكعبة والمساجد، كما شجعوا المسرح الإسلامي، لكنهم تجنبوا الفنون المسرحية المستوحاة من العادات المحلية.

الفنون الإسلامية وتأثيرها في المجتمع

استمد المجتمع الإسلامي في مليبار عناصره الفنية من الإسلام، حيث لم يكن الدين حائلًا دون الفنون التي تغذي الروح وتساعد على الاسترخاء. فالقرآن الكريم والسنة النبوية لم يحرّما الفنون طالما أنها تتماشى مع القيم الإسلامية، بل إن الفنون كانت وسيلةً للترفيه وتحفيز التفكير.

وعلى مدى القرون، تأثرت هذه الجماعة الإسلامية بالحضارات المتنوعة التي وفدت إلى كيرالا، ما جعلها تكتسب عادات جديدة وتطور فنونًا مستوحاة من بيئتها. وقد انخرط المسلمون في الدواوين المالية والوظائف الحكومية، مما عزز من مكانتهم في المجتمع. كما شهدت المنطقة تبادلًا ثقافيًا بين مختلف الفئات، ما ساعد على انتشار الفنون الإسلامية جنبًا إلى جنب مع العادات المحلية.

تطور الفنون التمثيلية عند المسلمين في مليبار

مع مرور الزمن، أصبحت الفنون التمثيلية جزءًا أساسيًا من الحياة الثقافية للمسلمين في مليبار، خاصةً في المناسبات الدينية والاجتماعية. وقد استخدم المسلمون هذه الفنون كوسيلة للتعليم الديني والتربية الإسلامية، فكانوا يقرضون الشعر ويلحنون الأناشيد لتعليم الأطفال المبادئ الإسلامية، مثل الأبيات التالية:

إسلام كاريام أنجانو إيمان كاريام

                           آرانو أواكال أريال فرضـانو

إيمان إسلام أرنــــجيلا نكـل

                         نركـــــــــام أورودى بيتـانو

كما لعبت الفنون التمثيلية دورًا مهمًا في سرد قصص الأجداد والأساطير والمواعظ، حيث اعتقد كثير من المسلمين أن هذه الفنون وسيلةٌ للحصول على البركة الروحية. وقد كانت العائلات الحاكمة تستأجر الفنانين لتنظيم الاحتفالات الرسمية، وكان بعض هؤلاء الفنانين يُجيدون فن المجادلة الشعرية والمدائح الدينية، على غرار ما كان شائعًا في العصر الجاهلي.

تأثير الفنون على الحياة الاجتماعية

شهدت مليبار في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ازدهارًا في الفنون، حيث اهتمت الطبقة العليا بارتداء الملابس الفاخرة والمجوهرات، بينما اكتفت الطبقة الدنيا بملابس بسيطة. ومع تطور الزمن، تغيرت دوافع ممارسة الفنون، إذ باتت تُستخدم لأغراض تجارية أو سياسية أو دينية. ورغم ذلك، فإن بعض الفنون التقليدية لا تزال تُمارس في المجتمعات الريفية، ولو أنها فقدت جزءًا من أصالتها نتيجة الاختلاط الثقافي.

الفنون الإسلامية بين الالتزام والتغيير

رغم تمسك المسلمين في مليبار ببعض الفنون ذات الطابع الإسلامي، إلا أن كثيرًا منها تعرض لتغيرات بفعل التحولات الاجتماعية. وبمرور الوقت، أصبح الفنانون يواجهون تحديات في الحفاظ على هويتهم الإسلامية، حيث كان المجتمع ينقسم بين مؤيد للفنون التقليدية ومعارض لها.

ومع ذلك، بقيت الفنون في مليبار وسيلةً للتعبير عن الهوية والثقافة، سواء من خلال الملابس التقليدية، أو الرقصات، أو الاحتفالات المجتمعية. كما استمر المسلمون في استخدام الفنون التمثيلية لنقل القيم الإسلامية للأجيال الجديدة.

استمرار العلاقات بين مليبار والبلاد العربية

ما زالت العلاقات بين مليبار والعالم العربي متينة، إذ يسافر العديد من الشباب المليباريين إلى الدول العربية لتحسين أوضاعهم الاقتصادية، كما كان يفعل أسلافهم الذين ارتحلوا إلى البلاد العربية والإسلامية منذ قرون. وعلى الرغم من التغيرات الثقافية والاجتماعية، لا يزال هذا التراث العربي والإسلامي متجذرًا في المجتمع المليباري حتى اليوم.

الخاتمة

إن العلاقة بين مليبار والعالم العربي والإسلامي لم تكن مجرد تبادل تجاري، بل كانت تفاعلًا ثقافيًا واجتماعيًا عميقًا ترك أثره على مختلف جوانب الحياة في المنطقة. فمن خلال التجارة، والدعوة الإسلامية، والتبادل الثقافي، نشأت هوية إسلامية مميزة في مليبار تتجلى في اللغة، والعادات، والفنون، والتقاليد الاجتماعية. وهذه الروابط التاريخية لا تزال قائمة حتى اليوم، مما يجعل مليبار جزءًا لا يتجزأ من العالم الإسلامي، يحمل في طياته إرثًا غنيًا يجسد التفاعل الحضاري بين العرب والهند عبر العصور.

لطالما كانت مليبار وجهةً مرحبةً بالتجار العرب، حيث استقبل المليباريون الوافدين إليهم بحفاوة وإكرام، خاصة أولئك الذين وصلوا للتجارة البحرية. وقد أقام بعض هؤلاء التجار في مليبار لأسابيع أو حتى أشهر، ما أدى إلى بناء علاقات وطيدة مع السكان المحليين. ومع مرور الزمن، نشأت روابط قوية بين العرب والمليباريين، حيث ترك العديد من التجار وراءهم عائلاتهم وأوطانهم بحثًا عن فرص تجارية، مما دفعهم إلى تأسيس حياة جديدة في هذه المنطقة.

ونظرًا لحاجتهم إلى الاستقرار، بدأ التجار العرب في الزواج من نساء مليباريات، مما شجع السكان المحليين على تزويج فتياتهم من العرب.  ونتيجةً لذلك، نشأ جيل جديد يُعرف باسم “مهابلا”، وهو مصطلح يحمل معنى “الشيخ المحترم” أو “الولد المحترم”، وفقًا للمؤرخين.  وكان أبناء هؤلاء العرب، الذين نشأوا في مليبار، يحملون تراثًا عربيًا ممزوجًا بالعادات والتقاليد المحلية.

 

الهوامش:

– Nainar, S. Muhammad Husayn.; Shaykh Zainuddin Makhdum’s Tuhfat al- Mujahidin – A historical Epic of the Sixteenth Century, Other Books, Calicut (2006). P:112

 – ياقوت الحموي؛ معجم البلدان، دار الصادر، بيروت، 1977م. ج. 5، ص: 196

 – Gangadharan, T.K.,; Kerala History, Calicut University Central Co-operative Stores Ltd. Calicut University P.O. Kerala, (1998). P: 46

– بنيكاشيري، ويلايودهان؛ كيرالا تشاريترا بدهانانغال (الدراسة التاريخية بكيرالا)، كاراندو بوكس، تريشور، كيرالا، 1998م. ص : 12

– بايبيل (The Bible)، بربادو بوستاكام. الباب : 35

– كتاب الانجيل، الملوك 10-11،22

– بنيكاشيري، ويلايودهان؛ كيرالا تشاريترا بدهانانغال (الدراسة التاريخية بكيرالا)، كاراندو بوكس، تريشور، كيرالا، 1998م. ص: 13

– سيد محمد، بي.اى.؛ كيرالا مسلم تشاريترام (تاريخ مسلمي كيرالا)، الهدى بوك سطال، كوزيكود، كيرالا، 1996م. ص: 47

– الغزالي الفناني، الشيخ زين الدين بن محمد المليباري؛ تحفة المجاهدين في بعض أخبار البرتغاليين، مكتبة الهدى، كاليكوت، كيرالا، 1996م. ص: 27

– غوبالان، سي، ناير (دوان بهادور)؛ مليالاتيلى مهابلامار (المهابليون بكيرالا)، مانغلـور، 1917م. ص: 30

– K.M.K. Kutty, “Impact of Islam in Kerala Culture”, Anjuman Taleemul-Qu-ran Souvenir – 1978, Kozhikkode, Kerala. P: 51

– مسموعة من أساتذتي الكرام في طفولتي

Wikipedia, the free encyclopedia

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%81%D9%86

– Chand, Tara.; Influence of Islam on Indian Culture, Allahabad (1946). P: 31- 32

– Miller, Roland E; Mappila Muslims of Kerala, A study in Islamic Trends, Orient Longman, Madras, (1976). P: 31

المصادر والمراجع

– ابن بطوطة؛ رحلة ابن بطوطة، دار التراث، بيروت، 1968م.

– الآلواي، محي الدين (دكتور)؛ الدعوة الإسلامية وتطوّرها في شبه القارة الهندية، دار القلم، دمشق، 1971م.

– الزوزني، أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين؛ شرح المعلقات السبع، دار الطلائع للنشر والتوزيع والتصدير، القاهرة، 1993م.

– الغزالي الفناني، الشيخ زين الدين بن محمد المليباري؛ تحفة المجاهدين في بعض أخبار البرتغاليين، مكتبة الهدى، كاليكوت، كيرالا، 1996م.

– الفاروقي، ويران محي الدين (دكتور)؛ الشعر العربي في كيرالا – مبدأه وتطوره، عرب نيت، كاليكوت، كيرالا، 2003م.

– القاسمي، عبد الغفور عبد الله؛ المسلمون في كيرالا، كاليكوت، كيرالا، 2000م.

– كروف، كى. كى. إن. (دكتور)؛ تراث مسلمي ملبار، (ترجمة العربية/ الأستاذة زهرابي ماتومال والأستاذ كى. تي. محمد كلّنجاتودي)، مكتبة الهدى، كاليكوت، كيرالا، 1999م.

– المباركفوري، أطهر؛ العقد الثمين، أبناء مولوي غلام رسول، سورة، 1968م.

– الندوي، أبو الحسن علي الحسني؛ المسلمون في الهند، المجمع الإسلامي العلمي، ندوة العلماء، لكهناؤ، الهند، 1986م.

– ياقوت الحموي؛ معجم البلدان، دار الصادر، بيروت، 1977م.

– أبو بكر، كى؛ مسليمكالودى كلا سامسكاريكا بيتريكام (تراث الثقافي والفني للمسلمين)، نور العلماء ستودانس أسوسياشن، كلية جامعة النورية العربية، باتيكاد، كيرالا، 1993م.

-Abdurahiman K.P.; Mappila Heritage: A Study in Their Social and Cultural Life. – Unpublished Ph.D. Thesis, Department of History, University of Calicut, Calicut, Kerala, (2004).

– Ahamed Kutty, E. K. (Dr.),; (Ed.), Arabic in South India (Papers in honor of Prof. S.E.A Nadvi), -Department of Arabic, University of Calicut, Calicut, Kerala, (2003).

-Buchanan, Francis.; A Journey to Madras through the countries of Mysore, Canara and -Malabar, Kerala Bhasha Institute, Thiruvanandapuram, Kerala, (1996).

-Chand, Tara.; Influence of Islam on Indian Culture, Allahabad (1946).

-Dale, Stephen Frederic.; The Mappilas of Malabar 1498-1922, Islamic Society on the South Asian Frontier, Clarendon Press, Oxford, (1980).

-Gangadharan, M,; (Ed.), Making of Modern Keralam, The Land of Malabar, The book of Duarte Barbosa Vol. II, Mahatma Gandhi University, Kottayam, Kerala, (2000).

 -Gangadharan, T.K.,; Kerala History, Calicut University Central Co-operative Stores Ltd. Calicut University P.O. Kerala, (1998).

– Kosambi, Damodar Dharmanand,; An introduction to the study of Indian History, Popular Prakashan, Mumbai, India, (1956-2002).

– Koya. Mohamed S.M.; Mappilas of Malabar – Studies in Social and Cultural History, Sandhya Publications, Calicut, (1983).

– Kunju, A.P. Ibrahim, (Dr.); Mappila Muslims of Kerala, Sandhya Publications, Tiruvanandapuram, (1989).

-Mathur, P.R.G; The Mappila Fisher Folk Of Kerala, A study in Inter-relationship between Habitat, Technology, Economy, Society and Culture, Kerala Historical Society, Trivandrum, Kerala, (1977).

– Miller, Roland E; Mappila Muslims of Kerala, A study in Islamic Trends, Orient Longman, Madras, (1976).

– Nehru, Jawaharlal.; The Discovery of India, Jawaharlal Nehru Memorial Fund, Oxford University Press, New Delhi, (2003).

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

د. ك. ت. شكيب

أستاذ مساعد ومشرف البحث قسم البحوث العربية بكلية أنوار الإسلام العربية للبنات مونغام، مقاطعة ملابورم كيرالا - الهند المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى