العدد الحاليالعدد رقم 46ثقافات

المهارات الحياتيّة جوهر التّعليم

في عصر الرقمنة والاجتياح المعلوماتي الكبير تقف المدرسة التقليدية بمناهجها القديمة، وطرائقها التلقينية وقفة المنذهل والمندهش من ناحية، ووقفة المهدد والمستهدف من ناحية ثانية.

فالمدرسة التي كانت المصدر الأساس لتقديم المعارف والمعلومات لم تعد كذلك بوجود شبكة الإنترنت، وما لحقها من وسائط الذكاء الاصطناعي، في عصر التسابق المعلوماتي.

والمدرسة بوظيفتها ناقلة معارف باتت مهددة بالخطر، حيث لم تعد الرافد الأهم للعلوم، بل خرجت أو كادت تخرج من حلبة سباق المعرفة المحموم الذي تخوضه ثورة الذكاء الاصطناعي.

من هنا نسأل: – هل انتهى دور المدرسة التقليدي؟

– وما الوظيفة الأهم التي على المدرسة العصرية أن تضطلع فيها؟

دور المدرسة التقليدي باعتبارها مكانًا لنقل المعرفة، وتلقينها للطلاب، في بيئة منظمة تعتمد على مناهج دراسية قديمة، وتتركز العملية التعليمة – التعلمية فيها على المعلم كمصدر للمعرفة والإلقاء الخطابي، واعتماد الاختبارات ذات المعيار الثابت لقياس مدى تخزين المعلومات في حافظة المتعلمين، دور قيد الاحتضار، في عصر الحداثة التي نعيشها بكل تقنياتها وآلاتها شديدة التطور. فلم الحاجة إلى المدرسة كخزان معارف وشبكة الإنترنت تحمل أضعاف أضعاف ما تقدمه مثل هذه المدرسة؟ وما هي الحاجة إلى مدرس ملقن، خطابي والذكاء الاصطناعي حاضر للإجابة عن أسئلة شتى تدور في خلد الذكاء البشري؟ وما هو الجدوى من اختبارات ثابتة المعيار تقيس مدى حفظ المعلومات عند المتعلم، وتخرج جيلًا غير قادر على ممارسة معارف حفظها، في مجالات الحياة التي لم يتعرف إليها خلال سنواته الاثني عشرة التي قضاها في المدرسة التقليدية؟

من هنا كان التوجه التربوي الملح اليوم، لتحويل دور المدرسة من نظام لنقل المعلومات إلى دور ورشة بشرية متفاعلة تنقل للمتعلم مهارات الحياة، حتى يتمكن من بناء ذاته أولًا، والتفاعل مع محيطه ثانيا، والمساهمة في بناء غد وطنه ثالثًا، ووعيه للقضايا العالمية، والمشاركة الفعالة في المجتمع الدولي لرابعًا وليس آخرًا.

وهنا نسأل: – ما هي المهارات الحياتية؟

– وأين تكمن أهميتها؟

أولًا: ماهية المهارات الحياتية

المهارات الحياتية، وتسمى أيضًا «المهارات الناعمة»(1) أو المهارات غير المعرفية، وهي المهارات الأساسية التي تمكن الفرد من التعامل مع الآخرين، والتواصل معهم، والاتصال بهم، وعرض أفكاره بشكل مقنع ولبق أمامهم. وهي القدرة على المبادرة والتفاعل والعمل ضمن الفريق، وحل المشكلات، وإدارة الأزمات والوقت، والقدرة على ممارسة السلوك القيادي، والتخطيط الجيد، واتخاذ القرارات.

ولتعليم المهارات الحياتية أبعاد أربعة هي: البعد المعرفي وهو التعلم للمعرفة، والبعد الأدواتي وهو التعلم للعمل، والبعد الفردي وهو التعلم لنكون، والبعد الاجتماعي وهو التعلم من أجل العيش المشترك.

والمهارات الحياتية تقسم إلى أقسام ثلاثة هي:

1 – المهارات الانفعالية: وتظهر من خلال القدرة على ضبط المشاعر والانفعالات، التعاطف والتسامح والمرونة، والقدرة على التكيف، تحمل الضغوط، قوة الإرادة، والقدرة على التغيير.

2 – المهارات الاجتماعية: وتظهر من خلال تحمل المسؤولية، احترام الذات، العمل الجماعي، تكوين العلاقات، اتخاذ القرارات السليمة، تقبل الآخر المختلف جنسًا، لونًا، دينًا، وثقافة، والقدرة على التواصل.

3 – المهارات العقلية: وتظهر من خلال التفكير الناقد، اعتماد أفضل الطرق لاستخدام الموارد، التعلم الذاتي والمستمر، التنبوء بالأحداث، التخطيط السليم، البحث والتجريب، إدراك العلاقات، والإبداع.(2)

يستنتج مما سبق أن إتقان المتعلم للمهارات الحياتية يمكنه من الأداء المستقل والناجح.

ثانيًا: أهمية المهارات الحياتية في التعليم

تكمن أهمية تعليم المهارات الحياتية في التكامل بين المدرسة والحياة وسوق العمل، وفي بناء شخصية المتعلم بناء متكاملًا ومتوازنًا بدنيًا، وعقليًا، واجتماعيًا، وروحيًا. والمهارات الحياتية تعزز الصحة العقلية عند المتعلم، وتزيد من كفاءته في مواجهة تحديات الحياة. وبحسب منظمة الصحة العـالمية «يسـاهم تعلم المهارات الحياتية في تقليل المشـاكل الاجتماعية والصحية للفرد».

ومن الآثـار السلبية لعدم تعلم المهارات الحياتية لجوء بعض الطلاب إلى العنف، والضرب، واستخدام الألفاظ النابية، فضلًا عن الهروب من المدرسة…

ومما لا شك فيه أن اكتساب المهارة يحتاج إلى عناصر ثلاثة وهي: الوقت، والجهد، والتدريب المقصود.

وهنا نسأل: – ما هي آلية تعلم المهارات الحياتية في المدرسة الحديثة؟

إن تعلم المهارات الحياتية يعتمد على الاتجاه التجريبي بعيدًا عن أشكال التعليم القائم على دور المعلم بوصفه محور العملية التعليمية – التعلمية ودور المتعلم بوصفه متلقيًا للمعلومات.

من الطرائق المثمرة في هذا المجال:

– استخدام استراتيجيات التدريس، مع ضرورة التنوع فيما بينها كسرًا للروتين، وتحفيزًا لعملية التفاعل ذات الأبعاد الثلاثية: (الطلاب – المادة – المعلم).

– اعتماد التعليم التطبيقي، وتعزيزه من خلال التجربة: (إنشاء مشاريع تفاعلية – محاكاة النماذج – حل مشكلات واقعية…).

– اعتماد التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي مما يؤهل المتعلم فيما بعد لريادة الأعمال وتلبية متطلبات سوق العمل.

– إنشاء مجموعات عمل.

– اعتماد النقاش والحوار.

– إفساح المجال أمام المتعلمين لعرض مشاريعهم وأفكارهم وتقديمها والدفاع عنها.

– إطلاق مسابقات في هذا المجال مما يعزز رغبة المتعلمين في المشاركة والفوز.

– دمج المهارات الحياتية بالمواد الدراسية.

ونتخذ تعليم المهارات الحياتية من خلال دمجها في مادة اللغة العربية نموذجًا:

فنرى في مادة القراءة والنصوص فرصة ثرية لإكساب المتعلمين مهارات متنوعة من المهارات الحياتية، حيث تعد القراءة وسيلة لتجويد النطق، وطلاقة الأداء، والتعبير الجيد، فضلًا عن دورها في توسيع الآفاق، وبناء الثقة بالنفس، وتعزيز الخيال.

ومن الاستراتيجيات التربوية المستخدمة في هذا المجال استراتيجية مسرحة النصوص، وتحويل بعض المضامين الإنسانية إلى مواقف حياتية يلعب المتعلمون فيها أدوارًا حية على مسرح صفهم، وذلك ضمن نشاط تفاعلي هادف.

أما مادة التعبير الشفوي والكتابي فتعتبر من أهم وسائل التواصل الاجتماعي والمهني، حيث يتدرب المتعلمون على ترتيب أفكارهم ترتيبًا منطقيًا، والتعبير عنها بلغة سليمة، وبطريقة مقنعة، فتتجلى المهارات هنا في القدرة على الإبداع والإقناع، والتواصل الواثق.

من الاستراتيجيات الممكنة في هذا المجال إنشاء مناظرة بين فريقين من المتعلمين حول موضوع معاصر، يتبنى فيه الفريق الأول الرأي المؤيد معتمدًا الحجج والبراهين دفاعًا عن موقفه، في حين يتبنى الفريق الثاني الرأي المعارض ويسعى لتقديم الأدلة المساعدة بغية الإقناع، كل ذلك مع ملاحظة المعلم لتصويب المسار.

ورب سائل يسأل: ما درجة توافر المهارات الحياتية في مادة القواعد اللغوية والإملائية؟

وللإجابة عن هذا السؤال نذكر بأن القواعد العربية قامت في بنائها الأولي على ركائز علم المنطق، حيث إن النحاة العرب استخدموا المنطق الأرسطي في تفسيرهم الظواهر اللغوية، وفي تعريفهم لمفاهيم النحو.(3) انطلاقًا مما سبق يمكننا الحديث عن مهارات إدراك العلاقات، والتقدير والقياس، ومهارات حل المشكلات، والتفكير النقدي في تعلم القواعد العربية إذا ما تم ربط هذه القواعد بالحياة اليومية للمتعلمين، وتوفير الفرص أمامهم لتوظيفها بفعالية في حياتهم اليومية.

أما عن مادة البلاغة، فهنا نجد حقلًا من الجمال على المتعلمين زيارته بوعي وانفتاح للاستمتاع بما فيه من رياحين المعاني والألفاظ، وبالتالي تحسس اللغة الجميلة، وامتلاكها، ومن ثم التواصل عبرها بثقة وبكفاءة.

ويبقى علم العروض وهو دعوة مفتوحة لرصد الإيقاع والموسيقى في النص العربي. الأوزان هنا رموز للحن ونغم تنبض به الكلمات كما الأفكار. والمهارات الحياتية هنا إدراك عالٍ للفن، فضلًا عن إعمال التفكير النقدي والإبداعي.

اللغة والفكر توأمان، ونحن حين نمارس اللغة ممارسة سليمة لا نقوم بالإعداد للحياة، بل نمارسها على حد قول جون دوي: «التربية ليست إعدادا للحياة بل هي الحياة نفسها».

يبقى على عاتق المعلمين في عصرنا هذا التخطيط المعمق الذي يراعي المهارات الحياتية في المواد الدراسية كافة، وعلى عاتق القائمين على المناهج أخذ هذه المهارات بعين الاعتبار في عملية التطوير المرجوة.

أن نعلم طلابنا مهارات الحياة يعني أن نؤهلهم لممارسة الحياة بجدارة.

 

الهوامش:

(1) منظمة الصحة العالمية واليونيسيف.

(2) كتاب المهارات الحياتية.

(3) الفكر النحوي في ضوء المنطق الأرسطي/حسن منديل حسن العكيلي، مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عدد التحميلات: 0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى